صالح الطائيوأنا أتصفح رفوف مكتبي التي تنوء من ثقل ما تحمل على ظهرها، وجدت مجلة صفراء اللون ورقها متهرئٌ يوحي لك بقدمها، كانت مجلة بسيطة في إخراجها، عظيمة في محتواها، ومحتواها الجميل هو الذي اوحى لي بكتابة هذا الموضوع؛ الذي سأتجاوز فيه الحديث عن الاحصاءات والدراسات التخصصية التي يلجأ إليها الكاتب عادة حينما يتناول مثل هذه المواضيع، لأتكلم ببساطة مستعينا بما احتوته النشرة، وما أثارته فيَّ من مشاعر، بعدما أحيت في نفسي وجعلتني أقارن بين ما ذكره المرحوم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي من أن العراقيين في وقت سابق وليس ببعيد كانوا يسمون المدرسة "المبلسة"، أي صانعة الأبالسة، باعتبار انها سوف تشيطن الطلاب وتحرفهم، وإذا بالمدارس تصل بعد زمن يسير جدا إلى مستوى نحسدها عليه في يومنا هذا، لتسهم في تخريج قادة المجتمع وعلمائه!

هذه النشرة او المجلة البسيطة أسمها "اللباب"، واللباب هو الخالص المختار من كل شيء، تقول: فلان لباب قومه، أي هو خيرهم، واللباب لحم الثمرة ما بين القشرة والنوى، ومنه تعرف دقة اختيار الاسم ودلالاته الكبيرة. مكتوب تحت هذا العنوان: نشرة مدرسية تتضمن فعاليات ثانوية الكوت للبنين للنصف الأول من السنة الدراسية 1947 ـ 1948 تحت إشراف الهيئة المدرسية. وهذا العدد هو الأول من السنة الأولى من هذه النشرة، أما جهة الإصدار فهي ثانوية الكوت للبنين.

وكم هو جميل ورائع ان تتولى المدارس الثانوية في العراق ومنها ثانوية الكوت للبنين في أواخر النصف الأول من القرن العشرين إصدار مجلات يحررها الأساتيذ والطلاب سوية، تتناول مواضيع فكرية وأدبية ورياضية بأقلامهم المشتركة، بعض تلك المواضيع كان حداثيا صرفاً مثل موضوع "يجب أن تعمل المرأة" وهو بقلم الطالب صائب ياسر من الصف الأول ب، وبعضها كان تخصصيا مثل موضوع "الرياضة البدنية" للطالب ناجي رشيد من الصف الأول أ، وتطور القوانين والنظريات العلمية للأستاذ عبد الجبار محمد علي، و"إخواني الطلاب" للطالب عصام عيسى من الصف الأول أ، و"الحالة الاجتماعية في الريف العراقي" للطالب صاحب جواد من الصف الثاني أ، وبعضها الآخر كان تاريخيا أو حديثا في السير، مثل موضوع "شوبان" للأستاذ عبد الكريم الخضيري، و"رجل يعمل من أجل السلم" للطالب عبد الكريم جليل من الصف الأول أ، و"هيرناندو كورتيز فاتح المكسيك" المترجم عن الإنكليزية بقلم الأستاذ عبد الخالق جليل. وكان للشعر والقصة والأدب مكانا بارزا على صفحات هذه النشرة التاريخية الرائعة.

لكن الأجمل أن الهيئة التدريسية في الثانوية كانت هي الهيئة الرسمية للمجلة وهي المشرفة على إصارها وعلى المواضيع المنشورة فيها. وأن الهيئة التدريسية كانت تتألف من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة، ومن العرب والفيليين والأكراد، وكأنها ضمت شعب النسيج المجتمعي العراقي، والكل يعمل من أجل الكل، ولهذا السبب كان التعليم يتقدم والعراق يتقدم والعلوم تزدهر والمجتمع يتطور وينمو ليحيي أصالة تاريخه.

2262 نشرت اللباب

وفضلا عما تقدم وجدت في النشرة أخبارا تربوية متفرقة، ومعلومات تخص الثانوية نفسها، جعلتني أقف احتراما للمعلم العراقي الذي أخلص للعراق وأهله، وعمل بجد من أجل تطوير المجتمع ونشر العلم والفضيلة والوطنية، واستخلصت من تلك الأخبار والمعلومات أن في ذاك الوقت كان في ثانوية الكوت مثلما هو منشور في المجلة جمعيات طلابية مختلفة تقوم بنشاطات متنوعة، منها:

1ـ جمعية إخوان المكتبة: وفيها لجنة إدارية ولجنة المكتبة ولجنة السفرات والحفلات ولجنة إصدار النشرة، وكانت تهدف إلى توسيع مكتبة الثانوية ورفدها بالإصدارات وتشويق الطلبة على المطالعة، ولها نشرة بعنوان "الجامعة" كانت تصدر منذ عام 1944.

2ـ جمعية الفنون الجميلة والخطابة والتمثيل: وقد تم تأسيسها تماشيا مع ولع بعض الطلاب بالفنون المختلفة لتلبي رغباتهم، وتهدف إلى تنمية الملكات والمواهب عند الطلاب وتنظيم السفرات الطلابية، وتدريب الطلاب على الخطابة وتعويدهم على الارتجال في فن الكلام، فضلا عن تدريب الراغبين  منهم على التمثيل والإخراج، ومارست الإخراج فعلا، وتولت إخراج رواية "قاتل أخيه" وهي قصة قصيرة ألمانية للكاتب التشيكي فرانز كافكا، كتبها بين عامي 1916 و 1917، ونشرت للمرة الأولى عام 1917، وظهرت مرة أخرى ضمن مجموعة من قصصه القصيرة، أخرجتها لصالح الثانوية الجعفرية المسائية فرع الكوت. كما كانت تقيم السفرات المدرسية للتعرف على مدن لواء الكوت مثل النعمانية وغيرها.

وكانت لهذه اللجنة نشرتها الخاصة بها، التي تنشر أبحاث الطلبة في مختلف نواحي الفن كحياة الفنانين والرسامين والموسيقيين العالميين.

3ـ جمعية اللغة الإنكليزية: وهي جمعية تهدف إلى تقوية اللغة الإنكليزية عند الطلاب، وتعريفهم بروائع الأدب الإنكليزي، وتقوية الروح الاجتماعية بين الطلاب والمحيط الخارجي.  وكانت لهذه الجمعية نشرتان نصف شهريتان

الأولى: وأسمها "التقدم" فيها أبواب للمختارات الأدبية الإنكليزية شعرا ونثرا، وباباً للترجمة، وباباً للأقاصيص، ومنشورات الطلبة بأقلامهم.

والثانية: بعنوان "الصور" وهي نشرة خاصة بالصور، تعبر عن أي موضوع بمجموعة من الصور تمثله. وتبين أن هذه النشرات كانت تصدر في هذه المدرسة قبل عام 1947.

4ـ جمعية الصناعات الكيماوية: وغايتها تدريب الطلبة على بعض الصناعات الكيماوية المستعملة في الحياة اليومية، والغرض الأساس لها تمرينهم على الدقة التي تتطلبها دراسة الكيمياء والعمل داخل المختبر واستعمال الأجهزة المختبرية.

5ـ جمعية الرياضة والجوال: تولت تكوين فرق رياضية لجميع الصفوف، وتنظيم النشاطات بين الثانوية والمدارس الأخرى، وتنظيم السباقات للطلبة مثل سباقات الضاحية، فضلا عن تنظيم والمشاركة في المخيمات الكشفية، وعملت على إدخال الرياضات الجديدة مثل لعبة الريشة والهوكي والبيسبول. وكانت لها نشرة شهرية يحررها نخبة من رياضيي الثانوية.

وبذا تكون الثانوية قد شكلت جمعيات ولجاناً تتولى التنسيق العلمي والإداري والتربوي والتدريبي، وتسعى إلى تطوير قدرات ومهارات الطلاب وأساتذتهم سوية، والملاحظ أن هذه التشكيلات كانت تعقد اجتماعات دورية للمتابعة والتخطيط، وهذه الاجتماعات كانت تعقد تحت إشراف مباشر من قبل مدير المدرسة والمدرس المختص بالمادة أو الموضوع الذي شكلت الجمعية في حيزه ومن أجله.

وهذا يعني أن بدايات التعليم الابتدائي والثانوي في العراق كانت بمستوى التعليم في البلدان المتقدمة الأخرى إذا ما كانت تتفوق عليه، وقد استمر تطور التعليم في منحناه التصاعدي لغاية مراحل العمل على تسييسه وإخراجه من حياديته، بعد أن أغلق بوجه من لم ينتم للحزب الحاكم، وبعد أن أصبح المعلم بين خيارين إما أن ينتمي للحزب أو ينقل إلى وظيفة أخرى مصحوبا بكثير من علامات الاستفهام. ثم جاء الحصار الاقتصادي فحول المعلم براتبه المحدود إلى شحاذ يستجدي رضا الطلبة الأغنياء ويغض الطرف عن تقصير الطلبة الأغبياء، يوم باع العراقي بقايا كرامته من أجل الحفاظ على عائلته.

والمصيبة الأكبر انه تعرض بعد عام 2003 إلى ضرر مضاعف، حوله إلى عنصر تخريب وتأخير بعد ان عجز من بقي من المعلمين مخلصاً لوظيفته عن التصدي لموجة التخريب الشمولية العارمة التي أسهم بصنعها اشتراك بعض المعلمين وأغلب الطلبة سوية، ولاسيما بعد أن شعر المعلم أنه ينفخ بقربة مثقوبة، وأيقن الطالب أن مصيره الحتمي جنديا في جيش العاطلين بلا أمل ولا إشارة لانفراج قريب.

تذكرت كل هذا وانا أتابع مقطع فيديو لمدرس كان متوجها إلى مدرسته، ويهرول خلفه ثلة من الطلبة الأغبياء من المدرسة نفسها؛ وهم يهتفون: "تعليمكم فاشل"، ولا يجد من يحميه من هتافاتهم التي تجحفه حقه العظيم على الأمة وعليهم وعلى الوطن، وحينما لجأ إلى دورية الشرطة التي كانت تقف قريبا من المدرسة، كان مسؤول الدورية يكلمه باستعلاء وهو جالس في سيارته ولم يكلف نفسه عناء الترجل منها وهو يتحدث مع باني الأجيال، أو الدفاع عنه!.

تذكرت هذا وانا أشاهد الإذلال على وجوه المعلمين الذين لم يجدوا لدى السلطة الحاكمة، ولا في قوانين الدولة ما ينصفهم، إلى درجة أن تطلب الدولة منهم العمل في المدارس مجانا وبدون راتب لعدة سنين على أمل أن تكون لهم الأسبقية في التعيين إذا سمح البنك الدولي الذي نرضخ لشروطه مرغمين بتعيينهم، وهذا ما لن يحدث.

تذكرت هذا وأنا أرى شريط فيديو يظهر فيه أحد المعلمين وهو يقف أمام حفرة في حديقة المدرسة ليعلم تلاميذه الصغار كيفية دفن الميت، وآخر جعل أحد طلابه يمثل دور ميت، ليعلمهم كيفية تغسيل الميت، وقد نجد عما قريب أشرطة يسعى بعض المعلمين فيها لتعليم طلابهم شروط الخرطات التسع.

تذكرت هذا، وتقف أمام ناظري شاخصة كل تلك الأقوال التي قالها الحكماء والعلماء بحق التعليم والمعلم، والحسرة تقتلني لأني أشعر وكأن التعليم والمعلم ماتا في العراق، هذا البلد الذي علم الدنيا الحرف الأول، وأنهما يبحثان عمن يواريهما الثرى رسميا ليعلن العراق بلدا للأمية المطلقة، ويثبت أنه أول بلد في الكون ظل يسير عكسيا فيتأخر، وظلت البلدان الأخرى تتسابق من أجل الفوز بقصب السبق لإسعاد الشعوب وتطويرها.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

محمود محمد عليالحياة مهنتي وهوايتي معاً . أشعر أنني فتحت صدري وعقلي لأناس كثيرين، وكانت في صلتي بهم دائماً حرارة إيجابية تجعلني أريد أن أفهمهم وأتعاطف معهم، أو أتفاعل معهم، بما يعقب ذلك دائماً من حب أو خيبة، أو مرارة أو غضب . هذه هي دروبي إلي الرؤية النهائية التي هي: جبرا إبراهيم جبرا؛ ذلك الشاعر والناقد الفلسطيني الذي يعد اسماً كبيراً بين الأسماء التي تنتمي إلي زمن عربي هو زمن الولادة والانتقال إلي حقبة جديدة من الثقافة والفكر العربي، هي: "حقبة التحول" الذي وضع الحد الفاصل، الأساسي والعميق بين مرحلتين في الثقافة العربية الحديثة: فأما المرحلة الأولي فقد ركزت نفسها من خلال ذلك "المعطي الإحيائي" وامتدت به إلي ما يُعتبر لمحات تجديدية لم تمتلك من قوة التأثير ما يجعل منها تياراً.. وأما المرحلة الثانية والتي يمثلها "جبرا" وجيله، وقد وضعوا أنفسهم (وعصرهم) في إطار أخذت نفسها وعملها بفكرة التقدم بالحياة والإنسان من خلال ما قدمت من مفهومات وأعمال وعيها الجديد، وعبرت بها عن وجودها الجديد، فاتحة لعصرها، كما لنفسها، أفق الحداثة، بكل ما رسم من صور متغيرة ومغيرة للواقع العربي الجديد...وبفعل فكرة التواصل لما هو وجود مستمر للجيل في مسار حركته هذه، وما هو بناء متواصل لما يؤكد فيه الجديد نفسه، وتؤكد فيه الحداثة مفهومها ومعناها، كان التوتر الخلاق رفيق هذا الجيل، والإضافة طابع عمله المميز.. فكان، بذلك جيلاً مؤسساً بحق وحقيقة.

يعد "جبرا" من المبدعين البارعين، ذا خبرة واسعة وثقافة موسوعية كثيفة، ذا فطنة وذكاء حادين، يسخر ذلك في صنع الحدث الأدبي والعمل الفني، مما يجعل أعماله الأدبية تفيض بالجاذبية الساحرة والاستقطابية المفرطة، لأنه صاحب حضور فعال في خلق الحالة السردية القصصية التي تميزه عن غيره من الروائيين والقصاصين معاً، لذلك نجده يعيش حالة تعبيرية مفعمة بالإحساس، تفوح منها لحظات الصدق الوصفي والتفاعلي والحالة الاندماجية في الحدث، لدرجة أن الإنسان يري نفسه في الفن القصصي أو الروائي الذي يقرأه من خلال أسطر جبرا ومفرداته، ما يزيد تلك الحالة ميزة إيجابية في أن جبرا يقتدر علي تغيير العادي والمألوف في البيئة والحياة بشكل عام إلي مادة فنية غزيرة تتجمل بالأفكار المفعمة بالثقافة  والتفاعل مع الحياة، لذا نجد موهبة جبرا قد تساعد علي إثارة  ما يسمي بالواقعي والمتخيل في إبداعاته، وكأن العلاقة بين (الواقعي والمتخيل) علاقة تكاملية جدلية بنائية، حيث تتجدد الروعة وتستمد نمائها من ذاتها حتي لا تنقضي.

ومثل ذلك يخلق حالة من الإغراء الإيجابي لدي كل من الدارسين والباحثين والمتمتعين بفنون "جبرا" أن يبحثوا عنه بين أعماله وإبداعاته وشخوصه التي ينميها ويجعلها تحكي كل ما يريد أن يحيه، فنري شخوصه وهم يفعلون ويعتمرون الروايات والقصص التي نماها جبرا بذوقه وفكر هو يدل علي ذلك عبق ثقافته المتجددة، من أجل معرفة الأحداث ومتابعة المشاهد واللقطات التي تعجبها رواياته وقصصه، ويجعل هناك أحياناً حالة من المشابهة التطابقية بين شخوصه وذاته، لأن المرء يستطيع أن يخرج ملامح وصفات جبرا الخاصة من خلال نصه المشخص.

وكل ذلك يرينا أن "جبرا" يمتلك موهبة عميقة بالغة الجذور، فهو من الذين امتلكوا القص وعشق ما له علاقة بالفن، فعشق الرسم والشعر والموسيقي، وعشق الإثارة، والرقص والطبيعة وكل ما له صلة بالجمال..  كان "جبرا إبراهيم جبرا" قارئاً كبيراً، ومحباً للقراءة إلي درجة الهذيان ، ولا بد أن يتشكل من خلال هذه القراءة ناقد كبير.

وُلد "جبرا إبراهيم جبرا مسعود" في بيت لحم يوم 28-8-1920، والتحق بمدرسة طائفة السريان خلال المرحلة الابتدائية، ثم بمدرسة بيت لحم الوطنية، والمدرسة الرشيدية في القدس التي أتاحت له التعرف على الأستاذة الكبار، أمثال إبراهيم طوقان، واسحق موسى الحسيني، وأبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ومحمد خورشيد (العدناني)، ثم التحق بالكلية العربية في القدس. وخلال هذه الفترة تمكن من اللغتين العربية والإنجليزية بشكل ممتاز، إضافة إلى لغة السريان التي هي طائفة أسرته.

نشا " جبرا" في بيت لحم، ودرس في مدرسة السريان الكاثوليك، فألم بالإنجليزية والسريانية، إضافة إلي إتقانه العربية ؛ مما شكل عنده أداة بارزة من أدوات النقد، وفي كلية العربية في القدس، درس: الأدب، والتربية، وكان ميالاً إلي الكتابة العربية أثناء دراسته.   سافر "جبرا" الى مصر ومن ثم إلى بريطانيا حيث التحق بجامعة كمبردج، وحصل منها على الماجستير في النقد الأدبي عام 1948. وفي إنجلترا درس الأدب الإنجليزي، فظهرت ميوله إلي الاهتمام بالنقد، فكان النقد في تلك الحقبة يعني نقد الأدب لا مجرد تاريخ الأدب، وفهم " جبرا" التاريخ باعتباره عنصراً مساعداً في عملية الإبانة عن مخفي الأمور، عن طريق وضعه في سياق معين.

درس "جبرا" أساليب النقد الأدبي الحديث في أشهر المدارس النقدية في إنجلترا وأمريكا "التي تصر علي النص مجرداً من أي اعتبار آخر" . وقد درس في عام 1975م التحولات الاجتماعية العربية من خلال بعض الشعراء المعاصرين (محمد مهدي الجواهري، ويوسف الخال، وبدر شاكر السياب، وأودونيس (علي أحمد سعيد)، وتوفيق صائغ، ونزار قباني).

بعد دراسته في كمبريدج وهارفارد توجه إلى العراق لتدريس الأدب الإنجليزي. وهناك تعرف على الآنسة لميعة برقي العسكري التي شكلت انعطافاً في مسار حياته. فقد تزوجا وانجبا ولدين، هما سدير وياسر، وحمل جبرا الجنسية العراقية التي ما كان لها أن تفصله عن جنسيته الفلسطينية التي حافظ على لهجتها،  حتى آخر لحظة في حياته.

وكان لجبرا شأن كبير في الحياة الثقافية العراقية، حيث أنشأ مع الفنان الكبير جواد سليم “جماعة بغداد للفن الحديث” عام 1951. وكتب مقدمة المجموعة المبكرة "أغاني المدينة الميتة" للشاعر "بلند الحيدري". وأثرت صداقته في بدر شاكر السياب الذي أطلع من جبرا على فصول من كتاب "الغصن الذهبي" للسير جيمس فريزر، وهو مما أسهم في اقتناع السياب بالمدرسة التموزية في الشعر. وإلى ذلك كان لنتاج جبرا نفسه من رواية وقصة قصيرة ورسوم ونقد وترجمة أثر كبير في الأجيال العربية.

أما فيما يتعلق بالتيارات النقدية التي تأثر بها  جبرا في رؤيته النقدية، فتتمثل في: المدرسة المنهجية الشكلانية، ومدرسة النقد الجديد في أوربا . ومن المعروف أن " جبرا" لم يتأثر بالمدارس الماركسية ومنطلقاتها وتوجهاتها السائدة في إنجلترا – مثلاً – ولكن ميوله الخاصة كانت نحو المدارس التي لا تحفل إلا بالنص.

وعن تكوين شخصيته: تركت فاجعة سقوط فلسطين، وتعرض الشعب الفلسطيني لأكبر عملية قرصنة في التاريخ الإنساني أثراً كبيراً في تكوين شخصية " جبرا" الأديب والناقد، فقد انصبت اهتمامه بعد النكبة علي الأدب العربي، واتجه إلي الكتابة العربية؛ لإبراز الهوية  الحضارية لهذه الأمة، مؤمناً بأن الانطلاق إلي العالمية والمشروع الأدبي الإنساني يأتي من خلال الانطلاق في البيئة الشعبية التي تعكس– بكل صدق – هوية هذا الشعب الذي هو واحد منه، وقد حاول من خلال العمل الروائي – بكل شخوصه – أن يعكس تجربته الذاتية.

قال " جبرا" عن هذه المرحلة ": وكان مجيئ إلي بغداد عام 1948م هو البداية لمرحلة فاصلة في حياتي الفكرية، إذ جعلت أحول همي من جديد نحو الكتابة العربية حول مواضيع الإبداع العربي، مزاوجاً كما كنت من قبل أزاوج بين الكتابة كعملية خلق والكتابة كعملية نقد جاعلاً العمليتين تصب كلتاهما في الأخرى كأمر حتمي.

تعرف "جبرا" في بداية نشاطه الأدبي علي النقد الجديد – كما راجت هذه التسمية –الذي يقوم أساساً علي فصل النص عن صاحبه، واكتناه النص للبحث في طياته بهدف استخراج ما فيه . وقد درس " جبرا" هذا المنهج من خلال أعمال: آي. إيه ريتشارد، وأرشي بولد ماكليش . واستفاد " جبرا" من هذا المنهج في بلورة مفاهيمه التي برزت في مقالاته النقدية وحواراته المتتابعة، وأشار إليه حين عده مدا نابعا من ينابيع نقدية، استقيت من كتب أفلاطون وأرسطو. وبين أنه ربما نبع من القضايا الإنسانية الراهنة، وهب بحد ذاتها تعبير المرء عن ذات في ممارسته حقه كإنسان.

لقد عاش "جبرا" زمناً وعمرا حافلاً بالعطاء الكثير، كتب في مجالات متعددة، إذ عرفنا له الفن الروائي، فكتب " السفينة" والبحث عن وليد مسعود، وقصة حب محبوسة مع الفنان المبدع "عبد الرحمن منيف"، وغيرها، وكتب أيضا في مجالات النقد مثل الحرية والطوفان وكذلك الفن في العراق اليوم باللغة الإنجليزية والرحلة الثامنة والفن العراقي المعاصر وغير ذلك الكثير وترجم أعمالا أدبية ممتعة منها ثمانية أعمال لشكسبير، كمسرحية عطيل، وهاملت، وماكبث، والملك لير، وعطيل، والعاصفة، والسونيتات لشكسبير، وبرج بابل لأندريه مارو، والأمير السعيد لأوسكار وايلد، والصخب والعنف لوليام فوكنر، وما قبل الفلسفة لهنري فرانكفورت.. وهلم جرا ؛ ولجبرا دراسات هي: ترويض النمرة، والحرية والطوفان، والفن والحلم والفعل، وتأملات في بنيان مرمري، والنار والجوهر، والأسطورة والرمز، فيما جمعت أعماله النقدية في كتاب بعنوان "اقنعة الحقيقة.. أقنعة الخيال". ومن أجل ذلك نال جائزة صدام حسين للرواية العربية، ونال أيضا جائزة سلطان العويس للنقد الأدبي عام 1990، ووسام القدس تقديرا لإنجازه الأدبي.

"جبرا" قامة ثقافية رفيعة وعالية كما تبين في تقويم المثقفين الحقيقيين له، وهذه ميزة اكتسبها من خلال تقديم نتاج إبداعي ثر في حقول إبداعية مختلفة، وليس بمعونة واجهات سياسية وإعلامية بارعة في صناعة النجوم الخلّب. هو الذي ترك إرثاً واسعاً يعدّ اليوم جزءاً من أهم منجزات الثقافة العربية المعاصرة.

وعلى الرغم من أن عالم "جبرا"، متعدد الوجوه، يقرأ في مراجعه الثقافية، فإن تلك المراجع تستمد دلالتها من مفهوم أساسي هو: التجربة المعيشة، التي تحكي فقدان الوطن وتجربة اللاجئ. وقد تسرب هذان البعدان عميقاً في شخصية جبرا وإنتاجه الفكري، وقسما الزمن الى قسمين متلازمين: القدس وما قبل اللجوء، إذ جبرا في مدينته الأثيرة يعلم ويرسم وينشئ النوادي الفنية، وحصار القدس وما بعد اللجوء. والقسم الأول يحرض الذاكرة ويرسل بها بعيداً إلى أيام الطفولة والصبا، التي تحتل فيها مدينة "بيت لحم" موقعاً واسعاً، رسمه جبرا بحنين دافئ في "البئر الأولى"، أما القسم الثاني فينتشر في "رواية الأمل"، التي تحلم بفلسطيني نظيف كريم الخلق يعشق المعرفة، يليق بالمهمة الموكلة اليه، التي تعني استعادة ما فقده والعودة من جديد إلى الوطن.

من كل سبق يتضح لنا أن "جبر إبراهيم جبرا" كان متعدد المواهب والقدرات، فقد كتب الرواية والقصة القصيرة والسيرة، والشعر، والنقد الأدبي والفني، وكذلك المقالة، كما مارس الرسم، وعمل في إحياء تراث وفن بغداد، وقد ترجم عددا من الكتب الثمينة، فكان نعم الإنسان المثقف المبدع والأكاديمي الناجح، والفنان المتعدد المواهب في النماء والعطاء، فقد لقي احتراماً وتقديراً من المجتمع العراقي بأكمله دون النظر إلي الانتماءات السياسية، إلي أن توفاه الله في شهر كانون الأول عام 1994 ودفن في بغداد.

رحل "جبرا" مع أشياء كثيرة رحلت، فلا القدس التي عاش فيها بقيت كما كانت، ولا بغداد وقاها الزمن من لعنات مقبلة.. وفي نهاية هذا المقال أقول مع بعض القائلين: إن كان لهذا الفلسطيني، المصاغ من الألفة والنجابة، صفة تليق به، فهي: المتعدد، لا بمعنى عدم اليقين، كما يقال، بل بمعنى: فائض الموهبة، الذي أخذ به إلى أجناس كتابية متعددة، وإلى ألوان من الفنون... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

...............

1- ماجد السامرائي: جبرا إبراهيم جبرا رجل فكر وإبداع .. مقال منشور في مجلة آداب، عدد 3-4، سنة 43، عام 1995.

2- خالد علي مصطفى: "جبرا ابراهيم جبرا شاعراً" .. مقال منشور في مجلة آداب، عدد 3-4، سنة 43، عام 1995.

3- د. محمد ماجد مجلي الدخيل: الرؤية النقدية عند جبرا إبراهيم جبرا، مجلة جامعة الملك عبدالعزيز: الآداب والعلوم الانسانية، م 23، ص ص89-103-2016.

4- جبرا إبراهيم جبرا… الروائي الموسوعي | القدس العربي.. مقال.

5- «جبرا إبراهيم جبرا»: الإنسان الكامل والفنان الكامل – إضاءات.

6- جبرا إبراهيم جبرا.. أهم من ترجم أعمال شكسبير | الوفد.

7- صورة القدس في روايات جبرا ابراهيم جبرا | مجلة جامعة الأزهر – غزة.

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن الدكتور عبد الواحد، لؤلؤة الترجمة الأدبية الحديثة، وهنا نقول:  درّس الدكتور لؤلؤة الشعر الإنجليزي سنواتٍ في كليّة الآداب، فكان يضفي على الدرس حيوية تخرج به، أحياناًً، من إطاره القديم، وبيئته البعيدة؛ لتجعله يلامس نبض طلبته في ما يرون، ويسمعون، ويقع عليهم وإذا كان غيره من أساتذة الأدب الإنجليزي قد قصروا همّهم على تخصصهم، ووفّروا جهدهم على قاعة درسهم؛ فإنّه كان من قاعة الدرس ينظر إلى ساحة الأدب العربيّ لقد كان يريد، منذ أن بدأ، أن يجمع شرف الأدبين، وأن ينظر في الأدب العربيّ بمنظار مصقول بأشعّة من الأدب الغربي.

كان الأدب الإنجليزي، بأعصره كلّها، قد تغلغل فيه؛ فكراً وفناً؛ فأفضى به نحو قدر رحيب من الحريّة في الكلام، وفي الكتابة، وفي مزاولة تبيان ما يراه من العيوب، والنقائص ولعلّه مضى مع حريّته في الكلام، ولعلّه لم يحترس؛ فاضطرب الحبل، واختلّ، وانقطع، وخرج من الجامعة في سنة 1977، وبقي، بعدها، قليلاً في البلد، ثمّ غادر ليستأنف شوطاً آخر من رحلته.

ومن كتبه المؤلفة (البحث عن معنى)، و(النفخ في الرماد)، (منازل القمر)، (شواطئ الضياع)، (مدائن الوهم: شعر الحداثة والشتات: دراسة نقدية في الشعر العربي المعاصر)، (الصوت والصدى: دراسات ومترجمات نقدية)، (التناص في الشعر العربي المعاصر")، (معلمي الأول" مساهمة في كتاب تكريم جبرا إبراهيم جبرا: القلق وتمجيد الحياة)، (شارع الأميرات: السيرة الذاتية لجبرا إبراهيم جبرا"،)، (الحب شرقاً… الحب غرباً").

أما كتبه المترجمة فكثيرة منها ( موسوعة المصطلح النقدي) وتقع في 44 جزءً ومن المسرحيات التي ترجمها، مسرحية تيمون آردن،  جون آردن، مياه بابل، رقصة العريف (سلسلة من المسرح العالمي - 80/1)، وليم ﺷﮑﺴﭙير، تيمون الأثيني (سلسلة من المسرح العالمي - 95)، موسوعة المصطلح النقدي: سلسلة من 44 جزءً ظهر منها 16 جزءً، ﮔﻠﻢ: وليم بليك، وليم ﺷﮑﺴﭙير، ﭘيركليس، وليم ﺷﮑﺴﭙير، سيمبلين، رابندرنات تاﮔور، أغان وأشعار، سلمى الخضراء الجيوسي: الشعر العربي الحديث، جزءان، إسماعيل الفاروقي و د. لوس لمياء الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، (رؤيتي)، (قصائد من الصحراء) إلى الإنجليزية، وكتاب (رياح الصحراء) إلى اللغة العربية، من الشعر العربي في العراق / مختارات قدم لها ونقلها الى الإنجليزية عبد الواحد لؤلؤة.، الأتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث / [تأليف] سلمى الخضراء الجيوسي، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة.. وهلم جرا..

وبالمناسبة هو متزوج من سيدة فلسطينية. وله ابن منها يعمل قائد أوركسترا في أمريكا. وهو متقاعد في إنجلترا.. يجيد الإنجليزية (تخصص) الفرنسية (جيد جداً) الألمانية، الإسبانية، الإيطالية (وسط).. وفي الأول من شهر سبتمبر لعام 2004م كان المستشار الثقافي – المكتب التنفيذي للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم – دبي –الإمارات العربية المتحدة.. نال جائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر- الكويت عام 2002م، وجائزة الإبداع الثقافي – رابطة الكتّاب الأردنيين – عمّان 2005م.. وهو على علمه بالنقد الأدبي الغربيّ وبمناهجه، وبما يستجدّ فيه؛ لم يقع أسير حبائله، ولم يقبل منه كلّ ما يأتي به؛ إنّما يقف منه، في كلّ الأحوال، وقفة الناقد الذي يعرف ما يأخذ وما يدع .

ومطلبه الذي لا يُخلي يده منه؛ الوضوح، واستبانة الدلالة، واستقامة الرؤية؛ حتّى يستقيم الفهم؛ يقول: ( فأنت تقرأ أفلاطون في الجمهوريّة، أو في المحاورات، وتفهم ما تقرأ فيلذّ لك . ثمّ تبدأ تساورك الشكوك؛ هل أنت حقّاً تفهم ما تقرأ، وتجد متعة فيه ؟ ثمّ تبدأ تساءل نفسك؛ لماذا قالوا لك إنّ الفلسفة صعبة الفهم تستغلق على القارئ ؟ ثمّ تقرأ كتاباً لأحد الفلاسفة المعاصرين؛ فلا تفهم ما تقرأ . وتعجب أن يكون فيلسوف معاصر أصعب على الفهم من أفلاطون نفسه . وأحسب أنّ الفرق بين الاثنين يقع في باب الفرق في وضوح الرؤية . فذلك يعي ما يقول، ويقوله بكلّ تواضع، وهذا " دماغه ملخبطة .. سمك لبن، تمر هندي ".

وقد كان حريصاً على شرط الوضوح في ما كتب، وفي ما ترجم؛ شأنه في ذلك شأن ذوي الثقافة الإنكليزية؛ إذ يجمعهم، في أغلبهم، وضوح الرؤية، وسلامة البيان عنها؛ كمثل "جبرا إبراهيم جبرا"، و"عبد العزيز حمودة"، و"محمد عناني"، و"محمّد عصفور"، وآخرين .

