محمود محمد عليبقلوب حزينة وأعين ذرفت منها الدموع، ودعنا مساء  الخميس الماضي (الموافق 26 نوفمبر 2020) بعد صراع شجاع ومثالي مع المرض أخاً وصديقاً وأستاذاً عزيزاً علينا، ألا وهو الأستاذ الدكتور هاني عبد الوهاب المرعشلي (أستاذ الفلسفة الإسلامية المتفرغ بكلية الآداب - جامعة طنطا بجمهورية مصر العربية)، غادرنا جسداً لكن ذكراه ستبقي طيبة، مثمرة  ما بقيت الجامعة بين طلبته وزملائه وبين محبي الفلسفة والمعرفة . عرفناه لطيفاً، خدوماً، عميقاً في بحثه، جدياً في عمله، موسوعياً في اطلاعه، ووالله  لهو في نظري نعم الرجل المتميز، والمنهل الثر، والمفكر التقدمي، والمنظومة المتكاملة من العطاء، وهو أيضاً أحد الرموز الثقافية بمصر والعالم العربي ؛ وهو ليس مفكرًا عاديًا أو باحثاً كان مبتغاه أن يحصل على المعلومة ويحنطها، لقد كان أبعد من ذلك حيث غطت معارفه مجالات مختلفة.

يعد هاني المرعشلي من المفكرين المصريين المعاصرين الذين نذروا حياتهم للفلسفة، حيث عاش راهباً يؤمن بأن رسالته الخالدة، هي أن يبحث عن الحقيقة بين ما جادت به تأملات الفلاسفة والحكماء في كل العصور، غير أن رحلة البحث عن الحقيقة عند من خبروها من أمثال الدكتور هاني المرعشلي كشفت لنا علي أنه صاحب رؤية فلسفية عميقة وخصال فريدة، علماً وتفكيراً، منهجاً وتحليلاً، عمقاً واتساعاً، إخلاصاً وعطاءً، طهراً ونقاءً، ولاءً وانتماءً، موقفا والتزاماً،  فله في كل هذه الخصال وفي غيرها مما يصعب حصره، الباع الطويل والنصيب الأوفر .

ولد هاني المرعشلي ( مع حفظ الألقاب) في السادس من أغسطس عام 1947 م بمدينة الإسكندرية بحي الأزاريطة، وقد حصل علي شهادة ليسانس الآداب ( فلسفة حديثة ومعاصرة) بتقدير جيد جداً عام 1975، ثم حصل أيضاً علي درجة الليسانس في موضع بعنوان " التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر دراسة في فكر جمال الدين الأفغاني عام 1982 بجامعة الإسكندرية، كما حصل علي درجة الدكتوراه في موضوع بعنوان مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الحديث والمعاصر .

وفي الثالث من مارس عام 1984 عين مدرساً مساعداً بكلية التربية بجامعة طنطا، ثم مدرساً في 1989، إلي أن أحيل إلي المعاش عام 2007م، وله مؤلفات عديدة من أهمهما وأشهرها سلسلة نقد العقل التجريدي في الإسلام،وكان الهدف الذي يسعي إليه في هذه السلسلة هو خلع الأرضية القديمة التي كنا ولا نزال نرتديها حتي الآن سواء بفعل المستعمر أو المستشرق أو حتي الجهل الذاتي الذي يدفعنا للانسياق وراء مقولات جاهزة وترديدها دونما بحث أو تمعن، فما يغرقنا في متاهة انعدام الوعي.

وكان هاني المرعشلي صاحب مشروع فلسفي،  ولتحقيق هذا المشروع فقد سعي في هذه السلسلة بمعارضة المعروف ومخافة المألوف، سعيا وراء هدف واحد هو : تجلي الحقيقة بوضوح، كما قام المرعشلي بقراءة جديدة للعقل التجريدي كما تجلي لدي الأفغاني – محمد عبده – محمد إقبال .. الخ . قراءة تعتمد التحليل والفحص النقدي كي تستند عملية إعادة بناء الذات علي الواقع أولا، قبل الوجود المأفول ثانياً.

وقد صدر منها عدة كتب لعل من أهمها الكتاب الأول وهو بعنوان التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث حاول المرعشلي في هذا الكتاب أن يبرز لنا قضية تجديد الفكر الإسلامي وما قام به رموز التنوير والإصلاح الديني من أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والكواكبي وغيرهم.

أما الكتاب الثاني فكان عن "المادية والليبرالية : الدين والعلم . قراءة متأنية عبر منهج تحليلي وفحص نقدي للعمل الفكري المتكامل والوحيد لجمال الدين الأفغاني وهو رسالة الرد علي الدهريين، ومن خلال تحليل المضمون يحاول المرعشلي وضع هذه الرسالة في مكانها الطبيعي من خلال محتوياتها بالإضافة إلي رؤيتها في مرآة النقاد .

وأما الكتاب الثالث والذي حمل عنوانا " العقل والدين"، فهو كتاب يختص بجمال الدين الأفغاني، ويحاول المرعشلي أن يتغلغل داخل عقل الرجل ليتعرف المرعشلي علي اتجاهاته الأساسية وأفكاره الرئيسية.. علاوة علي مشاركته في الكثير من المؤتمرات الفلسفية الدولية والمحلية داخل وخارج مصر.

