 شهادات ومذكرات

هل بنى عتبة ابن غزوان البصرة؟

تذكر لنا كتب التراث وكتب التاريخ الحديثة وحتى الكتب المدرسية بان البصرة مدينة عراقية قديمة مشهورة شيدها عتبة بن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 14 وقيل 15هـ عند ملتقى نهري دجلة والفرات. ويعرف ملتقاهما بشط العرب. وقيل أن سبب تسميتها بالبصرة هو أن عتبة بن غزوان كتب إلى الخليفة عمر يستأذنه في تمصيرها ووصفها لهُ بقولهِ: (إني أرى أرضًا كثيرة القضة في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع فيها ماء وفيها قصباء). فقال عمر بن الخطاب: (هذه أرض بصرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب). ومعنى البصرة في اللغة العربية الأرض الغليظة الصلبة ذات الحجارة الصلبة. وقد اعتبرت تلك الكتب البصرة اول مدينة بناها المسلمون خارج الجزيرة العربية . ولكن هل هذه المعلومة صحيحة ؟ هل حقا بنى عتبة ابن غزوان البصرة ؟ هل اسم البصرة عربي او فارسي ام انه اسم عراقي أصيل؟

نأتي أولا الى الاسم " البصرة " . بالنسبة للمؤرخين العرب فهم يصرون على ان اسم البصرة مأخوذ من اللغة العربية ولا يذهبون في تحريهم للأسماء أبعد من الفتح الإسلامي العربي . ولا يتداول الاسم إلا بالمعنى "الحِجارة الغليظة"، أو "الحِجارة الرخوة المائلة للبياض". وأن العرب أطلقوا عليها هذا الاسم “لأنه كان فيها حجارة رخوة، والبَصْرة الحِجارة الرخوة تضرب إلى البياض، فإذا حذفوا الهاء قالوا: بِصْر بكسر الباء” في حين تؤكد الاثار السومرية والبابلية المكتشفة على ان اسم البصرة اسم آرامي، كما يذكر الكاتب يعقوب سركيس مؤلف كتاب "مباحث عراقية" حيث بين ان اسم  (بَصْرة) آرامية واصلها "بصرياثا " وقد ورد هذا الاسم في الاثار السومرية والآشورية والكلمة الاصلية هي "بيث بصرياثا" وتعني بالآرامية "بيت الأكواخ" , وبعد حذف الألف من كلمة ( باصريي أو باصرا) تصبح الكلمة (بصرة) , وهنالك معنى آخر لكلمة (بصرياثا) أي القناة أو (بيث صريا ) وتعني الشق أو الصدع , ويذكر المستشرق ماسينيون في كتابه (خطط البصرة بغداد) الى أن الكثير من الحواضر العراقية قد احتفظت باسمائها الآرامية مثل: بعقوبا , ديالى , بقسايا , عكبرا , باصيدا , بعشيقا , برطلا كوُثا , باجرحي , باحسرا .  و يجدر التنويه هنا الى أن مؤرخوا العهود الإسلامية حاولوا تقريب الكثير من التسميات الى اللغة الفارسية كونهم على اطلاع عليها بعكس اللغة الارامية لذلك فقد عمدوا الى تسمية كل كلمة لايعرفونها بانها "فارسية " او " اعجمية " لجهلهم بها، وقد اطلقوا على اهل العراق الأصليين اسم " النبط " وعلى اللغة الآراميةاو (لغة النبط) فلم يكن لهم علما بها لما شهدته من إضمحلال، ناهيك عن العامل الإجتماعي والنفسي لمتداوليها، وهم يقبعون درجة أدنى في السلم الإجتماعي.  ومكثت الآرامية شحيحة التداول لدى بعض الجماعات المنعزلة، كما ان كلمة (أعجمي) .

وما أصاب اسم البصرة أصاب كذلك اسم مدينة " الابلة" اول منطقة نزلها المسلمون في العراق والتي ادعى المورخون العرب انه فارسي فحين يؤكد الأستاذ طة باقر والأبله هي المرسى الواقع في البصرة

اصل اسم "الابلة " هو بابلي "ابلو" التي تعني البوابة الكبيرة بفعل كونها بوابة العراق على البحر.