في حوار أجراه سلام نوري مع الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ونشر بجريدة العراق يوم 25 كانون الثاني 2001 قال في قضية قراءة الخطاب الأدبي بوصفه موضوعا للبحث،:" أرى الاقتراب من النص الادبي " . وأضاف: " أن فرض قالب في النقد على النص أشبه بوضع العربة امام الحصان، ومثل ذلك يقرر الناقد مسبقا أنه سيصطنع المقترب التاريخي، أو الجمالي، أو النفسي، أو البنيوي، أو التفكيكين في تناول النص الأدبي، فأول ناقد في تاريخ الحضارة هو أرسطو الذي يتناول (الدراما) والمأساة بخاصة في كتابه المعروف باسم ( فن الشـعر ) ثم يضع أرسطو قوالب نقدية مسبقة في تناول فنون الشعر، بل أنه تناول المعروف في تلك الفنون في عصره وما سبق .. ومن تلك الأمثلة استخراج أرسطو قواعده النقدية وأهمها فكرة الوحدات الثلاث في الدراما، وهي أن الدراما يحسن أن تتوفر فيها وحدة الزمن ووحدة مكان الفعل ووحدة الفعل الذي قاد إلى المأساة وهذه الوحدات أصبحت قاعدة في النقد الأوربي الحديث . وقد حدث مثل هذا في تراثنا العربي فالخليل بن احمد الفراهيدي تناول المعروف من الشعر واستخلص منه قاعدة عروضية .. وعبثا يحاول اليوم بعض نقادنا عندما لا يرجعون إلى النصوص، بل يريدون تطويع الخطاب النقدي الى مذاهب غريبة عن واقعنا .. وعن تراثنا" .

كان الدكتور عبد الواحد لؤلؤة يؤكد بأن الترجمة أمانة وقد أجرت معه جريدة الثورة (البغدادية) حوارا لمناسبة حضوره مهرجان المربد في بغداد سنة 2002 ونشر في العدد الصادر يوم 1 آذار 2002 قال فيه:" أن المترجم ينبغي أن يكون أميناً في نقل النص كما أن على المترجم أن يتسلح بأدوات عديدة منها معرفته الدقيقة بلغته أولاً وباللغة التي ينقل عنها، ولا يكفي في ذلك استخدام القاموس، فكم من كلمة يورد القاموس لها معنى لكنها ترد بمعنى آخر في سياق النص" .. وبشأن إشكالية ترجمة الشعر قال الدكتور لؤلؤة: " ليس من السهل ترجمة الشعر، لان ذلك يتطلب حسا مرهفا بالمفردة والمهم نقل مناخ القصيدة ". وحول تباين الرؤى في الترجمة مع تعاقب الأجيال قال لمحمد إسماعيل الذي أجرى معه حواراً نشره في جريدة الجمهورية ( البغدادية) يوم 31 من كانون الثاني 2003 قال:" قارن ترجمة خليل مطران في عشرينات القرن الماضي بترجمة استاذي المرحوم جبرا ابراهيم جبرا، وأحسب أنه لو امتد به العمر وأعاد ترجمة عطيل لشكسبير لكان لترجمته نكهة اخرى تتغير بتغير الأوضاع والأزمان والأذواق، وينعكس ذلك على أسلوب الترجمة لذا كان من الضروري إعادة ترجمة الشوامخ مرة كل جيل من الزمان".

ومع إن عبد الواحد لؤلؤة يشيد بما قدمه المترجمون العرب، ومنهم العراقيون من جهود في مجال رفد حركة الترجمة ورفد الساحة الثقافية العربية بالعديد من النتاجات الأدبية والفكرية، إلا أنه يعيب عليهم تأخرهم في البدء بالترجمة، ويقول أن الترجمة عن اللغات الحية تتأخر عندنا كثيراً إلى حد أن بعض الموجات النقدية نشأت ونمت وازدهرت ثم ذوت، حتى إذا ماتت وأعلنت نهايتها جاء المترجمون ليشرعوا في الترجمة .. ولم تعد مسألة التأخر في الترجمة وقلة ما يترجم من اللغات الحية بغائبة عن أحد، فلقد اكدت التقارير التي تصدرها الهيئات الأكاديمية العالمية أن ما يترجم في كل البلدان العربية في سنة واحدة لا يصل إلى ما يترجمه بلد اوربي صغير وتلك بحق واحدة من المشاكل التي تعاني منها حركة الثقافة العربية المعاصرة .

وعندما صدر عن مشروع "كلمة" في أبوظبي كتاب "الغنائيات" لويليام شكسبير، ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، الذي قدّم شروحا وتفسيراتٍ مستفيضة لكل غنائية على انفراد، مُعتمدا فيها على أفضل ما كتبه النقاد البريطانيون والمتخصصون في أدب شكسبير على وجه التحديد، أمثال "دون باترسن"، "ستيفن بوث" و"كاثرين دنكان" وآخرين لا مجال لذكرهم جميعا.

ينقسم كتاب "الغنائيات" إلى أربعة أقسام رئيسة، وهي المقدمة الرصينة، وتراجم الغنائيات بالعربية، والنصوص الإنكليزية. هذا إضافة إلى الشروحات الوافية التي لم تترك شاردة أو واردة إلا وتوقّف عندها الباحث والمترجم عبد الواحد لؤلؤة المعروف بملَكته النقدية المرهفة. لا بد من الإقرار سلفاً بأن هذه المراجعة لا يمكن أن تغطي الكم الكبير من المعلومات النوعية التي وردت في المقدمة والتراجم والشروح الدقيقة التي تنطوي على إحالات نقدية وفكرية وتاريخية تحلّ كثيرا من الإشكالات المتعلقة بالعاشق والمعشوق والسيدة السمراء التي سرقها المعشوق، أو اللص الظريف من الشاعر، كما تسلّط هذه الشروح الضوء على بعض الاستنتاجات الخاطئة، التي حاولت أن تلصق تهمة المثلية الجنسية بشكسبير، ولو كان كذلك لما قصّر حُسّاده ومنافسوه من الشعراء والكُتّاب المسرحيين في الترويج لهذه التهمة وتكريسها كحقيقة دامغة في حياته الشخصية.

تشي المقدمة الشافية للؤلؤة بإعجابه الواضح بأستاذه الراحل "جبرا إبراهيم جبرا"،الذي ترجم أربعين "سونيتة"، فقط تاركاً البقية الباقية لغيره من المترجمين، وحجته في ذلك "أنها تتطلّب الكثير من الشروح والتعليقات الأكاديمية التي تقتل الشعر فيها"، غير أن لؤلؤة لم يقتنع بهذه الإجابة فتحدّاه "جبرا" أن يقوم بهذه المهمة، كجزء من نشاطه الأكاديمي فقَبِل لؤلؤة بهذا التحدي، ولو بعد 30 عاما.ً

أشار لؤلؤة في مقدمته إلى ترجمتين اثنتين فقط للغنائيات، وهما ترجمة "جبرا إبراهيم جبرا"، وترجمة "كمال أبو ديب"، وحقيقة الأمر أن هناك ترجمة ثالثة اضطلع بها الشاعر والمترجم المصري "بدر توفيق" وجاءت تحت عنوان "سونيتات شكسبير الكاملة مع النص الإنجليزي"، كما ترجم الشاعر الراحل "سركون بولص" بعضاً من سونيتات شكسبير، منتقداً فيها ترجمة "جبرا إبراهيم جبرا"، لعدم مراعاته للسياقات اللفظية في هذه السونيتات، أو حتى في المسرحيات الشكسبيرية التي ترجمها.

يشيد لؤلؤة بترجمة أستاذه "جبرا" ويصفها بأنها "أنيقة العبارة، دقيقة في فهم المعنى"، لكنه ينتقد توسّعه في العبارة الإنجليزية المكثفة، لكي يجعلها مُستساغة في العربية. وقد اكتفى "جبرا" بهوامش قليلة عوضا عن الشروح الطويلة، كي يظل تركيز القارئ مُنصّبا على القصائد نفسها، لا على الشروح والإحالات الجانبية.

يُعرِّب لؤلؤة كلمة سونيت بـ«الغنائية»، بخلاف بقية المترجمين العرب الذين يفضلون الاحتفاظ بالاسم الأصلي، وحجته الدامغة في ذلك أنها مشتقة من كلمة "  Sonetto" الإيطالية، التي تعني بالعربية "الأغنية الصغيرة أو القصيدة القصيرة التي وُضعت للغناء".

تعود الغنائية الإنجليزية شكلاً ومضموناً إلى الغنائيات الإيطالية التي وضعها "بتراركا"، ثم نقلها شعراء إنجليز أمثال "سير توماس" و"ايات" و"إيرل أوف سري"، ثم استعمل هذا النمط سير "فيليب سدني" إلى أن جاء شكسبير فكتب "154" غنائية مطوِّرا نظامها البتراركي الذي يتألف من "ثُمانية" و"سُداسية" إلى ثلاث رباعيات ومزدَوجة في ختام القصيدة، آخذين بنظر الاعتبار أن بتراركا نفسه قد استوحى ذلك من دانته أليغيري الذي كتب عدداً من غنائيات الحب التي ظهرت في مجموعته الشعرية المسماة "الحياة الجديدة"... وللحديث بقية ولكن هذه المرة مع أستاذه جبرا إبراهيم جبرا.. الشاعر والروائي والفنان..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

...............

1- عبد الواحد لؤلؤة:  شواطئ الضياع (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

2- عبد الواحد لؤلؤة: مدائن الوهم: شعر الحداثة والشتات: دراسة نقدية في الشعر العربي (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2002).

3- عبد الواحد لؤلؤة: الصوت والصدى: دراسات ومترجمات نقدية ـ (المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 2005).

4- الاستاذ حميد المطبعي: موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، الجزء الأول. الناشر, بغداد: وزارة الثقافة والاعلام، دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٩٥.

5- سعيد عدنان المحنة وآخرون: منهج النقد الجديد عند الناقد عبد الواحد لؤلؤة، بحث منشور بمجلة الباحث – العدد 29، 2018.

6- أ .د.ابراهيم خليل العلاف:الدكتور عبد الواحد لؤلؤة وحركة الترجمة العربية المعاصرة (مقال).

7- مقابلة عبدالواحد لؤلؤة مع محمد رضا نصرالله في برنامج (الكلمة تدق ساعة) عام ١٩٧٨م (يوتيوب).

 

محمود محمد عليبَرَزَت مِنَ المَنازِلِ القِباب.. فَلَم يَعسِر عَلى أَحَدٍ حِجابي.. فَمَنزِلي الفَضاءُ وَسَقفُ بَيتي.. سَماءُ اللَهِ أَو قطعِ السَحابِ.. فَأَنتَ إِذا أَرَدتَ دَخَلتَ بَيتي.. عَلَيَّ مُسلِماً مِن غَيرِ بابِ.. لِأَنّي لَم أَجِد مصارعَ بابٍ.. يَكونُ مِنَ السَحابِ إِلى التُرابِ.. وَلا خِفتُ الإِباقَ عَلى عَبيدي.. وَلا خِفتُ الهَلاكَ عَلى دَوابي.. وَلا حاسَبتُ يَوماً قَهرَماني.. مُحاسَبَةً فَأَغلَظَ في الحِسابِ.. وَفي ذا راحَةٍ وَفَراغِ بالٍ.. فَدَأَب الدَهر ذا أَبَداً وَدابي.. وابِطُكَ قابِضِ الأَرواحِ يَرمي.. بِسَهمِ المَوتِ مِن تَحتِ الثِيابِ.. شَرابُكَ في السَرابِ إِذا عَطِشنا.. وَخُبزُكَ عِندَ مُنقَطِعِ التُرابِ.. رأيتُ الخُبز عَزَّ لِدَيكَ حَتّى.. حَسِبتَ الخُبزَ في جَوِّ السَحابِ.. وَما رَوحَتَنا لِتَذُب عَنّا.. وَلَكِن خِفتُ مُرزِئَةَ الذُبابِ.

قصدت أن أفتتح مقالي بهذه الأبيات لأقول: منذ أن كنت طالباً بكلية الآداب – جامعة أسيوط – بجمهورية مصر العربية في ثمانينات القرن الماضي، وأنا أسمع وأقرأ عن أديب، ومترجم، وأستاذ جامعي الوطن- موصلي النشأة، اسمه الدكتور "عبد الواحد لؤلؤة" .. وقد ازدادت معرفتي به بعد أن قرأت كتابه الرائد: (الأرض اليباب: الشاعر والقصيدة) . وكانت قصيدة (تي اس ايليوت) (الأرض اليباب) أو (الأرض الخراب) قد سلبت لبي وعمقت احساسي بقيمة الحياة والحب والإنسانية .. كان للدكتور لؤلؤة آراء صائبة في قضايا أدبية وفكرية خلافية كثيرة، وكنت كلما قرأت له شيئاً، كبرت في عيني قيمته ؛ خاصة وأنه كان يضيف كل عام كتاباً جديداً، أو ترجمة لكتاب جديد .

وعبد الواحد لؤلؤة (مع حفظ الألقاب) كما قال عنه الاستاذ الصحفي اللامع حميد المطبعي في كتابه "موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين": عراقي الجنسية، وهو ناقد، وكاتب، ومترجم .. يجيد اللغات الانجليزية والفرنسية والأسبانية والألمانية .. ولد في مدينة الموصل سنة 1931 ..اسمه بالكامل عبد الواحد مجيد محمد لؤلؤة . أكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في الموصل وسافر الى بغداد ليلتحق بدار المعلمين العالية (كلية التربية فيما بعد) وقد اختار قسم اللغة الانجليزية وفي سنة 1952، حصل على الليسانس بدرجة شرف باللغة الانجليزية، وقد أرسل في بعثة علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فنال الماجستير من جامعة هارفرد سنة 1957، والدكتوراه في الأدب الانجليزي من جامعة ويسترن رزرف سنة 1962 .. عاد الى العراق فعين مدرساً بكلية الآداب بجامعة بغداد، ثم في كلية اللغات بالجامعة نفسها، وكذلك قيل عنه أنه تخرّج في قسم اللغة الإنجليزية بدار المعلّمين العالية ببغداد، الكلية الوحيدة التي كانت تدرّس الآداب حتّى عام 1950. وعاصر شعراء الحداثة. أُرسل في أول بعثة الى جامعة هارفرد حيث حصل على شهادة الماجستير. ثم أرسل في بعثة ثانية، فحصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي وعاد للتدريس بجامعة بغداد..  وقد انحصر تدريسه في الجامعة بين سنتي 1957 و1977 وبعدها أحال نفسه على التقاعد بعد خدمة جاوزت الـ ( 25) سنة . وقد سافر إلى الأردن ليعمل أستاذاً في الأدب الانجليزي بكلية الآداب جامعة اليرموك منذ سنة 1983 وبعد أن انتهى عقده مع هذه الجامعة انتقل إلى جامعة فيلادليفيا بعمان وهي جامعة أهلية، وهو الآن يعيش في إنجلترا.

كما تحدث الأستاذ شكيب كاظم سعودي عن الدكتور عبد الواحد لؤلؤة في مقال نشره في جريدة العراق (البغدادية) بعددها الصادر يوم 29 ايلول سنة 2001 بعنوان " الدكتور عبد الواحد لؤلؤة وحركة الترجمة العربية المعاصرة"، فقال بأن: "الدكتور لؤلؤة لم يهتم بالشعر الغربي ونقله إلى اللغة العربية، وإنما اهتم بالشعر العربي الحديث، فعلى سبيل المثال تضمن كتابه ( البحث عن معنى) دراسة نقدية بعنوان: (البطولة والتشرد عند احمد الصافي النجفي)، وتناول في هذه الدراسة حياة هذا الشاعر وشعره المبثوث في عشرة من الدواوين الشعرية المنشورة له، ولم يكتف بذلك، بل سافر الى دمشق، وعقد جلسات طويلة مع الشاعرعندما كان هناك خلال شهر آب سنة 1965، وقد ظل الشاعر النجفي يتحدث طوال أربع ساعات حديثاًً عن الذات، والشعر، والغربة، والموت، والخلود.. ولؤلؤة يستمع إلى كل شاردة وواردة تصدر من فيه، مزهواً بشهادة الشاعر الكبير "محمد مهدي الجواهري" عن النجفي أمام عدد من الحاضرين (هذا يجول في ميادين لايجرؤ أحدنا ان يجول فيـها)".

وعبد الواحد لؤلؤة ناقداً مهماًً في أجيال النقد العربي الكبيرة، درس الشعر العربي الحديث على نحو من الشمول والاتساع، بحيث لم يترك شاردة ولا واردة لم يستثمرها في دراسته، كشف عن منهج قويم في النقد الشامل، وراقب الحركات والتيارات في الشعر العربي الحديث في قرنين، تناول الشعر والشعراء وبلدانهم، والمؤثرات في الشعر، والتحولات الحضارية، والسياسية، والفكرية، التي صنعت هذه التحولات والحركات والاتجاهات الكبيرة في الشعر العربي الحديث، ودرسه على وفق مقومات منهج واضح ورصين، ولغة رصينة، علمية، ساعد في شروقه، ووضوحه، وعمقه الترجمة الرصينة له.

كما اهتم عبد الواحد لؤلؤة بالمناهج النقدية الحديثة التي تقع ضمن المناهج النصية التي تعني بالنص ذاته، وذلك لكونها تمثل المنهج الذي سار عليه أستاذه الدكتور "جبرا إبراهيم جبرا"- (الفلسطيني الجنسية)، فعبد الواحد متأثر بأستاذه في هذا الجانب، فضلاً عن إيمانه بأن النقد هو شرح وتفسير بالدرجة الأولي، وهو ما يصبو إليه منهج النقد الجديد الذي أمن به عبد الواحد، وإن النقد الجديد ينظر للقصيدة بوصفها وحدة عضوية متكاملة ؛ لا يمكن تجزئته أبداً، لا سيما وأن عبد الواحد قد أحاط بكل القضايا المتعلقة بهذا المنهج، وقد دفعته هذه الإحاطة في المجالين التنظيري والتطبيقي لمنهجه، ولأن عبد الواحد قد سعي إلي الإلمام بالجوانب المتنوعة والمختلفة للنص، واستثمار الطاقات الواسعة لهذا المنهج.

نقل عبد "الواحد لؤلؤة" نظرية النقد الجديد إلي حيز التطبيق في استغاله علي قصيدة "عمر أبو ريشه" عندما قرأ باطن النص، وأوضح تلك الباطنية، وأثرها السيكولوجي علي المتلقي (قارئ قصيدة) الذي يحتاج إلي توضيح ليحصل التأثير الجديد للجوانب الإنسانية للقصدية حين حللها لؤلؤة إلي أجزائها الأولية . ومع ذلك علي الناقد الجديد أن يكون حذراً في التعامل مع الموضوع وينتبه إليه، بحيث تكون المشاعر هي التي تحدد تقبلها للموضوع بتجاهل تأثيرات العمل والقصدية لدي الأديب . لذلك لا بد من فصل جزئيات الموضوع إلي عناصره (العضوية) لأن في تحليل النص الأدبي من الناحية المضمونية، فإننا لا يمكن أن نهجم علي النص دون أن نحدد بوضوح مفاصله، ونعزل سماته عن بعضها البعض .. لهذا يقول لؤلؤة عن طبيعة الممارسة النقدية التي أرادها أصحاب النقد الجديد:" فالعمل الأدبي أو النص الشعري هو موضع عناية الناقد دون ما يدور حول العمل أو ما يتعلق به ".

وعندما تناول لؤلؤة قصدية "الحرب في العراق"، وكيف أنها تجاوزت علي قضايا، مثل الوزن، واللغة، لغرض تحقيق عناصرها الخاصة، من هذه الزاوية كان بلوغ الشعرية في لغة عادية تقارب ما يحكيه الناس، يُشعر بها بعض النشاز في الوزن أحياناً، انجاز كبير من منجزات قصدية الحرب، لأنها ارتفعت بلغة " غير شعرية" في الأساس إلي مستوي الشعرية، لأن اللغة انصرت في بوتقة التجربة .. هنا يكون النص بمقابل الناقد مباشرة، بكل ما يحتويه من تشكيلات لغوية لها علاقة مع شعرية النص.. وعلي الناقد أن يشير إلي هذه العوامل التي أنتجتها اللغة في النص، كما فعل "لؤلؤة" في هذا الموضع، بوصفه ناقداًً ضمن المنهج النقدي الجديد فلا بد له أن يوضح المعني الحرفي . ولكن الأهم من ذلك أن يتتبع الفروق الدقيقة في المعني والإيحاءات التي اكتسبتها الألفاظ، إما في الاتصال العادي، وإما في أنواع خاصة من الحديث .. وليس من الضروري أن يكون التحليل لفظياًً فحسب، إذ أنه قد يؤدي إلي مناقشة الرمزية الحضارية، وغيرها من العلاقات والمجاز، واللهجة التعبيرية والاستعارة والمقارنة.. الخ.. وأخيراًً فإن العمل الذي تمارسه، بعضها علي معني يقصد به تلك المعاني الفنية الخفية التي تكسبه الألفاظ في علاقاتها المتبادلة مع بعضه البعض .. وهو ما عمل عليه "لؤلؤ" في القصائد التي اختارها لشعراء عراقيين وعرب، مبيناً أهمية المعني الشعري المنبثق من اللغة واللهجة، ومدي تشكيلها لجمالية وقيمة النص .. وعندما تكون اللفظة الواحدة في القصيدة تشكل قيمة بنائية كاملة ومستقلة في إنشاء البعد الأدبي للنص يكون منهج النقد الجديد قادراً علي الإشارة إليها بدقة .. فعبد الواحد لؤلؤة يوضح في هذه قصيدة " الحدود المسروقة" لبلند الحيدري فيقول:" هذه قصيدة تستقطر مرارة الغربة عن الوطن، بكلمات بسيطة كل كلمة فيها صورة موحية الكلمة الأولي في السطر الأول " وطني" تسيطر نغمتها علي القصيدة وتبقي ترن في الآذان حتي بعد الانتهاء من القصيدة ".. وهذا من ضمن توجهات لؤلؤة النقدية، وهو ينيه علي دور الألفاظ ومعرفة معانيها في فهم القصيدة .. ويطلب من القارئ أن يكون متمكناً من فهم اللغة، ذاكراً،فبعد فهم المفردات يكون تفسير القضية أمراًً ميسوراًً يؤدي إلي تأويل يعتمد علي ثقافة القارئ العامة، وعلي اهتمامه بموضوع القصيدة .. وهذا الرأي يمثل احد خصائص منهج النقد الجديد في التفسير والفهم للعمل الأدبي، وعن أهمية استقلالية النصوص وانفصالها عن منشئيها ضمن المنهج الجديد في النقد، ذكر لؤلؤة في قضية الانتحال في الشعر العربي فقال: "لا فرق .. المهم وجود النص دون قائله، ومن هنا نبدأ" .. برؤيا نقدية تشير إلي ذهابه مع النقاد الجدد في هذه القضية..

في هذا السياق، يستذكر "عبد الواحد لؤلؤة" أيام طفولته في مدينة الموصل، مسقط رأسه، عندما كان من بين زملائه في صف واحد مسيحيون ويهود عاشوا بمحبة وسلام واحترام، يعيشون في أحياء قريبة من بعضها البعض من دون ما يعكر صفو العيش المشترك. ينتقل بعد ذلك المؤلف إلى العهود التي اعقبت الحكم الملكي، مكرساًً مساحات واسعة لأحداث عاشها العراقيون سنة 1958 وما تلاها على عهد رئيس الوزراء العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم والمحاكم الهزلية التي شهدتها فترة حكمه كما يسميها المؤلف.

ويعرض في الوقت نفسه تصرفات رجال شجعان ذوي مبادئ راسخة شهدتها تلك الحقب. يمكن القول، إن الكاتب نجح في تقديم وصف دقيق لطبيعة المجتمع العراقي للقارئ عبر صفحات كتابه، بلغة نقدية لا تخلو من السخرية، تعكس في أحيان كثيرة تقلبات النفس البشرية وتأثير السياسية على تصرفات البشر، ومن بين ذلك الوسط الاكاديمي العراقي والعربي الذي ينتمي اليه المؤلف.

غير أن الدكتور لؤلؤة يحرص كل الحرص عبر صفحات كتابه الذي يقع بـ ١٤٤ صفحة على الترفع عن ذكر اسماء الاشخاص الصريحة لأبطال حكاياته، وكان هناك استثناء نادر في السرد عند اشادته بدور عبدالجبار الجومرد. فالهدف الواضح هو عرض ظواهر اجتماعية بارزة يحكي من خلالها تاريخ العراق. فيما يبقى القارئ في شوق لسماع احداث تخص شخصيات ادبية ودبلوماسية واكاديمية واجتماعية عاصرها المؤلف وربما ارتبط معها بمواقف أو آراء .

إلى ذلك، يؤكد الدكتور لؤلؤة أن ما ينقله للقارئ من أحداث في كتابه هي “حكايات صادقة تخفي الأسماء الحقيقية للأشخاص والأماكن، وتترك الباقي أمام اللبيب الذي لا تغيب عنه الإشارة”. تجدر الاشارة إلى أن مع صدور هذا الكتاب، يصبح عدد الاصدارات المتعددة للدكتور  عبد الواحد لؤلؤة قد بلغ  64 كتاباً... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

...............

1- عبد الواحد لؤلؤة:  شواطئ الضياع (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999).

2- عبد الواحد لؤلؤة: مدائن الوهم: شعر الحداثة والشتات: دراسة نقدية في الشعر العربي (رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2002).

3- عبد الواحد لؤلؤة: الصوت والصدى: دراسات ومترجمات نقدية ـ (المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 2005).

4- الاستاذ حميد المطبعي: موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، الجزء الأول. الناشر, بغداد: وزارة الثقافة والاعلام، دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٩٥.

5- سعيد عدنان المحنة وآخرون: منهج النقد الجديد عند الناقد عبد الواحد لؤلؤة، بحث منشور بمجلة الباحث – العدد 29، 2018.

6- أ .د.ابراهيم خليل العلاف:الدكتور عبد الواحد لؤلؤة وحركة الترجمة العربية المعاصرة (مقال).

7- مقابلة عبدالواحد لؤلؤة مع محمد رضا نصرالله في برنامج (الكلمة تدق ساعة) عام ١٩٧٨م (يوتيوب).

 

جمال العتابيالعسكر لايبنون دولة!!

مع علمنا ان مصطفى علي هو أول وزير للعدل في حكومة الجمهورية الأولى بعد تموز 1958، وهو أحد أعلام السياسة في العراق، منذ دعواته الوطنية الأولى لمقاومة الأستعمار الإنگليزي الذي داهمنا بخيله ورجاله، إلا أن مصطفى علي له إجتهاداته وكتبه ومؤلفاته التي فتحت آفاقاً رحبة في دراسة التاريخ والتراث والأدب، ومن أهم آثاره، شرح وتعليقات ديوان الرصافي الذي صدر بخمسة أجزاء ضمن مطبوعات وزارة الثقافة والإعلام العراقية(1972_1978)، وكانت لعلي علاقة متينة بالشاعر معروف الرصافي، أهّلته ان يكون راوياً وشارحاً لأشعاره.

ومع أن مصطفى علي السياسي والقانوني والوزير، له إهتماماته المتعددة، لايجد بأساً من كتابة سيرته الذاتية التي يستجلي فيها الاحداث، ويستحضر فيها دوره المتميز منذ أول حلقة ماركسية في العراق، ليترأس هيأة تحرير جريدة (الصحيفة)، التي صدر عددها الأول في 28 كانون الأول، عام 1924،مع حسين الرحال ومحمود أحمد السيد وعوني بكر صدقي، وعبد الله جدوع، وسليم فتاح.

صدرت هذ السيرة في كتاب بعنوان (مذكرات مصطفى علي، وزير العدل في حكومة عبد الكريم قاسم، من المعارضة إلى الوزارة)، إعداد وتقديم سيف القيسي، من منشورات مكتبة النهضة العربية في بغداد، وأسهمت كريمته عالية في التقديم للمذكرات، بالحديث عن الجانب الأعمق والأدل في حياة هذا الإنسان.

ولد مصطفى علي عام 1900في محلة قنبر علي ببغداد، درس في دار المعلمين، يومها كانت أعلى معهد علمي في العراق، وكانت بواكير اهتمامه السياسي، بإنتمائه لجمعية حرس الاستقلال عام1919، ومؤيداً للاحزاب الوطنية البرلمانية(الحزب الوطني العراقي، وحزب الشعب)، وكان إلى جانب ثورة العشرين، إلتحق في كلية الحقوق عام1924، وتنقل في وظائف عدّة، فاز في انتخابات عام1937 نائباً عن بغداد، ووقف الى جانب انقلاب بكر صدقي 1936 داعماً ومؤيداً.

إن القراءة المتأنية التي تتوقف عند عطاء مصطفى علي وآرائه ومواقفه الفكرية والسياسية وهو يتخطى المألوف في زمانه، ليشق درباً متفرداً مبتكراً، في موقفه من الدين، وضرورة فصله عن السياسة، ويجد فيه أمراً ضرورياً جداً في تقدم الأمم، وله رأي متقدم في حرية المعتقد والدين، وكان مؤمناً بالإصلاح في مجال القوانين والتعليم ، وتحقيق التحولات الإجتماعية والإقتصادية في مجال الزراعة والتنمية الصناعية، وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، والعدالة الإجتماعية.

تبنى مصطفى علي الأفكار التقدمية الإشتراكية، دون إنتماء لحزب أو أيديولوجيا معينة، ومذكراته تسلط الأضواء على حياة هذه الشخصية، أسراره وأفكاره وأحزانه، ورؤاه ووجدانه، من هنا يظل طقس الكتابة العالم الآخر للأديب مصطفى علي، شأنه شأن سواه من الكتاب، له مجسّاته وهواجسه واحلامه، وكوابيسه وحالات يقظته، وقلقه، فطبع مذكراته بطابع أدبي شفيف، مليء بالإحالات الشعرية، واللغوية، والتراثية، حتى في أشد الأزمات السياسية والشخصية، وأكثر المواقف صعوبة، حين أقتيد إلى المعتقل صبيحة إنقلاب 8 شباط.

عن علاقته بنوري السعيد يذكر مصطفى على : لست مجهولاً لديه، طالما جمعتنا دار الرصافي ليلاً، وكان لايتردد في أن يشاركنا في لهونا وأنسنا، ولكنه رجل سمّاع، وهو عيب في الساسة، المزايا اللامعة في شخصيته وشعبيته تندثر وتنمحي إزاء لونه السياسي، المتفاني في خدمة البريطانيين، وتأمين مصالحهم، والسعيد بطل المعاهدات التي يصبو لها الإستعمار البريطاني.

علاقة مصطفى علي بالزعيم عبد الكريم قاسم

من أكثر الفصول إثارة للجدل في مذكرات مصطفى تلك التي تلت تشكيل أول وزارة للجمهورية العراقية، في 14 تموز 1958، إذ تم تكليفه كوزير للعدل، دون علم مسبق  منه، لكن بحكم تجربته الغنية في المجال القضائي، وخبراته في التشريعات القانونية، فضلاً عن تاريخه السياسي الوطني المشرّف، ولا يغيب عن الذهن، عمق علاقته بعائلة عبد الكريم قاسم، إذ كان يكبره بأربعة عشر عاماً، فهما أبناء محلة واحدة في بغداد، وإنتماء طبقي واحد(الأبوان عمّال نجارة).

أدرك مصطفى جسامة المهام المناطة به، في ظل أجواء  مشحونة بصراع سياسي مراهق، وهو يمتلك خزينا من المعارف في مجال إختصاصه، ورؤى أراد لها ان تكون منجزاً مضافاً في سيرته، وإستطاع كوزير للعدل  تشريع العديد من القوانين لصالح الشعب العراقي، وقد شُرع بعضها، وآخرى لم يقدمها رئيس الوزراء للمجلس لينظر في تشريعها، وظل يماطل ويسوّف دون أن يبين السبب، كما ذكر في (ص183).

إقترح مصطفى علي حذف المادة التي تنص على ان الدين الاسلامي دين الدولة الرسمي في الدستور الموقت مما أثار ضغينة عبد السلام عارف، يقول: لم يكن في وسع إدراكه أن يفهم معنى ما أردت، وهل كان في إستطاعة تفكيره أن يستوعب مغزى ما رميت إليه؟ وأثار قانون الأحوال الشخصية رقم 88 جدلا واسعاً، أثار فضول شيخ الأزهر شلتوت، الذي طالب بإلغائه، ورمى مشرعيه بعدائهم للقرآن الكريم.

يتحدث مصطفى علي عن خلافه مع رئيس الحكومة عبد الكريم قاسم، مشيراً إلى تدخل قادة الجيش في شؤون وزارته، وتعارض صلاحياته مع صلاحيات الحاكم العسكري، وعدم إستقلال القضاء، بوجود المجالس العرفية التي زجت بتعسف وبأحكام باطلة بآلاف الوطنيين في السجون، فضلاً عن توجيه إنتقاده لمظاهر بدأت تطفو على السطح لم يجد لها تبريراً أو تفسيراً، منها الجلسات الليلية الطويلة لمجلس الوزراء، وخطب الزعيم، وولعه في نشر صوره، والنقطة الجوهرية في الخلاف، تتلخص بقناعته الثابتة بعدم قدرة العسكر في ادارة أو بناء دولة، لا في العراق، ولا في أي بلد آخر، وغالباً ما تقود تلك الإدارات البلدان إلى الفشل، والخسائر الكارثية، وله مواقفه الجريئة والشجاعة من تمدد فترة الإنتقال، وإجازة الأحزاب، والإنتخابات البرلمانية، وغياب المنهج في الإدارة، وعدم وضوح العلاقة مع القوى السياسية.