وتتميز كتاباته وبحوثه بالوسطية والعقلانية، وتكشف عن تعمق كبير في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، ويتميز أسلوبه بالوضوح والمنطقية؛ ولقد شهد له كل من كتب عنه من الباحثين بالدقة، والأمانة العلمية، والثقافة الواسعة، إلي جانب ما يتمتع به من خلق رفيع. ولا غرو في ذلك فهو يمثل منظومة حافلة بالعطاء العلمي الجاد، والشموخ الإنساني المتميز، باحثاً ومنقباً، محققاً ومدققاً، مخلفاً وراءه ثروة هائلة من الكتب العلمية، والبحوث الاكاديمية الرصينة، وطائفة كبيرة من المريدين والاتباع الذين أعطاهم خلاصة فكره وعلمه؛ مثل الدكتور أحمد سالم، وأسماء كثيرين غيره، كانوا ينهلون من مراشف معرفته، ويتلقون عصارات تجاربه، وتحدياته الفكرية، ومفاهيمه الحديثة في الفكر الإسلامي.

وهنا لا أنسي أن هاني المرعشلي كان أحد المفكرين المصريين البواسل في معركة الدفاع عن فكر نصر حامد أبو زيد، حيث يري المرعشلي أن نصر حامد اهتم خلال رحلته العلمية بثلاث محاور رئيسة هي: دراسة التراث على أسس علمية ووضعه في سياقه التاريخي، ونقد خطاب الإسلام السياسي، وتأصيل وعي علمي بدلالة النصوص الدينية، وقد أصل نصر لهذه المحاور كما يري المرعشلي في العديد من كتبه، ومنها "الاتجاه العقلي في التفسير، وفلسفة التأويل، ونقد الخطاب الديني، ومفهوم النص دراسة في علوم القرآن، وغيرها من الكتب والأبحاث في هذا المجال". كذلك يري المرعشلي أن نصر حامد أبو زيد، كان يعتمد في موقفه من التراث، وفي القلب منه القرآن الكريم على منهج تأويلي، يرتكز على الفكر المعتزلي الذي أعلى من دور العقل في فهم وتحليل النصوص، وكذلك على التراث الصوفي؛ وخاصة التأويل عند محى الدين ابن عربي، وطبق هذا المنهج في قراءته للتراث الإسلامي بشكل واضح، مستعينًا بآليات جديدة لم تكن موجودة من قبل، فقد استفاد من المناهج الفلسفية واللغوية الحديثة، كنظرية التلقي والهرمنيوطيقا والسيموطيقا وتحليل الخطاب وغيرها.

كما كانت للمرعشلي صولاته وجولاته في الدفاع عن فكر الدكتور علي مبروك ؛ حيث يري المرعشلي أن الدكتور علي مبروك لم يكن مدرس الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، بل كان مشروعًا فكريَّا وثقافيًّا لم يمهله الوقت ليكتمل المشروع، فكان يفكر في قضايا وإشكاليات علمية خاصة بالمرحلة الراهنة فهو امتداد لمدرسة تشق طريقها في الفكر العربي بصعوبة شديدة، وهي مدرسة مُساءلة التراث بالعقل، فهو يربط القضايا التراثية بالواقع المعيش والحاضر، فضلًا عن عدم إغفاله للبعد التاريخي لهذه الظواهر.

وثمة نقطة مهمة أود الإشارة إليها وهي أن هاني المرعشلي يعد من أبرز تلاميذ حسن حنفي ؛ حيث ينظر إليه بأنه الأستاذ الرائد والمفكر الكبير الذي يترك بصماته على كل تلاميذه، ومن زمرة الفلاسفة المصريين المعاصرين الذين انطلقوا وتاريخ الذات، ولأنّها ربطت نفسها بتراث الآخر الغربي وواقعه، فوقعت في التغريب، وامتدت روافدها وجذورها في الغرب، سواء في العقلانية أو العلمانية أو الليبرالية والاشتراكية.

ويتمتع هاني المرعشلي بذكاء خارق ومقدرة ظاهرة وكامنة أتاحت له في بعض الأحيان العمل على مدى أربع وعشرين ساعة متواصلة من دون كلل، وكان حيوياً ونشيطاً في عمله،  وحيويا في تنظيمه وإدارته لكثير من الندوات الأدبية. فلا أنسي ذلك اليوم الذي نظم فيه  بيت ثقافة بالإسكندرية يوم 26 يوليو الماضي (2020) لقاءا عن الشاعر الغنائي الراحل مرسى جميل عزيز، قدمه هانى المرعشلى حيث تحدث خلاله عن نشأة مرسى جميل عزيز وتأليفه للأغاني الرومانسية مضيفاً أنه يعد رائداً من رواد الرومانسية، وصاحب كتب مجموعة من الأغاني آثرت في الوجدان وأعطت قيمة رفيعة للمستمعين منها حبك نار لعبد الحليم حافظ وأنا قلبي ليك ميال لفايزة أحمد.