تاريخيا فان اقدم الاثار التي اشارت الى البصرة هو نقش يعود الى عهد الملك الاَشوري "سنحاريب" ذكر فيه موضع " باب سالميتي " على رأس الخليج العربي ، ويبدو ان الموضع كان ميناءاً مهماً ، ويرى أحد الباحثين ان هذا الموضع في موضع قريب من الموضع الذي اتخذت فيه مدينة البصرة. وقد سكن الكلدانيون في البصرة في عهد نبوخذنصر وأَطلقوا عليها اسمَ تَدمُر، أو تردم، أو تردن، وحُوِّرَ هذا الاسم إلى طَريدون في زمن الإغريق بعد غزوِ الإسكندر المَقدونيّ، وحين وقعَتْ جميعُ المُدن العراقيّة تَحت قَبضة الفُرس في عَهد المَلك كُورش سنة 538 ق.م، سُمّيت البصرة «دهشتا باد أردشير»، وممّا يُؤكّد ذلك، المُخلّفات الأثريّة التي عُثِر عليها في البصرة، التي تَعودُ إلى العهد الكلدانيّ والفارسيّ، فقد عُثر في جبل سنام -جنوب غرب البصرة- على يواقيتَ صغيرةٍ، عليها نُقوشٌ كلدانيّةٌ وفارسيّةٌ.

.وقد ذكر التاريخ عدد من المدن والموانىء المهمة ذات الاهمية التجارية كانت ضمن حدود مدينة البصرة ومنها "طريدون وتقع على مقربة من تلاقي نهري دجلة والفرات ومصبهما في الخليج العربي حيث كان يشكلان مجريان منفصلان يصب كل منهما منفصلا عن الاخر في الخليج العربي وبينهما موضع طريدون. وهو الميناء الذي نزلت فيه قوات "الاسكندر المقدوني" بقيادة "نيرخوس " في 326 قبل الميلاد على فم الفرات وهو المركز التجاري التي تنقل بحراً من المر واللبان وغيرها من المنتجات العطرية الخاصة بالجزيرة العربية . ومن الموانيء التي ذكرها التاريخ في منطقة البصرة ميناء "فورات" الذي كان تابعا لمملكة ميسان وتقع على نهر دجلة ويرى عدد من الباحثين ان فورات هي مدينة البصرة الحالية ، وتظهر اهمية فورات التجارية في انها ميناء تنطلق منه خطوط تجارية بحرية ونهرية وبرية وأهمها الطريق البحري الذي يربط مدينة كراكس وميناء فورات والثاني يربط مدينة فورات بمدينة سلوقيا ، عند نهر دجلة عند منطقة عرب جبور الحالية في بغداد ، اما الطريق الثالث يربط مدينة فورات بمدينة بابل عند نهر الفرات . وفي العهد الروماني حافظت البصرة على اهميتها التجارية فكانت اَنذاك في المراكز المهمة لمملكة ميسان وقد تطورت العلاقات الرومانية الميسانية اثر تحول الطرق التجارية من ساحل البحر الاحمر الشرقي في بادية الشام شمال سوريا