لهذه الأسباب قدم مصطفى علي طلباً للزعيم بإعفائه من مهام الوزارة في حزيران1960، ثم أتبعها بطلب الإستقالة في نيسان1961، بعد أن أجّل قاسم البتّ في طلب الإعفاء، كان يحرص على بقائه معه، وفي الوقت عينه، لا يحب ان يراه معارضاً، ولا يحتمل أن يقول له(لا)! وعلى أثر توقيع نداء السلم في كردستان، بعد إندلاع العمليات العسكرية في تموز1961بين الكورد والحكومة، غضب الزعيم غضباً شديداً منه، وهدّد بإتخاذ التدابير القضائيةضد كل الموقعين.

لقاء الساعات الأخيرة بالزعيم

مصطفى علي يبحث عن دور نقي، وعن عقل نيّر، الإختلاف مع الزعيم، ليس لذاته، إنما هو وليد وعي وإنتباه وإرادة، بعيداً عن عواطف الجمهور ومزاج الشارع، وهو الأكثر قدرة على تشخيص السلبيات، والأكثر دراية في إقتراح البديل، لا مطلق في السياسة وادارة الدولة، ولا قدسية للزعامات، ولا تابوات تحجب الرأي، وتقمع حرية الفكر.

علي يتحدث بمرارة وحزن شديد، عن لقاء عاصف بالزعيم قبل ساعات من إنقلاب8 شباط، يقول: في الساعة التاسعة من مساء7شباط اتصل بي الزعيم وطلب إلي ان أزوره في مكتبه بوزارة الدفاع، أخذني الى الجناح الجديد في المبنى، وما استطاع ان يعصمه من الموت، ثم عرض علي مشروع الدستور، ثم أفضنا في حديث طويل ذي شجون، خرجت بعده بائساً أنفض يدي منه، فوصلت إلى داري في الساعة الثانية والربع فجراً.

مصطفى علي يلقي بالمسؤولية على عبد الكريم قاسم في جانب كبير منها، مهدت السبيل لانقلاب 8 شباط 63، واصفاً سياسته بالهوجاء، وتصرفاته بالشاذة (ص 230).

لقد رسَم مصطفى علي الأحداث الفاجعة بسخرية، وعمق في التعبير عن حجم آلامه وخيباته، وهي خيبات وطن وشعب منكسر ومخذول :

ظل عبد الكريم منتشياً بخمرة الزعامة، والحكم، ثم تبين ان جمهوريته أوهن من بيت العنكبوت، إذ إستطاعت أن تعصف بأركانها طيارتان، وتدكّ حصنها دبابتان وأن تقوّض بضع رشاشات بور سعيد مجد زعيمها وعظمته، وهذه هي العقبى التي كان يتوقعها كل ذي نظر بعيد نافذ. (ص235). كان مصطفى علي اول المعتقلين، الذين تعرضوا لأبشع وسائل التعذيب والإذلال والخوف من قبل الإنقلابيين.

من هنا ندرك ان مصطفى علي حاول ان يقدم قراءته السياسية (هو وحده) وأن يكشف خفايا تلك الفترة بما تحمله من ثقل و مأساوية ظلت تلاحقه، للخروج من أسر الماضي، للإنطلاق نحو الحقيقة كما يعتقد، غير آبه بردود الأفعال المضادة لآرائه ومواقفه، وبما تحمل من إختلاف، ورؤى نقدية مغايرة.

 

جمال العتّابي

 

 

ضياء نافعنيكيتا خروشوف (1894 - 1971) هو الزعيم الثالث، الذي برز في تاريخ الاتحاد السوفيتي بعد لينين (الذي حكم منذ ثورة اكتوبر عام 1917 الى عام1924)، وستالين (الذي حكم من عام 1924الى عام 1953)، اما خروشوف فقد حكم من 1954الى 1964، ولكنه لم يحصل على مكانتهما في (قلوب!) الشعوب السوفيتية، على الاقل من الناحية الشكلية العامة (لا يوجد مثلا اي تمثال له، او مؤسسة او شارع يحمل اسمه، وهذه ظاهرة غريبة مقارنة بلينين وستالين في روسيا!)، رغم ان اسم خروشوف ارتبط بتغيّرات جوهرية هائلة جدا في مسيرة الاتحاد السوفيتي والمكانة العالمية لتلك الدولة الكبرى وحتى بشأن مستقبلها، ولا زلت اتذكر النكتة التي رواها لي احد الطلبة الروس في جامعة موسكو ايام حكم خروشوف وهو يوصيني بكتمانها لخطورتها، والنكتة تقول، ان احدهم قال في المترو، انه يعرف شخصا في الحكومة يشبه الخنزير، فاعتقله رجال الامن السوفيتي رأسا، وسألوه في مركزهم عن هذا الشخص في الحكومة الذي يشبه الخنزير، فقال لهم انه تشرشل في الحكومة الانكليزية، فاعتذروا منه واطلقوا سراحه رأسا، وودّعوه الى باب الخروج وهم يعتذرون منه، وعندما اصبح في الشارع التفت نحوهم وقال، انه يعرف ذاك الشخص (الذي كنتم تظنون اني اقصده في كلامي!). .

كل زعيم من هؤلاء السياسيين السوفيت الكبار كان له تأثيره و بصماته (ان صحّ التعبير) على مسيرة الادب الروسي ومصائر الادباء  اثناء فترة حكمه في دولة الحزب الواحد وفلسفتها . (بصمات!) لينين وستالين معروفة - بشكل او بآخر- على الادب الروسي بالنسبة للقارئ العربي، وقد كتب عنها الباحثون العرب ولا زالوا يكتبون هنا وهناك، وكل واحد من هؤلاء الباحثين ينطلق من موقفه الفكري والسياسي طبعا وبعيدا عن الموضوعية بالاساس مع الاسف، (وليس الحديث عن ذلك هدفنا هنا)، لكن (بصمات!) خروشوف لازالت شبه مجهولة في هذا المجال، رغم ان اسمه ارتبط بمرحلة (ذوبان الجليد) المعروفة والمهمة جدا في تاريخ الادب الروسي، وهذا ما نحاول الحديث عنه هنا بايجاز شديد (فالموضوع واسع جدا)، ونحاول الاشارة الى ابرز الادباء آنذاك ومواقف خروشوف تجاههم .

يجب القول قبل كل شئ، ان خروشوف كان بعيدا جدا عن اجواء الثقافة والفنون مقارنة بلينين وستالين (والامور كلها نسبية طبعا !)، بعيدا لدرجة ان البروفيسور كورميلوف (استاذ تاريخ النقد الادبي الروسي في القرنين العشرين والحادي والعشرين في جامعة موسكو) كتب في عام 2018 بحثا في مجلة زناميا (وهي مجلة شهرية مهمة صدرت في موسكوعام 1931 ولازالت مستمرة بالصدور لحد الان) بعنوان – (نيكيتا خروشوف كناقد أدبي)، وأشار في بدايه بحثه، الى ان خروشوف (أكثر الزعماء السوفبت أُميّة، اذ انه أنهى فقط المدرسة الابتدائية ليس الا)، وهناك من يرى، ان هذه الشئ ليس مهما جدا، او هو - في الكثير من الحالات – ليسس العامل الحاسم في تاريخ الزعماء السياسيين ومسيرتهم، ولكن الرأي الآخر حول هذا الجانب يشير الى حوادث معينة في تاريخ حياة خروشوف، منها مثلا استخدامه للحذاء في جلسة الامم المتحدة، وهي حادثة معروفة عالميا (وقد أشار اليها حتى بيان عزله آنذاك)، او ما قاله مرة للنحات والفنان التشكيلي السوفيتي نيئزفيستني حول بعض لوحاته الفنية، وامام الجميع، بما فيهم مندوبي وسائل الاعلام المختلفة، بان ذيل الحمار الملطّخ بالالوان يمكن ان يرسم ايضا مثل هذه اللوحات، (انظر مقالتنا بعنوان – خروشوف والفنان نيئزفيستني)، ويؤكد اصحاب هذا الرأي، ان هذه التصرفات وغيرها هي انعكاس واقعي جدا لتلك الامّية التي كان يتميّز بها خروشوف.

الاحداث الكبيرة في مسيرة الادب الروسي اثناء حكم خروشوف كانت ترتبط بعدة اسماء، وابرزهم – باسترناك وسولجينيتسن، وعلاقة خروشوف بكل اسم منهما يتطلب مقالة مستقلة بحد ذاتها، ولهذا فاننا نحاول هنا الاشارة اليها فقط .

 حاز باسترناك على جائزة نوبل للآداب عام 1958 . لم تسمح السلطة السوفيتية بقيادة خروشوف ان يستلم باسترناك تلك الجائزة كما هو معروف، واعتبرتها عملا سياسيا مضادا للدولة السوفيتية، وقد اضطر باسترناك ان يرفضها . خروشوف لم يتحدث شخصيا عن كل ذلك، ولكنه قال في مذكراته (التي كتبها بعد عزله عن السلطة)، انه لم يكن مطلعا على رواية باسترناك آنذاك، وانه يجدها الان غير مضادة !!!

سولجينيتسن خرج من السجن بعد حملة خروشوف ضد الاضطهاد الستاليني، وارسل روايته القصيرة (يوم واحد في حياة ايفان دينيسيفتش) الى مجلة (نوفي مير)، والرواية عن تلك السجون والمعتقلات السوفيتية أيام ستالين، ولم يتجاسر رئيس تحرير المجلة ان ينشرها، فذهب بها الى خروشوف، والذي وجدها ملائمة جدا لحملته ضد ستالين، ووافق على نشرها شخصيا، وهي الخطوة الاولى لسولجينيتسن نحو العالمية، بما فيها جائزة نوبل للآداب طبعا .

دراسة موقف خروشوف من الادب الروسي والادباء الروس يمكن ان ترسم لنا صورة واقعية و حقيقية ومتكاملة و واضحة المعالم لمسيرة دولة الحزب الحاكم الواحد – بغض النظر عن اي نظام سائد في الدولة - وتأثير الرجل الاول على مجمل حياة شعوب تلك البلدان ومصيرها ومستقبلها . ومثل هذه الدراسات التفصيلية تعني طبعا، من جملة ما تعنيه، اطلاع الشعوب الاخرى على حقيقة ما حدث في تلك البلدان، وأخذ ذلك بنظر الاعتبار...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليأمر النبي صلي الله عليه وسلم بتدوين القرآن الكريم في حياته، يوحي إليه فيملي مباشرة علي كُتاب الوحي، ولم يأمر النبي بتدوين السنة أو الحديث، وظل الحديث الشريف يمثل جانباً من ثقافة المسلمين، ودليلاً لفهم القرآن في ذلك الزمان إلي نهاية القرن الأول الهجرة .. كثر الكذب علي النبي صلي الله عليه وسلم لأسباب سياسية وايديولوجية، وكان من المستحيل زيادة حرف أو نقصان حرف في القرآن الكريم، فقد جري تدوينه في زمن النبي، وجري جمعه في زمن الصحابة الذين شهدوا نزوله، وسمعوه من النبي، وحفظوه في صدورهم وصحائفهم، فكان الحديث هو وجهة الانتهازيين للدس، والتزوير، والتبديل، ثم جاء الخليفة العادل "عمر بن عبد العزيز"، فأمر بتدوين  السنة، وظهرت الحاجة إلي الفرز، وتمييز الطيب من الخبيث، ومع الوقت ظهرت علوم الحديث لتلبي هذه الحاجة ، وكانت أول منهج علمي مكتمل لنقد الأخبار، والروايات، والوثائق التاريخية .

كان تمييز الأخبار المنسوبة إلي النبي وتوثيقه بالنسبة إليه صلي الله عليه وسلم، ضرورة دينية واجتماعية، لتنظيم المجتمع، والحفاظ علي تماسكه وسلامته واستمراره وفق نظام قانوني معلل، ولذلك اجتهد المسلمون، وشيدوا صرحاً نقدياً عظيماً، يتعامل مع النصوص بالصرامة العلمية الواجبة، وكان لخصوصية موضوع النقد، وهو الخبر الشرعي الذي هو عبارة عن أوامر ونواهي، أثر في ابداع وسيلة السند والاهتمام بالرواة الذين يُنقل الخبر النبوي من خلالهم،  بوصفه شرطاً أساسيا في تلقيه، إذ لا سبيل لمنطق المطابقة علي الواقع، ولئن جاز القول بأنهم سبقوا إلي هذه الوسيلة ، فإنهم لم يسبقوا للشروط التي وُضعت لقبول ما يُنقل بها، وهي شروط في الرواة، وأخري في متن الخبر، وما كان لهم أن ينجحوا في جل نتائجهم، لولا علوم أُسست تلبي حاجة كل شرط .

وفي العصر الحديث كثرت الدراسات والبحوث التي تناولت التعريف بمناهج المحدثين، وتطورها عبر الزمن، وعُقدت ندوات ومؤتمرات ومناظرات لمعرفة واقع علوم الحديث، والتفكير في آفاقه، واتفق أغلب أهل الاختصاص علي أن الحديث وعلومه تُواجه مشكلات عدة ترجع إلي مناهجه التي لم ينل تعريفها وتطويرها ما يليق بمقامها أو مناهج دراسته، وأهم المشكلات هي مدي كفاية قواعده التي تناولتها كتب مصطلح الحديث وتشتتها وتفرقها بين الفنون الحديثة وطريقة عرضها، وتنازع في هذا تياران : تيار يريد لها الاحتفاظ بما هي عليه لكونها تمثل معايير قبول الأخبار المقبولة، ومعايير رد الأخبار المرودة عبر تاريخ النقد، ويري أن أي مساس بها يؤدي إلي انهيار بناء قائم، أو في أحسن  الأحوال يؤدي إلي الجهل بتفسير ظواهره. وتيار يري ضرورة تقويم ما هو قائم، وابداع ما يلزم إذا كان ضرورياً للإجابة عن إشكالات دفع بها الزمان ظهرت علي بعض المقبول من الأخبار أو المردود منها، فأصبح النقاش يحتد  بين من يري ضرورة التجديد في قواعد العلم واستدعاء علوم أخري مكملة ومساعدة وبين من يري الاقتصار علي تجديد عرض المضمون .

وما زال النقاش دائراً والخلاف محتدماً، والمستقبل المرجو مرهوناً علي ذمة الإنجاز في عصرنا الحالي الذي نعيش فيه، وهو يتسم باتساع أفق الثقافة نتيجة التقدم العلمي المستمر، وهذا من شأنه أن يبعث عند الكثيرين من المفكرين العرب تساؤلاً مستمراً عن قيمة تراثنا الحضاري إزاء ثقافة العصر، وأن يحث بعضهم في الوقت نفسه علي القيام بمحاولة جادة، تهدف إلي الكشف عما يمكن أن يكون في ذلك التراث من المعاني الإيجابية والقيم الخلاقة، الدافعة إلي التقدم العلمي والاجتماعي، إيماناً منهم بإمكانية الملاءمة بين التراث وثقافة العصر، وهي ملاءمة تعطينا ثقافة بأنفسنا، تؤكد شخصيتنا بإزاء الثقافات الوافدة إلينا علي اختلاف اتجاهاتها .

ومن أولئك المفكرين  المصريين الذين عنوا التراث العربي الإسلامي  من أجل الكشف عن أصالته، والإبانة عما ينطوي عليه من معاني وقيم دينية وأخلاقية، الأستاذ الدكتور "معتمد علي أحمد سليمان"- أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسلامية وعميد كلية الآداب السابق – جامعة أسيوط، فلقد شعر هذا المفكر المصري، كغيره من مواطني أمته، بوطأة المذاهب المادية والوجودية المعاصرة، خصوصاً وأن هذه الأخيرة تري أن الوجود الإنساني مجرد عبث، إضافة إلي أنها تشاؤمية الطابع، وإذا بقيت هذه الفلسفات فستقضي علي أعظم ما أنتجته البشرية من حضارة، لأنها تقتل في الإنسان طموحه، ولا تجعل له هدفا يسعي إليه .

ولعل أهم الدوافع التي جعلت مفكرنا يعني بتراثنا عناية بالغة – إضافة إلي ما سبق ذكره وهو التصدي للفلسفات الغربية عن تراثنا – هو أن هذا التراث من شأنه أن يجعلنا أكثر تفهماً لماضينا، وأكثر وعياً بقيمة وأصالة ذلك التراث. واستلهام تراثنا من شأنه أن يجعلنا أكثر تفهما لماضينا، واكثر وعياً بقيمة واصالة ذلك التراث. واستلهام تراثنا الفكري من شأنه أن ينير أمامنا السبيل ويوضح لنا الرؤية في حاضرنا ومستقبلنا علي السواء.

والدكتور "معتمد علي أحمد" واحداً من كبار المتخصصين في الدراسات الإسلامية ؛ وبخاصة الحديث النبوي، حيث كان من الباحثين المعاصرين الذين حددوا مجاله، ورتبوا موضوعاته، وكشفوا النقاب عن شخصياته، وصاغوا الأطر النظرية له، وأبان عن تاريخه وأبعاده النظرية والعملية، وعرف مصطلح الحديث وخصائصه، وأوضح المنهج العلمي لدراسته. أما تلامذته فقد صرف الشيخ حياته المباركة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه والآخذون عنه بفضل تميزه بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقليد أو التعصب .

لقد جمع الدكتور "معتمد علي أحمد" في شخصه الكريم، نزعة دينية أخلاقية نابعة من خلال تبنيه الاتجاه العقلي في تمحيص الحديث النبوي المرتبط بتصور شامل للعلوم الإسلامية الشرعية، إلي جانب البحث الدقيق العميق، وتجلت هذه النزعة في نفسه الراضية المطمئنة، وسلوكه الإسلامي الذي ألتزم به في الحياة العامة، وكان تجسيد لعلوم الحديث بجانبيه النظري والعلمي، وعند المتخصصين في الدراسات الإسلامية وعلومها هناك علاقة قوية بين الجانبين، فقد كان باحثاً فاحصاً محققاً، مثالاً، ونموذجاً وواقعياً حياً للخلق الإسلامي، محتذياً بأساتذته الأجلاء من أمثال الأستاذ الدكتور "نبيل غنايم" والأستاذ الدكتور "عبد الحي قابيل" وغيرهما..

ولد الدكتور" معتمد علي أحمد " في التاسع والعشرين من شهر يناير لعام 1968م بمحافظة أسيوط - جمهورية مصر العربية، حيث علي حصل ليسانس في اللغة العربيـة والدراسـات الإسلامية - كلية التربيـة – جامعة أسيوط- بتقدير عام (جيد جدا مع مرتبة الشرف) عام 1990م، وكذلك حصل علي ليسانس في اللغة العربية وآدابها-  كلية الآداب – جامعة جنوب الوادي- بتقدير عام (جيد جداً مع مرتبة الشرف) عام 1993م.. وفي عام 1996 نال درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية ( حديث نبوي) - كلية الآداب - جامعة جنوب الوادي - بتقدير (ممتاز) 1996م- بعنوان "الحديث النبوي في تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي "دراسة وتحليل".. وفي عام 1988م نال أيضاً درجة الدكتوراه الدراسات الإسلامية ( حديث نبوي) - كلية الآداب- جامعة جنوب الوادي بتقدير: مرتبة الشرف الأولى عام 1998م- بعنوان" الأحاديث الموضوعة في السنن الأربعة " عرض ونقد .. ثم تدرج في المناصب الإدارية إلي أن نال رتبة الأستاذية في الثامن والعشرين من شهر مارس عام 2009م.

والدكتور معتمد علي أحمد من الأساتذة المحترمين الذين قدموا لنا درسا لا ينسي، وهو أن الأستاذ الجامعي، ليس هو من يجيب الطالب بمعلومات جاهزة لديه، بل هو من يرشده إلي المنهج العلمي الذي يصل به إلي المعرفة ويحدد مصادر موضوع بحثه ولم تختلف هذه الصورة منذ بدأت حياته العلمية: وإلي الآن معرفة دقيقة بموضوعه؛ لغة علمية محددة، حجة منطقية دقيقة، رحابة صدر، قدرة علي التعليم والتوجيه .

ألف الدكتور" معتمد علي أحمد "  العديد من الكتب؛ نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : أدبيات الفتوى في الفقه الإسلامي ( الواقع والمأمول )، والإسلام بين عصمة النص وضوابط نقد الفهم منشور، والإسلام التقليدي : التشكل التاريخي والتحديات الراهنة، مركز المسبار للدراسات والبحوث ( بالاشتراك )، وتأسيس الإسلام لفقه التحضر الإنساني، وشك الراوي وأثره في قبول المرويات، والغفلة وأثرها في الرواية عند المحدثين، وفقه التراجم عند الترمذي، وقراءة في مصطلح الحافظ عند المحدثين، وأحكام التجويد قواعد وتطبيقات، والأخطاء الشائعة بالاشتراك.. بالإضافة إلي مجموعة متنوعة من الكتب الدراسية في التفسير والحديث والفقه والقضايا المعاصرة والتفسير والمواريث والفكر الإسلامي ...الخ.

هذا بالإضافة إلي مجموعة كبيرة من البحوث الذي كتبها إما للترقية أو في المشاركة في المؤتمرات المحلية والدولية ؛ ونذكر منها علي سبيل المثال : الموثقون من رواة المناكير (بالاشتراك)، ومفهوم النص الديني وأهم خصائصه، ومعوقات الفهم الصحيح للنص الديني، وتحوط الصحابة في قبول الأخبار، وأولويات البحث في السنة النبوية، ونوازل تعطيل الحج  دراسة في فقه الطريق، والتأصيل النبوي لقيم التحضر الإنساني " كتاب الأدب من صحيح البخاري أنمودجاً "، ورد الإعراب وأثره في استنباط الأحكام من الحديث النبوي "، والحركة الإسلامية وفقه الأولويات " ضوابط الفهم ومحاذير الممارسة "، والإفتاء في المصلحة العامة والخاصة " ضوابط المسئولية ومحاذير الممارسة "، ومعوقات في طريق تطوير العلوم الإسلامية، وتطوير فهم العلوم الإسلامية وأثره في تكوين الأئمة، وتأويل النصوص الدينية بين الائتلاف والانحراف، ومن الضوابط المتعلقة بنقد النص الديني وتفسيره، ومشروع مقترح لضبط ممارسات الفتوى في الفقه الإسلامي.. وهلم جرا..

وفي تلك الكتب والأبحاث نجد أن الدكتور " معتمد علي أحمد "  لم يتقيد بمذهب معين فيها، بل اختار من المذاهب الفقهية في كل حادثة وسؤال ما يراه أكثر ملائمة لظروف الحال والزمان، وأكثر جرياً وتوازناً مع المقاصد العامة للشريعة، وأدفع للحرج، وأبعد عن التضييق سوي ما يستدعيه مبدأ سد الذرائع للاحتيال علي الحكم الشرعي، ويخشي فيه سوء التطبيق، فهو يري أن الشريعة الإسلامية السمحة الخالدة لا يمثلها مذهب واحد، أياً كان، وإنما يمثلها مجموع المذاهب الفقهية والاجتهادات المعتبرة في كل موضوع، لو لم تكن في المذاهب المدونة، فأختار فيها ما رأه أسد دليلاً وأٌقرب إلي مقاصد الشريعة.

علاوة علي أن تلك الكتب والأبحاث فتحت الباب لتدريس علوم الحديث بأسلوب جديد مطور، مما سهل علي طلاب العلم، تناول منهج علم الحديث بأسلوب عصري، يتناسب مع مستوي التدريس الجامعي، بجميع مراحله، الليسانس، والماجستير والدكتوراه، وفي كل مرحلة لها أسلوبها المناسب لها، فمرحلة البكالوريوس، لها أسلوب تعليمي خاص، ومرحلة الماجستير والدكتوراه لها أسلوب تعميقي أكبر في موضوعات معينة، كان الدكتور معتمد يعتني بها.

ورغم أن الدكتور " معتمد علي أحمد "  كان عالماً في مجال تخصصه " علوم الحديث "، فقد كانت له إسهامات أخري في مجال الدراسات الإسلامية، مثل الفقه وأصوله، ففي مجال الفقه قدم لنا آراء بناءة  تظهر من خلالها معالم شخصية مبدعة، ومخلصة أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي في هذا العصر، فرأيه في المذاهب الفقهية رأي معتدل، ليس كمن رفضها نهائياً، ولا كمن تعصب لأحدها، وإنما يجب أن يستفاد منها جميعا بأن تُجعل كالآراء في المذهب الواحد، ويجب أن يختار العلماء أيسرها بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، من خلال ضوابط معينة، وليس بالهوي والتشهي ؛ خاصة  وأن علم الفقه كما يراها الدكتور "معتمد علي أحمد" بأنه من أشرف العلوم، وهو المعين الذي حفظ للأمة  الإسلامية وجودها بين الأمم علي اختلاف العصور، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ولا حياة للأمة بدونه، كيف لا وهو علم الحلال والحرام، وهو جامع لمصالح الدين والدنيا، ولبي مطالب الأمة في جميع ما عرض لها من أحكما ومستجدات فساير حاجاتها وواكب متطلباتها فكان بحق هو فقه الحياة... اهتم معتمد علي أحمد بتطوير عرض الفقه الإسلامي وتبسيطه ليكون في متناول طلية كلية الآداب – قسم الدراسات الإسلامية، مع حفاظه علي التأصيل الفقهي والمستوي الجامعي، وكانت له عناية شديدة بكل من طريقة العرض الميسر للمادة، والتحقيق والتنقيح لكثير من المسائل الفقهي، من خلال المناهج والتدريس.

أما في مجال الفقه فقد كانت له آراء بناءة؛ حيث ظهر من خلالها بأنه ذو شخصية مبدعة، ومخلصة أثرت في مسيرة الفقه الإسلامي في هذا العصر، فرأيه في المذاهب الفقهية رأي معتدل، ليس كمن رفضها نهائياً، ولا كمن تعصب لأحدها، وإنما ( كما قال في أغلب كتاباته) بأنه يجب أن يستفاد منها جميعا بأن تُجعل كالآراء في المذهب الواحد، ويجب أن يختار العلماء أيسرها بما يتناسب مع متطلبات الزمان والمكان، من خلال ضوابط معينة، وليس بالهوي والتشهي؛ خاصة وأن علم الفقه (كما يراها معتمد علي أحمد) بأنه من أشرف العلوم، وهو المعين الذي حفظ للأمة  الإسلامية وجودها بين الأمم علي اختلاف العصور، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، ولا حياة للأمة بدونه، كيف لا وهو علم الحلال والحرام، وهو جامع لمصالح الدين والدنيا، ولبي مطالب الأمة في جميع ما عرض لها من أحكام ومستجدات فساير حاجاتها وواكب متطلباتها، فكان بحق هو فقه الحياة. واتضح لنا ذلك من اهتمامه بتطوير مناهج الفقه الإسلامي وتبسيطها لتكون في متناول طلبة كلية الآداب – قسم الدراسات الإسلامية، مع حفاظه علي التأصيل الفقهي والمستوي الجامعي.

أما في مجال أصول الفقه فقد اعتمد الدكتور "معتمد علي أحمد" علي مصادر التشريع الإسلامي، والأصلية والتبعية، مع التركيز علي بعض المصادر التبعية، مثل الاستحسان، والاستصلاح، والعرف، وذلك لأهميتها في الاجتهاد في العصر الحاضر، فعليها يكون، فعليها يكون -غالباًً – تجديد الأحكام وتطويرها بما يتلاءم مع كل مكان وزمان، لكن من غير تعد علي الأصول العامة، والأدلة القاطعة في التشريع الإسلامي.

وفي نهاية حديثنا عن الأستاذ الدكتور " معتمد علي أحمد " لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة للزميل والصديق الفاضل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

2249 نجيب محي الدينرحيل رمز من رموز الوطنية والديمقراطية والتنوير والنزاهة في العراق الأستاذ نجيب محي الدين في ذمة الخلود 1925-2021

وافت المنية الشخصية الوطنية والديمقراطية الاستاذ نجيب محي الدين عن عمر ناهز السادسة والتسعين في العاصمة الأردنية عمان يوم الخامس والعشرين من شباط عام 2021. ولد الفقيد في قرية الخالص (دلتاوة) في محافظة ديالى عام 1925، من عائلة مثقفة وأب مثقف يواظب على قراءة المجلات والصحف وخريج المدارس العثمانية. كما انه كان يحتفظ بمكتبة صغيرة لم تسمح زوجته بالاقتراب منها حتى لو كان أحد أبنائه. ربما بناء على وصية تركها الاب لزوجته،هذه المكتبة التي أحتوت على مجلات الهلال، والمقتطف، وكتب نقولا حداد، وشبلي شميل ومؤلفات رواد الفكر التقدمي والاتجاه الوطني . ويشير الاستاذ نجيب محي الدين إلى سيرة والده قائلاً:" قدرت لاحقاً ان والدي كان يؤمن بالافكار التقدمية برغم حرصه على اداء الصلاة". عمل الأب كإداري في أحدى دوائر الدولة العراقية، وكانت آخر وظيفة له قبل رحيله المبكر مدير الخزانة في بعقوبة. بعد إنهاء التلميذ نجيب محي الدين دراسته الإبتدائية في الخالص، إنتقلت العائلة إلى مدينة بعقوبة، بعد نقل الوالد إلى وظيفة في بعقوبة، حيث باشر التلميذ نجيب محي الدين إكمال الدراسة في متوسطة بعقوبة المتوسطة التي أنشأت في عام 1935.

وفي سن مبكر تعرف على الفكر التقدمي الديمقراطي عندما بدأ يتلقى جريدة الأهالي ويطلع على مضامينها في مطلع عام 1932. وداوم على قراءتها بعد معاودة صدورها في عام 1943 تحت أسم "صوت الأهالي" التي أضحت البوابة للدخول في معترك العمل السياسي والإنتماء إلى الحزب الوطني الديمقراطي منذ أول أيام تأسيسه في شهر نيسان عام 1946. في تلك المرحلة من حياته السياسية بدأت تتبلورت في ذهنه قيم الإنتماء إلى الهوية الوطنية العراقية والديمقراطية والتصدي ونبذ وباء الطائفية والتعصب المذهبي والتعصب العشائري الذي لا يبني بلداً ولا يعزز استقراره وتنميته، كما نرى الآن بأم أعيننا مع إستفحال هذا الداء الذي يحرق الأخضر واليابس في أرض السواد والجبل. وأصبح معيار المفاضلة عنده في تقييم الناس والأحزاب والتيارات السياسية هو مقدار التعلق للعراق وخدمته.

أكمل الفقيد الدراسة الأعدادية في بعقوبة. ويروي الفقيد الاستاذ نجيب محي تلك الأيام في لقاء له مع أحد الصحفيين:" في تلك الايام كنا نلمس جدية المعلمين وحرصهم على تعليمنا وتربيتنا وكأنهم آباؤنا ومازالت اتذكر منظر الاصطفاف المدرسي في ساحة المدرسة صباح كل يوم قبل التوجه الى صفوف الدراسة عندما يتقدم احد التلاميذ لقراءة قصيدة امام المعلمين والتلاميذ وكان معظم الطلاب يترددون ويخجلون، بالنسبة لي كان لي قدراً من الجرأة والرغبة لالقاء القصيدة امام زملائي التلاميذ". ثم إلتحق بدار المعلمين العالية في العاصمة بغداد. وتخرج منها في نهاية الأربعينيات، ليعين بعدها مدرساً في متوسطة الخالص التي مكث فيها ثلاثة أشهر، وسرعان ما نُقل إلى ملاك مدرسة أعدادية بعقوبة للبنين، ثم أصبح مديراً للمدرسة، ثم معاوناً لدار المعلمين الريفية في بعقوبة في عامي 1952-1951.

بدأت بوادر الحراك الشعبي في العراق يبرز من جديد في الأفق بالرغم من بطش السلطات العراقية آنذاك بالحركة الوطنية والديمقراطية وملاحقة كل أنصار التيار الوطني والديمقراطي التقدمي التي بدأت بإعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي فهد ورفاقه عام 1949. وساهم الفقيد نجيب محي الدين في مقر عمله في بعقوبة بنشاط لدعم هذا الحراك الذي إندلع في تشرين الثاني عام 1952. وأدى ذلك إلى فصله من الخدمة في عام 1952 جراء تأييده لمظاهرات طلبة دار المعلمين في بعقوبة، وإضطر للعمل في القطاع التعليمي الخاص في بغداد مدرساً في مدرسة الثانوية الجعفرية. وأتاح وجوده في بغداد الاتصال والتعرف بزعيم الحزب الوطني الديمقراطي كامل الجادرجي وتطورت العلاقة به مع مرور الزمن، والذي شجعه على الكتابة والنشر في الصحف. ونشر له اول مقال في جريدة صوت الاهالي بتاريخ 29/7/1953 بافتتاحيتها تضمنت "الدعوة الى عقد مؤتمر للمعلمين" لأول مرة في تاريخ العراق. وإنغمر بنشاط في الحركة الوطنية العراقية وتعرض للإعتقال في وثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث وفي انتفاضة عام 1952 ضد القمع الذي وحهته الحكومة العراقية ضد الحراك الطلابي وفي انتفاضة عام 1956 ضد العدوان الثلاثي ضد الشعب المصري. وفي عام 1957 جرى تعيينه أستاذ مساعد في كلية الزراعة في بغداد، ثم مدير مفوض في شركة الزيوت النباتية العراقية في عام 1958 قبيل الثورة.