رحم الله هاني المرعشلي، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

نعم رحم الله " هاني المرعشلي " الذى رحل عن عالمنا تاركاً لنا إرثاً عظيماً من الدراسات الفلسفية ممثلاً في مئات من الطلبة والعديد من الكتب والمقالات والأبحاث العلمية ... فهل نستفيد من هذا الإرث؟ أم نكتفي بقراءته والترحم على عصر جميل قد مضى؟، أم نستفيد منه لبناء المستقبل؟.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

كاظم الموسويمن خسارات فلسطين الاضافية هذه الأيام رحيل صديق بريطاني، تحمل من أجل صداقته ما تحمله. ولكل ثمنه.. كما حصل لمثله من أصدقائها البريطانيين الآخرين، مثل الفنانة والناشطة السياسية المعروفة فينسا ردغريف، او الزعيم العمالي اليساري جيرمي كوربن.. والمقصود هنا هو الكاتب الصحافي الشهير روبرت فيسك، الذي أسهم بدور في التضامن مع القضية الفلسطينية وكفاح الشعب من أجل تحرره الوطني.

رحل فيسك عن عمر 74 عاما. ونشرت صحيفة "آيريش تايمز" (2020/11/02) الخبر، اولا، ذاكرة أنه أصيب بسكتة دماغية في منزله في دبلن يوم الجمعة، ونُقل إلى مستشفى سانت فينسنت حيث توفي بعد ذلك بوقت قصير. وبرحيله تخسر القضية الفلسطينية خصوصا والقضايا العادلة العامة عموما صوتا إعلاميا متابعا ومهنيا ومخلصا لمهنته. عرف بكل الاوصاف التي تنسب له الان بعد وفاته.

بدأ فيسك، كما كتب عن حياة والده العسكري الذي اشترك في "الحرب الكبرى"، وقد  تأثر به وتابعه بعد اختياره في رحلته الاعلامية في تغطية الحروب، والصراعات، منذ العام 1972  حيث بدأ من بلفاست في ايرلندا الشمالية عمله مراسلا لصحيفة "لندن تايمز" في ذروة الاضطرابات والصدامات فيها، وأكمل بعدها انجاز أطروحة دكتوراه في كلية ترينيتي في دبلن، بموضوع حياد أيرلندا خلال الحرب العالمية الثانية. وانتقل لفترة وجيزة إلى البرتغال، ثم توجه إلى بيروت حيث عمل فيها أطول فترة من حياته كمراسل ل"لشرق الأوسط"، وحصل على أفضل الجوائز الصحفية الدولية، عن كتاباته ومتابعاته وصدقيته في التأليف والتوثيق والإعلام، سواء في عمله مراسلا لصحيفة التايمز، او مواصلته بعدها في صحيفة الاندبندنت، أو في إصداره لكتب متميزة.  مثلما تميز بقدرته الفائقة على العمل، في أماكن الصراعات والحروب، مستلهما احلام شبابه وجولاته مع والده في زيارة  مقرات وأماكن ومقابر ما خلفته الحروب والمعارك.

 خلال عمله هذا اعتبر فيسك أشهر مراسل غربي خلال العقود الاخيرة في تغطيته لأبرز الأحداث التي شدت الأنظار اليها، منها الحرب في لبنان، فضلا عن كونه شاهدا على مذبحة صبرا وشاتيلا، وانتصار الثورة الإيرانية وكارثة الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى وغزو العراق عام 2003 واحتلاله ومذبحة قطاع غزة 2008/2009. ونال فيسك احتراما وتقديرا كما اثار سجالا وجدلا كأكثر المراسلين البريطانيين والاجانب في العصر الحديث، ووصفته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في عام 2005 بأنه "أشهر صحافي أنجبته بريطانيا.. بل أصبح علامة في تاريخ الصحافة العالمية المحترمة".

 لفيسك مواقف مسجلة له، منها تأكيده أن "اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الشرق الأوسط دولا صغيرة تابعة للغرب إبان الحرب العالمية الأولى قد ماتت، وأن القادم سيكون مفزعا". وفي هذا الموقف رؤية مستقبلية نابعة من تجارب التاريخ التي درسها وعرف نتائجها وتداعياتها. وقدم رؤيته انذارا لأصدقائه العرب لقراءة المرحلة الراهنة والقادمة بعد كل ما حصل في الوطن العربي من مخططات المستعمرين وسياساتهم العدوانية.

كتب فيسك تقاريره خلال الحرب العراقية - الايرانية من بغداد، من نبض الشارع، وتحت القصف والحصار، منتقدا بشدة المراسلين الأجانب الآخرين الذين اتهمهم بتغطية الصراع من غرفهم بالفندق. كما غطى الحروب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، وكثيراً ما دان التدخل الأميركي في المنطقة. كما غطى غزو الكويت، وحرب عاصفة الصحراء. وعكس في كل تغطياته ما فرقه عن باقي زملائه المراسلين المكلفين بأعمالهم وميزه عنهم بأمانة الطرح ومهنية الرصد وموضوعية التسجيل، وبمقدار احترام وظيفته الإعلامية وخشية رقابة قرائه لكتاباته.

كما انه أحد المراسلين الغربيين القلائل الذين أجروا مقابلة مع أسامة بن لادن، وفعلها ثلاث مرات في التسعينيات،  وغطى الحروب الاسرائيلية على لبنان وغزة وانتفاضة العام 1987 وانتفاضة العام 2000 في فلسطين المحتلة، فضلاً عن الحرب في  الجزائر والثورات والحراكات الشعبية العربية لعام 2011، وركز جهدا على تغطية الحرب في سورية وعليها وتداعياتها. ومهما كانت كتاباته فستبقى شهادات عن كل تلك الأحداث والانعطافات والمتغيرات. كما تترك أسئلة عنها  وعنه والتاريخ ورد المثل بالمثل أو اقله.

