 شهادات ومذكرات

التعليم في العراق والسير نحو الهاوية

صالح الطائيوأنا أتصفح رفوف مكتبي التي تنوء من ثقل ما تحمل على ظهرها، وجدت مجلة صفراء اللون ورقها متهرئٌ يوحي لك بقدمها، كانت مجلة بسيطة في إخراجها، عظيمة في محتواها، ومحتواها الجميل هو الذي اوحى لي بكتابة هذا الموضوع؛ الذي سأتجاوز فيه الحديث عن الاحصاءات والدراسات التخصصية التي يلجأ إليها الكاتب عادة حينما يتناول مثل هذه المواضيع، لأتكلم ببساطة مستعينا بما احتوته النشرة، وما أثارته فيَّ من مشاعر، بعدما أحيت في نفسي وجعلتني أقارن بين ما ذكره المرحوم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي من أن العراقيين في وقت سابق وليس ببعيد كانوا يسمون المدرسة "المبلسة"، أي صانعة الأبالسة، باعتبار انها سوف تشيطن الطلاب وتحرفهم، وإذا بالمدارس تصل بعد زمن يسير جدا إلى مستوى نحسدها عليه في يومنا هذا، لتسهم في تخريج قادة المجتمع وعلمائه!

هذه النشرة او المجلة البسيطة أسمها "اللباب"، واللباب هو الخالص المختار من كل شيء، تقول: فلان لباب قومه، أي هو خيرهم، واللباب لحم الثمرة ما بين القشرة والنوى، ومنه تعرف دقة اختيار الاسم ودلالاته الكبيرة. مكتوب تحت هذا العنوان: نشرة مدرسية تتضمن فعاليات ثانوية الكوت للبنين للنصف الأول من السنة الدراسية 1947 ـ 1948 تحت إشراف الهيئة المدرسية. وهذا العدد هو الأول من السنة الأولى من هذه النشرة، أما جهة الإصدار فهي ثانوية الكوت للبنين.

وكم هو جميل ورائع ان تتولى المدارس الثانوية في العراق ومنها ثانوية الكوت للبنين في أواخر النصف الأول من القرن العشرين إصدار مجلات يحررها الأساتيذ والطلاب سوية، تتناول مواضيع فكرية وأدبية ورياضية بأقلامهم المشتركة، بعض تلك المواضيع كان حداثيا صرفاً مثل موضوع "يجب أن تعمل المرأة" وهو بقلم الطالب صائب ياسر من الصف الأول ب، وبعضها كان تخصصيا مثل موضوع "الرياضة البدنية" للطالب ناجي رشيد من الصف الأول أ، وتطور القوانين والنظريات العلمية للأستاذ عبد الجبار محمد علي، و"إخواني الطلاب" للطالب عصام عيسى من الصف الأول أ، و"الحالة الاجتماعية في الريف العراقي" للطالب صاحب جواد من الصف الثاني أ، وبعضها الآخر كان تاريخيا أو حديثا في السير، مثل موضوع "شوبان" للأستاذ عبد الكريم الخضيري، و"رجل يعمل من أجل السلم" للطالب عبد الكريم جليل من الصف الأول أ، و"هيرناندو كورتيز فاتح المكسيك" المترجم عن الإنكليزية بقلم الأستاذ عبد الخالق جليل. وكان للشعر والقصة والأدب مكانا بارزا على صفحات هذه النشرة التاريخية الرائعة.

لكن الأجمل أن الهيئة التدريسية في الثانوية كانت هي الهيئة الرسمية للمجلة وهي المشرفة على إصارها وعلى المواضيع المنشورة فيها. وأن الهيئة التدريسية كانت تتألف من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة، ومن العرب والفيليين والأكراد، وكأنها ضمت شعب النسيج المجتمعي العراقي، والكل يعمل من أجل الكل، ولهذا السبب كان التعليم يتقدم والعراق يتقدم والعلوم تزدهر والمجتمع يتطور وينمو ليحيي أصالة تاريخه.