وفتحت ثورة تموز عام 1958 آفاق الإبداع لدى الفقيد نجيب محي الدين، وساهم في تحقيق حلمه بإنشاء نقابة للمعلمين في العراق بعد أن فسحت السلطة الوطنية المجال بتشكيل النقابات والجمعيات في العراق. وانتخب الفقيد نقيباً للنقابة في دورتين متتاليتين في عام 1959-1960. وكانت نقابة المعلمين في مقدمة كل النقابات التي تشكلت من حيث فعالياتها ونشاطاتها وما قدمته من مكاسب للأسرة التعليمية وللتعليم في العراق، ورفع مكانة المعلم وأهمية التعليم لإنتشال العراق من دائرة الركود والتخلف. وتولى الفقيد منصب مدير التعليم الإبتدائي في العراق بعد الثورة. وإستطاعت النقابة بقيادته المشاركة بنشاط في حملة مكافحة الأمية وتوسيع حملة التغذية في المدارس الإبتدائية العراقية وحملة توفير السكن وتوزيع الأراضي بأسعار رمزية على منتسبي المؤسسات التعليمية وتوفير ضمانات صحية للأسرة التعليمية وتأسيس دور الحضانة لأولاد المعلمات وتوفير الظروف لحصول أفراد المؤسسات التعليمية على الشهادات العليا. وعملت النقابة على وضع معايير مهنية في التعيين والتنقل بعيداً عن قيم بائسة يجري العمل بها بعدئذ أدت إلى تدهور العملية التعليمية. وتولت النقابة المبادرة في تأسيس جمعية إستهلاكية للمعلمين تعرض سلعها بأسعار تتناسب مع دخل أفراد الأسرة التعليمية، إضافة إلى تأسيس صندوق ضمان للمعلمين لمنح القروض لسد حاجاتهم. كما تولت النقابة نشر مؤلفات المعلمين وتشجيع التأليف والترجمة، وإصدار مجلة "الأجيال" الناطقة بلسان النقابة. وعملت النقابة بشكل مستقل عن الأحزاب السياسية وحاولت الحد من الهيمنة عليها من قبل الأحزاب.

هذه الإنجازات التي حققتها النقابة كانت هي الأخرى محط حقد قوى الردة والظلام في بلادنا، والتي بدأت بحملة الإغتيالات التي طالت بعض أعضاء النقابة ومنهم المعلم الشهم ممدوح الآلوسي الذي اغتيل في ساحة عنتر عام 1959، ثم تلا ذلك هبوب الريح الصفراء التي عصفت بالعراقيين في 8 شباط عام 1963 التي صفت كل ما أنجزته النقابة إضافة إلى تصفية العديد من رموزها وفي مقدمتهم الشهيد متي الشيخ. وتعرض الفقيد نجيب محي الدين إلى نفس المصير حيث أضحى نزيل سجون ذلك العهد الأسود ليقبع عدة سنوات في تلك الأقبية، وليحاكم بعد إنهيار حكم البعث من قبل القاضي والكاتب العراقي فؤاد التكرلي الذي حكم بإطلاق سراحه وتبرئته من التهم الموجهة ضده. وإضطر بعدئذ للعمل كمدير مفوض في شركة المطاط العراقية (1964-2003).

ولعل أجمل ما كتب عنه هو زميله ورفيق درب الفقيد نجيب محي الدين، الأستاذ أمجد حسين حين دون هذه العبارات:" أولى سماته أنه لا يتغير، بمعنى: لا يتلون (وليس بمعنى: لا يتطور) . فمنذ عرفته في أواخر العام 1959 حتى اليوم بقي " لونه " ثابتاً، رغم كل " شموس" السلطة التي لونت بأشعتها بشرة الكثيرين . وهنا، رب سائل يستفهم عن لون " بشرته " العقلية والسلوكية. هو الذكاء البناء والأستقامة والأنفتاح وتحمل الأوزار والتواضع وأنعدام الكراهية وصدق المحبة (التي تقترب أحياناً من الحب، الذي أفرده للراحلة الغالية عفيفة يوسف عثمان، شريكة عمره حتى بعد رحيلها".

سلاماً لأبي سعد وهويفارقنا إلى مثواه الأخير، يفارق محبيه، ويبقي على تراث مجيد حققته هذه الشخصية العراقية الوطنية التنويرية. لترقد أيها العزي يسلام وللعائلة الكريمة آل محي الدين ولكل رفاق دربه ولكل محبيه آيات من الصبر والسلوان.

 

بقلم عادل حبه

 

 

 

محمود محمد عليعندما يتناول المرء المجال الجيوسياسي لحضارة ما، عادة ما يربطها بالعوامل الكبرى الفاعلة بصيرورة الأحداث ومصيرها، وبالتكوينات التاريخية المستقرة للأحداث وبالتحولات في المنظومات والعلاقات الدولية، وبالمفاهيم النظرية والتطبيقية التي تساعد علي فك ألغاز التاريخ، وعلي إدراك العوامل التي أدت إلي تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية، وإدراك طابع الحروب العسكرية والاقتصادية والنفسية . ولكون المهمة المطروحة في هذه المقالة تسعي إلي الكشف عن نظرية تحالف الحضارات من وجهة نظر سهيل فرح، فقد سئل الرجل عن ذلك فقال: " والحوار باعتقادي، هو قيمة مطلقة بذاته، وهو اليوم أصبح مكسباً من مكتسبات الثقافة، والحياة السياسية السليمة والشفافة.. غير أن البعض ممن كان يرفضه بالأمس، أصبح يقدمه اليوم على أنه "الحل المثالي" لأي خلاف، أو اختلاف، أو نزاع. وبعد عقود وعقود على سيادة "الافكار الثورية" والتي كانت تعتبر الحوار مساومة وتسوية وتنازلاً، وبعد مرحلة تمجيد سلطة الحزب الواحد (ضمير الامة) والزعيم الأوحد (القائد الملهم وسبب وجود الامة)، إذا بنا ننعطف 180 درجة فيصبح الحوار مضغة تلوكها الأفواه ومشجباً تعلق عليه كل المزايا. فما العمل لتنقية الحوار من شوائبه وتطهيره من دواخله وليكون فعلاً أداة الشعوب للتفاهم والتعايش؟

ولم يكتف "سهيل فرح" بذلك بل يقول:" يقوم الحوار بين مختلفين متعددين. فإما أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن اعترافا بالتعدد والاختلاف، وإما أن نزعم بأننا متطابقون، فلا تكون لنا حاجة بالحوار. ولكم زعم الكثيرون منا في الماضي أنهم يريدون قولبة البشر في قالب واحد، وكم حاولوا إكراه الناس على معتقد واحد.. إلا أن حقائق الحياة هزمتهم وأولها حقيقة الاختلاف بين البشر. فالاختلاف (أو التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة،ومتحققة بداهة، في أي اجتماع إنساني، أكان على مستوى محلي أو وطني أو إقليمي أو عالمي. لذلك فإن السعي إلى إلغائه، بدعوى التوحد والمطابقة، هو سعي عقيم ينم عن سوء فهم وسوء تقدير، هذا في أحسن الأحوال. والتعايش مع الاختلاف أو التعدد ضمن الوحدة يفرض اعتماد "مشتركات" (تفاهمات استراتيجية أو توافقات وطنية) لا تنهض بدونها حياة اجتماعية أو يقوم مجتمع دولي .

عمل سهيل فرح ورفاقه الروس في حوار الحضارات والثقافات بين روسيا والاسلام إذ هي تفلح وتحرث في حقل من الألغام ومن الحدود الدامية بين الطرفين.. إن المشكلة في حد ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمة لمصالح مختلفة، فهذا شأن طبيعي بين البشر، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مصالح مشترك، أو من تخريب هذا النظام إن كان موجوداً.. على الحوار أن يبدأ إذن،  من الاعتراف بالآخر كما هو، شريكاً مختلفاً، ومن احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه، واعتباره حافزاً على التكامل لا داعياً إلى الافتراق. وعليه فإن الحوار لا يدعو الآخر إلى مغادرة موقعه الطبيعي والتخلي عن تطلباته المشروعة، ولا يسعى إلى استيعابه، كما لا يسعى الى التماهي معه. إن الجهد الحواري ينصب على اكتشاف المساحة المشتركة، وبلورتها، والانطلاق منها مجدداً ومعاً في النظر إلى الأمور، ما يسمح بتحصيل خلاصات جديدة ينبني عليها تفاهم أكثر عمقاً ومواقف أكثر ايجابية.

والحوار بهذا المعنى في نظر "سهيل فرح" يتجاوز خطة "التقارب والتقريب"، أو سياسة "التحالف والاستيعاب"، ليدخل في مشروع "التضامن" مع شريك كامل الاعتبار والندية، من خلال اعتبار المشتركات شأناً أساسياً لكل طرف تتحقق بها مصالحه . فالتضامن (وهو صيغة عزيزة على إخواننا من أصحاب التجربة الروسية) ليس انضواء خلف طرف أو مركز (كما أيام الكومنترن)،وليس إرتباطاً بسلطة عليا آمرة (كما في الحاكمية الإلهية وولاية الفقيه)، وإنما هو تظهير وتجسيد للمشتركات وللخلافات في آن معاً، فنعمل على تنفيذ وتطوير المشتركات التي تسمح بنمونا المشترك، ويعذر بعضنا بعضاً في ما لا نتفق عليه، من دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم- قرآن كريم). والحوار الحقيقي يتطلب من المحاور شجاعة في المراجعة ومساءلة الذات، إذ هو في معناه الأعمق قدرة على رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بملاحظة اعتباراته ومعاييره الخاصة.

إن النجاح في بلورة المشترك، مع القدرة على التزامه في نظر "سهيل فرح"، هو عينه النجاح في إقامة "التسوية" على أساس من الوعي والقناعة... وما التسوية إلا عقد ينطوي على أخذ وعطاء وتنازلات متبادلة بالضرورة.. فالعقد الاجتماعي الذي يقوم عليه السلم الأهلي في المجتمعات إنما هو في الجوهر تسويات كبرى مركبة تتطلب عناية مستمرة وحسن تدبير من قبل أصحابها مثلما تتطلب إبداعاً في تجديدها بموازاة مستجدات الحياة. والتوافقات الكبرى أو التفاهمات الاستراتيجية على المستوى العالمي هي من النوع الذي يقيم تضامناً حوارياً بين ثقافات وشعوب مختلفة..

ولم يكتف سهيل فرح بل يؤكد بإن الحوار بحاجة إلى فكر يحترم الفروق والتنوّع إلى الحقائق المجتمعية الوطنية والدولية ماهيات مركّبة ذات وجوه وأبعاد كثيرة، لا جواهر بسيطة مطلقة ذات بعد واحد.. الحوار فكر يجيد التبادل والتأليف انطلاقا من توسّط مشرِّف، من غير أن يجنح إلى دمجية كلانية تلغي المسافات والتخوم، أو يقع في تفريعية انقسامية عصبية تقطع العلائق وتعدم التواصل.

إن مجمل المفاهيم المتصلة بالحوار في نظر "سهيل فرح" تحملنا على الاعتقاد بأنه نهج حياة وأسلوب عيش ليس مجرد وسيلة تنتفي الحاجة إليها عند تحقيق غرض معين لذلك هو دائم متجدد يستجيب لبداهة الحياة وضرورات التواصل والإجتماع. وهو إلى ذلك موقف في غاية الإقدام والشجاعة ولا سيما أثناء صعود الغرائز والعصبيات لأنه يتجنب الهروب إلى الأمام بالتطرف أو الهروب إلى الوراء بالسلبية والانسحاب التطهري.

وفي نظر "سهيل فرح" لا ينجو مفهوم الحوار في بلادنا من تحريفات متنوعة تنأى به عن غايته الحقيقية فيغدو أحياناً شكلاً من أشكال النزاع البارد حين يعتبره البعض مناقشة ومجادلة (استقصاء في محاسبة الآخر ومخاصمته) أو مساجلة (مباراة ومفاخرة وسعياً إلى الغلبة)؛ كما يغدو أحيانا أخرى آلية قاصرة عقيمة حين يعتبره البعض تبادلاً لوجهات النظر بديبلوماسية ماكرة أو هدنة بين وقتين للنزاع أو إنه أفضل المتاح مؤقتاً من بين خيارات كلها سيئة.. وفي مختلف الأحوال فإن انتفاخ الذات يحول دون التواصل والتبادل أي إلى الحوار الحقيقي.

إن الحوار كما يقول "سهيل فرح" بحث دائم عن المشترك بانفتاح وتواضع على أساس فكرة التسوية واستناداً الى قيم التوسط والاعتدال.. أما بدائل الحوار فتعني عملياً الاستمرار في الخصام، وتحّين الفرصة للإنقضاض على الآخر مع ما يرافق ذلك من إضعاف لمقومات اي مجتمع ومن إهدار لما راكمته الحياة المدنية والعيش المشترك والتراث الإنساني العالمي.. وهذا كله يتجاوز في أثره الحاضر والراهن ليمثل اعتداء على مقومات المستقبل. إن هدف الحوار هو الافساح في المجال أمام البشر للتعرف والتعارف المتبادل كمقدمة للفهم والتفاهم المتبادل (...)، ولا يمكن للحوار أن يبنى على غير معايير الحقيقة والحرية والعدالة المقبولة دينياً وأخلاقياً لدى كل الشعوب والحضارات.

وثمة نقطة مهمة يشير إليها سهيل فرح وهي "أنه بدل فكرة الصراع والصدام والحروب الثقافية، هناك ميل لدي فئات ليست قليلة في هذا الكوكب للحوار المتكافئ واللقاء . فالقيم والمفاهيم والمبادئ والرؤي يمكن أن تنتشر داخل الثقافة الواحدة بسلام، كما أنها يمكن أن تتفاعل مع الثقافات الأخرى بالروحية نفسها . المطلوب في البداية هو تحرير الثقافات المحلية والعالمية من خطر اللاثقافة الممثل بالاستسلام للغريزة والمخدرات، والعنف، والجنس الرخيص، والإنبهار الأحمق بكل قيم الثقافة المادية الإستهلاكية . فالإنسانية، وكما يشير عن حق المفكر الروسي، إيغور بستوجوف –لادا، تحقق ذاتها من خلال إقصاء خطر اللاثقافة.

ويستطرد سهيل فرح فيقول: قبل أن يفتش الإنسان عن تفادي الصدام مع الآخر عليه أن:" يبحث في نفسه عن السبب الذي أدي إلي عدم إيجاد لغة من الحوار الهادئ، واللقاء الدافئ مع الآخر . علينا أن نحرر أنفسنا من خطر الإنغلاق، والتطرف، والتعصب، وأن تكون علاقتنا مع أنفسنا نقدية . فكلما كان الإنسان منفتحاً مع الآخر، كلما كانت قدرته علي الحوار أقوي . وهذا ينعكس أيضاً علي العلاقة بين المجتمعات والحضارات. والعلاقة بين الثقافات ليست بالضرورة علاقة دائمة ترتكز علي النزاع والصدام والتناقض . داخل كل حضارة قوية أو ضعيفة، وبين كل جماعة دينية أو إثنية وبين جيران الأحياء وداخل الأسر، وفي داخل كل واحد منا المنفتح والمنغلق، المتسامح والمتعصب، الديمقراطي والمستبد،المحب والمبغض، المسالم والدموي، والكل مدعوون إعلاء الجوانب الإيجابية في ذواتهم وذات الآخرين.. فرغم أن الصراع والحروب يحتلان مساحة مهمة في العلاقة بين الأنا والآخر، فإن هناك أيضاً مساحات أخري من التفاعل والتواصل الخلاق بين الثقافات ينبغي العمل علي تطويرها.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل نظرية حوار الحضارات من وجهة نظر العالم المبدع سهيل فرح، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي نظرية حوار الثقافات والحضارات لمفكر مبدع، ونموذج متفرد لعالم مثل سهيل فرح، ذلك الرجل العظيم الذي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

..............

1- فرح، سهيل: لقاء الثقافات أم تصادمها، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 104، 2001.

2- فرح، سهيل: الجيوبوليتيك الروسي ملامح القوة والضعف،، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 112،2003.

3- فرح، سهيل: المفكر العربي بين سلتطه و تسلطه، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، العدد 127،126، 2003.

4- فرح، سهيل: العولمة الثقافية ومصير الحضارات مقاربة أمريكية روسية، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 113، 2004.

5- فرح، سهيل: الدين والسياسة في روسيا: ( الكنيسة الأرثوذكسية والسلطة مثالاً )، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 118، 2005.

6- فرح، سهيل: نقد النقد والتواصل مع الذات والآخر، الفكر العربي، معهد الإنماء العربي، مج، 20، ع، 96، 1999.

7- فرح، سهيل: الاستشراق الروسي: نشأته ومراحله التاريخية، معهد الإنماء العربي، مج،5، ع31،1983.

8- فرح، سهيل: حول التراث العربي الإسلامي: وجهة نظر فلسفية للاستشراق السوفياتي، مجلة الفكر العربي المعاصر، معهد الإنماء العربي، مج22، 20، 1982.

9- فرح، سهيل: الجيوبوليتيك الروسي ملامح القوة والضعف، شؤون الشرق الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، ع 112، 2003.

 

 

محمود محمد عليمن أي مكاناً تُقارب روسيا، من إيفان الرهيب، وكاترين، والقياصرة، أم من مؤسس المسيحية الأمير القديس "فلاديمير"، أم من الراهب "راسبوتين"، من "لينين" أم "جوزيف ستالين"، من " يلتسين" أم من "بوتن" .. روسيا الكنيسة الأرثوذكسية التي عصيت علي السوفييت سبعين عاماً، وما استطاعوا دفنها، وعادت فاعلة في المجتمع والسياسة .. روسيا "بوشكين" و"تولستوي" .. أم روسيا المستشرقة، أو الشرقية، أم روسيا حوار الحضارات .

قصدت أن أستهل هذه المقدمة التمهيدية لأتحدث عن الباحث اللبناني البروفيسور "سهيل فرح " ذلك العالم والمفكر، والذي أصفه دائماً، بأنه يمثل بالنسبة لنا نحن العرب، واحداً من أبرز الوجوه الأكاديمية والفلسفية على الساحتين العربية والروسية على مدى العقود الماضية، والحاصل على وسام روسيا للصداقة الذي قلده إياه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف عام 2011، وهو العام الذي تم فيه اختياره شخصية العام في ميدان العلوم في روسيا .

كما ساهم سهيل فرح في تدشين حقل معرفي جديد مرتبط بعلم الحضاريات. يطلع برؤية تكاملية علمية- منهجية تقدم رؤية استراتيجية جديدة للجيل الخامس من الحضارات على كوكبنا أطلقوا عليه تسمية الحضارة الإنسانية النووسفيرية، الذي يسعى ليكون بديلاً للازمات العضوية المستفحلة التي تعيشها حضارة الإنسان اليوم وعلى كل الصعد.

وسهيل فرح (مع حفظ الألقاب)، لبناني الأصل روسي الجنسية، وهو صاحب العديد من المناصب العليا في روسيا كرئيس للجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، ولايزال، ورئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا العالم الإسلامي، ونائب لرئيس المعهد العالمي لبيتريم سوروكين ونيكولاي كونرانوف، وعضو مجلس رئاسة المنتدى العالمي للثقافة الروحانية “كازاخستان”، وهو أيضاً عضو أكاديمية التعليم الروسية والأستاذ في فلسفة العلوم والحضارات والأديان فى جامعتى لبنان وموسكو والمرشح لجائزة نوبل للسلام أن الثقافة تنقذ الإنسان ويمكنها أن تلعب دوراً مهما في درء كافة أنواع التعصب والتطرف بين حملة الخطابات الدينية، أو الأيديولوجية، أو الفكرية، أو الفلسفية المختلفة. وهو كذلك عضو مجلس رئاسة المنتدى العالمي الحضاري يالطا ٢ . ومنح في عام 2000 ميدالية بوشكين الدولية، وفي 2004 منح وسام الصداقة بين الشعوب. كما شغل عدداً من المناصب العليا في روسيا كرئيس للجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، ونائباً لرئيس المعهد العالمي لبيتريم سوروكين، ونيكولاي كونرانوف، وعضو مجلس رئاسة المنتدى العالمي للثقافة الروحانية "كازاخستان". والمؤلف لعشرات الكتب العميقة.

علاوة علي أنه أيضاً مثال للعالِم المتواضع، وهذه خصال حميدة جسدها في شخصه، وفي سلوكه، وفي كل حياته، فجاء كتابه ناطقاً بما في ذاته، كاشفاً عما في قلبه. وقد أفاض "سهيل فرح" إلى جانب ذلك كله، حباً ومودة، صدقاً وصداقة، شجاعة ومسؤولية في معالجة شؤون الوطن والأمة، لا بل شؤون العالَم الصديق وثقافات وشعوب هذا العالم، وأخصها الشعوب الروسية وحضارتها.. وكان ذلك بوحي من المعاني الخالدة والملهمة في قِيَم الأديان كلها وفي الثقافات الإنسانية جمعاء.

وُلد الدكتور سهيل فرح عام 1951. وبدأ مسيرته العلمية العليا من موسكو، فحاز درجة الماجستير في الإخراج التلفزيوني عام 1979، ثم ناقش رسالة دكتوراه في فلسفة التاريخ في الجامعة نفسها عام 1984 وحصل على درجة دكتوراه علوم من جامعة نيجني –نوفغورود عام 2001 .

درس الفلسفة في جامعة وهران ويدرسها في الجامعات اللبنانية منذ عام 1992م، وهو أستاذاً زائرا في جامعتي " موسكو الحكومية، وجامعة نيجني نوفغورود، وعضواً في أكاديمية التعليم الروسية، ورئيساً للجامعة المفتوحة لحوار الحضارات، وكذلك مستشاراً علمياً لجمعيات ثقافية في روسيا، وألمانيا، وقزخستان، والجزائر.

ساهم "سهيل فرح" بأكثر من مائة وخمسين بحثاً، وفي تنظيم سبعة وعشرين مؤتمراً علمياً، ودولياً، وهو عضو الفريق العربي للحوار الإسلامي – المسيحي، والفريق الاستراتيجي لمنظمة روسيا والعالم الإسلامي،ورئيس الهيئة الإدارية للبيت اللبناني الروسي .

وقد صدر له أكثر من ثلاث وعشرين كتاباً، ترجم منها إلى العربية والروسية والانجليزية، تركز معظمها على موضوعات فلسفة العلوم وقضايا حوار وشراكة الحضارات والأديان والثقافات المتنوعة، والحضارات والأديان؛ حيث تلاقي أعماله صدى واسعاً في العالم العربي وروسيا على حد سواء.

ومن أهم كتبه "الحضارة الروسية.. المعنى والمصير" الذي يحاكي الحضارة الروسية بكل ما تحمله من تاريخ عريق ومن جغرافيا واسعة، وكتاب "حوار وشراكة الحضارات" الذي تم على أساسه وأساس غيره ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، فيما ارتبط نشاطه منذ دراسته في جامعة موسكو في مطلع السبعينيات بموضوع حوار الحضارات وقضايا العولمة والمسألة الثقافية في الفكر الفلسفي العربي المعاصر.

وقد حصل الباحث اللبناني، عضو أكاديمية التعليم الروسية البروفيسور، سهيل فرح، على جائزة يفغيني بريماكوف لهذا العام عن كتابه: الحضارة الروسية - المعنى والمصير. وكان لكتاب فرح حول الحضارة الروسية، والصادر عن الدار العربية للعلوم (ناشرون) في بيروت، والحضارة التي يتحدث عنها الدكتور سهيل فرح في هذا الكتاب هي الحضارة الرّوسيّة، ذات الخصوصية في نشأتها وتطورها. يشرع بإلقاء نظرة بانورامية سوسيوثقافية وأنثروبولوجية، تتوخى معرفة جبروت المكان على حراك الروسي في عالم دنياه، وفي توقه الأزلي للروحانيات.

ولما كان "سهيل فرح" يتعامل مع الأفكار كنمط من الوجود الحي؛ فهو ينفتح في عمله، على كل الصعد والمجالات، فنراه يقيِّمُ منظومة القيم، التي حملها الروس في تاريخهم. كما يحاول دراسة التجارب والفتوحات، التي قامت بها الأجيال الرّوسيّة، في المجال الأوراسي. يسلِّطُ الضوء على الإرث الثقافي والعلمي والروحي؛ مما تركته الشعوب الرّوسيّة عبر التاريخ في نقاط انتصاراتها وتعثراتها. يركز على دراسة الإرث الذي تمثَّل ويتمثَّل في وعي الروس لقوانين التطور في الطبيعة والمجتمع، (العلم)، وفي الفهم الوجداني والسلوكي لأنماط التفكير والسلوكيات (الثقافة)، كما يسلط الضوء على حصيلة القواعد النفسية، والمثل والمحفزات (السلوكية النفسية، الإيديولوجية، الدين) ويرصد طرق نقل التراث الثقافي وأشكاله من جيل إلى آخر (القيم والتعليم). كما يهتم بالبحث عن نقاط القوة والضعف في الجيوبوليتك الرّوسي. كما يتناول عوالم الاقتصاد والثقافة في تاريخ روسيا المعاصر. ويختتم الكتاب برؤية مستقبلية تستشرف الحضور الروسي، في أوراسيا الكبرى وكذا في العالم.

وقد كان "سهيل فرح " عميق الأثر على لجنة التحكيم المكونة من أرفع الشخصيات المرموقة من بلدان الشرق والغرب، ليحصل على جائزة هذا العام لدوره الملحوظ في التقارب بين ثقافات وأديان الشعوب، كما جاء في نص الشهادة الممنوحة له. وقد اختير سهيل فرح عام 2001 كشخصية العام في ميدان العلوم، حيث قلده الرئيس الروسي آنذاك، دميتري مدفيديف كما قلنا، وسام بوشكين للصداقة بين الشعوب.

يذكر أن جائزة بريماكوف الدولية تأسست عام 2016، تخليدا لذكرى الدبلوماسي ووزير الخارجية ورئيس الوزراء الروسي الأسبق، يفغيني بريماكوف (1929-2015). وتخصص الجائزة لدعم الطاقات المبدعة المشاركة على نحو فعال في تعميق حوار السلام والتعاون بين الحضارات. فقال، عن الجديد في حقل المعرفة الذي تم ترشيحه على أساسه: "يرتكز على مجموعة من المبادئ الأساسية. من الناحية المنهجية، إن رؤيتنا للحضارة رؤية تكاملية علمية تأخذ بعين الاعتبار المقاربة الفلسفية للحضارة، المقاربة التاريخية، المقاربة السوسيوثقافية والجيوبوليتيك، والمطلة أيضاً على علم المستقبليات كوننا ندرس الحضارة الكوكبية - الإنسانية ككل".

وأشار "سهيل فرح "إلى أنه يرتكز مع زملائه في الأكاديمية على "نهج معرفي، ملخصه أن الحضارة على هذا الكوكب مرت بأربعة أجيال من الحضارات، وكل جيل يعيش حركة دورانية حضارية معينة. علما بأن المرحلة التي تعيشها الحضارة الإنسانية المعاصرة تمر بمجموعة من الأزمات لعل أهمها الأزمة الإيكولوجية بمعنى مشكلة الإنسان مع الماء، الهواء، البيئة عموماً، فعندما بدأ العقل العلموي يقتحم عالم الطبيعة غاب التناغم بين الإنسان وأمه الطبيعة".

وقال: "لمكونات كل ظاهرة في الوجود بما في ذلك السياسية، أو العلمية، أو الدينية؛ هناك طاقتان، الأولى بناءة والثانية مدمرة. في الطاقة العلمية، لا يوجد تقدم بدون عقل علمي. وإذا غابت القيم الأخلاقية عن العلم، يصبح مدمراً، ويدخل في المنطقة المظلمة، والمدمرة في الشخصية الإنسانية.

وأضاف: "نحن نشهد نهاية جيل رابع لدورة حضارية كوكبية، وما نراه اليوم أمامنا يشير إلى أن الكوكب في مأزق، لا بل مآزق عضوية في كل المجالات، وتجسيداتها ليست ظاهرة للعيان فقط في لبنان أو الشرق الأوسط. الحضارة الإنسانية كلها تعيش أزمة ايكولوجية، أزمة ديموغرافية؛ إذ يوجد انفجار سكاني في المواقع الفقيرة، ونمو سكاني في المناطق الغنية، والعرق الأبيض على عتبة أن ينقرض نظراً لوجود مشاكل في مناطقهم لأسباب عديدة منها ندرة وجود الأسرة، لا يوجد ولادات، تشريع الزواج المثلي، ناهيك عن الأزمات المستعصية في مجالات المال، الاقتصاد، الاجتماع والطاقة، وكذلك هناك أزمة قيم إنسانية كبيرة جداً".

وأعلن " سهيل فرح " "أن نظريتنا، التي تم ترشيحنا على أساسها لجائزة نوبل للسلام، من قبل علماء روس وأيضاً من قبل أكاديميين فرنسيين، وألمان، وأميركيين، تشير إلى أننا ندشن حقلاً علمياً معرفياً جديداً بعلم الحضارات، يدعو إلى حضارة من نوع جديد، حضارة النووسفيرا، تسود فيها حكمة العقل العلمي والعدالة، وتمثل القيم الإنسانية والسماوية المشتركة... وقد تصل البشرية إلى ذلك بعد الخروج من مآزقها العضوية الحالية إلى حالة بديلة، ستظهر بداية معالمها بدءً من بداية خمسينات هذا القرن".

وقال: "لقد علمتنا فلسفة التاريخ بأن الحلول تولد من بطن الأزمات والمشاكل، مثلما يأتي السلام بعد الحروب، لذلك نحن نعمل على تفعيل حراك الشراكة بين الحضارات والأديان والمعارف المتنوعة، نظرا لوجود صراعات هائلة بينهم. ونسعى لفضح دائم للعقيدة الداروينية- الاجتماعية المسيطرة على عقل من بيده القوة والمال والسلطة والمعرفة في الغرب والشرق معاً... كما أننا نبين محدودية لا بل مخاطر كل عقيدة توتاليتارية بما فيها، لا بل، حصراً العقيدة الدوغماتية الدينية التي تعتقد بأنها تملك الحقيقة المطلقة، فكيف ذلك ونحن نعيش في عالم متنور مفتوحة عقوله على بعضها البعض".

وتساءل "سهيل فرح": "إلى متى سيبقى الصراع بين الأديان، بين الإسلام والغرب؛ وعموماً بين الشرق والغرب، وهل سيبقى الصراع شاملاً بين منظومة القيم الليبرالية، ومنظومة القيم العلمانية من جهة والدينية من جهة أخرى، وهل سنبقى أسرى العقلية الداروينية التي تقول بأن الأقوى هو من يملي شروطه على الآخر أم علينا الانتقال إلى مرحلة انفتاحيه عقلانية أرقى بالعلاقات الإنسانية؟.

وشدد على "ضرورة تجديد الفكر الديني عن طريق إدخال الطاقة الإيجابية التصورية للعلم على الدين وإبعاد حضور ما يسمى بالمقدسات في وعي المؤمنين وإبعاد الدين عن الحروب"، وقال: "نحن نحاول أن نقول بأن هذه الكرة الأرضية حبلى بالأزمات، وما نراه هو أن الحروب تزيد المشاكل الإيكولوجية والأزمة الديموغرافية والهجرة من الشمال الى الجنوب. في كل الحالات نعيش اليوم زمن الانهيارات الاكسيولوجية، فالاستبداد بالشعوب الشرقية يتزايد، ومنظومة القيم الغربية تترهل، ومنظومة القيم الدينية تشيخ".