وصفته اغلب وسائل الإعلام بصديق فلسطين،  المؤيد للقضية الفلسطينية ولعدالتها  ولحقوق  الشعب الفلسطيني، وهو معروف بذلك، بل سطره اراءا ومقالات، ومنها وصفه لوعد بلفور بالمشين والمؤذي، واهتم بمعاناة الفلسطينيين جراء اصدار الوعد رافضا أن يكون هناك احتفاء بريطاني بذكراه التي تحل في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام. كما كان من أشد المعارضين لـ"صفقة ترامب" او صفعة العصر التي أعلنها الرئيس الأمريكي، المنتهية ولايته، دونالد ترامب، إذ علق عليها بالقول؛ إن خطته "قالت وداعا لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، ووداعا للقدس عاصمة لفلسطين، ووداعا للأونروا، لكنها رحبت بالاحتلال الإسرائيلي الدائم للضفة الغربية والضم الكامل للمستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت هناك منتهكة القانون الدولي".

 الصحافة بالنسبة له "هي رحلة شاقة من أجل الوصول إلى الحقيقة، يخلع خلالها الصحافي كل رداء فكري أو حزبي، ويعرض نفسه للخطر لكي يمتلك الحقيقة.. أن تشتبك مع الحدث بل وتصنعه في كثير من الأحيان". وفي كتابه: الحرب الكبرى، تحت ذريعة الحضارة، كتب؛ افترض اننا كصحافيين نحاول - في اخر المطاف- أن نكون أول شهود غير متحيزين على التاريخ. واذا كان هناك من سبب لوجودنا، فيجب على الأقل أن نكون قادرين على أن نقدم تقارير عن التاريخ كما يحدث فعلا، بحيث لا يستطيع أحد أن يقول؛" لم نعرف' لم يخبرنا أحد بذلك".

رحل الصحافي روبرت فيسك، المغامر والمتابع والرائد والناقد لسياسات الدول الكبرى الظالمة وغير المنصفة لقضايا الشعوب، والمعارض للحروب والعدوان. وفقدت فلسطين  والعرب صديقا إعلاميا لهما، مواليا ومدافعا بشجاعة وجرأة عنهما والساخر من سياسات حكومة بلاده بخصوصهما، والمذكر بدورها التاريخي في بلواهما وتشريد شعب فلسطين، وخسرت الصحافة الحرة الملتزمة كاتبا جريئا وشجاعا ليس من السهل تعويضه. خصوصا انه أتقن اللغة العربية ودرس تاريخ المنطقة والقضية الفلسطينية والقضايا الإنسانية العادلة، وكتب عنها بمعرفة واقعية وبضمير إنساني.

 

كاظم الموسوي

 

 

جودت هوشيارمنذ تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 أصبحنا نفتقد الأعمال الأدبية لشعوب الجمهوريات السوفيتية السابقة. ففي العهد السوفيتي كانت دور النشر والمجلات الأدبية السوفيتية تنشر أهم الأعمال الأدبية الصادرة في تلك الجمهوريات مترجمة الى اللغة الروسية . وتقوم دور النشر السوقيتية المتخصصة في الترجمة (رادوغا، مير، بروغريس)  بترجمتها الى اللغات الأجنبية ومنها العربية. ومن هذه الأعمال قصائد الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، وكتابه الموسوم " بلدي "، وروايات الكاتب القيرغيزي جنكيز آيتماتوف " جميلة " و" وداعاً يا غولساري "، " ويطول اليوم أكثر من قرن " . " السفينة البيضاء " و" الكلب الراكض على حافة البحر " وروايات رائعة اخرى لهذا المبدع المدهش،  أما الكاتب الأبخازي الكبير فاضل اسكندر، صاحب الأسلوب الوصفي المفعم بالفكاهة للحياة اليومية في مسقط رأسه ابخازيا، ونظرته النقدية للمجتمع السوفياتي، فقد أصبح معروفا الى حد ما لقرّاء العربية بعد ترجمة روايتيه " زمن اللقى السعيدة " و" الأرانب والثعابين  ".وهذه الترجمات، رغم أهميتها لا تقدم صورة كاملة، أو فكرة صادقة عن آداب أقرب الشعوب الينا، من حيث الدين، وانماط الحياة، واساليب التفكير (شعوب القفقاز، وآسيا الوسطى)، كما اننا نكاد لا نعرف شيئا يذكرعن آداب شعوب دول بحر البلطيق (لاتفيا، ليتفيا، استونيا) التي كانت ايضا جزءاً من الاتحاد السوفيتي .وكل شعب من شعوب هذه المناطق لديه أدب حديث متطور، جدير بالقراءة، حري بأن تنقل منه طرائقه الفنية . 

 نحاول في هذا المقال التعريف بأهم وأبرز كاتب اذري معاصر، وهو انار رضايف، وأعماله الأدبية، الأصيلة والشائقة، والقاء بعض الضؤ على روايته القصيرة " أنا وأنت، وهو، والتلفون "، التي أوحت للشاعر الراحل يوسف الصائغ بكتابة روايته المعروفة " اللعبة " .