2262 نشرت اللباب

وفضلا عما تقدم وجدت في النشرة أخبارا تربوية متفرقة، ومعلومات تخص الثانوية نفسها، جعلتني أقف احتراما للمعلم العراقي الذي أخلص للعراق وأهله، وعمل بجد من أجل تطوير المجتمع ونشر العلم والفضيلة والوطنية، واستخلصت من تلك الأخبار والمعلومات أن في ذاك الوقت كان في ثانوية الكوت مثلما هو منشور في المجلة جمعيات طلابية مختلفة تقوم بنشاطات متنوعة، منها:

1ـ جمعية إخوان المكتبة: وفيها لجنة إدارية ولجنة المكتبة ولجنة السفرات والحفلات ولجنة إصدار النشرة، وكانت تهدف إلى توسيع مكتبة الثانوية ورفدها بالإصدارات وتشويق الطلبة على المطالعة، ولها نشرة بعنوان "الجامعة" كانت تصدر منذ عام 1944.

2ـ جمعية الفنون الجميلة والخطابة والتمثيل: وقد تم تأسيسها تماشيا مع ولع بعض الطلاب بالفنون المختلفة لتلبي رغباتهم، وتهدف إلى تنمية الملكات والمواهب عند الطلاب وتنظيم السفرات الطلابية، وتدريب الطلاب على الخطابة وتعويدهم على الارتجال في فن الكلام، فضلا عن تدريب الراغبين  منهم على التمثيل والإخراج، ومارست الإخراج فعلا، وتولت إخراج رواية "قاتل أخيه" وهي قصة قصيرة ألمانية للكاتب التشيكي فرانز كافكا، كتبها بين عامي 1916 و 1917، ونشرت للمرة الأولى عام 1917، وظهرت مرة أخرى ضمن مجموعة من قصصه القصيرة، أخرجتها لصالح الثانوية الجعفرية المسائية فرع الكوت. كما كانت تقيم السفرات المدرسية للتعرف على مدن لواء الكوت مثل النعمانية وغيرها.

وكانت لهذه اللجنة نشرتها الخاصة بها، التي تنشر أبحاث الطلبة في مختلف نواحي الفن كحياة الفنانين والرسامين والموسيقيين العالميين.

3ـ جمعية اللغة الإنكليزية: وهي جمعية تهدف إلى تقوية اللغة الإنكليزية عند الطلاب، وتعريفهم بروائع الأدب الإنكليزي، وتقوية الروح الاجتماعية بين الطلاب والمحيط الخارجي.  وكانت لهذه الجمعية نشرتان نصف شهريتان

الأولى: وأسمها "التقدم" فيها أبواب للمختارات الأدبية الإنكليزية شعرا ونثرا، وباباً للترجمة، وباباً للأقاصيص، ومنشورات الطلبة بأقلامهم.

والثانية: بعنوان "الصور" وهي نشرة خاصة بالصور، تعبر عن أي موضوع بمجموعة من الصور تمثله. وتبين أن هذه النشرات كانت تصدر في هذه المدرسة قبل عام 1947.

4ـ جمعية الصناعات الكيماوية: وغايتها تدريب الطلبة على بعض الصناعات الكيماوية المستعملة في الحياة اليومية، والغرض الأساس لها تمرينهم على الدقة التي تتطلبها دراسة الكيمياء والعمل داخل المختبر واستعمال الأجهزة المختبرية.

5ـ جمعية الرياضة والجوال: تولت تكوين فرق رياضية لجميع الصفوف، وتنظيم النشاطات بين الثانوية والمدارس الأخرى، وتنظيم السباقات للطلبة مثل سباقات الضاحية، فضلا عن تنظيم والمشاركة في المخيمات الكشفية، وعملت على إدخال الرياضات الجديدة مثل لعبة الريشة والهوكي والبيسبول. وكانت لها نشرة شهرية يحررها نخبة من رياضيي الثانوية.

وبذا تكون الثانوية قد شكلت جمعيات ولجاناً تتولى التنسيق العلمي والإداري والتربوي والتدريبي، وتسعى إلى تطوير قدرات ومهارات الطلاب وأساتذتهم سوية، والملاحظ أن هذه التشكيلات كانت تعقد اجتماعات دورية للمتابعة والتخطيط، وهذه الاجتماعات كانت تعقد تحت إشراف مباشر من قبل مدير المدرسة والمدرس المختص بالمادة أو الموضوع الذي شكلت الجمعية في حيزه ومن أجله.

وهذا يعني أن بدايات التعليم الابتدائي والثانوي في العراق كانت بمستوى التعليم في البلدان المتقدمة الأخرى إذا ما كانت تتفوق عليه، وقد استمر تطور التعليم في منحناه التصاعدي لغاية مراحل العمل على تسييسه وإخراجه من حياديته، بعد أن أغلق بوجه من لم ينتم للحزب الحاكم، وبعد أن أصبح المعلم بين خيارين إما أن ينتمي للحزب أو ينقل إلى وظيفة أخرى مصحوبا بكثير من علامات الاستفهام. ثم جاء الحصار الاقتصادي فحول المعلم براتبه المحدود إلى شحاذ يستجدي رضا الطلبة الأغنياء ويغض الطرف عن تقصير الطلبة الأغبياء، يوم باع العراقي بقايا كرامته من أجل الحفاظ على عائلته.