وأعلن "أننا مع النظرية التي تقول بوجود 12 "بلوك" حضارياً على هذا الكوكب، وكل بلوك عليه ان يفعل وينشط الطاقات الاكثر حكمة ووعياً ورؤية مستقبلية واستراتيجية بعيدة البصيرة والمدى في دواخل وعيه وسلوكه من أجل تجديد الطاقة الثقافية والروحية والاقتصادية لكل شعوب هذا الكوكب. .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

محمد حسين النجمكان جلال يشبهني وهو الامر الذي دائما ما يلتبس على الاخرين فلم يميزوا بيننا، على الرغم من انه كردي وانا لست كذلك، كان يحبني مثلما احبه، جمعتنا كتيبة تدريب المخايرة العسكرية في بغداد، ومن حسن حظنا، ولا ادري ربما من سوء حظ جلال ان محبته لي جعلته يختار البصرة، جلال من كركوك، وانا من البصرة، لا ادري ان كنا نختلف دينيا او مذهبيا، فهو امر لم يكن يوما مدار حديث، كنا عراقيون فقط، وهذا الامر عرفته فقط كوننا تم سوقنا الى الجيش، فغير العراقي لا يساق، وحتى هذه كانت من الثوابت، فاختلاف قومياتنا كانت تمنحنا بعدا حميميا، بل ان جلال، حين منحونا فرصة اختيارالمكان الذي سيوزعوننا اليه، اختار البصرة حبا بي، سالته: لم لم تختر كركوك؟ قال: اريد ان نكون معا، كان يتحدث عني مع اهله فشوقهم لرؤيتي، مثلما كنت اتحدث عنه، كان جلال كتلة خلق تمشي على الارض، تهذيب عالي وعواطف سامية وثقافة، وللحق اقول، لم اكن اعرف ان جلال يشبهني الا يوم ان سالني احد الجنود عن امر قال باني وعدته به، كنت حينها اجلس على سريري في قاعة ممتدة، وحين اخبرته بان لا علم عندي بما يتحدث عنه، اوشك ان يزيدني تذكيرا لولا انه توقف فجأة حين رأى جلال يدخل من باب القاعة، التفت لينظر لي ثم لينظر الى جلال ثانية، اعتذر مني وذهب الى جلال، بعد ان وصلا الي هو وجلال سالته: هل جلال من وعدك؟ قال: نعم، قلت اذن لماذا توجهت الي؟ قال: لانكما تتشابهان،

هذا الشبه لم يزدنا الا محبة، واذا كان الصديق هو انت ولكن اخر، كما يرى بعض الفلاسفة، تعبيرا عن الشبه السلوكي والاخلاقي بين اثنين، فما اجمله حين يكون خلقيا ايضا،

عانينا المصاعب معا وتشاركنا معا محنة الواجبات البائسة التي يتم فرضها لاشغال العسكر دون ان تكون ذات قيمة، سهرنا ليالي نتحدث حين لا يسمح لنا بالنزول، وكثيرا ما تجولنا معا في البصرة اعرفه على مناطقها واحيائها، لكننا حين اشتعلت الحرب افترقنا،

 في القدمة الخلفية قبل الدخول الى الاراضي الايرانية لم نكن نعلم ماالذي يجري، كنا في فرضية بالصحراء وجاءنا الامر ليلا ان نتحرك، الى اين؟ لا ندري، انقضت سحابة الليل فوجدنا انفسنا في منطقة (كتيبان) شمال البصرة، وما هي الا ساعات حتى صدر بيان الهجوم على ايران،

كان المبرر للهجوم هو الحشود الايرانية على الحدود واحتلال ايران لبعض القصبات، تقدمنا في الاراضي الايرانية، تهنا ثم اهتدينا، كنا نتمنى ان نرى جنديا ايرانيا كي نحدد مكاننا، توغلنا مسافة مائة وثلاثين كيلومترا ولم نر احد، ثم جاء التحذير، امامنا قطعات علينا ان نتمترس بحفر الخنادق، فيما قامت مدفعيتنا بدك القطعات المقابلة، ليلة بكاملها نصب حممنا على القطعات المقابلة التي لم نر منها الا صفا من المدفعية الموجهة باتجاهنا، ولكنها لم ترد، انقضى الليل وتم تدمير الهدف، يبدو انه يستحق كل الذي تم صرفه من عتاد، ويالخيبتنا حين وصلنا الى الهدف، لم تكن سوى مجموعة من المدافع المستهلكة تم وضعها على منصات، عرفنا لاحقا انها للتدريب كان يستخدمها الجيش الايراني منذ عهد الشاه الذي لم تمر الا سنة ونصف على اسقاطه،

بينما نحن منشغلين بترتيب اوضاعنا ليلة العمليات تلك، وجدت شبحا يدور على المواضع الشقية التي حفرناها، وحين اقترب لم يكن الا جلال، حظنته وحمدت الله على لقاءه ثانية بعد ساعات فراق، كان يحمل كيسا سلمه لي واذا به (لفة طعام)، اين مكانكم؟ قال لي: هناك واشار الى مكان بعيد نسبيا، وظلام الليل وغربة المكان بل وخطورته التي لاندري اين يكمن خطرها تجعل المكان الذي اشار اليه بعيدا، قلت له محتدا: لم جئت من هناك بهذه المخاطر؟ ابتسم، بابتسامته المعهودة وقال: عرفت بانك جائع، حظنته ثانية وجلسنا نتسامر واصوات القذائف تدوي.

كان كل شئ مرتبكا وهو ما منحنا فرصة ان تطول جلستنا، قام مودعا فسرت معه، التفت لي وقال: الى اين؟ قلت له معك حتى اطمئن على وصولك، قال: ومن يطمئنني على عودتك؟ ارجع، قلت له معي بندقيتي وليس معك ما تدافع به عن نفسك وجئتني ، دعني اكون حمايتك، ضحكنا بملء رئتينا، فحين تكون مع جلال لابد ان تضحك بملء رئتيك، كان انيسا، ضحوكا، محبا للحياة ولاصدقائه، اوصلته الى حدود سريته، قال وصلت الان وعد انت مادام هناك بصيص رؤيا اتابعك فيها حتى تصل او توشك، حظنته وعدت، كان فراقا في المسافة بين قطعتينا لكنها لم تكن بين قلبينا، تزاورنا على البعد وتواصلنا كثيرا، ومرت الايام.

بعد استيعاب هجومنا، توقف تقدمنا مع انتشار الجيش الايراني، وتوزعت قطعاتنا بين مناطق ساخنة ومناطق امنة ومناطق ساخنة نسبيا، وفي الوقت الذي انا في منطقة ساخنة نسبيا كان جلال بمنطقة ساخنة، كانت القذائف تتساقط عليهم في اكثر الاحيان، التقينا يوما وسالته كيف الوضع عندكم؟ قال مزري، ولكننا نحتمي بملاجئ نرجو ان تقينا الخطر،

ربما من سخرية القدر، واصراره على ان لا نجتمع، ان يتصل بي امر السرية ليخبرني بان هناك نية للتبديل بين المخابرين في القطعات، فبعضهم اتعبته المناطق الساخنة ويحتاجون الى راحة، ونحن نناور بين المناطق الساخنة والساخنة نسبيا، فالمناطق الامنة هي لخلفيات القطعات ووضع اتصالاتهم افضل، ليس ثمة حاجة لامر السرية ان يبرر، وهو تحدث باسترسال لايقصد به التبرير، فالجميع يعلم بان للمناطق الامنة اهلها وهؤلاء لا يتم تبديلهم الا بموافقات عليا، وهذه العليا تمنع ذلك ، المهم بالامر اخبرني باني ساكون بديلا لجلال، نعم لقد تعب جلال كثيرا ولابد ان يرتاح قليلا، ومكاننا افضل بكثير من مكانه على الرغم من بعض الزيارات الخاطفة للقذائف علينا،

اذن لاستعد للالتحاق هناك، قال لي امر السرية سوف نذهب صباحا الى جلال نسحبه الى هنا وبعدها ناخذك الى هناك، لكي نقلل احتمالات تعرض الجميع للخطر، اتفقنا، واخذت اهيئ نفسي، رزمت امتعتي وسلاحي وانتظرت الصباح،

صباحاتنا دائما ملفعة بزخات قذائف، غالبا ما تبدأ فجرا، بعضها يستمر وبعضها يتوقف، هل اخذت القطعة التي يعمل بها جلال حصتها من القذائف؟ انا بانتظاره وساعلم منه ذلك،

لكن طال انتظاري وشوقي له، مرت الساعات ثقيلة وانا بكامل قيافتي منتظرا وصولهم،

كنا نعمل على اجهزة لاسلكية وهي تغطي قواطعنا، وهي مفتوحة على الدوام، يبدو ان جلال في طريقه الينا، كما يبدو ان قطعته هادئة فلم اسمع صوتا لمحطته، كانت المحطة الرئيسية تنادي على المحطات لتاكيد حضورها الصباحي ، اجاب الجميع، ولم يجب جلال، يبدو ان من معه كانوا مهملين فما ان خرج من المحطة متجها الينا حتى اهملوا الاجابة على المناداة، يبدو انهم بحاجة الى ضبط،

دارت هذه الافكار في خاطري وانا استعد للالتحاق بهؤلاء المهملين واكون مسؤولا عنهم، توقفت المناداة على محطة جلال، احيانا تؤثر الظروف على مستوى الاتصال فينعدم السماع، يبدو انهم لم يسمعوا،

بعد العاشرة صباحا بدأت تظهر شوشرة وكلام مريب بين المحطات، تناهى لسمعي كلام عن هجوم، لم اعرف اين ولكني شعرت بالقلق، لاسيما وان جلال لم يصل لحد الان، ماهي الا لحظات واذا بعجلة امر السرية تظهر من بعيد متجهة الينا، الحمد لله وصل جلال،

اين جلال؟ سالت الامر، قال لم نستطع الوصول فهناك كما يبدو هجوم وعمليات عسكرية منعتنا السيطرات من الاقتراب، ازداد قلقي، قلت له ان محطته لاتجيب، قال هذا ما يقلقني ايضا،

سرعان ما بدأت تظهر التقارير، الهجوم عنيف ونار كثيفة وتقدم ايراني وسقوط القطعة العسكرية،

واين جلال؟ استشهد مع رفاقه في محطته اللاسلكية،

 

د . محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية

 

 

سهيل الزهاويفي بعض الأحيان ينسى المرء أن يُدون صفحات مشرقة في ذاكرة التاريخ عن حیاة المناضلات .. والمناضلين، الذين كرسوا جل حياتهم من أجل قضايا مصيرية تمس حياة الشعب. فهناك من النساء اللاتي تَركن بصمتهن على زرقة السماء الصافية. وفي هذا الصدد ارتأيت الاشارة الى امرأة شامخة، امرأة مناضلة التي سجلت البطولات والتضحيات في أصعب الظروف وأخطرها دون تردد، بل ساهمت في فرش البساط الأحمر أمام اسماء غنموا من الثناء والتكريم ما يكفي ویزید عندما كانوا على قيد الحياة وكذلك في مماتهم ودخلوا التاريخ من أوسع أبوابها، وبينما أولئك المناضلات اللواتي حملن ارواحهم على اكفهن بروح جهادية عالیة في ظرف دقيق وعصيب یصعب على المناضلات العمل فيه ما زالوا كجنود مجهولين.

لقد شغلت المرأة حضوراً واسعاً في معظم الهيئات الحزبية وكانت لهن دور بارز في محطات الحزب الشيوعي العراقي إبان الحملات القمعية الشرسة ضد الحزب وقتذاك، وكانوا في مقدمة الرفاق في إعادة هيكلة الحزب بعد كل ضربة موجعة. بالإضافة الى المهام اللوجستية، مثل الطباعة والضرب على الآلة الطابعة ونقل البرید وتوزيع المناشير ونشر سياسة الحزب بین الجماهير، وتوفير الأدوية، فضلا عن ذلك فقد تبوأت مسؤوليات أكبر في الهيئات القیادیة والوسطية.

لو نتفحص صندوق الذاكرة ونتمعن في سبر غوره فنجد أن مراحل حياة جیران شیخ محمود مليئة بالتفاصيل والنضالات المتنوعة. حيث لعبت دورا استثنائيا وبروح شيوعية في دفاعها المستميت عن حقوق المرأة و نشأتها ونضالها في صفوف الحزب من أجل حقوق الكادحين.

في نهاية عام 1983 التقيت بثلاثة رفيقات في قاعدة كرجال لقوات الأنصار البيشمركة (في هورمان). وهن جیران شیخ محمود، خرمان محمد ونیشتمان احمد. هؤلاء الرفيقات جاؤوا من مدینة السلیمانیة، التي كنت اعد النزول إليها في مهمة حزبية في أقرب فرصة.

كانت الرفيقات يتمتعن بمعنويات عالية جداً. أعمالهن الجريئة كانت تنم على روح التحدي والصمود والإرادة القوية والمثابرة وروح المغامرة المحسوبة من أجل توفير حياة كريمة للآخرين.

 المسؤولة الحزبية للخط النسائي الرئيسي كانت الرفيقة جیران شیخ محمود. الرفيقات الثلاثة الآنفة الذكر شكلن مع الرفيقة بسوس، منيرة (اللجنة النسائية الحزبية داخل مدينة السلیمانیة). إضافة إلى المهمات الحزبية الملقاة عليهن في سعيهم الحثيث على تحريك وتنظيم الجماهير، كانوا يقومون بالتنسيق مع الخطوط الحزبية الأخرى. (هذه الأحداث المذكورة قبيل نزول كاتب السطور الى داخل السليمانية).

2239 جيزان شيخ محمودلم يقتصر نشاط الرفيقات في صفوف هذا الخط فحسب، بل امتدت الى خطوط تنظيمية أخرى. كانت لهم نشاطات واسعة بين صفوف الجماهير وقدموا للحزب الكثير من الأعمال النوعية. الناشطون في هذا الميدان على سبيل الذكر، منهن هيرو عبد الله كوران وقمري خان زوجة الرفيق الراحل محمود حلاق ومنيرة صالح وفاطمة عثمان سعید أم شیردل و ناسكة زوجة الرفيق جمال والي و شلیر عبد المجيد عضو المكتب السياسي الحالي للحزب الشيوعي الكردستاني وعائشة أم كیفي وسوزة امین و ئامانج امین و نجيبة محمود.

 وفي خط آخر یقوده الرفيق دلیر جلال والرفيق رحمن غریب، ضمت في صفوفه عدد من الناشطات في المجال الطلابي، حيث قاموا بتوزيع البيانات وشعارات الحزب في المدارس وقدموا المساعدة للرفاق في نقل الأسلحة وهن زریا عمر، زانا، كویستان رحیم، ماردین ابراهیم، بروین غریب، ئافان عارف، شکریه سعید، كژال غریب و آخرین.

عرفت المناضلة جیران شیخ محمود منذ نعومة أظفارها باصرارها على تحقیق بعض من طموحاتها الشخصية كما أثبتت صلابة المرأة الشیوعیة في الدفاع عن مصالح شعبها بنكران ذات في أحلك الظروف. كما تحلت بالمواصفات التي تمكنها من قيادة التنظيم النسائي في مدینة السلیمانیة وغدت مصدر قوة رفيقاتها، اللاتي شعرن بدفء وجودها، وحيويتها وابتسامتها الدائمة رغم اشتداد الظروف.

فتحت عينيها في عام 1941 على قصبة قادر كرم، وهي ناحیة تقع في جنوب كركوك، وسط عائلة اشتهرت بالنضال الوطني والطبقي ذلك الذي أذاقهم السجن والظلم والموت، لتنشأ في مناخ قادها إلى العمل الثوري، وهذا الزخم الثوري قد أصبح مصدر قوة في تثبيت صراعها المبدئي في نضالها ضد الأنظمة المتتالية على العراق، فانضمت في شبابها الى المنظمات المهنية.

حيث أقدمت السلطات الفاشية بعد انقلاب الدموي في 8 شباط عام 1963 على إعدام اثنین من خوالها هما البطلين الشيوعيين شیخ مارف البرزنجي و شیخ حسین البرزنجي وتعرض العائلة إلى العديد من المداهمات من قبل الاجهزة الامنیة في سنوات العهد الملكي بسبب النشاط السياسي والحزبي لإخوانه كل ذلك لم يثبط من عزیمتها بل زادها اصراراً على المضي قدماً في النضال من أجل رفع راية الحزب خفاقة.

عندما جرح ابنها ئاسو شیخ علي في انتفاضة آذار 1991 المجيدة. شقت طريقها من بين الحشد ودنت من ابنها، وجهها يطفح فخرًا واعتزازُا وهي ترى ابنها یفدي بحياته من اجل حياة حرة كريمة للجمیع.

لم تتمكن الرفيقة جیران دخول المدرسة بسبب الأوضاع الاجتماعية، حيث تم فتح مدرسة ابتدائية للذكور فقط في ناحية قادر كرم مما حُرم من التعلیم في طفولتها اضطرت أن تدخل مدرسة محو الأمية وهي بعمر 14 سنة وتتفوق في الصف وبعدها قدمت العائلة والرفيقات لها المساعدة في التعلیم تمكنت من الحصول على شهادة الابتدائية.

كان للحزب دور متميز بین صفوف النساء وكانت الرفيقة جیران إحدى الناشطات والمساهمات في نشاطات المرأة في كركوك.

انطلقت مسيرتها النضالية وهي في سن السادسة عشر، حيث انتمت إلى منظمة رابطة المرأة العراقية قبل ثورة 14 تموز وبعد أن فسح المجال لرابطة المرأة العراقية بالعمل العلني وفتحت فروع للرابطة في المحافظات العراقیة بعد ثورة 14 تموز 1958.

في شهر كانون الثاني لسنة 1959 تشكلت في السلیمانیة الهيئة القیادیة للرابطة في المحافظة وأصبحت الرفيقة جیران احدى عضواتها اضافة الى العضوات التالیة : زکیە بابان ، منیرة رفیق سەعاتچی، حەلاوخان زوجة شێخ لطیف الحفید، رابعە خان أم ئامانج، شەمسە مەحمود) المعروفة شەمسەی خولەزیڕە (نەجیبە قادرمخێر ، منیرة صالح زوجة حسین عەلی غالب ، عطیة نوري اخت الرفیق بهاءالدین نوری ابو سلام ، نزیرە مجید ، عائشە شێخ حسێن اخت الشهید شێخ علی البرزنجی و خانم زهدی

في نهاية عام 1959 تزوج الرفیقة جیران برفیق دربها شیخ علي شیخ محمد البرزنجي وهو كان في ذلك الوقت مهنته معلم، حيث نقل إلى محافظة كركوك وكانت الرفیقة بمعيته وهو كان كادر حزبياً.

عام 1959 عندما بلغت الثامنة عشر من عمرها ترشحت للحزب ونالت شرف العضویة في نفس العام و تعمقت وعيها السياسي بعد انضمامها الى صفوف الحزب.

 ومن خلال نشاطها الواسع بین الجماهير بعد فترة وجيزة أصبحت عضوة في لجنة قاعدية والتي تحوي على مجموعة من الخلايا الحزبية وقامت بنشاطات عديدة في المنظمة الحزبیة ورابطة المرأة في كركوك وعملت في اللجنة القیادیة للرابطة في كركوك مع الرفیقات ست سنیە جباری، ایتان جلالی ، جمیلە امین یامولکی ، لوتفیە عبد الواحد و قد شاركت في المؤتمر الثالث لرابطة المرأة العراقية في بغداد عام 1961، ولم تشارك في المؤتمرين الأول والثاني بعد ثورة 14 تموز رغم انها انتخبت كمندوبة لأسباب خارجة عن إرادتها.

بعد انقلاب شباط الدموي تحولت الرفیقة جیران إلى العمل السري في كركوك والتحق رفيق دربها بقوات الانصار البيشمركة في منطقة بمو.

 اضطرت لاسباب امنية ان تنتقل الرفیقة جیران بعد عودة زوجها الرفیق شیخ علي الی مدینة السلیمانیة والعمل في ظروف سرية . و بقرار من الحزب انتقلوا الى اربيل ومن ثم الى بغداد وعملت في

 

 

 

ظروف الاختفاء هناك في الفترة 1963 - 1972 ، مرة اخرى عادوا الى السلیمانیة للعمل الحزبي.

في عام نیسان 1972 عملت في لجنة حزبية نسائیة بمستوى قضاء باسم لجنة ئالا مكونة من الرفیقات زکیە بابان، نازنین ، ئافتاو عەزیز، صنوبر، نەجییبە صدقی، قمری ، رابعة.

بعد الحملة الشرسة التي أقدمت سلطة البعث ضد حزبنا الشيوعي العراقي وانسحاب الحزب من الجبهة، تحولت الرفیقة جیران إلى العمل السري بقرار من الحزب .. و تشكلت هیئة قیادیه جدیدة من الرفیقات هیرو عبدالله كوران، قمري، عائشة حسین، رابعة أم ئامانج والرفيقة جیران. وجرى إعادة الاتصال بـ الرفيقات على أساس فردي وحولت التنظیم إلى العمل السرى

في الربع الأول من الثمانينات وجهت لمحلیة السلیمانیة ضربة موجعة من قبل النظام الدموي وأجهزته القمعية حيث جرى اعتقال عدد من الرفاق في محلیة السلیمانیة وفي هذه الحملة لم تعتقل من الرفیقات في الهيئة الحزبية سوى الرفیقة قمري التي صمدت تحت التعذیب في تلك الحملة.

تلك النشاطات العظيمة للرفيقة جیران في مراحل مختلفة من العمل السري والعلني أتاحت لها فرصة كبيرة للاحتكاك بالجماهير الواسعة.

بسبب ذلك العمل الشاق والعصيب وفي ظروف شائكة تجمعت لديها معلومات كثيرة واكتسبت خبرة واسعة للتعامل مع الوضع وواصلت نضالها في صفوف الحزب بجد وتفاني وعملت بدون كلل من أجل تحقیق أهداف الحزب.

رغم متابعة أجهزة النظام في فترات متفاوتة املا منها في الايقاع بها ، ولكن كانت شديدة الحذر والبراعة، تمكنت باستخدام ذكائها من الافلات منهم وان تستمر في عملها في الخفاء.

بعد تسلمي التنظیم في 27 كانون الثاني 1984 لعبت المنظمة النسائية والتي كانت الرفیقة جیران مسؤولة لها، دورا هاما وتحریضیا بین الجماهیر من خلال نشر سیاسة الحزب والمساهمة في توزيع البيانات في المحلات السكنية. وبسبب نشاطها الفريد بين الجماهير النسوية، اظهرت للحزب قدرتها في العمل الحزبي والجماهيري والسياسي ككادر متقدم، حتى غدت قدوة لمن تحرص على اجتذاب الجماهير الى ساحات النضال. كان لها دور كبير في تمويل المنظمة بالمال من خلال جمع التبرعات والاشتراكات. صارت للمنظمة قاعدة جماهيرية واسعة بعد توسيعها، حيث كانت لها مساهمات فعلية في تعبئة الجماهير في دعم انتفاضة ایار عام 1984 و انتفاضة آذار 1991 المجيدة جنباً الى جنب كافة الرفاق في الخطوط التنظیمیة الأخرى.

 

سهيل الزهاوي

 

 

محمود محمد عليأعرف الدكتور مصطفي النشار منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي عندما عاد من إعارته بجامعة الإمارات العربية المتحدة، حيث التقيت به أكثر من مرة عندما كنت أزور الدكتور "محمد مهران رشوان" (أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة القاهرة)، وكان يتمتع بسبيكة رائعة من الصفات الطيبة، فهو هادئ الطبع، دمث الخلق، مجامل إلى أقصى الدرجات، يتميز بالأدب الجم، ولا يثور إلا لكرامته أو مصلحة وطنه، ولقد أصبح أبرز المفكرين في الدفاع عن الفلسفة المصرية، ولقد ربطتني به دائمًا صلات علمية قوية للغاية ؛ فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والدكتور مصطفي النشار هو واحداً من كبار الرواد في دراسة فلسفة اليونانية بمصر والعالم العربي، وقد استطاع من خلال بحوثه ومؤلفاته أن ينقل البحث في فلسفة اليونانية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ولد الدكتور مصطفي النشار في الثلاثين من سبتمبر 1953م بقرية شوبر – مركز طنطا بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية . تلقى تعليمه الإلزامي من الابتدائي حتى الثانوي بطنطا، ثم التحق وتخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة – قسم الفلسفة عام 1975 بتقدير عام ممتاز . حصل على درجة الماجستير في الفلسفة في موضوع بعنوان " فكرة الألوهية عند أفلاطون " بتقدير ممتاز عام 1980م،كما حصل على الدكتوراه في الفلسفة اليونانية عن نظرية العلم الأرسطية بمرتبة الشرف الأولى من نفس الجامعة عام 1985م

تدرج مصطفي النشار في سلك التدريس بجامعة القاهرة حتى حصل على الأستاذية عام 1997م، وعمل في ثنايا ذلك معاراً بجامعة الإمارات العربية المتحدة لمدة ست سنوات متصلة (1986-1994م)، وقد تولى بعد عودته للقاهرة العديد من المناصب الإدارية، حيث أصبح رائداً للنشاط الثقافي بالكلية ثم رائداً لاتحاد الطلاب ومشرفاً على الأنشطة الطلابية (1994- 2003م)، ورأس قسم الفلسفة لعدة سنوات بين عامي 2002 و 2014م، كما تولى عمادة كلية التربية – جامعة القاهرة ببنى سويف بين عامي 2002و2005م، ثم عمادة كلية العلوم الاجتماعية بجامعة 6 أكتوبر بين عامي 2005 و2007، ثم عمادة كلية رياض الأطفال لمدة أربع سنوات من 2007 حتى 2011م. وقد ترك بصمات مميزة في هذه الكليات التي تولى عمادتها.

وللدكتور مصطفى النشار أكثر من خمسين مؤلفاً علمياً في مجالات الفلسفة المختلفة وخاصة في الفلسفة اليونانية والفكر المصري القديم، وقد شغل في السنوات الأخيرة بقضايا الفكر المعاصر، وخاصة قضية العولمة والهوية الثقافية وقضية حوار الحضارات وقضايا التعليم والمواطنة والمشاركة السياسية والعلاج بالفلسفة . ومن أبرز اسهاماته الفكرية رد الفلسفة اليونانية إلى مصادرها الشرقية وتأكيده على الأصل المصري للفلسفة عموما والفلسفة اليونانية على وجه الخصوص وقد أعلن رؤيته لذلك منذ بحثه المعنون بـ "المعجزة اليونانية بين الحقيقة والخيال" وكتابيه "نحو تأريخ جديد للفلسفة القديمة" (1992) و"نحو تأريخ عربي للفلسفة" (1993) وقد طبق رؤيته الفكرية تلك في تأريخه للفلسفة اليونانية الذى صدر في خمس مجلدات تحت عنوان" تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي".

لقد كان مصطفي النشار مهتماً بدراسة الفلسفة المصرية بصرف النظر عن العصر الذي وجد فيه هؤلاء الفلاسفة، ففي كتابه " نحو رؤية جديدة للتأريخ الفلسفي باللغة العربية " طالب مصطفي النشار بإعادة النظر في موقفنا من تاريخ الفلسفة وبضرورة التخلص من المقولات الثابتة التي نرددها عن المؤرخين الغربيين والتي منها أن الفلسفة معجزة غربية سواء في نشأتها أو تطورها حتي العصر الحالي . ومنذ هذا التاريخ وجدنا مصطفي النشار يحاول بأبحاث شتي تطبيق ذلك علي نفسه وعلي دراساته، ففي مجال التأريخ للفلسفة القديمة أرخ وكتب عن فلاسفة عديدين من فلاسفة مصر والشرق القديم في عدة مؤلفات، وفي التأريخ للفلسفة اليونانية أرخ لها من منظور شرقي خاص وليس من المنظور الغربي التقليدي .

وفي مجال الاهتمام بتراثنا الفلسفي المصري الذي عشقه وتطلع إليه مصطفي النشار إلي اليوم والذي استطاع فيه أن يؤرخ له بكل عصوره وأعلامه، فقد كتب عن الفلسفة المصرية القديمة في كتابه " دراسات في الفلسفة المصرية واليونانية " وله عدة دراسات ؛ منها دراسة عن بتاح حوتب – رائد التفكير الأخلاقي، وأخري عن أخناتون – الملك الفيلسوف، وثالثة عن فلسفة الطبيعة وتفسير نشأة الوجود في مصر القديمة . كما كتب عنها في " المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية"، وكتب عن الفكر السياسي والاجتماعي كتاب " الخطاب السياسي في مصر القديمة " . ثم فكر في إصدار سلسلة تعريفية عن أعلام هذا التراث الفلسفي عبر العصور فكتب منها ثلاثة أعلام هم : ذو النون المصري رائد التصوف الإسلامي، وعلي ابن رضوان، وزكي نجيب محمود . كما كتبت عن مدرسة الإسكندرية الفلسفية كتاب نشرته دار المعارف عام 1955م.

وهكذا كانت الكتابة عن أي مفكر مصري في أي عصر مسألة تثير اهتمام "مصطفي النشار" الشديد، حيث كان يترك أي شئ في يده ليهتم فوراً بهذا المفكر المصري (والذي يُكلف إلي الكتابة عنه من خلال تكليف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ) أو يستثير في شهية الكتابة عنه باستقلال عن أي طلب أو بعيد عن أي تكلف !

والسؤال الآن الذي نسأله لمصطفي النشار : هل هناك فلسفة مصرية ؟ وهل هناك فلاسفة مصريون؟

وهنا يجيبنا النشار فيقول : اعتقد اعتقاداً جازماً بأن أي أمة ظهرت علي وجهه الأرض بها فلاسفة، ويؤمن شعبها بفلسفة معينة. وليس صحيحاً بأي حال ذلك الاعتقاد بأن الفلسفة مقصورة علي الشعوب الغربية وحدها، وأن الغربيين وحدهم مبدعو الفلسفة ومبدعو العلم؛ فهذا خطأ شائع يجب التخلص منه لأنه قد طال وقوعنا في أسره، وطالت تبعيتنا لمن يرددونه من المؤرخين المتعصبين لكل ما هو غربي !!

ثم يؤكد مصطفي النشار أن الفكر العقلي كغيره من صنوف الإدراك قد وجد مع الإنسان علي ظهر الأرض، صحيح أن اهتمامات الإنسان الأول ربما تكون قد توقفت عند مواجهة تحديات الطبيعة والبيئة البكر التي وجد فيها وكان عليه أولا أن يتغلب عليها بعمله وكده وعرقه، وتوجيه كل فكره في هذه الناحية للسيطرة علي كل هذه الظروف المعاكسة وتحويلها إلي ظروف تلائم الحياة البشرية، إلا أنه سرعان ما تطورت اهتمامات الإنسان لتتحول من هذه النزعة العملية في التفكير إلي نزعة أكثر تجريداً حينما كان عليه أن يتساءل بعد أن خلد للراحة بعد عناء العمل اليدوي وبعد عناء التفكير في ضروريات الحياة البشرية، وأقول حينما كان عليه أن يتساءل عن جدوي الحياة والوجود إذا كان الإنسان مصيره الموت !! وإذا لم يكن للحياة الإنسانية والفعل الإنساني جدوي، فلماذا وجد الإنسان من الأصل؟! ومن أوجده؟! ولأي الغايات أوجده؟! وما هو مصيره؟!

وكان مصطفي النشار يرد بغلظة علي الذين ينكرون علي أبناء الحضارات الأخرى فعل التفلسف فيقول : أليست هذه أسئلة بديهية كان علي الإنسان أن يسألها؟! أليست إجاباته عليها أيا كان نوعها هي في واقع الأمر إجابة عقلية أتته بعد تأمل؟! وسواء أجابني هؤلاء المتعصبون أم لم يجيبوا فهذا لن يغير من الحقيقة البديهية أي شئ . وهذ الحقيقة هي أن هذه التساؤلات وما قدمه عليها أبناء الحضارات البشرية الأولي في التاريخ هي تساؤلات فلسفية، وكانت إجابتهم عليها هي من صميم عقولهم وتأملاتهم الأولي في الوجود. ومن ثم فعار علينا أن نصف فكرهم بالأسطوري والخرافي، إلي آخر هذه الأوصاف الغريبة. إن الأسطورة طالما كانت من صنع الإنسان فهي فكر وهي ناتج التأمل في طبيعة الحياة والوجود !! كل ما كانت من صنع الإنسان فهي فكر وهي ناتج التأمل في طبيعة الحية والوجود!! كل ما هناك أن ثمة ما يعجز العقل الإنساني عن تفسيره وخاصة في تلك الدايات الأولي لتفكيره في هذه الأمور، فكان عليه أن يبدع ما يجعله يتوافق مع هه الحياة حتي يمكنه مواصلة العمل والتقدم . فكان هذا النمط الذي ندعوه نمطاً أسطورياً من التفكير والحقيقة أنه لم يخلو عصر من عصور البشرية من صناع الأسطورة ومن من يستفيدون ومن من يستفيدون منها في شرح فكرة عقلية هنا أن هناك .

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها مصطفي النشار وهي: أن التساؤلات عن أصل الوجود والحياة الإنسانية وعن مصير الإنسان؟! كانت هي التساؤلات التي طرحها العقل المصري علي نفسه حينما بدأ صنع أول حضارة إنسانية عرفها التاريخ، ومنها بدأت بذور الفلسفة المصرية القديمة التي تطورت ببطء عبر عشرات القرون وآلاف السنين . وكانت أولي الإجابات هي إجابة فلاسفة أون- هليوبوليس القديمة . أولئك الذين قدموا أول نظرية في نشأة الوجود وتفسير أصل العالم .

وتابع النشار بعد ذلك التفسيرات حيث يقول: قدم مفكرو مدينة الأشمونين نقدهم للتاسوع الذي رأي فيه فلاسفة أون أصل العالم وقدموا هم ما عرف بالثامون، وتطورت هذه التفسيرات بشكل مذهل علي يد فلاسفة منف في مصر القديمة، حيث نجح هؤلاء في ما يسميه المؤرخون " الأسطورة المنفية"، نجحوا في تقديم أول تفسير تصوري عقلي أمنوا فيه بقدرة الإله الخالق " بتاح" في أن يفكر في العالم والأشياء وينطق بلسانه فتوجد دونما حاجة للمواد والعناصر سواء التي قال بها أصحاب التاسوع أو أصحاب الثامون . ولقد نجح هؤلاء في أن يفكر في العالم والأشياء وينطق بلسانه فتوجد حاجة للمواد والعناصر سواء التي قال بها أصحاب التاسوع أو أصحاب الثمون . لقد نجح هؤلاء في أن يقدموا أول تفسير للخلق يقترب من التصورات الدينية الحقيقية، كما يقترب من تصورات أصحاب المذاهب الفلسفية الإيمانية الكبري في التاريخ الفلسفي . إن تصورهم لقدرة اللامحدود جعلهم يؤمنون بأن باستطاعته أن يقول لكل شئ كن فيكون!!

ثم يؤكد النشار قائلاً: ولكن يبدو أن العقل البشري كان لا يزال يعجز عن فهم هذا التصور المجرد المطلق، فعاد المصريون أنفسهم يفسرون النشأة بقدرة الإله وبوجود العناصر معا كما حدث عند فلاسفة " واست" القديمة ( الأقصر الحالية) . لقد أمنوا بالإله آمون وعادوا للإيمان بتعدد الآلهة وبأهمية العناصر الأولي للوجود.