أهتمامات رضايف الأدبية متنوعه، وأسهامه في الحياة الثقافية لبلاده جاد ومتواصل على مدى حوالي ستة عقود، وهو الكاتب الأذري الوحيد، الذي ترجمت اغلب أعماله الى الروسية من قبل مترجمين أكفاء أو الكاتب نفسه .

من هو رضايف؟

ولد أنار رضايف في باكو عام 1938 لعائلة أسهمت بنصيب وافر في تطور الشعر الاذربيجاني المعاصر، فهو نجل الشاعر الكبير رسول رضا، الذي زار العراق في أوائل الستينات، وأصدر مجموعة قصائد رائعة تحت عنوان " الدفتر العراقي " مكرسة لانطباعته عن العراق، وأفتتانه بحضارة وادي الرافدين العريقة . أما والدة رضايف، فهي الشاعرة المعروفة نكار رافيبيلي . وعلى هذا النحو، نشأ الكاتب في محيط ثقافي مفعم بالشعر والجمال، مما ساهم في صقل موهبته الادبية ونضوجها في وقت مبكر، فقد كان ما يزال طالبا في كلية الاداب بجامعة باكو عام 1960 حين بدأ بنشر أولى قصصه القصيرة في  الصحف والمجلات المحلية والمركزية (أي تلك التي تصدر باللغة الروسية في موسكو)، وعندما تخرج في الجامعة عام 1963  كان قد أصبح كاتبا معروفا في الاوساط الثقافية السوفيتية .

رضايف كاتب جاد ودؤوب حيث توجه بعد تخرجه في الجامعة الى موسكو لأستكمنال دراسته العليا في مجال كتابة السيناريو السينمائي . وعندما عاد الى باكوعام 1973 درس الاخراج السينمائي وكتب العديد من سيناريوهات الافلام السينمائية الناجحة .

من اوائل مجموعاته القصصية: " في أنتظار العيد " (1963)  و" كفًّ المطر عن الهطول " (1968) .ثم شرع الكاتب يجرب طاقته الفنية في جنس أدبي اّخر هو (القصة الطويلة) أو (الرواية القصيرة)، فكتب عدة روايات قصيرة شائقة منها " يوبيل دانتي " (1969) " البحيرة البيضاء " و" الملا نصر الدين "، وقد صدرتا في عام 1970، و"الدائرة" (1973). ولكن رواياته العديدة التي كتبها في السنوات اللاحقة، هي التي اكسبته شهرة كبيرة في العالم الغربي . ولعل من اهم هذه الروايات " الطابق السادس من مبنى من خمسة طوابق " (1988)، التي تحكي قصة علاقة حب بين إمرأة مطلقة، وشاب يافع من عائلة ذات مكانة في المجتمع . وتلقى هذه العلاقة معارضة شديدة من الجميع : عائلة الشاب اليافع، والأصدقاء، والمجتمع . ولكنهما يصمدان رغم كل الضغوط التي يتعرضان لها.

ترجمت اعمال رضايف الى 32 لغة اجنبية، وصدرت في الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا واليابان وكندا،  وبلدان عديدة أخرى .

تبدو قصص وروايات " رضايف " وكأنها مشاهد حية كتبت للسينما أو التلفزيون أو المسرح، لذا فأن تحويلها الى أفلام أو مسرحيات أمر يغري المخرجين حيث يجدون في قصصه الحياة النابضة، والعمق الفكري وجمال الشكل الفني .

رضايف يمتلك صوته الخاص، واسلوبه التعبيري المتميز، الذي يبدو للوهلة الاول ىبسيطا وعفوياً[H1]  . ولكن اذا دققنا النظر في عناصر البناء الفني في اعماله، ودرسناها بعناية لاتضح لنا ان الكاتب عبر تلقائية التعبيرعن التجربة وعفويته، يمسك بكافة خيوط  تطورالأحداث والمواقف، ضمن حبكة قصصية متينة ومتماسكة، بعيدا عن الالاعيب والحيل الشكلية، شأنه في ذلك، شأن اي فنان صادق وأصيل

في آخر كتاب له صدر في موسكو عام 2016 تحت عنوان " أفكار ليلية " ويتضمن تأملات فلسفية ومقالات ادبية يقول رضايف : " أنا شرقي الشعور، غربي التفكير " . هذه المقولة تلخص الصورة الابداعية لهذا الكاتب البارز، الذي يتولى رئاسة اتحاد الكتّاب في أذربيجان منذ عام 1991، وحتى يومنا هذا .

رضايف والجيل الستيني في الأدب السوفيتي

يقول رضايف في مقابلة صحفية جرت معه في موسكو مؤخراً، أنه ينتمي الى الجيل الستيني في الأدب السوفيتي، وهو الجيل الذي ظهر في فترة " ذوبان الجليد " أي عهد  نيكيتا خروشوف، الذي تميز بقدر لا بأس به من الليبرالية، مما اتاح للادباء الشباب الموهوبين، كسر التابوهات السياسية والأيديولوجية، التي سادت البلاد منذ ثورة اكتوبر 1917 .

كان الانسان المقهور هو محور كتابات هؤلاء الأدباء، الذين لم يكونوا معادين للنظام القائم أو منشقين عنه، بل  يعارضون املاءات السلطة الحاكمة، ويتطلعون الى التغيير في كافة مناحي الحياة في البلاد .