تعتبر مدينة أن مدينة "كراكس سباسينو" بحسب التسمية اليونانية أو (خيابر) وتعني الاسوار اشهر مدينة بنيت في منطقة البصرة ، وقد أنشأها الاسكندر المقدوني سنة 324 ق م، وغالبية الآراء كانت تشير الى أن المدينة تقع قرب مدينة المحمرة وفي الناحية المعروفة اليوم باسم " ناحية النشوة"، وقد زارها الامبراطور الروماني تراجان سنة 116 ق.م . وموقعها الحالي ما يسمى محليا بـ"المقلوبة" شرق مدينة البصرة، فقد ابحر " الإسكندر المقدوني "جنوبا في إحدى رحلاته في نهر ديز من مدينة سوسة الحدودية بين إيران والعراق ،مدينة "الشوش " حاليا في عام 324 ق.م ووصل إلى نقطة التقاء نهر ديز بنهر دجلة. في ذلك الوقت،وهكذا تأسست المدينة على نهر دجلة ويعتقد ان هذه المدينة قد أعيد بناؤها مرتين الأولى من قبل أنتيوكوس الرابع ‏وقد عرفت حينها باسم أنطاكية في عام ‏166 ق.م، والثانية عام 141 ق.م  لتصبح بعد ذلك عاصمة مملكة ميسان في جنوب العراق وإحدى أكبر المراكز ‏التجارية، حيث قامت بتبادل البضائع مع الهند وتدمر والبتراء وما بعدها مع روما نفسها.‏ كما تجدر الإشارة إلى ان بعض الباحثين يعتقدون ان الاسم ‎ ‎مشتق من الكلمة الآرامية‎  "كارخا " التي تعني القلعة. تقع بقايا المدينة المفقودة على بعد حوالي 40 كم شمال البصرة. حيث ترتفع الأسوار إلى أربعة أمتار فوق السهل، التي تم الكشف عنها مع استكمال استكشاف الحصون وعلى فترات منتظمة من أعمال التنقيب الجارية، كما اتضح من عمليات التنقيب المسار القديم لنهر ديز ا. ويقدر أن بقايا المدينة تنتشر على مساحة حوالي خمسة كيلومترات مربعة. وقد استمرت كاراكس عاصمة مملكة ميسان لمدة 282 سنة ، وكانت عاصمة متعددة الأعراق والأديان يسودها الاستقرار السياسي والأقتصادي لحين اندحار الفرثيين واقامة الأمبراطورية الساسانية على يد " اردشير " الساساني وأحتلاله مملكة ميسان وعاصمتها كاراكس مابين 221 ـــ 222 م ، وغير أسمها الى " أسترآباد ــ اردشير " ، ولكن بالرغم من هذا استمرت تسميتها بـ " كاراكس " حتى مطلع القرن الخامس الميلادي .هناك أيضا مواقع أثرية أخرى كتلال حرير والتلال القريبة من الأهوار، وتصل إلى نحو مئة وعشرين موقعا أثريا

وقد اكد البلاذري ان المنطقة كانت تعرف باسم البصرة قبل وصول عتبة بن غزوان وجنوده فقد ذكر قالوا: كان سويد بن قطبة الذهلي، وبعضهم يقول قطبة بْن قتادة يغير في ناحية الخريبة منَ البصرة عَلَى العجم كما كان المثنى بْن حارثة الشيباني يغير بناحية الحيرة، فلما قدم خَالِد بْن الوليد البصرة يريد الكوفة سنة اثنتي عشرة أعانه عَلَى حرب أهل الأبلة وخلف سويدا، ويقال أن خالدا لم يسر منَ البصرة حَتَّى فتح الخريبة وكانت مسلحة للأعاجم فقتل وسبى وخلف بها رجلا من بني سَعْد بْن بكر بْن هوازن يقال له شريح بْن عَامِر، ويقال  نه أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحا صالحه عنه النوشجان بن جسنسما والمرأة صاحبة القصر كامن دار بنت نرسى وهي ابنة عم النوشجان، وإنما سميت المرأة لأن أَبَا موسى الأشعري كان نزل بها فزودته خبيصا فجعل يقول: أطعمونا من دقيق المرأة، وكان مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي ينكر أن يكون خَالِد بْن الوليد أتى البصرة حين فرغ منَ أمر أهل اليمامة والبحرين ويقول:قدم المدينة ثُمَّ سار منها إِلَى العراق عَلَى طريق فيد والثعلبية والله أعلم ،قَالُوا ، فلما بلغ عُمَر بْن الخطاب خبر سويد بْن قطبة وما يصنع بالبصرة رأى أن يوليها رجلا من قبله، فولاها عتبة بْن غزوان بْن جابر ابن وهب بْن نسيب أحد بني مازن بْن مَنْصُور بْن عكرمة بْن خصفة وهو حليف بني نوفل بْن عَبْد مناف، وكان منَ المهاجرين الأولين، وقال له:أن الحيرة قَدْ فتحت وقتل عظيم منَ العجم يعني مهران ووطئت خيل المسلمين أرض بابل فصر إِلَى ناحية البصرة وأشغل من هناك من أهل الأهواز وفارس وميسان عن إمداد إخوانهم عَلَى إخوانك، فأتاها عتبة وانضم إليه سويد بْن قطبة ومن معه من بكر بْن وائل وبني تميم، وكانت بالبصرة سبع دساكر اثنتان بالخريبة واثنتان بالزابوقة، وثلاث في موضع دار الأزد اليوم، ففرق عتبة أصحابه فيها ونزل هُوَ بالخريبة وكانت مسلحة للأعاجم ففتحها خَالِد بْن الوليد فخلت منهم وكتب عتبة إِلَى عُمَر يعلمه نزوله وأصحابه بحيث نزلوا، فكتب إليه يأمره بأن ينزلهم موضعا قريبا منَ الماء والمرعى فأقبل إِلَى موضع البصرة، قَالَ أَبُو مخنف وكانت ذات حصى وحجارة سود فقيل أنها بصرة، وقيل أنهم إنما سموها بصرة لرخاوة أرضها". من هذا يتضح ان المنطقة كانت معروفة باسم "البصرة " الارامي قبل وصول جيوش المسلمين . كما ان المنطقة كانت مأهولة بالسكان وموزعين على سبع "دساكر" أي "قرى"