ويستطرد النشار فيقول : لقد نجح فيلسوف – ملك هو أخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد أن يخترق بتأملاته الفلسفية – الدينية الحاجز الصلد الذي بناه كهنة آمون وأتباعه في كل أنحاء مصر القديمة، وأن يصل مرة أخري الإيمان بإله واحد أحد مجرد هو "آتون" وأن يقضي بمساندة أتباع دعوته الجديدة في محو أي آثار للإيمان بتعدد الآلهة وبتماثيلها ومجسداتها في أنحاء مصر ليعيش هو وأتباع الديانة الأتونية عصرا من أزهي عصور التفكير العقلي المجرد في تاريخ الفكر الإنساني، إذ أن فكر هذا الملك الفيلسوف لم يقتصر علي مجال التجديد الديني فقط، بل امتد ليشمل تطور كل نواحي الحياة المصرية من آداب وفنون ولغة، إلي النظر إلي الملك علي أنه مجرد إنسان وليس إله كما كان يتصوره المصريون إلي ذلك الحين. وإن نسينا لا ننسي في الفكر الفلسفي المصري القديم الفكر الأخلاقي النابض بالحيوية والنضج فكر بتاح حوتب في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد الذي كان أصلا نهل منه وعاش عليه وطوره مفكرون مصريون آخرون أذكر منهم أمنموبي . وإن نسينا لا ننسي فكر أيبوور ونفرر وهو، تلكما الإصلاحيان الكبيران في حوالي الألفين قبل الميلاد حينما انتقدا صور الفساد التي انتشرت في البلاد في عصرهما وحلما بملك عادل جديد يخلص البلاد والعباد من الفساد ويعود بهما إلي " الماعت" "( العدالة والنظام). أولئك هم الفلاسفة الأوائل في تاريخ في تاريخ البشرية، وأولئك هم أول من فكر في أصل الوجود واصل العالم، أولئك أول من ابتداع التفكير في الأخلاق الإنسانية وما ينبغي أن تكون عليه حياة الإنسان الأخلاقية والاجتماعية والسياسية . أولئك أول من ينبغي أن يبدأ بهم التأريخ الحقيقي الموضوعي للفلسفة . وباختصار ... أولئك هم أول جيل من أجيال الفلسفة المصرية التي لم تنقطع يوما في مصر وإن خبا ضوءه قليلاً في عصر ما من العصور فليس معني ذلك أنه مات!!

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الأستاذ الدكتور مصطفي النشار بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي وعالم لغوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة المصرية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

وتحيةً للدكتور مصطفي النشار الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

 

 

ابو الخير الناصريالدكتور حلمي محمد القاعود علم متميز من أعلام الأدب والفكر في الثقافة العربية المعاصرة، يعرف علمَه وفضلَه وتميزَه قراءُ أعماله العديدة المفيدة التي جاوزت سبعين كتابا في القصة، والرواية، والسيرة، والنقد، والدراسة الأدبية، والمقالة الفكرية والسياسية وغيرها من فنون القول وأنماط الكتابة والتعبير.

قُدّر لي أن أقرأ عددا من كتبه، فوجدتها تنطوي – إلى جانب قيمتها العلمية والأدبية – على قيم أخلاقية رفيعة من أهمها الصدق، والإخلاص لصوت الضمير، وإعلانُ الرأي صريحا في غير تقية ولا مراوغة. وتلك فضائلُ لا تصدر إلا عن الصادقين الذين لا تحركهم الأطماع الشخصية والأهواء المقيتة.

ومن السمات البارزة في مُنجَز الدكتور حلمي اعتزازُه بدينه، ودفاعُه عنه في كتاباته وأحاديثه وحواراته، وهذا ملمح تنطق به عناوينُ كثيرٍ من مؤلفاته في البلاغة والنقد والسياسة والفكر: "الأدب الإسلامي: الفكرة والتطبيق"، "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث"، المدخل إلى البلاغة القرآنية"، "المدخل إلى البلاغة النبوية"، "القصائد الإسلامية الطوال في العصر الحديث: دراسة ونصوص"، "الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني"، "الرواية الإسلامية المعاصرة"، "العمامة والثقافة: دفاع الإسلام وهجوم العلمانية"، "التنوير: رؤية إسلامية"، "تحرير الإسلام"، "دفاعا عن الإسلام والحرية"، "مسلمون لا نخجل"...

ومن مميزاته في كتاباته انتصارُه للمظلومين في الساحة الثقافية العربية، وذَوْدُه عن المهمشين من الذين لم ينتموا إلى "قبيلة" تُناصرهم، ولم ينخرطوا في جماعة أو اتحاد أو رابطة تمدحهم ويُدبج أعضاؤها مقالات ودراسات في الثناء على أعمالهم ولو كانت خواءً أو كالخواء.

وحَسْبُك كتاباه "أعلام في الظل: رجال نبلاء"، و"المآذن العالية: رجال من ذهب"، لتقف على ما تنطوي عليه نفسُه من نبل، وشهامة، وانتصار للمظلومين والمهمشين، وترفّعٍ عن السير في المسالك التي يتهافت عليها طُلاب الشهرة، والمناصب، والدراهم ونحوها من المطالب التي أذلّتْ أعناق كثير من الرجال.

- 2 –

فاز الدكتور حلمي القاعود، منذ أشهر، بجائزة التميز في النقد الأدبي بمصر للموسم 2020/ 2021م، ووصفه اتحادُ الكتاب المصريين في قرار التتويج بأنه "من القامات المهمة في الأدب العربي الحديث، وأحد الرواد الذين أثروا الحياة الأدبية والفكرية".

لكن أدعياء التنوير والديمقراطية في مصر جُنَّ جنونُهم لفوز الرجل، وأطلقوا ألسنة السوء:

قال واحد من أشهرهم داخل مصر وخارجها "إن اتحاد الكتاب بهذا الاختيار يُشجع الاتجاهات الإرهابية في الأدب".

ودعا ثانٍ إلى قراءة "الفاتحة على روح الاتحاد".

وتساءل ثالثٌ مستنكرا: "هل تحول اتحاد الكتاب إلى مكتب الإرشاد؟".

ووصف رابعٌ فوز الدكتور حلمي بـ"السَّقطة الكبرى لاتحاد كتاب مصر".

وقال خامسٌ "إنني أرى أن هذه فضيحة".

وقال سادسٌ "كنا ننتظر أن يعتذر اتحاد كتاب مصر ويُعلن سَحْبَ جائزة التميز من حلمي القاعود".

وقال آخرون مثل قولهم. تشابهت أقوالهم وقلوبُهم، وكتبوا في محاولة تسويغ ما قالوا إن المُتوَّجَ إخوانيّ، وإنه يكتب في جرائد الإخوان ومجلاتهم ومواقعهم الرقمية، وإنه دائمُ الانتقاد لسياسات الدولة ومؤسساتها على عهد الفريق عبد الفتاح السيسي..وإنه لذلك ولِمِثْلِه لا يستحق هذه الجائزة.

ولو أن هؤلاء الكتابَ والشعراء سكتوا لكان خيرا لهم، ذلك لأن كلامهم كشف عقولا غَشِيَها الظلامُ، وحيل بينها وبين النور - بَلْهَ التنوير – فإذا بهم يستدلون بمقالاتٍ في السياسة على عدم استحقاق جائزة في النقد الأدبي !!

لقد كان جديراً بهؤلاء الغاضبين – لو حَسُنتْ مقاصدُهم وصدَقت غيرتُهم على الثقافة والنزاهة – أن يُوازنوا بين كتب د.حلمي في النقد الأدبي وبين كتب غيره من الذين رُشحوا لهذه الجائزة ولم ينالوها - إنْ وُجد مرشحون آخرون – وأن يبرهنوا بأدلة العلم ومعايير النقد الأدبي على أن غيرَه أحقُّ بها منه. وأنّى لهم أن يُقبلوا على قراءة المنجز النقدي للقاعود؟ وأنّى لهم أن يبتغوا العِلْمية والموضوعية وقلوبُهم تَغلي كالمِرْجَل حقداً على رجُل دائم النُّصرة لقضية عادلة هي شرعية حكم الرئيس السابق لمصر الدكتور محمد مرسي رحمه الله تعالى؟

إن الاستدلال بمقالاتٍ في السياسة على عدم استحقاق جائزة في النقد الأدبي دليلٌ صريح على تحامُل المستدلين، وتهافتهم، وبُعدهم عن التنوير وعن العدل والموضوعية في الحكم والتقويم.

كما أن هذا الموقف دليلٌ على أن أصحابه ليس لهم من الديمقراطية سوى الادعاء وانتحال الصفة، ولو أنهم صدقوا في ديمقراطيتهم لما اعترضوا على فوز مَنْ صَوّتَ لصالحه أغلب أعضاء المجلس والأعضاء كما صرّح بذلك الشاعر مختار عيسى نائب رئيس اتحاد كتاب مصر. لكنّ رفضَ الديمقراطية ليس بغريب على من فرحوا بانقلاب جنرال دموي على رئيس مدني منتخَب انتخابا حرا نزيها، فلقد أثبتوا يومئذ – مثلما يثبتون اليوم – أن الحقدَ عندهم مُقدَّم على الديمقراطية، وأنّ الحداثةَ والتنويرَ والإيمانَ بالاختلاف في كتاباتهم وخطاباتهم ليستْ سوى شعارات جوفاء تلوكها ألسنتُهم وأفئدتهم هواء.

- 3 –

ذلك، ومن المعلوم أن ليست هذه أول مرة يفوز فيها د. حلمي القاعود بجائزة داخل بلده، فقد نال جائزة المجمع اللغوي بالقاهرة في العام 1968م، ونال جائزة المجلس الأعلى للثقافة في العام 1974م.

وإنما أثار فوزُه بجائزة التميز في النقد الأدبي غضب الغاضبين لأنه صادقٌ في معارضة الانقلاب العسكري الذي به يفرحون وله يُطبلون، وصريحٌ في دفاعه عن الشرعية التي هم لها كارهون، وقويٌّ في نقد واقع الاستبداد والحكم العسكري الذي عن ظلمه يسكتون.

وإنّ من عجائب الأقدار أن يصدر للدكتور حلمي في العام 2004م كتاب عنوانه "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، ثم يجد نفسَه، بعد أعوام، في مواجهة الاستئصاليين الذين يُمعنون، بهذه المواجهة، في الإساءة إلى أنفسهم وإلى تاريخ مصر التي أحببناها علما وفكرا وأدبا وتنويرا حقيقيا.

هنيئا للدكتور حلمي محمد القاعود فوزَه بالجائزة، وبارك الله له في صحته وعمره وعطائه المستنير، وجزاه سبحانه عن وطنه وأمته خير الجزاء.

 

أبو الخير الناصري

 

1890-1976

العراق موطن الشعر والملاحم والأساطير، ومن بلاد السواد نهض عمالقة الشعر والأدب في مختلف العصور، حتى في مراحل الركود والخيبات التي شهدها هذا البلد. ولربما لا يعرف العراقيون إلاّ القليل عن أحد نوابغ الشعر والأدب والترجمة والتنوير وهو الفقيد عبد العزيز الجواهري النجل الأكبر للفقيه عبد الحسين الجواهري، وشقيق كل من صناجة الشعر العربي محمد مهدي الجواهري والشهيد محمد جعفر الجواهري والفقيد عبد الهادي والفقيد علي الجواهري والمرحومة نبيهة. ولد في النجف عام 1890. تلقى الدروس على يد والده الشيخ عبد الحسين الجواهرالذي قرأ عليه مقدمات العلوم والأدب، وكان الوالد هو الآخر ضليع في الشعر وله قصيدة يهنأ فيها الشيخ عباس بن الشيخ حسن بزفاف ابنه مرتضى قائلاً:

غناً عن الراح لي في ريقك الخصر            وفي محياك عن شمس وعن قمر

وفـي خـدودك ما ماج الجمال بها               للطـرف أبهج روض يانع نضر

يـانبعـة البـان لا تجنى نضارتها                 للعاشقين سوى الأشجان من ثمر

لي منك لفتة ريم عن هلال دجـى               بغيهـب من فروع الجعـد مستتر

يهتزّ غصن نقاً يعطـو بجيـد رشاً               يـرنو بـذي حَوَر يفترّ عن درر

تـوقّـدت كفـؤاد الصـب وجنته          فمـاج مـاء الصبا منها بمستعر

وأطلـع السعـد بدراً مـن محاسنه                 بجنـح ليـل جعود منـه معتكـر

مـا أسفـر الصبح من لألاء غرته                إلا وهـمّ هـزيع الليـل بالسفـر

أو سلّ صـارم غنج مـن لواحظه                إلا احتقرت مضاء الصارم الذكر

غناً عن الراح لي في ريقك الخصر            وفي محياك عن شمس وعن قمر

كما تتلمذ عبد العزيز الجواهري على يد الشاعر محمد رضا الشبيبي وعبد الهادي شليلة. وقضى فترة من زمن تعليمه في مدرسة الملا كاظم الخراساني في النجف. اصطحب جمعاً من الأدباء ونظم الشعر. وكرس كل أهتمامه بالأدب والتاريخ وبالأداب الفارسية متأثراً بالأجواء العائلية وأجواء النجف الثقافية آنذاك. كما عمق من معارفه في اللغة والأدب والتراث الإسلامي وفقه التنوير، ونصب أمام عينيه مهمة البحث في الأحداث التاريخية. تعلم العربية والفارسية فأتقن تعلمهما واستثمر ذلك في الترجمة بينهما. وفي مرحلة من مراحل شبابه تأثر بعمق بالتيار الديني التنويري الصاعد آنذاك في العراق وإيران وبإفرازات حركة "المشروطة" المطالبة بإرساء قواعد الديمقراطية في إيران وصداها في أروقة النجف، والتي تزعمها في النجف رجل التنوير الديني الملا محمد كاظم الخراساني الذي كان على صلة برجال الإصلاح والتنوير والحداثة الدينية في المنطقة وعلى رأسهم عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو، والذي خاض صراعاً ضد المتشددين والمتعصبين الدينيين والدفاع عن ثورة "المشروطه" في إيران وحركة "مشروطيت" في تركيا في مطلع القرن العشرين.

نشط طيب الذكر عبد العزيز الجواهري في كتابة المقالات في مختلف شؤون الأدب والسياسة والعلوم الطبيعية والفكر والإصلاح الديني في مطلع القرن الماضي ونشرها في الصحافة الصادرة في البلدان العربية مثل المقتطف والهلال والبرق والعرفان. وكان أول من نشر ديوان الشاعر محمد سعيد الحبوبي. إضطرته ظروف العائلة الاقتصادية وسعيه إلى طبع موسوعته التي أسماها "آثار الشيعة الإمامية" إلى مغادرة النجف متوجهاً إلى إيران عام 1923، وذاع صيته في مجال الأدب والشعر والتاريخ والترجمة، وعرف آنذاك باسم عبد العزيز صاحب الجواهر تيمناً بلقب العائلة القديم. وترجم عن الفارسية إلى العربية شعراً من عملين من أهم الإبداعات الشعرية باللغة الفارسية: ديوان مثنوي لجلال الدين الرومي وديوان شمس الدين حافظ الشيرازي. وترجم مقدمة ابن خلدون إلى الفارسية وشرح كفاية الأصول. وتزوج من سيدة إيرانية أنجبت له اربعة أولاد وبنتين. وأصبح ابنه البكر محمد رضا فناناً في النحت وهاجر واستقر في ألمانيا. تصدر شاعرنا لاحقاً التدريس في جامعة طهران لحين رحيله عام 1976، حيث روي جثمانه في أحد مقابر العاصمة طهران.

ولا بد لنا من الاستشهاد بما رواه شاعرنا الكبير محمد مهدي الجواهري عن شقيقه عبد العزيز الجواهري في الجزء الأول من مذكراته، حيث قال:

"لقد بدأت أستعيد ذاتي وشخصيتي بعد رحيل والدي رغم احساسي الأليم بالفراغ الذي تركه بعد أن كان فانوس البيت وعموده والروح الجميل في مجالسه...بعد رحيله خرج الشاعر الحبيس من جبة الفقر ورجل الدين، التي فرضت عليه، ومن والدي انتقلت هذه الوصاية إلى رعاية شفافة ، لطيفة، خفيفة الظل، أغدقها علي أخي "عبد العزيز"الذي كان أشرفنا وأكثرنا عطفاً وتفقداً نحن الأخوة الأربعة وكان تقدمياً وواقعياً في نظرته إلى الحياة في ما كتب ونظم ونشر ، ولا أغالي اذا قلت أنه كان من الطلائع المعدودة للتهضة الأدبية في النجف. ففضلاً عن دراسته الفقهية وتأثره بالثورة الدستورية التي قادها الملا "كاظم الخراساني"، كان شاعراً مجدداً في موضوعه، تجاوز المواضيع الشعرية التقليدية، كما كان مجدداً في ثقافته أيضاً، فقد قرأ الرياضيات والطبيعيات والفلسفة ونشر ما اعتصره من ذلك كله في مجلات النهضة الفكرية من أمثال: المقتطف والهلال في مصر، ومجلة العرفان وأمثالها في لبنان.

لقد تفتحت على النقاشات المجددة الجريئة في مجالسه التي كان يحضرها معه أترابه وزملاؤه من الطلائع الجديدة.

كانت هذه النخبة الطليعية التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد تتناول كل ما تقرأه بحثاً ونقاشاً وتساؤلاً في مجالات السياسة والأدب والشعر الجديدة برمتها على المجتمع النجفي بخاصة وعلى العراق بعامة ساخرة بجمود القديم ومعجبة بالتحرر الحديث، وكنت أتسمع احاديثهم بلهفة، أنا الخارج تواً من وصاية والدي، واشارك فيها، وكنت التقط، من مكتبة شقيقي الكتب الجديدة التي أتشوق اليها مما لا اجده في المكتبة الشهيرة (لجدي الأكبر) كما أسميه، والمؤرخ الامين "الشيخ علي كاشف الغطاء"زائداً على ذلك ما كنت اقتنيه من كتب يعتبر مجرد قراءتها كفراً، مثل كتاب داروين"النشوء والارتقاء"، ومجلة "العصور" للمفكر الكبير اسماعيل مظهر، وكتب الثائر المتمرد (سلامه موسى)- وما شابه هذا أو ذاك- عدا ما كنت اتلقفه مما يترجم إلى العربية من نتاج العباقرة".

ذكره عبد العزيز البابطين في معجمه وقال: "قصائده تجمع بين الثقافتين العربية والفارسية، مما يكسبها عمقًا وحيوية وخيالاً خصباً، وتعكس علاقته العميقة بالأعمال الأدبية الكبرى في الأدب الفارسي. يميل إلى استخدام البناء التقليدي للقصيدة العربية، وتعتمد قصيدته ضمير المخاطب الذي يمنحها بعداً جمالياً يعبر عن خبرة بالحياة تتجلى في أبيات الحكمة المتناثرة في ثنايا القصيدة. كما تبرز نزعة التأمل في الكون والحياة والوجود".

ويورد  الكاتب والفنان فلاح محمد مهدي الجواهري جواباً على رسالة وجهتها له قائلاً:

اتذکرہ رحمه اللہ وعاٸلته من الطفولة عندما زرناه في بيته في كرمنشاه – ايران في رحلة الہروب الاولی من العراق في بداية الأربعينيات بعد فشل انقلاب رشيد عالي، وزیارته لنا بعدھا مع عائلته في عام 1946 في بغداد واستقر في  بيتنا على ضفاف دجلة في محلة الجعيفر. اتابع اخبارہ الجمیلة وشهرته في ایران کأحد اعظم مترجمي حافظ  وسعدي وغیرھم من عظام شعراء فارس، ولا ازال اراہ امامي شاخصا بقامته الفارھة وشبهه العجیب بالجواھري الوالد واعرف عنه انه رجل علماني وبعیدا عن ان يکون (آیة اللہ) فقیھا.

ويروي الصحفي رواء الجصاني، إبن شقيقة الفقيد عبد العزيز الجواهري قائلاً:"وبالمناسبة فمن أهم ابداعات عبد العزيز، الادبية والبحثية، إتمامه لسبعة مجلدات فخمة، حملت عنوان "جواهر الاثــار" شملت الترجمة، شعرا، من الفارسية للعربية، فضلا عن التحقيق والتلخيص لـبعض منجز " مثنوي"- محمد جلال الدين الرومي. وأمامي الان الجزء السادس من تلكم المجلدات، أهداني اياه عبد العزيز، شخصيا، حين كنت بضيافته، برفقة أخته نبيهة، في طهران وكرمان شاه، خلال تموز "1968.

ومن شعره:

أرى عمر الحياة شواظ نار             من الأجسام تكمن في زناد

وما ليل الشباب سوى دخان            وما صبح المشيب سوى رماد

ورثا عبد العزيز الجواهري شقيقه علي في رحيله المبكر وقال:

شقيقي علي

بزغ الهلال فأين عهد وفائه       أن لا يخون بوده وإخائه

أيرى أخاه مُغيباً تحت الثرى      قمرًا ويشرق زاهراً بسمائه

هلا توارى بالصعيد جماله         حتى يُشارك أهله بعزائه

قمر بدا ليل المحاق هلاله           رَسمًا فقارن خسفه بجلائه

ثكلت به زهر النجوم فخرقت     بالنور ثوب الحزن من ظلمائه

سيف جلاه المجد أبيض ناصعًا    قد فل جوهر حدِّه بمضائه

برزت نواجذه فقلت بشارة         لليل قد كثرت نجوم سمائه

وذوت خميلته أوان روائه              لم يذوه لثم الشفاه وإنما

ذبلت أقاحة ثغره في مائه              إني خضبت أناملي بمدامعي

وطلبت طوق الحزن في ورقائه      وعكفت حول أزاهرٍ من قبره

نبتت تسبح في ضريح ثوائه           نذر عليَّ لئن زها ريحانه

لأُرَوين الورد في أندائه                 يا لهف أيار تفرط ورده

بيد المنون وجف قبل نمائه            يا بلبلًا قد حَلَّ في قفص الثرى

طربت له الأيام قبل غنائه             جاء الكنار مُبشرًا بقدومه

فرحًا وعاد مُصَوِّتًا بنعائه            فشربت منه سرابتي حين الظما

ورعيت يأسي فيه بعد رجائه          أهلال عيدي أين غيَّبك الرَّدى

........

كما رثى موئل الأحرار آنذاك الملا محمد كاظم الخراساني قائلاً:

بكاك الحيا دمعًا كما بكت الورى     فهل كنت فوق النجم أم كنت في الثرى

تحير عقلي كيف أرثيك واصفاً          تعالى الذي صفاك للناس جوهرا

لئن كنت نورًا في حشا الكون مظهراً   فقد عُدت سرًّا في حشا الغيب مضمرا

رأيت بطيفي سوف تبلغنا المنى          ولكنه في صوت ناعيك فسرا

لقد مادت الدنيا لوقع مُرنة                 لها ارتجت الأفلاك وارتجف الثرى

ولو لم تكن طودًا من الحلم فوقها        لطارت بنا الأرض العريضة في الذرى

بكتك الدراري في لآلئ دمعها          لأنك قد كنت الحسام المجوهرا

أناصر دين الله هل لك نهضة             تجنِّدُ للأعداء جندًا مظفرا

تحوك لهم ثوب الوقيعة أسوداً           وتلبسهم ثوبَ المنية أحمرا

بفتية صدق إن توازر جمعها           تردى ثياب الموت في الحرب مئزرا

إذا أوقدوا في الحرب نار كريهة      تموج بها البيض الصفايح أبحرا

تهيَّبك الموت المقدَّر يقظةً            فزارك تحت الليل في سنة الكرى

وإن خطيبًا فوق كفك ناطقاً             قد اتخذ الخمس الأنامل منبرا

رضيع بمهد الكف ينشي حديثه        ورق لوجه الرق أمسى محررا

يشع كوجه الصُّبح كافور طرسه     فتجري به من حالك الحبر عنبرا

يصد جميع الجيش بالنصر سالماً   ويرجع جمع المالِ جمعًا مُكسرا

***

عادل حبه

............

ما نشره عبد العزيز في مجلة العرفان عام 1913

 2220 عبد العزيز الجواهري

 

 

حسين فاعور الساعديلا أدري.

في حياتي حدث أن مررت  ببعض الأماكن لأول مرة، لكنها بدت لي معروفة وكأني مررت فيها من قبل. هذه الومضة تنطفئ بسرعة فائقة لكنها تترك حيرة وتثير السؤال: هل جئت من حياة أخرى؟

كما روت لي الوالدة رحمها الله ولدت في الخيمة البدوية الأصلية المصنوعة من شعر الماعز، المغزول بأيدي النسوة والمأخوذ من القطيع.

الخيمة، هذا المجال المفتوح والمدى المطلق، يصعب الدخول إليها وكل شيء يخرج منها. أفضلها وأجودها ما غزلته بدوية على الكرميلة ومدته بيديها شُقة شُقة. عندما نوقد نار الحطب في داخلها يخرج الدخان من مساماتها ويبقى الدفء والحرارة.  وعندما يتساقط المطر يسح الماء مع شعيراتها ولا يصلنا منه إلا الرذاذ الذي يرطب الجو في الداخل ويجعله ممتعا.

ما ألذ الحياة  في الخيمة! .

في الغابة المجاورة كانت الثعالب تعوي في أوقات الصلاة بجوقات متناغمة وخصوصا في ساعات الغروب الأولى أو قبل طلوع الفجر بقليل.  العالم كله تغير إلا هذا العواء الذي لا يزال هو نفسه.

بعد صرختي الأولى سقطتُ من يدي المرأة التي ساعدت الوالدة ساعة الولادة فالتصقت حبيبات التراب في لحمي الطري . دمجوها معي لتبقى ملتصقة بلحمي لليوم الثاني عندما فكت الوالدة الدماج لتُعَجّنني . وهي عملية تنظيف لجسم الوليد بواسطة العجين المغموس بزيت الزيتون.

وجدت الوالدة حبيبات التراب قد انغرست في لحمي الطري.

لم أختر الزمان ولا المكان، ولكنني ولدت.

لو خيروني لا شك أنني سأختار نفس المكان، ليس لان هذه البلاد أسعدتني وليس لأنني أحبها، وهي بالنسبة لي مهجة الروح، وإنما لأنني ككل أبناء جلدتي أخاف أن أفقد المكان ولأنني أقدس الحياة وارى أنها جديرة بالممارسة ولكن بدون عقد الأساطير التي تحول الوطن من حديقة إلى حظيرة، وبدون تزاحم الأمراض الوراثية التي تعمي البصر والبصيرة .

لماذا أقول ذلك وأنا اليوم لا ينقصني أي شيء، لا منصب ولا مال ولا أولاد أو أحفاد؟

ربما من باب الاعتذار للذين يضايقهم وجودي ووجود أمثالي في هذه

البلاد، بعد أن قرروا أنها حظيرة وليست حديقة.

وأنا كذلك لم اختر التصاق تراب هذه البلاد بلحمي منذ البداية. كانت

صدفة. مجرد صدفة.  كنت أفضّل أن أولد في احد المستشفيات في غرفة مخصصة للولادة وتحت إشراف ممرضات وأطباء. وعلى الأسرة والشراشف البيضاء.

لكن ذلك لم يكن، وولدت هنا في قمة الجبل لأربي الغابة كما تربي الأم ابنها، ولأجتثها فيما بعد بأمر من العدالة في هذه البلاد. والسبب لأن الغابة تشكل متعة لي أنا الغريب عن هذه البلاد حسب التلمود وحواشيه.

أحب المكان الذي ولدت فيه ولا أدري لو خيروني أن كنت سأختار مكانا آخرا. الالتصاق بالمكان قد يكون بسبب الخوف من المجهول أو بسبب قلة الإمكانيات، أو الضعف، أو ربما الغريزة . بكل تأكيد هو ليس دليل قوة،  فالطفل الذي يتعلق بطرف ثوب أمه دائما ولا يتركه، قد يكون طفلا غير مستقل وغير ناضج، أو قد يكون محاطا بالمجرمين والقتلة الذين يرون دماءه تسيل ولحمه يؤكل فيتهمونه هو بالسادية ويطالبونه هو بالكف عن إيذاء الآخرين. وهم محقون في مطلبهم فلماذا يرون مشهده المؤذي وهم يملكون القدرة على التعتيم على كل شيء؟

المكان كان وجعي الدائم وفرحي الذي لم يتم يوما بسبب وحشية هذا

العالم وعدوانيته تجاه الضعفاء أمثالي ممن لا يملكون مواقع القرار . إليه لجأ أجدادي هروبا من الظلم وفرارا من وجع الحرمان الذي لا يرحم ليشيدوا فيه مملكتهم المبنية على التقشف والقبول بالقليل . تلك المملكة التي تمتعت بكنزين نفتقدهما هذه الأيام وهما :الاكتفاء الذاتي والقناعة.

وهو عبارة عن جبال تعانق بعضها. أعلاها جبل الكمانة الذي سد الأفق دائما، وأجبرني على التطلع إلى السماء لتلافيه . كرش جبل الكمانة المندلق نحوي جعلني اشعر بالضيق دائما وبالخوف من وقوعي تحته يوما ما إذا كبر أو ترهل. لكنني تغلبت على هذا الخوف لأنني عشت في المفصل أو في أعلى نقطة في الوادي المتعرج الممتد بين بحيرة طبريا والبحر الأبيض المتوسط .  إلى الشرق من هذه النقطة جرت مياه الأمطار إلى بحيرة طبريا حيث اغتسل المسيح عليه السلام، والى الغرب منها جرت إلى البحر الأبيض المتوسط الذي حمل من لبسوا عباءته عليه السلام وجاءوا إلى الشرق غازين طامعين. كنت أستطيع أن أكون متفرجا من هذا المكان. متفرجاً على هذا العالم الذي يشبه كثيراً الغابة المجاورة. لكنني لم أقدر. طموحي وشوقي للفرح دفعاني إلى معترك ما يدور حولي، ناسيا ما أنا فيه من روعة المكان. نعم نسيت روعة وجمال المكان وفقدت كل سني عمري التي مضت ولا يمكن تعويض هذا الفقدان.

كنت الشاهد على ذلك أكثر من ستين عاما، كنت أراقب هذا المشهد

كل شتاء، لكنني لم أنتبه له إلا وأنا أكتب هذه الكلمات. كم خسرت.!

انتبهت أيضا أن نقطة الماء عندما تسقط من السماء وترتطم بصخرة

تنفجر وتتفتت إلى شظاي.ا أما عندما ترتطم بالتراب فإنها تخترقه وتذوب فيه لحنانه وشوقه، أما عندما ترتطم بمياه متجمعة أو جارية فإنها تقفز إلى أعلى، وترقص رافعة رأسها فرحة بلقاء أبناء جلدتها.

طوال هذه السنين رافقني الخوف الشديد أن أفقد المكان، أن يضيع مني أو أن يأخذوه مني. كنت أتشبث به بكل ما أملك من قوة. هذا الخوف ألهاني عما للمكان من جمال وخصوصية أحسد عليها.

في بطن أمي اختبأت كثيرا. أكثر من تسعة أشهر؟ حاولت أن أظل هناك أقصى مدة ممكنة. لأنني كنت خائفا مما سيواجهني في عالم لم يعد لي أو ربما حتى يعود أولئك الذين تركوا كل شيء. أو ربما انتظرت لأولد في برنستون أو في جلاسكو او في سبيرلونغا أو في بيلغاردي أو ريف أنطاليا على الأقل. كنت أرى هذه الأماكن وأنا في بطن أمي . أحببتها كثيراً لذلك زرتها عندما كبرت لأحبها أكثر .

كنت أرى أمي وهي تمارس الأشغال الشاقة. كانت تحلش القطاني وحدها: العدس مئونة للعائلة، والكرسنة مئونة للقطيع. وتساعد والدي فتحصد جنبا إلى جنب معه ما يزرعه من حنطة وشعير. ثم بعد ذلك تعجن، تخبز، تغسل، تحلب الماشية وتحضر الطعام من لا شيء. حلب الماعز أهون بكثير من حلب الأبقار. كانت تحلب بقرتين أو ثلاثا فقط فحليب البقر أفضل للشرب من حليب الماعز والسمن المستخرج من لبن الأبقار أفضل من ذلك المستخرج من لبن الماعز. لبن الماعز ممتاز لصنع اللبنة بعكس لبن البقر، وممتاز لطبخه على النار فهو لا يفرط ويتحول إلى كريات صغيرة كلبن البقر. كانت الوالدة تضع الدلو على الأرض وتضغط بأصابعيها السبابة والإبهام على ثديي البقرة فيندفع الحليب منهما بقوة ويرتطم بقاع الدلو. أحيانا تضغط بكلتا اليدين معا وأحيانا بالتناوب محدثة في كلتا الحالتين موسيقى بإيقاع مختلف. أما حلب الماعز فتقوم به بطريقتين، إما بمسك الثدي براحة اليد والضغط عليه وإما بطي الإبهام إلى راحة اليد وبعدها مسك الثدي والضغط عليه ببقية الأصابع على راحة اليد والإبهام المعقوف عليها. شكل الثدي هو الذي يقرر الطريقة. كل يوم تحلب ما يقارب الخمسين رأسا من الماعز والغنم،

وبقرتين أو ثلاثا من الأبقار التي عودتها على الحلب.

بعد ذلك تمشي المسافات الطويلة حاملة دست اللبن على رأسها لتبيعه

في القرى المجاورة قبل أن تحتل "تنوفا" كافة المواقع. وتعود بعد الظهر لتجد الكثير من الأشغال بانتظارها . لم أساعدها في شيء وكانت دائما تضع يدها عليَّ لتطمئن أنني بخير.  ربما كانت تعرف أنني قد اهرب .