 النقّاد المؤدلجون،الذين كانوا يقيّسون الأعمال الأدبية من وجهة نظر حزبية ضيقة، انحوا باللائمة على هؤلاء الأدباء الشباب، لأنهم يتناولون في اعمالهم حيوات الناس البسطاء ومعاناتهم اليومية، وهي موضوعات كان هؤلاء النقّاد يعتبرونها هامشية غير مهمة  .

رواية "اللعبة" ليوسف الصائغ: انتحال أم توارد خواطر

نشرت رواية رضايف القصيرة " أنا، وأنت، وهو، والتلفون " في عام 1967، وحوّلت الى فيلم سينمائي ناجح بعنوان " كل يوم في الساعة  الحادية عشرة مساء" في عام 1969. وتدور الرواية حول لعبة تلفونية،  حيث يقوم شاب يشعر بالوحدة والكآبة، وفي ساعة متأخرة من الليل، بالاتصال برقم عشوائي، بعد تغيير صوته بوضع منديل على سماعة الهاتف، وكانت مفاجأة سارة له، حين جاءه صوت نسائي عذب مفعم بالحيوية والشباب. لم تحتج صاحبة الصوت العذب ولم تغلق الخط ، بل ردت عليه بكل لطف ولباقة دون ان تكشف عن اسمها أو وضعها العائلي أو عملها . ويكرر الشاب اتصاله التلفوني الليلي بها في الأيام التالية، ولكنه بدوره لا يكشف عن شخصيته الحقيقية ولا اسمه الحقيقي، بل ينتحل اسم شخص آخر هو (رستم) .

بعد فترة ينتقل الشاب للعمل في صحيفة محلية . وعندما يلقى نظرة على لائحة منتسبي الصحيفة وأرقام هواتفهم، يكتشف، أن الرقم الذي يتصل به كل ليلة يعود الى كاتبة طابعة تعمل معه في نفس الصحيفة، اسمها " مدينة "، ويتعرّف عليها بحكم العمل،، وبمرورالأيام تتوثق العلاقة بينهما، وتتحول الى علاقة حب متبادل.

وفي الأيام اللاحقة عندما يتصل رستم ليلاً كالعادة، بصديقته التلفونية، تتحدث الأخيرة باعجاب عن صديقها الجديد (سيمور) رئيس القسم الذي تعمل فيه، فينشأ صراع نفسي لدى الشاب، ويعاني ازدواجا في مشاعره، فهو حين يتصل بها تلفونيا في الليل يغارعليها من لقاءاتها المتكررة مع (سيمور) خارج مقر الصحيفة، وكأن سيمور شخص آخر .

وتنتهي القصة عندما يزور(سيمور) حبيبته، كاتبة الطابعة في منزلها، ويظل معها حتى ساعة متأخرة من الليل .وفي لحظة انسجام حميمي، تنسل من بين يديه، وتبتعد عنه، وترهف السمع، منتظرة بقلق وتوتر جرس التلفون، الذي سيرن بين لحظة واخرى . فقد كان هذا هو الوقت المعتاد لأتصال رستم بها .، ولكن حبيبها الصحفي (سيمور)  يقول لها : " لا تنتظري أي مكالمة  بعد الآن، لأن رستم وسيمور شخص واحد هو أنا .

أمًّا رواية الشاعر الراحل يوسف الصائغ المعنونة " اللعبة " - التي حازت على جائزة افضل رواية عراقية عام 1970 – فإنها تدور حول لعبة تلفونية حيث يقوم طبيبب يالاتصال بزوجته، ويخطر له أن يداعبها بتغيير صوته . وتتكرر المكالمات التلفونية بينهما دون ان تعرف اسم الشخص الذي يتصل بها كل مساء تقريبا . ومن جانبه يشعر الطبيب بالغيرة على زوجته من صديقها التلفوني .

ان تطور الأحداث في رواية " اللعبة"  شبيهة بقصة رضايف " أنا، وانت، وهو، والتلفون " . وقد اثيرت ضجة حول هذا التشابه المثير . قال بعضهم أن الصائغ اقتبس الفكرة من كاتب أجنبي، وقال البعض الآخر، ان الصائغ ربما شاهد فيلم " كل يوم في الساعة  الحادية عشرة مساءً ". وعلى اية حال لا يمكن الجزم ان كان الصائغ قد تأثر فعلاً يرواية رضايف .

ولدى مقارنة الروايتين من الناحية الفنية، نجد ان رواية رضايف شائقة ومحكمة البناء، حيث تتطور الأحداث فيها بسلاسة، وبتلقائية محببة . ولا يمكنك التوقف عن قراءتها حتى تأتي على آخر كلمة فيها، على العكس من رواية الصائغ المترهلة بسبب كثرة الحشو والاستطراد فيها . وكان على الشاعر الراحل ان يتناول هذا الموضوع في قصة قصيرة محبوكة ومتماسكة وأسرع إيقاعاً، وأكثر قوة وتأثيراً، بدلاً من هذه الرواية الضعيفة .