والمصيبة الأكبر انه تعرض بعد عام 2003 إلى ضرر مضاعف، حوله إلى عنصر تخريب وتأخير بعد ان عجز من بقي من المعلمين مخلصاً لوظيفته عن التصدي لموجة التخريب الشمولية العارمة التي أسهم بصنعها اشتراك بعض المعلمين وأغلب الطلبة سوية، ولاسيما بعد أن شعر المعلم أنه ينفخ بقربة مثقوبة، وأيقن الطالب أن مصيره الحتمي جنديا في جيش العاطلين بلا أمل ولا إشارة لانفراج قريب.

تذكرت كل هذا وانا أتابع مقطع فيديو لمدرس كان متوجها إلى مدرسته، ويهرول خلفه ثلة من الطلبة الأغبياء من المدرسة نفسها؛ وهم يهتفون: "تعليمكم فاشل"، ولا يجد من يحميه من هتافاتهم التي تجحفه حقه العظيم على الأمة وعليهم وعلى الوطن، وحينما لجأ إلى دورية الشرطة التي كانت تقف قريبا من المدرسة، كان مسؤول الدورية يكلمه باستعلاء وهو جالس في سيارته ولم يكلف نفسه عناء الترجل منها وهو يتحدث مع باني الأجيال، أو الدفاع عنه!.

تذكرت هذا وانا أشاهد الإذلال على وجوه المعلمين الذين لم يجدوا لدى السلطة الحاكمة، ولا في قوانين الدولة ما ينصفهم، إلى درجة أن تطلب الدولة منهم العمل في المدارس مجانا وبدون راتب لعدة سنين على أمل أن تكون لهم الأسبقية في التعيين إذا سمح البنك الدولي الذي نرضخ لشروطه مرغمين بتعيينهم، وهذا ما لن يحدث.

تذكرت هذا وأنا أرى شريط فيديو يظهر فيه أحد المعلمين وهو يقف أمام حفرة في حديقة المدرسة ليعلم تلاميذه الصغار كيفية دفن الميت، وآخر جعل أحد طلابه يمثل دور ميت، ليعلمهم كيفية تغسيل الميت، وقد نجد عما قريب أشرطة يسعى بعض المعلمين فيها لتعليم طلابهم شروط الخرطات التسع.

تذكرت هذا، وتقف أمام ناظري شاخصة كل تلك الأقوال التي قالها الحكماء والعلماء بحق التعليم والمعلم، والحسرة تقتلني لأني أشعر وكأن التعليم والمعلم ماتا في العراق، هذا البلد الذي علم الدنيا الحرف الأول، وأنهما يبحثان عمن يواريهما الثرى رسميا ليعلن العراق بلدا للأمية المطلقة، ويثبت أنه أول بلد في الكون ظل يسير عكسيا فيتأخر، وظلت البلدان الأخرى تتسابق من أجل الفوز بقصب السبق لإسعاد الشعوب وتطويرها.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

احييك عزيزي الطائي صالح
التفاتتة جميلة ومناسبة عيد المعلم قائمة
نعم كان هكذا التعليم واذا كانت الكوت مدينة كبيرة وتراثية فما رايك بالتعليم في نواح وبلدات صغيرة جدا وانا درست فيها كغماس والدغارة في بداية الخمسينيات وتعلمت على يد معلمين أفذاذ --- أتدري لماذا لأنهم كانوا مؤمنين بالعلم يبذلونارواحهم في سبيل رقي البلد وازدهاره -- وللاسف اليوم ساد الجهل وضاع العلم والتعليم
تقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الفاضل وسيدي الكريم
نعم لم تكن فطرتهم قد تلوثت بعد، وكانوا انقياء ومخلصين لواجباتهم والمجتمع كان يحترمهم ويحبهم ويجلهم لكن جميع هذه الصفات تبدلت للأسف ولذا بدأ التعليم بالانحطاط ودون توقف والقادم أسوا بالتأكيد
لكم جزيل الشكر

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5292 المصادف: 2021-03-02 08:09:22


Share on Myspace