لم تذهب الى طبيب وهي حامل بي ولم تكن عيادات في منطقتنا للنساء الحوامل ولا أجهزة اولتراساوند تمكن المرأة من التعرف على نوع الجنين إن كان ذكرا أو أنثى. لكن والدتي كانت تعرف أنها حامل بصبي لأن نساء القرية من ذوات الخبرة في هذا المجال واللاتي لا يخيب حدسهن أخبرنها بذلك. فزادت من نشاطها ولم تتدلل كنساء اليوم. زاد تعلقها بالحياة رغم نحافة جسمها ورغم أنها كانت تحس بالوهن والضعف الشديدين.

تغلبتْ على الضعف والوهن فهي قد اطمأنت أن والدي لن يتزوج من

امرأة أخرى  لتنجب له ذكراً لذلك تعلقت بالحياة وكبر حلمها . وكنت أنا كل ذلك الحلم. لا أذكر الخيمة، عرفتها فيما بعد. كل ما أذكره أنني فتحت عيني على الحياة في بيتنا المبني من الحجارة في قمة الجبل . سبقني الى الحياة ثلاث بنات، توفيت واحدة وبقي اثنتان لتنضم إليهما ثالثة فيما بعد وتكون السبب في تغيير الكثير من مجريات الأمور في حياتي . كانت تحب أن تسبقني إلى كل شيء، حتى الموت سبقتني إليه رحمها الله.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

علي القاسميتأسَّست المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالرباط في مايو/ أيار 1982، بوصفها وكالة متخصصة من وكالات منظمة المؤتمر الإسلامي (التي أصبح اسمها منظمة التعاون الإسلامي)، وهي منظمة دولية تضم حالياً سبعاً وخمسين دولة ذات أغلبية مسلمة.

افتتح العاهل المغربي الملك الحسن الثاني (1929 ـ 1999) مؤتمر الإيسيسكو التأسيسي في مدينة فاس، ونبّه في خطابه إلى ضرورة أن تعمل هذه المنظمة في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكأنَّه كان يتوقع أن يعمل أعداء الأمة على إثارة صراعات طائفية فيها. وقد أُسند الملك الحسن الثاني منصب المدير العام للمنظمة إلى الدكتور عبد الهادي بوطالب (1923 ـ 2009).

الدكتور عبد الهادي بوطالب من قادة الحركة الوطنية الذين كان لهم دور بارز في النضال من أجل استقلال المغرب. إضافة إلى كونه مفكراً وباحثاً مرموقاً. تخرّج مطلع الأربعينيات في جامعة القرويين بمدينة فاس، وهي أقدم جامعة في العالم لا زالت عاملة منذ تأسيسها سنة 245هـ / 859م.  وكان عميدها آنذاك العالِم الوطني الغيور محمد الفاسي (1908 ـ 1991)، الذي التمس من السلطان محمد الخامس (1909 ـ 1961) رعاية حفل التخرج، تأكيداً للذاتية المغربية في زمن الحماية الفرنسية. وكانت التقاليد الجامعية تقتضي أن يلقي الطالب المتخرِّج الأوَّل في الجامعة خطاباً في حفل التخرَّج. وعندما ألقى عبد الهادي بوطالب خطابه، أُعجب به السلطان محمد الخامس، فعيّنه مدرِّساً في المدرسة المولوية بالرباط حيث كان ابنه ولي العهد  الأمير الحسن (الملك الحسن الثاني فيما بعد) يواصل دراسته. ومن هنا توطدت علاقته بالملكين فأصبح مستشاراً لهما، إضافة إلى أنه صار منسّق البرنامج الدراسي في كلية الحقوق بالرباط لولي العهد سيدي محمد  بن الملك الحسن الثاني (الملك محمد السادس فيما بعد)، لأن بوطالب كان أستاذا بارزاً في كلية الحقوق في الرباط. وقد تسنَّم مناصب سياسية ودبلوماسية عديدة مثل : وزير الخارجية، وزير التربية الوطنية، وزير العدل، وزير الإعلام، رئيس مجلس النواب، سفير المغرب في واشطن.

له ما يربو على 60 كتاباً باللغتين العربية والفرنسية، ومنها ما يُدرَّس في الجامعات المغربية مثل:

ـ المرجع في القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية.

ـ النظم السياسية المعاصرة.

ـ ملامح الدبلوماسية العالمية.

أعدُّ الدكتور عبد الهادي بوطالب من شيوخي، فقد صحبته قرابة عشر سنين عندما كان مديراً عاماً للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة واستخدمني فيها خبيراً ثم مديراً لإدارة التربية، وسعدتُ بقراءة العديد من كتبه، وتعلّمتُ منه كثيراً، وكان يعاملني كولده، ورافقته في معظم مهماته الخارجية للمنظمة.

وكان الملك الحسن الثاني يبعث به في المهمات الصعبة حاملاً بعض رسائله الخطّية أو الشفهية إلى بعض رؤساء الدول. أخبرني ذات مرة أنه حمل رسالة شفهية من عاهل المغرب إلى شاه إيران في أوائل السبعينيات عندما توترت العلاقات بين إيران والعراق، بسبب دعم السلطات الإيرانية لتمردٍ الملا مصطفى البرزاني، بالسلاح والعتاد والمال، وكادت الحرب تنشب بين البلدين.

عندما وصل أبو طالب إلى البلاط الإيراني كان عليه أن يستمع أولاً إلى شرح مطوَّل حول مراسِم وبروتكول مقابلة الشاه. وحينما دخل إلى صالة العرش، وجد الشاه ببزته العسكرية ونياشينه تغطي صدره وهو جالس على عرش عالٍ جداً. وعندما وقف أمام الشاه لإبلاغه الرسالة كان وجهه في مستوى جزمة الشاه.

قال الدكتور بو طالب بالفرنسية التي كان الشاه يجيدها ما معناه إن أخاكم الملك الحسن الثاني يبلغكم أحرَّ تحياته وخالص مودَّته ويقول لكم أن إيران بلد إسلامي وعمقها المادي والمعنوي هو بقية البلدان العربية الإسلامية ومنها العراق، وإذا تعرّض العراق لعمل عسكري فإن المغرب يجد نفسه ملزماً، بمقتضيات ميثاق جامعة الدول العربية، بالوقوف إلى جانبه. ولهذا فإن أخاكم الملك الحسن الثاني يعتمد على حكمتكم وبُعد نظركم في حلِّ الخلاف بالطرق السلمية.

فأجاب الشاه بما معناه: إن ما ذكره جلالة الملك الحسن الثاني هو ما يجعلني أتردد في إنهاء الخلاف عسكرياً، وإلا ففي مقدوري أن أسحق العراق بأقل من أسبوع.

 وهنا رفع الشاه قدمه اليمنى وضرب بجزمته قاعدة العرش لتأكيد كلامه، فاندفع الهواء الناتج من الضربة إلى وجه الدكتور بوطالب.

وقال لي الدكتور: ومن تلك اللحظة كرهتُ الشاه.

[ولعل رسالة العاهل المغربي تلك من العوامل التي ساعدت على عقد اتفاق الجزائر 1975 بين شاه إيران وصدام حسين نائب رئيس جمهورية العراق آنذاك، بوساطة الرئيس الأسبق هواري بومدين (1932ـ1978) رئيس الجمهورية الجزائرية (1965ـ 1978)].

كان الملك الحسن الثاني يقول عن الشاه إنه من أصدقائه، " ولكنه ارتكب خطيئة التكبّر، وقد لاحظتُ ذلك لأول مرة عندما أقام احتفالا ضخماً بمدينة برسيبوليس التاريخية، حيث أراد أن يتباهى بألفي سنة من التاريخ، ناسياً بضعة قرون من الإسلام، ذلك أنه في ذلك العهد لم تكن إيران مجرد موظن للثقافة والديانة الإسلامية، بل غدت مركز إشعاع للفكر والحضارة الإسلاميين. إذن فعندما رأيتُه يقيم جداراً من الصمت على الفترة الإسلامية ليظهر الأسطورة الآرية، احجمتُ عن الاستجابة لدعوته [لحضور ذلك الاحتفال]."

ومع ذلك فإن وفاء الملك الحسن الثاني لصديقه شاه إيران، جعله يحاول إنقاذه من الثورة التي كان يخطط لها الإمام الخميني من منفاه في النجف، فأوفد مستشاره عبد الهادي بوطالب في مهمة سرّية لمقابلة الخميني ومحاولة إجراء الصلح بينه وبين الشاه، ووجَّهه بمقابلة الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل اجتماعه بالخميني. ولكن الاجتماع مع الخميني لم يتم، لأن البكر أخبر بوطالب أنه لا فائدة من الاتصال بالسيد الخميني لأنه سيغادر العراق بطلب منا، ولم يبق على موعد مغادرته سوى أيام معدودات.

 

وعندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وطلب الشاه اللجوء إلى المغرب، كان الدكتور بوطالب من بين المستشارين الذين نصحوا الملك الحسن الثاني بعدم استقباله، ولكن شهامة الملك جعلته يستقبل الشاه.  وبعد وصول الشاه إلى الرباط، تلقى الدكتور بوطالب بطاقة دعوة ملكية لحضور وليمة عشاء يقيمها الملك الحسن الثاني تكريماً للشاه، فلم يحضرها.

فأخبر أحدهم الملك أن المستشار بوطالب لم يحفل بتلبية الدعوة الملكية لحضور العشاء. فاستقدمه الملك وسأله عن السبب في عدم تلبية الدعوة:

فقال الدكتور بوطالب المعروف بحدّة ذهنه وسرعة بديهته:

ـ سيدنا، ثمة خطأ فاضح في الدعوة التي وصلتني.

فسأل الملك مستغرباً:

ـ وما هو؟

أجاب بوطالب:

ـ لأن النقطة الأولى في الدعوة تقول: السلام على الملكَيْن، وأنا عندي ملك واحد هو الملك الحسن الثاني فقط.

فتبسَّم الملك.*

 

د. علي القاسمي

.........................

* الطرفة رقم 43 من كتاب:

ـ علي القاسمي. طرائف النوادر عن أصحاب المآثر (الشارقة: منشورات القاسمي، 2019)

 

ماهر عبد المحسنمثل الكثيرين من سكان هذا العالم، صحوت ذات يوم علي خبر ذلك الفيروس المرعب الذي حصد الآلاف من بني البشر في خلال أيام قليلة.. وكانت وسائل التواصل الاجتماعي وتقارير منظمة الصحة العالمية تنقل إلينا أخبار الإصابات وأخبار الموت بشكل يومي مع وجبات الإفطار ومشروبات المساء، وأحاديثنا الحميمية التي لا تخلو من المرح. فقد باتت الحقيقة التي لا خلاف عليها أن الكورونا صارت جزءاً من حياتنا، وأن أخبار الموت صارت مثل أخبار المسلسلات ومباريات الكرة، خاصة في فترة العزل المنزلي التي فرضتها الحكومات علي مواطنيها.

وأذكر أني في الموجة الأولي للكورونا تعاطيت معها ثقافياً وكتبت عن أدب الكورونا وسينما الأوبئة، وعلاقة الكورونا بالسياسة والاجتماع والدين، كما كتبت أكثر من قصيدة نثرية حول الكورونا، بالإضافة إلي مشاركتي في أكثر من حوار فكري وثقافي حول الكورونا عن طريق برامج التليفزيون والبث المباشر لمواقع التواصل الاجتماعي.

وبفعل الاعتياد تخلي الناس عن حذرهم في الموجة الثانية، الأخطر، وبدا وكأن الأمر نوع من الوهم أو المؤامرة السياسية كما كان يروج البعض، وقبل أن يتسلل إليّ الشعور نفسه، صحوت ذات صباح آخر، ومع بدايات العام الجديد، لأكتشف أني مصاب بالكورونا مع التهاب رئوي حاد علي الصدر، وأن الأمر، وفقا للأشعة والتحاليل، جد خطير، ويستلزم العزل الكامل والراحة التامة مع الالتزام الصارم ببرنامج العلاج.

بالرغم من هشاشة الفيروس، وحالات الشفاء الكثيرة المبشرة، إلا أن فكرة الموت لاحت أمامي في الأفق فجأة، لا لشيء إلا لكوني، لأول مرة أجدني في مواجهة الفيروس مباشرة دون وسيط ثقافي، فالحقيقة التي كانت حاضرة في وعيّ بقوة هي أني مصاب بالكورونا، لا أكتب عن الكورونا أو أقرأ عنها. وأذكر أني عندما هبطت من السيارة التي أقلتني من المستشفي إلي البيت وقع نظري علي محل البن البرازيلي الذي اعتدت علي طعم قهوته، وشركة الإنترنت التي كنت أسدد فيها اشتراكاتي الشهرية لمواصلة التفاعل اليومي مع العالم، ومحل الفرسان الذي أحببت مخبوزاته الشرقية وكنت أشتريها منه كل يوم بانتظام.

 وهنا بدا لي أني أودع العالم، وأني حتماً سأتوقف عن شرب قهوتي المفضلة، وتناول مخبوزاتي المحببة، والتعاطي مع العالم الافتراضي الذي أودعته أفكاري وأحلامي ومنحني الأصدقاء الأوفياء. وتساءلت إذا كنت أعاني كارثة حقيقية تستدعي التفكير في الموت، فلماذا تنحصر أزمتي الوجودية في تفاصيل الحياة الصغيرة؟!

في اليومين الأولين كنت متعباً جداً، فكنت ألف جسمي بالغطاء واتخذ الوضع الجنيني، وأطفئ أنوار غرفتي ثم أخلد إلي النوم طويلاً علي صوت القرآن الكريم. كنت أشعر بما يشبه الحمي، وأحلم أحلاماً مفككة لا تعبّر سوي عن الإجهاد وعدم الارتياح. في الليل كنت أغرق في الهلاوس،  وفي النهار كنت أفقد طعم الأشياء، وشحب وجهي حتي قال لي أطفالي إني صرت أشبه جدتهم في أيامها الأخيرة. ولأول مرة في حياتي بدأت أصلي وأنا جالس على مقعد، كالمشلول، لأن الصلاة وقوفاً كانت تشعرني وكأني أسقط من شاهق!

تناولت كماً كبيراً من الأدوية والفيتامينات وحقن الكورتيزون، وبدأت استرد شيئاً من تماسكي في اليومين الثالث والرابع، فكرت أن أعلن أني مصاب بالكورونا علي صفحتي بالفيس كي يشاركني أصدقائي محنتي ويمطروني بالدعوات، لكني سرعان ما استبعدت الفكرة، وفكرت أن أبدو طبيعياً وأتصرف وكأني في كامل صحتي، فالفيس ووسائل التواصل الاجتماعي، عموماً، ما هي إلا عوالم افتراضية مستقلة بذاتها، ولا تعكس بالضرورة واقعاً حقيقياً.

وبهذا المعني قررت، كخطوة أولي، أن أكون متواجداً علي مواقع التواصل الاجتماعي، وأن أتفاعل مع أصدقائي بانتظام، حتي المصابين مثلي كنت أبعث إليهم بدعواتي وتمنياتي بالشفاء وكأني سليم ومعاف ولا أعاني الآلام ذاتها، ليس هذا فحسب، بل إني كنت أعمد إلي إشاعة روح الدعابة والمرح بين أصدقائي كعهدهم بي دائماً. ثم بدأت ألحظ أنى، في العزل، لدي وقت طويل للتأمل دون أن يقطع علي أحد تفكيري، فبدأت أفكر في مشروعاتي الفكرية المؤجلة. شرعت فى كتابة دراسة مطولة حول "كانط والإسلام"، أحاول أن أجيب فيها عن سؤال مدى أهمية أن يكون كانط مسلماً أو أن تكون أفكاره الأخلاقية متفقة مع تعاليم الإسلام. كما كتبت عدة مقالات كنت أنشرها بانتظام في الصحف الإلكترونية في الأدب والسينما والفلسفة والاجتماع.

وأذكر أنى لمحت ولديّ الصغيرين، المحرومين من التفاعل معي يتحركان في الشقة من بعيد كالغرباء، ويلعبان على الموبايلات كعصفورين محبوسين فى قفص من ذهب. فتذكرت طفولتي السعيدة، وأشفقت على أبنائي، فكتبت مقالاً بعنوان "أبناؤنا وطفولتهم التى لم يعيشوها". ولم يكن الأمر يتوقف عند مرحلة الكتابة أو النشر، فكنت أواصل تفاعلاتي ومناقشاتي مع الأصدقاء حول ما أكتب، ما حقق لي شعوراً إيجابياً بالتعافي التدريجي بمرور الوقت.

الأشعة المقطعية الثانية أظهرت تقدماً ملحوظاً علي مستوي الالتهاب الرئوي، وأن نسبة الكورونا صارت أقل وأضعف، ويسهل التغلب عليها. تزامن ذلك مع برنامج ثقافي كنت قد وضعته لنفسي في أوقات التوقف عن الكتابة أو القراءة، فكنت أعمد إلي مشاهدة الأعمال القديمة ذات الذكريات المبهجة أو الأعمال الجديدة ذات التجارب الفنية المبتكرة. غير أن المفارقة التي لم أجد لها تفسيراً أن اختياراتي الدرامية كلها كانت مفعمة بالأمل، حدث ذلك دون قصد مني، لكن عن طريق المصادفة البحتة، ربما بفعل اللاوعي، وربما اتساقاً مع فلسفة شرقية تري أنك إذا أردت شيئاً بقوة فإن الكون كله يتحرك علي النحو الذي يحقق لك ما أردت.

ففي هذا السياق، وجدتني أحرص علي مشاهدة حلقات المسلسل الأمريكي "الهارب"، الذي كان يُذاع في الستينيات من القرن الماضي، وتدور قصته حول الطبيب ريتشارد كيمبل الذي اتُهم ظلماً بقتل زوجته، وحُكم عليه بالإعدام، غير أن القطار الذي كان يقله لتنفيذ الحكم انقلب في الطريق، وظل علي مدار ما يزيد علي المائتي حلقة ينتقل من بلد إلي بلد، ويمتهن حرف مختلفة، بحثاً عن القاتل الحقيقي، الذي لا يعرف عنه سوي كونه بذراع واحدة.

وقادتني المصادفة أيضاً إلي فيلم  "الخلاص من شاوشانك "، الذي تدور أحداثه حول المحاسب  "آندي" الذي اتُهم ظلماً أيضاً بقتل زوجته الخائنة، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمسين عاماً، فظل يحفر نفقاً بآلة صغيرة جداً لمدة سبعة عشر عاماً حتي نجح في الهرب، وبداية حياة جديدة في أرض بعيدة. والشيء المهم في هذا الفيلم هو أن الأعوام التي قضاها آندي في السجن لم تكن تمر هباءً مثلما كان يحدث مع باقي المساجين، لأنه كان حريصاً علي ألا يفقد شعوره بالحرية رغم السجن، فكان يمارس هواياته التي يحبها داخل زنزانته، فكان يقرأ ويرسم ويستمع الي الموسيقي.

حتي فيلم الرعب  "خاطفة الأرواح" الذي لا يمكن تحميلة بأي رسالة فكرية عدا كونه فيلم رعب يهدف الي المتعة والاثارة، استوقفني فيه المشهد الاستهلالي، الذي كانت تظهر فيه صاحبة المنزل المعروض للبيع، وهي تشرح لأفراد الأسرة التي جاءت  تعاين المنزل تمهيداً لشرائه، مزاياه وختمت كلامها بأن قانون الولاية يحتم عليها أن تخبرهم بأن المنزل مسكون بالأشباح. المفارقة الكبيرة جدا التي استوقفتني في هذا المشهد، ليست فقط في التزام صاحبة المنزل بالقانون الذي من شأنه أن يضيّع عليها الصفقة، لكن في أن الأسرة وافقت علي شراء المنزل. ربما لا تتعلق المسألة هنا بالأمل، لكن من المؤكد أنها تتعلق بإرادة الحياة وقوة الرغبة في العيش والتمتع بمباهج الدنيا بالرغم من المخاطر التي يمكن أن تكتنفها.

بعد مرور أسبوع قررت أن أخبر أخي الوحيد أنى مصاب بالكورونا حتى يحتاط لنفسه. أرسلت له رسالة على الواتس، فكتب لي رسالة مفعمة بالأمل، ثم أتبعها بصورة لكم كبير من الأدوية والفيتامينات يتعاطها بانتظام، لأنه هو أيضاً كان مصاباً بالكورونا. والغريب أنه لم يجزع بالرغم من صغر سنه، وذكر لي أنه يرحب بالموت لأنه سمع أن الذى يموت بالكورونا يعتبر شهيداً، وأنه يشعر أنه أدى الدور الذى أتى من أجله إلى الحياة، وهو رعاية أمه المريضة قبل وفاتها رحمة الله عليها. طالبته بالتمسك بالإيمان بالله، فهو سبحانه الملاذ الأول والأخير، ولأنه محب للفنون، ذكرته بكلمات محمد منير "على صوتك بالغني.. لسه الأغاني ممكنه".

مشاهدة الأفلام متعة، والكتابة عن الأفلام لا تقل متعة.. وكانت وفاة وحيد حامد الكاتب السينمائي الكبير، صاحب الأعمال السياسية المتميزة، بالتزامن مع وفاة صفوت الشريف رجل المخابرات الأسبق مثاراً للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت تتردد الأقاويل حول التاربخ السياسى المظلم لمصر الثورة، ومعها بدأت الإشارة للأفلام السياسية ذات الأهمية الخاصة، التى منعتها الرقابة من العرض، وكان على رأسها فيلم كشف "المستور" الذى كتبه وحيد حامد وأخرجه عاطف الطيب عام ١٩٩٤.

مع بداية الأسبوع الثاني من العزل شعرت بحالة معنوية مرتفعة بعد أن اعتدت العزل وأصبح لي برنامج شبه ثابت من القراءة والكتابة ومشاهدة الأفلام.. فشاهدت فيلم "كشف المستور"، وكتبت مقالاً بعنوان "كشف المستور فى زمن الكورونا"، حاولت فيه أن أحيل القضايا السياسية التى بالفيلم إلى قضايا فلسفية تخص علاقة المرئى باللامرئي، وكيف أن كلا من أجهزة المخابرات وفيروس كورونا يستمد قوته، بالرغم من هشاشته، من كونه كيان خفي لا يمكن رؤيته ولا معرفة كيف يعمل. والغريب أن الفيلم، رمزياً، كان يقاوم القهر السياسي بالفن من خلال إذاعة أغنيات عبد الحليم حافظ وعمرو دياب فى خلفية الأحداث القاتمة، كما كنت أقاوم الفيروس بالكتابة عن هذه الأفلام.

فى اليوم التالي قرأت عن فيلم "حياة باي"  life of pi  قررت مشاهدته، ثم كتبت مقالاً بعنوان " حياة باي.. الإيمان بوصفه حكمة الحياة الكبرى"، حاولت أن أثبت فيه أن الفن قادر على أن يثبت وجود الله، كما سبق للعلم أن قام بهذا الدور. فليس فقط التفكير العقلي والمنطقي هو الذى يمكن أن يدلل على قضايا الدين والميتافيزيقا، لكن الخيال والصورة الفنية قادران كذلك، وربما بنحو أكثر إقناعاً.

فى اليوم نفسه أرسل لي أخي علي الواتس أغنية لحمزة نمرة تقول كلماتها "فاضي شوية نشرب قهوة في حته بعيدة.. نسمع نكته جديدة.. وخلي حساب الضحك عليه"..

وفاة الداعية عبلة الكحلاوي بفيروس الكورونا، أحدث تعاطفاً كبيراً من قبل الجماهير، لكنه لم يكن أمراً مزعجاً بالنسبة لي، فالمغفور لها كانت قد جاوزت السبعين، لكن دلالة الوفاة أعادت للأذهان فكرة الارتباط بين الكورونا والموت، خاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي تطلع علينا في كل يوم بأخبار المصابين الذين يطلبون الدعاء بالشفاء، والمصابين الذين رحلوا عن الدنيا بفعل الإصابة!

نصحتني زوجتي بالإكثار من قراءة القرآن، فاستجبت للنصيحة الغالية، وكنت قد اعتدت على الصلاة مقعداً خلال الأسبوع الأول، فقررت أن أعود لصلاتي بشكلها الطبيعي..

فى الصباح الباكر أرسل لي أخي مقطع فيديو طريف يشرح كيف تقضي يوماً فى ميدان رمسيس دون أن تنفق أكثر من خمسة عشر جنيهاً!

فى المساء سمعت طبيباً  فى أحد البرامج يحذر مرضى الكورونا، الذين تجاوزوا الخمسين، من الانتكاسات التى يمكن أن تحدث لهم حتى بعد الشفاء من الفيروس، وأكد على أن كورونا فيروس مراوغ نجح في تغيير المفهوم الطبي عن الأمراض، لأنه في كل مرة يبتكر طرقاً جديدة للإصابة، بحيث لا يمكنك أن تتنبأ بسلوكه حتى تحاصره بالعلاج، ويكفى أنه لم يعد يصيب الجهاز التنفسي فقط، لكن الهضمي والقلب كذلك!

وكما لم يكن الشك أو الحيرة هو دافعي لمشاهدة فيلم "حياة باي"، كذلك لم يكن الجنون هو دافعي لمشاهدة فيلم "جزيرة شاتر" Shutter Island. فربما كانت الصدفة هي السبب أيضاً، كما سبق وأن حدث معي من قبل، وربما لأن الفيلم يجمع بين  المخرج الكبير سكورسيزي، الذى لم أشاهد له سوي تحفته الكلاسيكية "سائق التاكسى"، والنجم ليوناردو دي كابريو، الذى لم أشاهد له سوى الفيلم الأسطورة "تيتانيك".

و" جزيرة شاتر" فيلم ينتمى إلى الدراما النفسية، و ينطوى على بعد بوليسي غامض ومثير، لكن ما استوقفنى هو أداء دي كابريو العالي، وقدرة سكورسيزي على تقديم أحداث الفيلم المقبضة من خلال رؤية بصرية بديعة، ولوحات تشكيلية مبهرة. لكن تظل القصة هي البطل الحقيقي للفيلم، و التساؤل غير المعروف إجابته عن معنى الجنون؟ فهل كان تيدي مجنوناً حقاً يتوهم كل أحداث الفيلم أم كان ضحية للمؤسسة العلاجية التى يُشاع أنها كانت تقوم بغسل أدمغة المرضى كى يسهل السيطرة عليهم؟.. وربما يكمن المعني الأعمق للفيلم في شعور دي كابريو أنه ضحية مؤامرة، ورغبته المتجددة فى الهرب من العالم الذى يضعه فى دائرة الجنون، رغم قوة الحصار المضروب حوله.

والحقيقة أن فكرة المؤامرة، والسيطرة على الأدمغة ليست ببعيدة عن وباء كورونا، الذى قيل إنه نتاج للحرب البيولوجية بين الدول الكبرى التي تسعى إلى الهيمنة على العالم. بل إن المبالغة فى استدعاء فكرة المؤامرة وصل إلى حد الدعوى إلى رفض تعاطي الأمصال التى صنعتها الدول الغربية، اتساقاً مع فكرة ماسونية انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤداها القضاء على سكان العالم عدا ما يُعرف بالمليار الذهبي.

الموت إذن يهيمن على المشهد، ونهاية العالم اقتربت!

وفى الصباح الباكر يرسل لي أخي قصيده كتبها لي خصيصاً، مطلعها "أكتب.. أكتب.. متبطلش كتابة.. اتحدى ألمك بقلمك.. أوعى تخلّي أى سحابة".

علاقتي بالسينما ونجومها وطيدة، لكن علاقتي بالمخرجين العالميين كانت قد توقفت عند ألفريد هيتشوك وستيفن سبيلبرج، لأنهما ساهما فى تشكيل وعى الفنى فى مرحلتي الصبا والشباب، وبحكم الحياة العملية حدثت قطيعة معرفية بيني وبين المخرجين الأكثر معاصرة. في المساء الهادئ من ذلك اليوم، كانت فرصتي من أجل ترميم هذا الصدع، فسهرت حتى الصباح أشاهد أفلاماً تسجيلية حول: سكورسيزي، وفرانز كوبولا، وستانلي كويبرك، وكوينيتين تارانتينو، وكريستوفر نولان.

فى اليوم التالي تذيع الأخبار أن الفيروس يقتل الشباب، كما سبق وأن قتل الكبار.. وكنت أتساءل دائماِ عن موقع سني الخمسيني، هل ينتمى إلى الشباب أم إلى الكبار؟!.. غير أن الكورونا لم تجعل للسؤال معنى!

ويرسل لي أخي رابط أغنية حمزة نمرة "مولود سنة ٨٠"، و مطلعها "تتفك اللعبة مني وأرجع أصلحها تاني.. عمري ما بصيت لسني ده أنا لسه ما جاش أواني".

صوت المقرئ أبي بكر الشاطري، الرخيم، كان رفيقي فترة أيام العزل، فقد كان يشعرني  بسكينة كبيرة، ويشيع جواً روحانياً هادئاً، يبعد عن الجو الجنائزي الذى ارتبط بأصوات مقرئين آخرين مثل الطبلاوي وعبد الباسط.

وكنت قد عزمت على مشاهدة بعض أفلام تارانتيننو ونولان، لأني أدركت من سيرتهما الفنية أنهما يقدمان تجارب سينمائية جديدة، لكن أخي، على غير عادته، كتب لي كلمات قاسية عن الموت مطلعها "كام واحد في صلاة جنازتك هيكون أول الموجودين؟ .. كام واحد هيستني على قبرك مش هيمشي مع الماشيين؟ .. كام واحد ممكن يفتكرك ويدعي لك كل فين وفين؟".. لم أجزع من كلماته، لكنى تساءلت لماذا تغير من موقف الأمل إلى موقف اليأس، ولم أجد تفسيراً سوى كونه جنون الإبداع، الذى يجعل الكاتب يكتب الشئ ونقيضة!

فى هذه الأثناء كنت قد انتهيت من مقالى" الخلاص من شاوشانك.. أن تحيا حراً رغم السجن "، و" جزيرة شاتر.. معني أن تكون مجنونا رغم العقل!"..

فى اليومين الأخيرين من فترة حضانة الفيروس شعرت أنى قد تعافيت تماماً، لكنى لم انته من برنامجي الثقافى الذى وضعته لنفسي بعد. وكعادتي شعرت بشئ من الحنين إلى الماضي، الذى كنت أستدعيه دائماً كوقود محرك لحياتي الحاضرة. غير أن الذى استوقفني أنى صرت أشعر بالحنين تجاه أشياء وأشخاص قريبة، مثل زملائي في العمل وأصدقائي فى الحياة، حتى زوجتي التى كانت تسهر على راحتي وولديّ الصغيزين، اللذين كانا يعيشان على بعد خطوات من حجرتي شعرت تجاههم بالحنين، والرغبة العارمة في استعادة أيامي الجميلة معهم، التى لم تغب عني سوى أيام قليلة. وهنا أدركت أن الحنين لا يرتبط بالماضي البعيد فقط، لكن بالماضي القريب كذلك، فكتبت مقالاً بعنوان "كيف تصنع الحنين كى تعيش حاضراً جميلاً".

فى المساء أخبرني أخي أنه كتب كلماته القاسية عن الموت لأن زميلاً له فى العمل كان يرعى زوجته التي في مرض الموت، وأنه كان يحتاط لنفسه كثيراً، وكان يحافظ على صحته بكافة الطرق، إلا أنه، بالرغم من ذلك، مات بسبب الكورونا!

فى اليوم الأخير كنت قد انتهيت من دراستي المطولة حول "كانط والإسلام"، وتوصلت إلى أن كانط مثل هيجل، ومثل الكثيرين من مفكري الحضارة الغربية ينطلقون فى كتاباتهم من عقد تفوق الرجل الأبيض على باقي الأجناس، وأن آراءهم تدعم العنصرية والاستعمار، وعقولهم الجبارة أضعف من أن تصدر رأياً منصفاً عن الإسلام، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل علي أنهم لم يعرفوا الإسلام بالأساس. وحسناً فعل ادوارد سعيد في "الاستشراق" وحسن حنفي في "مقدمة في علم الاستغراب" عندما صححوا المعادلة وجعلوا الغرب موضوعاً لدراستنا وليس العكس، وهو الطريق الذى ينبغي أن نمضي فيه جميعاً.

كتبت لأخي رساله أنصحه فيها بألّا يفكر في الموت كثيراً، وأن يواصل الحياة بكل ما أوتي من قوة ومن أمل، لأننا لا نعرف متى ولا كيف سنموت، لكن نعرف متى وكيف نعيش، فلنعمل ما نعرف، ولنترك ما لا نعرف إلى مشيئة الله.

فى أول يوم خرجت فيه من العزل المنزلي استنشقت هواء نقياً، بعيداً عن روائح الأدوية والفيتامينات وحقن الكورتيزون. وعندما وقعت عيناي على محل البن البرازيلي وشركة الإنترنت ومحل المخبوزات، لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً عن المرة الأولى..

فقط شعرت برغبة عارمة فى تناول فنجان من القهوة المحوّجة بالمستكة والحبهان!

 

د. ماهر عبد المحسن

 

 

 

محمود محمد علياسمح لي عزيز القاري أن أغوص في هذا المقال في حياة الدكتور صلاح فضل ؛ وبالذات في فترة منتصف الثلاثينات من القرن الماضي، والذي تمت ولادته في شباس الشهداء بوسط الدلتا، في ذلك الوقت كانت المعارك النقدية ملتهبة في الوسط القاهري عبر عمالقتها، مثل عباس العقاد، وأحمد أمين، وزكي مبارك .. الخ.