 

د. جودت هوشيار

 

الطيب النقرأريد  أن أعترف قبل أن أمضي في كتابة هذه المقالة بأني قد عجزت العجز كله في معرفة كنه الأسباب التي جعلت من الدكتور الترابي رحمه الله شخصية قرع صيتها أصداء الزمان، هذه الشخصية التي تحتاج إلى ألوان من البحث والاستقصاء، وإلى كثير من التحقيق والاستقراء، حتى نحصي نضارها الفكري، ونلم بشيء من جزئيات روحها الشفيفة، هذه الروح صاحبة الشعور الدقيق، والعواطف الحادة، والمزاج المضطرب، لا سبيل إلا للإمعان في الاستمتاع بقراءة روائعها، والإحاطة بأسرارها في رضا واغتباط، أو في شك وارتياب، وأن نبتعد عن دمغها بالألفاظ الجارحة العجولة، فأصحاب هذا النهج لا يشعرون بالأثر العظيم الذي خلفته هذه الروح سلباً أو إيجاباً في صعيدنا الذي يعيش في سعة من الكدر والشقاء، وأكاد أعتقد أن الدكتور الترابي الذي أنفق عمره في مجالدة الاستبداد وصنعه كان يبدع في كل وقت، ويومض في كل حين، نتاجاً لآراء لم يكن يرى بأساً بإذاعتها وإظهار الناس عليها، وهذا مرده في وجهة نظر الباحث  للحرية التي توثقت صلته بها في أكاديميات الغرب، فهي التي جعلته لا يحس شيئاً من هذا التردد والحياء الذي يشقى به من عاش طوال عمره في أرض النيلين، ولعلي إذا أردت أن ألتمس مصدر السحر في شخصية الترابي فلن أكابد في سبيل ذلك مشقة ولا عسراً، فالدكتور الترابي لو تتبعنا ما كان يلقيه من ضروب الكلام من دين وفكر وسياسة، لوجدنا بعض مستمعيه ينكرون عليه بعض النبو والاعوجاج في أحاديثه التي يصر هو عليها، يجد في سبيل ذلك متعة لا شك فيها، ولذة لا تضاهيها لذة، لثقته المفرطة في رجاحة عقله، وسعة ثقافته، واعتقاده الجازم فيما يطرحه من قضايا، نجده يختصم مع مخالفيه أشد الخصومة وأقساها دون أن تعتري دواخله سخائم الحقد، وغوائل الضغينة، فحسب هذه الخصومات أنها ارتقت بالعقل البشري، وأنشأت للقارة العجوز حضارة ورقي أجبر حتى الموغلين في الجحود والنكران على الثناء عليها والإعجاب بها. لقد استقر في نفوس هذا الجيل تفرد الشيخ والمعيته، كما استقر  ذلك أيضاّ في نفوس الأجيال التي سبقتهم، لأن صاحبها قد ارتقى بذاته وسما بها إلى أعلى مراتب المجد والنباهة، جمعت هذه الشخصية كل هذا، وأثرت في نفوس محبيها من كل هذه النواحي، فشخصية الشيخ التي يكون الناس أشد فرقة وانقساماً حيالها ما بين محب ومبغض، كانت مثار دهشة وإعجاب الفريقين في شتى تقلباتها وكانت ترضي القلب، وتقنع العقل، وهي قانعة هانئة، أو مضطربة ثائرة، وبما أني لا أستطيع أن أتخذ مقياساً لافتنان السودانيين أو ما عداهم من شعوب وقوميات لشخصية هذا الرجل التي لا يحصي لها عد أو يسبر لها غور، سينتهي إلى مدى لا يستطيع أن يتجاوزه، فهو حتماً سيقول في الشيخ مثل قول الناس فيه، ويحكم عليه بمثل حكمهم عليه، دون تعسف أو محاباة. فالشيخ الذي نال من الحكومات المتعاقبة على السودان أكثر ما نال غيره من النظراء من نُكر أو صفاء، أطال الناس في لوذعيته وحدة ذهنه، حتى أصبح تناول هذا الأمر حديثاً معاداً يثير الرتابة والملال.

ولكن الحقيقة التي بلغت هؤلاء جميعاً، واستقرت في نفوسهم، أن ذكاء الشيخ قد ورطهم في عقابيل سلبتهم حريتهم، واستنزقت مواردهم، وأخضعت ثرواتهم لأفراد يتصرفوا فيها كما يحبون، ويعربدوا بها كما يشتهون، وما زال الناس تحاول أن تفهم، ويدعوا غيرهم إلى الفهم والاستقصاء، عن فقه الشيخ الذي  كان يعظهم ويرشدهم إلى الخير والصلاح، ورغم أن نصحه وهدايته لا تخلو من إتقان، ولا تبرأ من إحسان، إلاّ أن فقه الشيخ أمسى منبت مقطوع الجناح لا يحلق في عنان السماء بعد أن هوى به صاحبه إلى الأرض، والشيخ كان يحس كل ذلك ويلتفت إليه ويعتذر عنه في استحياء، ولقد تعود الشيخ على الجفوة من السواد الأعظم من بني جلدته، وأغلب الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان يستقبل كل هذا الجموح دون أن يُظهر الألم، أو يشقى به شقاءاً بغيضا، فانقلابه الذي كان يتوهم أنه يلائم المصلحة، ويحقق الغايات، ويكفل لهذا الشعب ألا يعيش في هذه الفانية مهانا ًذليلا، ظلّ الدكتور يستقبل العتاب الذي يأتيه من الشرق، والتأنيب الذي يأتيه من الغرب، وحسن نيته تحميه وتحوطه، وتكفل له أن يتغاضى ويصلح، وبقى رافعاً للواء الإصلاح حتى آخر أيامه، داعياً إلى حوار مع نظام  كان يتسع كلما اتسعت آمال السود في الخلاص منه، نظام جائر أغار على كل شيء، وأفسد كل شيء، بعد أن عظم جرمه، وبعد صوته في محاكم الجنايات الدولية.