نتيجة لحاجة الجيوش القادمة من الجزيرة الى أماكن امنة للاستراحة أو معسكرات سكنية للجنود المحاربـين لتخدم عدة جوانب، فهي تكون حصونا لعوائل المقاتلين لحمايتهم وأماكن استراحة للجنود في فترات الهدنة ولمعالجة المصابين وقضاء فترة النقاهة بعيداً عن الخطوط الأمامية الخطرة والمتحركة دائماً، كما يستطيع أن يترك بها المقاتل زوجته أو ما يحصل عليه من الغنائم كي لا تعيق حركته أثناء القتال. كل هذه الأسباب وغيرها فقد اتخذ عتبة بن غزوان من قرية " الخريبة" والتي كانت سابقا مدينة تعرف باسم "الفورات" كما ذكرنا سابقا وتحولت الى "مسلحة" أي معسكر للفرس واتخذها معسكرا . ومما شجعه على اختيار ذلك الموقع هي قربها من الصحراء وهي الامتداد الطبيعي للدولة الناشئة . فقد ذكر تميم بن قيس قال: " كنا مع عتبة بن غزوان فلما انتهى البر وراء منابت القصب قال: ليست هذه منازل العرب، فنزل الخريبة، ومر عتبة بموضع المربد فوجد الكَدّانَ (الحجارة الرخوة النخرة) الغليظ فقال: هذه البصرة ونزلوها باسم الله»، وتم بناؤها لتكون معسكراً مؤقتاً، ولم تتحول لتكون معسكراً ثابتاً ثم مدينة إلا بعد عام 17هـ، ويؤكد البلاذري هذا بقوله: " وبنى عتبة دار الإمارة دون المسجد في الرحبة التي يقال لها اليوم رحبة بني هاشم، وكانت تسمى الدَّهناء، وفيها السجن والديوان، فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه" .

مما تقدم يتبين ان القول بان البصرة بناها "عتبة ابن غزوان " هو قول يخالف الحقيقة التاريخية بان المنطقة كانت مأهولة قبل وصوله بل ان معسكره الذي اتخذه في منطقة الخريبة لم يصبح مدينه الا بعد وفاته سنة 17 هجرية . كما يتبين ان اسم البصرة ليس عربيا ولا فارسيا بل هو اسم عراقي ارامي قديم جدا . وقد وجدت في هذه المنطقة أي منطقة البصرة مدن كبيرة ومزدهرة قبل الميلاد ومازالت اثارها موجوده ولكن السياسة هي التي حالت دون شيوع التاريخ الحقيقي لمدينة البصرة انسجاما مع الأفكار القومية التي حاولت نسب كل ما موجود في العراق لقومية واحدة .

 

زهير جمعة المالكي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5130 المصادف: 2020-09-21 12:10:36