هنا في هذا المقال أحاول أن أقدم حديثاً عن صلاح فضل، وهذا الحديث يخلط بين الخاص والعام من حيث ظروف النشأة، والتفتح علي المدارك الأدبية والثقافية، وذلك من خلال هذا الجو الذي كان يلف القاهرة ومصر في تلك الفترة ؛ ولذلك أقول مع صلاح فضل بأنه لحسن الحظ بين الخاص والعام في هذا الصدد ليست مفتعلة، وإنما هي بسيطة وحقيقية، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أن "صلاح فضل" نشأ في بيئة أزهرية؛ فقد كان والده وجده من علماء الأزهر، ومن المشتغلين بالثقافة العربية والإسلامية، ومن القراء المدمنين لمجلة الرسالة، وقد كان "صلاح فضل" قد تعلم الأبجدية الأولي في أعداد الرسالة لـ" أحمد حسن الزياد"، وفي الكتب التي تفرزها المطابع، وتحمل آثار هذه المعارك الكبرى، فقد عرفهم "صلاح فضل" في صباه الأول، حيث كان يقرأ إنتاجهم مع حفظه لآيات القرآن الكريم ؛ حيث كان يتروي، ويتغذي بملحهم ونوادرهم، وفكاهاتهم، وكتاباتهم اللطيفة.

لقد عرف صلاح فضل رشاقة قلم "إبراهيم المازني"، كما عرف أسلوب "زكي مبارك" اللعوب، وهو ينشر متابعاته عن الليلة المريضة في العراق الشقيق، كما عرف "فضل" صرامة، وجهامة، وجدية "صادق الرافعي الرافعي"، وهو يعشق ويحارب، وهو يكتب عن السفود، وتحت راية القرآن، وأوراق الورد، وتهويماته الرومانسية الرائعة الجميلة .

كل هذا كان يمثل الطعام اليومي لصلاح فضل، ومن ثم لم يكن غريباً عنه، لأن المسافة بين القرية والمدينة، كانت ضيقة جداً، وقصيرة جداً، عبر المجلة والكتاب في الدرجة الأولي، وبصفة شخصية كان من حسن حظ "صلاح فضل" أن والده كان يكتب الشعر، وهو يريد له أن يكون شاعراً .

وبطبيعة الحال، فقد تمرد صلاح فضل (كما يعترف) علي هذه الإرادة، واختار بطريقة صبيانية ولطيفة جداً طريق النقد، لأنه قد طرح علي نفسه سؤالا مبكراً (كان النموذج الشعري الفائق الذي ما زال يملأ أسماع كل المصريين والعرب، كان هو أحمد شوقي، فطرح "صلاح فضل" في العاشرة من عمره علي نفسه سؤالاً) : هل بإمكانه أن يتوفق علي الشاعر المبدع "أحمد شوقي" ؟ .. ويبدو أنه كان في المرحلة يملك حساً نقدياً مبكرا، إذ جزم صلاح فصل بأنه لن يصل إلي مستواه، ومن ثم فلم يكن "فضل" شيئاً آخر .

كان صلاح فضل دائماً ما يقرأ رسائل جده إلي أصدقائه، فيراها تمضي بنفس نسق أسلوب الرافعي من غير تقليد، لكن فيما يبدو كان هذا هو التيار الذي يمتلك وعي اللغة، ويُوظف عبقرياتها، ويستقطر جماليتها، حتي في الكتابة اليومية، عندما كان يخط برقية مثلاً ليبعثها إلي صديقاً له، ويرسلها "فضل" إلي مكتب التلغراف كي يقوم بعملية إرسالها، فيقرأها فيجدها بالغة الوجازة والدقة .

وهو يعترف أنه ما زال يتذكر هذه البرقيات التي أرسلها عميد كلية اللغة العربية، وكان رفيقه في الدراسة ليهنئه قائلا :" دواماً ترقي وأهني" .. كانت ثلاثة كلمات كما يقول فضل عن والده فقط، لكنها تحمل التهنئة، وجازه التعبير عن رغبة استمرار الترقية، وعن الاحساس المتابع ... كل هذا المناخ الأدبي خلق في طفولة "صلاح فضل" أفقاً لم يكن له أن ينفصل عنه، وهو أفق إرضاعة والتغذي بلبان العربية، وجماليتها، وبرغم من أنه كان يتمني لنفسه مصيراً آخر ؛ حيث كان يطمح بأن يكون طبيباً، وهذا شئ بالغ الغرابة، إلا أن وفاة والده المبكرة ؛ حيث أُختطف في ريعان شبابه أثناء وباء التيفود في مصر عام 1942م وهو في الرابعة من عمره، مما جعل جده ينظر إليه كي يخلفه في الأزهر، وفي دراسة اللغة العربية .

لذلك دخل صلاح فضل كلية دار العلوم فأصبح درعمياً، وبالفعل كانت هذه هي طريقته في الهروب، وفي تغيير التيار، لأن الدراسة الأزهرية عندما نستحضر دوائرها كانت بالغة القسوة في اكتمال دائرتها، لدرجة أنه عندما أتمم "صلاح فضل" السنة الأولي الابتدائية، كان يحفظ القرآن قبل دخول المعهد في السنة الأولي، فيدرس كان أبواب النحو العربي، ومعظم أبواب الفقه الإسلامي، وقضايا الصرف، ولم يكن "صلاح فضل" يتصور أن هناك علماً آخر، يمكن أن يدرسه في السنة الثانية، أو الثالثة، فضلاً عن أن يكون هناك علماً في مراحل أخري تالية، ووصل "صلاح فضل" لدرجة التشبع من هذه الثقافة التقليدية، وكان المنفذ إلي كلية دار العلوم لاختراق أفق جديد بثقافة مغايرة تعطي وجهاً آخر للحياة والفن والفكر بصفة عامة .

وعندما دخل "صلاح فضل" كلية دار العلوم، كان تشوفه وتشربه لكل ما يحيط به، كان في حقيقة الأمر بالغ الحساسية، والقدرة علي الالتقاط، فقد عاصر "صلاح فصل في تلك المرحلة مناخين يحيطان به في الدائرة المحدودة بالكلية والجامعة (وأعني هنا جامعة فؤاد الأول وهي جامعة القاهرة حالياً)، والدائرة الثقافية العامة، فنجد في الدائرة الاكاديمية كان الصراع يدور في تلك الآونة بين مدرستين في الأدب في نقده، كان "محمد مندور" يتزعم دراسة الأدب للمجتمع، والتوظيف الواقعي للرواية وللشعر وللمسرح ؛ وخاصة في دفع دم قوي وحاضر ومتدفق لشرايين الحياة، وربط منظومة القيم الاجتماعية في تطور مصر والعالم العربي في تلك الآونة بالإبداع الأدبي، في مقابل دعوة "رشاد رشدي" التي تعتصم بمقولات الفن للفن، والتي تعول علي النقد الموضوعي التحليلي وغيرها .

لكن كان إلي جانب هذين النموذجين، كان هناك أنموذج أقرب إلي قلب "صلاح فضل" وأكثر تطلعاً مع توافقاته العلمية، ألا وهو نموذج "غنيمي هلال"، والذي كان أستاذه المباشر، لأنه يمثل أنموذج للعالم الذي يبرأ من التحيز الايديولوجي، والذي يوظف المعرفة توظيفاً دقيقاً في سبيل التنامي العلمي والتثاقف الحقيقي، مع الخمائر العميقة في جذور الثقافة العربية، والثقافة الإنسانية الغربية القديمة والحديثة .

كان نموذج "غنيمي هلال" ملئأ لوجدان صلاح فضل حاجاته المعرفية، وهو الذي دعاه في هذه المرحلة إلي أن يقتصر علي الثقافة العربية، ويكتفي بمعطياتها، ولا ينفصل فقط عن الأفق العالمي، وإنما لا يستطيع أن يراه مادة تخصصه ذاتها، وهي الثقافة العربية، لأنه من يتصور هذا كثيراً، كمن يلصق وجهه في المرآه، لا يستطيع حتي أن يري وجهه، وأنه بمقدار ما يأخذ مسافة من المرآه، يستطيع أن يتبين ملامحه بوضوح، ويحيط بذاته، ويعي وجوده .. كانت مثلاً دراسة " محمد مندور" عن نظرية النظم مفاجئة جميلة ومدهشة بالنسبة لصلاح فضل لأن شيوخ الأزهر كانوا يشبعون حفظاً لكتب عبد القاهر الجرجاني .

بيد أن هذا الحفظ والاستنساخ الآلي والتكرار، لم يكن أبدا ليجعل "صلاح فضل" ليمسك بجوهرها أو يتبين قيمتها .. لكن طريقة محمد مندور في توظيف المناهج النقدية المعاصرة لاكتشاف القيمة الحقيقية في الإطار التاريخي لنظرية النظم عند عبد القاهر، جعلت "صلاح فضل" يدرك في هذه المرحلة المبكرة، أن المشكلة الأولي، هي مشكلة المنهج، وأن هذا المنهج نحن لا نصنعه في ثقافتنا العربية، وإنما هو يُصنع عالمياً، وعلينا أن نتقن لغة العالم العلمية، حتي نستطيع أن نكتشف لا ما يُشغل به هذا العالم الجارحي فحسب، وإنما أن نكتشف ذواتنا في أعمق تياراتها الخفية ..

وحول مدي استفادة "صلاح فضل" من الركام العلمي والبحثي الذي قام به البحاثة المصري الأستاذ الدكتور محمد عبد الله عنان المهتم بالأندلسيات والتاريخ الإسلامي، فقد كانت هذه هي إحدى مشاغل "صلاح فضل" بلا شك ؛ إذ تمثل لدية من المناوشات الطريفة والجميلة، حيث عرض "صلاح فضل" الموضوع علي نفسه من خلال الوجه التالي : أنت جئت خطأ إلي هذه البلاد، ثم لم تلبث أن أدركت أن بوسعك أن تحصل معرفة أدبية ونقدية، لكن لا بد لك أن تفيد من وجودك هنا، فأخذ "صلاح فصل" يعتني بالدرجة الأولي بدراسة التراث الأندلسي العربي القديم، خاصة في علاقته بالآداب الغربية؛ سواء الإسبانية، أو الفرنسية، والأوربية الأخرى .. كانت كتابات "محمد عبد الله عنان" تمثل بالنسبة لصلاح فضل الحصاد التاريخي للوجود العربي في الأندلس، لكن كانت هناك مجموعة أخري من الكتابات بالغة الأهمية لا يتاح للإنسان أن يقف علي أسرارها ويمتلك محصلتها المعرفية إلا إذا أتقن اللغة الإسبانية وعرف خباياها، وهي كتابات المستشرقين العظام من إسبانيا الذين وهبوا أعمارهم طاقتهم العلمية الخلاقة للكشف عن الدور العربي الرائد في تطعيم الثقافة العالمية .

وبالفعل في مدريد وجدنا "فضل" تدفعه العاطفة وتصقله الموضوعية لإنجاز حلم ذات فردية متشبعة تماماً بتراث جماعتها المحلية علي أرض الأندلس القديمة التي تحمل ذكريات أجداد، مست أصواتهم اللغة والعمارة، مثلما لامست هويتهم ملامح البشر، فينال درجة الماجستير في عام 1967م عن " المؤثرات التراثية العربية في القص الإسباني، وفي سنوات الاستنزاف انتهت مرحلة العلاقة المباشرة بين الأدب والأيديولوجيا عنده مع مناقشته لرسالة الدكتوراه عام 1972م التي احتفت بالالتزام الوجودي عند "بويرو باييخو"، وهدأت ثورة الربيع الذي منحه تاريخ الميلاد في الحادي والعشرين من مارس 1938م بشباش الشهداء ليبدأ صيف النضح في المكسيك، وهو يلقي علي عدد قليل من طلبة الدراسات العليا دروساً في الأدب العربي.

ومن المكسيك دلف "صلاح فضل" إلي الساحة النقدية من الباب الأكاديمي الضخم بصريره العميق ومزاليجه العصية، لم يبدأ أولي خطواته بالمتابعة الإعلامية التي تومض كلحظة برق خاطفة يقتنصها مقال عاجل يبعث في النفس نشوة تتبدد سريعاً، إنه يسعي إلي الأستاذية العلمية التي أرسي العميد "طه حسين" دعائمها في المؤسسة النقدية .. إن له دوراً في الحياة الأكاديمية يماثل أدوار علماء الطبيعة، والكيمياء، والأحياء، والهندسة ؛ بل إن العلوم الإنسانية حددت مجال عملها وتعرفت علي ملامحها وخطت في مجال اكتشاف قوانينها بثقة، حدث هذا في الدراسات الاجتماعية والنفسية، هؤلاء يكتشفون القوانين الكونية، والأنظمة الحضارية، والسلوك البشري، ويحددون صفات العناصر، ويصفون الخلايا، ويشيدون البنية العمرانية، ويتوغلون في جيولوجيا الأرض والنفس يبحثون عن الحقائق التي يمكن البناء عليها، والنقاد أيضاً، هؤلاء الذين يكتشفون تجليات الجمال في البيان، هؤلاء الذين انتمي إليهم بوعي ومسؤولية، لهم مجال عمل محدد هو اكتشاف قوانين الشعر، فالرجل لديه رؤية واضحة تصل بين التطور الروحي والذهني في التعامل مع أبجدية الوجود التي يحرص الإنسان علي المضي في اكتشافها والإفادة منها وهو القائل: " إن التقدم في فهم قصيدة في درس ثانوي ضروري لتركيب جهاز في معمل هندسي" .. وهذه فكرة جوهرية في إدراك مفهوم العلم ووظائفه، فإعمال العقل هو أساس التطور الإنساني الخلاق في الارتقاء بالمسار الحضاري .

لم يكتف صلاح فضل بذلك بل وجدناه في كتابه " نظرية البنائية في النقد الأدبي" يتجول داخل إطار المدرسة النصية الجديدة التي أسس الشكلانيون الروس قواعدها وشيد "رومان ياكبسون" ستة أعمدة تحمل وظائف اللغة في فضائها العلمي، بينما صمم "رولان بارت" (الذي لقي مصرعه بعد عامين من الطبعة الأولي لكتاب البنائية فأشار صلاح فضل في الطبعة الثانية التي صدرت بعد رحيل بارت بأشهر قليلة لهذا الوداع المأسوي) مداخلها ووضع لها الديكور الفرنسي الجميل اللائق بموضة باريسية جديدة، يسعي "صلاح فضل" في هذا الكتاب للمشاركة في صياغة قانون التنظيم الذاتي للعمل الإبداعي، لقد دخل الخطاب النقدي عصر المؤسسات، ومن حقه أن تكون له هندسته الخاصة به، بوصفه مركز دراسة أشكال الإبداع، وفحص أبنيتها، ورصد النسب التي تتشكل منها المادة النصية، لكي تسمح بوجود كيان معماري لغوي في أفضية التواصل الإنساني، فالبنية النصية تنفيذ لرسم هندسي يخطط لمبني، لن يكتسب ذاك المبني قوة البقاء إلا أذا حافظ علي العلاقة الحتمية بين التصميم والتنفيذ، مراعياً العناصر التي تقيم دعائمه كلها، ومحافظاً علي العلاقات فيما بينها .

وحتي لا يطول بنا الحديث الشيق والجميل عن صلاح فضل، لا أملك إلا أن أقول : تحيةً لـ" صلاح فضل"، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة أدبية وفكرية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من الأدباء والكُتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.

وهنا أقول مرة أخري تحيةً مني لـ" صلاح فضل" الذي آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ، وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في "صلاح فضل" قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

.....................

1- قناة العربية: هذا هو صلاح فضل .. يوتيوب..

2- محمد سيد السيد قطب: صلاح فضل و قوانين الشعرية، فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد 78، 2010م.

3- شكري بركات إبراهيم : قراءة في منهج حداثي : البنيوية عند صلاح فضل أنموذجا، مجلة الدراسات العربية، جامعة المنيا - كلية دار العلوم،ع 12 , مج، 2005

 

 

محمود محمد عليصلاح فضل.. هكذا أبدأ الحديث بلا ألقاب- مع حفظها بالتأكيد- وذلك لأن الألقاب لا تفيه حقه، ولا يمكن للكلمات أن تعبر عن مدى تقديري واحترامي له، لا لكونه أستاذاً فاضلاَ فحسب، بل ولكونه يمثل زمراً لشخصية متميزة تختلف عن شخصيات كثيرين غيره من الأساتذة الأكاديميين بجامعاتنا المصرية؛ شخصية تتوفر علي سمات ومقومات وأبعاد، تنتزع بذاتها الاحترام وتفرضه، وتستأهل التقدير وتثير الإعجاب، وتغرس في النفوس حباً تخامره رهبة، وأملاً يواكبه شعور بالتفائل من عالم وأديب ومفكر كثيراً ما يشرفونا نحن المصريون في كافة المحافل الدولية؛ فهو واحداً من  رواد الخيال الواسع والأفكار المتراقصة في المخيلات الذهنية، وهو أحد أهم وأشهر النقاد المصريين المعاصرين القادرين علي مطاوعة الألفاظ والمعاني، وهو والله نعم الأستاذ، والعالم المتوحد الشامخ: سراجاً هادياً، عالياً كالمنار، وارفاً كالظل، زاخراً كالنهر، عميقاً كالبحر، رحباً كالأفق، خصيباً كالوادي، مهيباً كالعلم، لا يرجو ولا يخشي، طاقته لا تنضب، كأن وراءها مدداً يرفدها من سر الخلود .

ولقد عرفت صلاح فضل منذ أكثر من ربع قرن عندما كنت أقرأ له كتاباته، وبحوثه، ومقالاته الأدبية والشعرية، وزادت معرفتي به عندما حل علينا ضيفاً للمشاركة في مؤتمر كلية الآداب الدولي بجامعة أسيوط الزاهرة، في الخامس من أبريل عام 2016 م، وكان هذا المؤتمر بعنوان "الاتجاهات التراثية والمعاصرة في العلوم الإنسانية"، وفي المؤتمر التقيت به، وتعرفت عليه، وأهديته كتابي " النحو العربي وعلاقته بالمنطق "، والذي أُعجب به .. ومن هنا بدأت أتابعه عن كثب واستمع إليه من خلال تعليقاته النقدية  العذابة  علي (مسابقة أمير الشعراء وغيرها من المسابقات)، وكأن الله قد عوضني عن أستاذي ومعلمي " فاروق شوشه" في شخصه الكريم.

ولذلك لا أكون مبالغاً حين أقول بأن صلاح فضل بالنسبة لي يمثل واحداً من أعظم نقادنا المصريين القلائل الذين يلزمنا الإصغاء لهم ومتابعتهم دون ذلك الضجر الذي ينتاب بعض الكُتاب عادة، من أولئك النقاد المتحمورين حول كتابات وأسماء بعينها، ولا يحيدون عنها نحو متابعة جديدة لما يطرأ في الحياة الثقافية العربية، حيث النقد بهذا المعني مغروراً عن نبض الحياة وانبثاق الإبداع، ولهذا فإنني أعشق صلاح فضل (ذلك العالم والأديب) الذي ينتمي إلي عائلة النقد المختلف والمنفتح علي أكثر من مدار جديد من غير عقدة أجيال أو قديم وحديث .

ولما كان من البديهي لأي ناقد عربي أن تكون اللغة العربية هي البنية الأساسية التي من خلالها انطلق مشروعه النقدي، إذ يتسنى للناقد العربي أن يكون جملة من المفاهيم التي من خلالها تتاح له الفرصة للشروع في بنائه النقدي ؛ وصلاح فضل، كغيره من النقاد العرب، شكلت له اللغة العربية الانطلاقة الأولي لدراسته، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حظياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في النقد الأدبي (وبالأخص في مجال تقييم الشعر والشعراء)؛ حيث كان أسلوبه في الحديث جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً . ومع هذا أسلوب علمي يتضمن صياغات في ثوب أدبي - رفيع - قشيب.

ولد الدكتور صلاح فضل (محمد صلاح الدين) بقرية شباس الشهداء بوسط الدلتا في الحادي والعشرين من مارس عام 1938م، اجتاز المراحل التعليمية الأولى الابتدائية والثانوية بالمعاهد الأزهرية. حصل على ليسانس كلية دار العلوم – جامعة القاهرة عام 1962م. عمل معيدًا بالكلية ذاتها منذ تخرجه حتى عام 1965م ؛ وقد أوفد في بعثة للدراسات العليا بإسبانيا وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة مدريد المركزية عام 1972م، عمل في أثناء بعثته مدرسًا للأدب العربي والترجمة بكلية الفلسفة والآداب بجامعة مدريد منذ عام 1968 م حتى عام 1972م. تعاقد خلال الفترة نفسها مع المجلس الأعلى للبحث العلمي في إسبانيا للمساهمة في إحياء تراث ابن رشد الفلسفي ونشره.

وبعد عودته عمل صلاح فضل أستاذًا للأدب والنقد بكُلِّيتي اللغة العربية والبنات بجامعة الأزهر، وعمل أستاذًا زائرًا بكلية المكسيك للدراسات العليا منذ عام 1974م حتى عام 1977م. أنشأ خلال وجوده بالمكسيك قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة المكسيك المستقلة عام 1975م؛ ثم انتقل للعمل أستاذًا للنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس منذ عام 1979م حتى الآن. انتدب مستشارًا ثقافيًا لمصر ومديرًا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد بإسبانيا منذ عام 1980م حتى عام 1985م. رأس في هذه الأثناء تحرير مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد. اختير أستاذًا شرفيًا للدراسات العليا بجامعة مدريد المستقلة؛ وبعد عودته انتدب إلى مصر عميدًا للمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بمصر منذ عام 1985م حتى عام 1988م، وعمل أستاذًا زائرًا بجامعات صنعاء باليمن والبحرين حتى عام 1994م، كما عمل أستاذًا للنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس ورئيسًا لقسم اللغة العربية وهو الآن أستاذ متفرغ فيها.

ولصلاح فضل عشرات الإصدارات التي يعرفها متذوقو النقد وعشاقه؛ نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: قراءة الصورة وصور القراءة، وبلاغة الخطاب وعلم النص، ومناهج النقد المعاصر، وعلم الأسلوب مبادئه وإجراءاته، ونظرية البنائية في النقد الأدبي، وأساليب الرد في الرواية العربية، منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، من الرومانث الإسباني: دراسة ونماذج، تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي، إنتاج الدلالة الأدبية، ملحمة المغازي الموريسكية، شفرات النص، بحوث سيميولوجية، ظواهر المسرح الإسباني، أساليب السرد في الرواية العربية، أساليب الشعرية المعاصرة، أشكال التخيل، من فتات الحياة والأدب، مناهج النقد المعاصر، قراءة الصورة وصور القراءة، عين النقد على الرواية المعاصرة، نبرات الخطاب الشعري، تكوينات نقدية ضد موت المؤلف، شعرية السرد، تحولات الشعرية العربية، الإبداع شراكة حضارية، وردة البحر وحرية الخيال الأنثوي، حواريات في الفكر الأدبي، جماليات الحرية في الشعر، لذة التجريب الروائي، وثائق الأزهر.. ما ظهر منها وما بطن .. وهلم جرا..

أما عن ترجماته عن المسرح الإسباني فنذكر مثلا: الحياة حلم، لكالديرون دي لاباركا، نجمة أشبيلية، تأليف لوبي دي فيجا، القصة المزدوجة للدكتور بالمي، تأليف بويرو باييخو، حلم العقل ودون كيشوت، تأليف بويرو باييخو، وصول الآلهة، تأليف بويرو باييخو.. الخ..

وتنقسم كتابات صلاح فضل (سواء  المؤلفة او المترجمة) إلي قسمين: القسم الأول علمي أكاديمي لا يستطيع إلا أن يلتزم الدقة والمنهجية والإشارة العلمية، وهذا ربما يؤدي إلي شئ من التعثر في القراءة، لكونها تمثل مرحلة من الأمانة العلمية والاكاديمية ومن الرقي المعرفي بنسبة الأفكار إلي أهلها، وهذا النوع من الدراسات الأكاديمية مثقل بأمرين: الأمر الأول هو محاولة التزام الدقة والعمق في التعريف بالأفكار والمناهج والنظريات وبتقديمها في مصطلحاتها، وهذه المصطلحات لا بد أن تمثل عائقة في التذوق، لأنها جديدة، وكل جديد يحتاج إلي مجهود لتمثله وتقبله، لكنه يمثل المنطلقات العلمية التي لا تستطيع أن تضيف إليها إلا إذا دخلت في قلبها .أما المرحلة الثانية فعندما يمتلك الناقد أداته المنهجية ووسائله المعرفية ويبدأ في ممارسة التواصل مع النصوص الإبداعية .

وفي تقدير صلاح فضل أن مفهوم الإبداع ذاته هو يعني الابتكار والخلق من العدم والمبدعون دائماً يقعون بين نارين الخط الأحمر الأول أنهم لا بد ان يتكئوا علي تراث ويستوعبوا التقاليد السابقة ويتفهموا الأشكال، والأصناف، والانجازات الجمالية والإبداعية السابقة عليهم، حتي يستطيعوا أن ينخرطوا في غمارها ويخلقوا أشكالهم علي نمطها وعلي مثلها، لكنهم من ناحية أخري لا يستطيعون تقليد ما سبق ولا تكراره لأنهم مطالبون بأن يبتكروا أشياء جديدة فيما بين أتباع النموذج السابق علي الأقل في الجنس الأدبي وفيما استقر عليه، وضرورة الإتيان بالجديد تتجلي عبقرية المبدع فلا بد له ان يقوم بعملية تجريب مستمرة، يقول صلاح فضل (في إحدي فيديوهاته علي البرامج الشعرية علي قناتي الإمارات وأبو ظبي): أنت عندما تكتب قصيدة تستوعب في باطنك كل نماذج الشعر التي تمثلتها واستوعبتها وسقيتها صغيراً وكبيراً لكي تكتب مثلها ؛ لكي تريد أن تتجاوزها ولا تقلدها ولا تكرر ما سبق إنجازه فيها، فليس أمامك إلا أن تجرب ابتكار أشكال وأنماط جديدة لا تقطع الصلة بينك وبين القديم .. صغار المبدعين يتكتفون بتقليد من قبلهم ولذلك يظلون صغاراً .. لكن كبار المبدعين هم الذين يجربون دائماَ في كل الفنون، فعملية التجريب مرادفة لعملية الإبداع..

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة أود أن أشير إليها هنا، وهي تتعلق  بمنهجية صلاح فضل في كتاباته ومقالاته؛ إذ كشفت لنا هذه المنهجية عن اقتدار وكفاءة عالية في التزام فضل لقواعد المنهج العلمي وضوابطه، وقد لا حظت ذلك بجلاء في طرحه للموضوعات، وإثارة المشكلات، وطريقة تناولها ومعالجتها. فهو في تلك الكتابات والمقالات كثيرا ما يفصل فضل المجمل، ويكشف عن المستور من المعاني التي تخفيها ظواهر النصوص، ويوضح الغامض من الأفكار، وهو في هذا لا يترك لنا شاردة ولا واردة تتصل اتصالاً وثيقاً بالموضوع إلا ويذكرها أو أشير إليها، وهذا عن دل علي شئ فإنما يدل علي مدي الجيدة والعطاء التي يتحلي بها صلاح فضل في عالم ضنين من الجدية والعطاء.

ثمة بعد آخر نجده عند صلاح فضل ألا وهو قدرته في تلك الكتابات والمقالات علي تحديد موضوع البحث تحديداً دقيقاً، وتعمده إلي إبراز أهم عناصره ومحاوره وأبعاده،  ثم أستعرضه للآراء  التي قيلت بخصوص كل عنصر، مع محاولة ردها إلي أصولها ومصادرها الأصلية، وهو بهذا يكشف عن مدي تأثر اللاحق بالسابق من الأدباء والمفكرين والباحثين؛  ثم يتابع الفكرة في تناميها وتطورها منذ نشأتها، حتي يصل إلي منتهي ما وصلت إليه لدي من تناولوها بالدراسة؛ بحيث يكشف عما طرأ علي الفكرة أو النظرية من انتكاسة، أو إضافة، أو تجلية، أو دعم، أو هجوم نقدي، أو تأصيل عقلي وفكري، ومحاولة وضع ذلك كله في منظومة علمية تبث الروح في النظرية، وأن تثير في القارئ ميلاً عقلياً إلي احتضانها أو النفور منها، بمبررات عقلية – منطقية في كلتا الحالتين، بحيث يفرض عليَ أن أتخذ موقفاً ما، دون الاقتصار علي مجرد التلقي أو السرد والحكاية .

وأما فيما يخص نشاط الدكتور صلاح فضل نشاط المجمعي ؛ فنجده يمثل عضوا في لجنة الاقتصاد، ومقرر للجنة الأدب، فهو صاحب مشروع كبير لتطوير العمل بالمجمع وتوسيع دائرة نشاطه ونشر رسالته، وقد قدمه إلى مجلس المجمع؛ وتقديرًا لدوره المتميز في الدرس الأدبي والنقدي، حصل على: جائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر عام 1997م، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2000م... الدكتور صلاح فضل ناقد بصير بفنون الأدب العربي، يتميز بلغته الفصيحة الرشيقة – وبخاصة في مقاله الأسبوعي بجريدة الأهرام - ومتابعته الدؤوبه لما ينتجه الأدباء من شعر وقصة ومسرحية، وهو ناقد معايش لكل اتجاهات الأدب العالمي وتياراته النقدية.

فلا أنسي تلك الدراسة الرائعة التي قدمها صلاح فضل عن (ضمير الشعر ضمير العصر إطلالة أولي: مملكة البياتي)؛ حيث قدم قراءة حاولت النفاذ من مسلك لغوي مطروق، وهو الضمائر النحوية لاستكشاف الوعي والضمير الشعري عند البياتي، فقد ركزت هذه الدراسة علي الضمير الفاعل مستفيدة من الأشكال البلاغية كالالتفات الذي يعتمد علي تغيير الضمير دون المضمر، والتجريد الذي يتمثل في الحديث عن (أنا) باعتبارها (هو) مستفيدة من الإحصاء الأسلوبي.

كما لا أنسي روعة صلاح فصل في تحليله لقصيدة (النور يأتي من غرناطة) ضمن مجموعة مملكة السنبلة علي مقياس تردد الضمير المعبر عن الفاعل، فيري أن القصيدة تحتوي علي أكثر من ضمير هي: ضمير الشاعر الذي تردد خمس مرات، وضمير الموسيقي الأعمى الذي تردد أقل منه، وضمير الرجل والمرأة الأسبانيين، وضمير رجل في سفر . ويري أن ارتفاع نسبة ضمير الشاعر يتعانق مع ضمير الأعمى في توحيد بينهما في عذاب الميلاد والمحتضر: الشاعر يري الحضارة ولا يستمتع بها، والأعمي لا يري الحضارة ولكنه يعيشها . ويري صلاح فضل أن ضمير المرأة يمثل المفقود من حضارة الأمة، وأن الشاعر هو ميلاد جديد في شعر الحضارة الإنسانية المتوحدة بالكون، المترفعة عن التعصب الأعمى، ومن هنا يستنتج فضل أن هذه القصيدة ليست شجناً ذاتياً، وأن صوت البياتي يعبر عن أضفي درجات الغنائية التي تلبس بالآخرين، وبروح الكون في توافق هرموني عارم شديد الوعي في تجسداتها الواقعية علي المستويات السياسية، والاجتماعية، والفنية.

وفي كل هذه المعالجات يتكئ صلاح فضل علي الوسائل التقنية الفنية التي تتمثل في الضمائر، أو في الإيقاع الدرامي الذي تصب في شفرته الإيديولوجية، وهي تعدد الأدوار والشكل الكتابي والبنية الإيقاعية والمستوي الرمزي في القصائد التي عالجها .

وفي معالجة ثالثة قدم صلاح فضل دراسة لديوان سيرة البنفسج لأخي وصديقي الشاعر حسن طلب . ولعل أول ما استرعي انتباه فضل في هذا الديوان الصغير أنه يتحقق فيه قدر من الاتساق عبر وحدة الدال مع تعدد المدلول، وان الديوان بكامله يتخذ من البنفسج زمراً لغوياً وكونياً لجملة من التجارب الشخصية والقومية . وقد لا حظ فضل في الديوان اختزال الشاعر للأفعال خاصة أفعال الكينونة . وفي رأيه أن هذا قد جاء نتيجة ولعه بمعايشة الضيغ التراثية، واستحضارها من مجالاتها الدينية، وأن هذا لا يفيد القصيدة في شئ إلا أنه يبرز قدرته الفائقة علي النظم  وإتقان عظيم لتوقفات الإيقاع الخارجي، وامتلاك مدهش لناصية اللغة، وقد يضعف من جانب آخر وعيه بتغير المجتمع والعصر، وبمعني ما فإنه يري في ظاهرة الاختزال عيباً فنياً ودلالياً . ومن الجوانب المهمة في تعليق صلاح فضل أنه توقف أمام رمزية البنفسج باعتبارها دالاً أي أنها تمثل بنية لغوية تنتظم الديوان والقصائد، وتشير إلي وردة معينة،غير أنها في نظره تفقد مسماها وتأثيرها لأنه ينعت بها القصيدة بكاملها، ويمعن بها في محاكاة لغة الصوفية ... ونكتفي بهذا القدر .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

.............

1- شكري بركات إبراهيم: قراءة في منهج حداثي: البنيوية عند صلاح فضل أنموذجا، مجلة الدراسات العربية، جامعة المنيا - كلية دار العلوم، ع 12 , مج، 2005م .

2-محمود قنديل: الناقد د. صلاح فضل: الابداع خط أحمر، أدب ونقد، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 374، 2018م.

3- سيد محمد السيد قطب: صلاح فضل و قوانين الشعرية، فصول، العدد 78،  الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010م.

4- أمجد ريان: صلاح فضل والشعرية العربية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2000م.