ظلّ بيت الدكتور الترابي منذ عهود خلت يستقبل أعلام الساسة، وأفذاذ الأدب، وأقطاب المال، بأريحية وبشاشة، ويخطأ خطأ فاحشاً، ويأثم إثماً شنيعاً من اعتقد أن أقذاء الناس لم يكن لهم نصيب في ذلك البيت الذي يوازن بين شرائح المجتمع، والشيخ الذي تظهر عليه آثار علة خفية وهو يجاهد هذه العلة التي تؤلمه وتضنيه يمازح ابنه، ويُقْبِّلَ حفيده، ويهش لمتحدثه، ولا يقول كلاماً يدل على شيء حينما يحس ويشعر، أو يصف ما يحس ويشعر، فقد تعود أن يصبر على تجرع الغصص، ومضض المحن، ونصب المرض، كان الشيخ يؤثر نفسه بالصبر، وكأني به يخاطب نفسه قائلا لها: دعك عن هذا فو الله لا أروي عن مرضك شيء طالما أن السودان قد أشفى على الهلاك، إذن كان الشيخ منصرفاً عن علته، متأذياً بها، حريصاً على أن يجد العلاج الناجع لعلل بلاده وأوصابها، وكان يسابق حِمام الموت الذي حمل عليه في نهاية المطاف، وقد صور الشيخ خوفه وجزعه على السودان بعبارات ألفها منه الناس في آخر أيامه، بأن القارب قد أوشك أن يصل الساحل، وأن أيامه قد باتت معدوده ، وأنه يريد أن يطمئن على الوطن قبل رحيله، لأجل هذا كان الشيخ لا يدع أمرا حتى يحققه ويستوفيه، وليس هذا بالشيء القليل لشيخ يكابد نشغات الموت، "كان الرجل نحلة وشعلة متقدة من الحماس، وكل من عرفه وجايله يشهد له بأنه كان ذو ذهن متقد،  كان رحمه الله دائم التفكر والتأمل حتى إن كثيرين من الساسة في بلادي ما كانوا يستطيعون استيعاب مبادراته واطروحاته الجرئية في المجال السياسي، كان الشيخ الترابي علّامة متبحراً في دنيا الفكر، واستاذاً بارعاً في السياسة، سواء اتفق الناس حول أدائه أو اختلفوا، وكونه يثير كل هذا الغبار الكثيف حتى لحظة توقف قلبه الكبير، يدل بوضوح على أنه لم يكن سياسياً عاديا ، ًولا مفكراً تقليدياً ، ولا فقيهاً دستورياً فحسب، بل كان رحمه الله أمة من الرجال ندر إن نجد مثله، وبوفاته تكون الاْمة الإسلامية قاطبة فقدت فارساً ما كان يشق له غبار".

لقد احتمل الشيخ هذا الطغيان في الخصومة السياسية، ورفع وطنه فوق كل شيء، وفوق كل عاطفة وغِل، وأمر عصبته أن يتخذوا لأنفسهم هذا المذهب، وأن يفرضوه على أنفسهم فرضا، وأن يهشوا في وجه حزب يزدريهم، قطع الصلة بينه وبين قديمه، وانتهى به الأمر إلى أن يسجن شيخه ويضيق عليه، والحزب الذي يعلم سخط الكثرة المطلقة من السود على تعسفه وجبروته، وجد في في مبادرات الشيخ فرصة يجب أن تغتنم، حتى يطول أمد هذا الحوار الجامع الذي دعا إليه عرابهم، ولست أراني أغلو أو اشطط إذا زعمت أن حزب المؤتمر الوطني لا يعتقد في الحوار ولا يريده، ولكنه يستطيع أن يمضي ويجيء، ويرفض ويقبل، ويضيف ويعدل في بنوده، وهذا ما حدث فقد رحل الشيخ دون أن يفضي هذا الحوار لشيء، وهاتين هما الخصلتين اللتان أمقتهما من الشيخ رحمه الله وأنكرهما عليه، تعمده للصعب، وقصده للعسير، وثقته بمن أحصينا عليهم طائفة من العيوب. لكنّ ما يحسب للترابي:"إختلافه مع حكومة الإنقاذ حول قضايا الحريات والديمقراطية وانتشار الفساد، ومماحكاته السياسية العنيفة مع السلطات، مما أدّى بالنتيجة إلى اعتقاله عام 2001، وكذلك عام 2004. كما يذكر له، على المستوى الفكري، محاولاته الجريئة في تجديد الفكر الإسلامي. ومن أمثلة ذلك ما ارتآه من إمكان إمامة المرأة للرجل في الصلاة، وفتواه في إباحة زواج المرأة المسلمة من أهل الكتاب، ومحاربته لختان الإناث. وفي ذلك كلّه، يصدر الترابي عن تراث فكريّ وسياسيّ سودانيّ عميق ومتميّز.

ولعلّ الدرس الأكبر، الذي يمكن أن يستفاد من حياة وأفكار وتجربة الترابي، هو وقوفه ببصيرة نافذة وقدرة فائقة على التأقلم والتعلّم أمام معضلة الدولة الحديثة وعلاقتها بالإسلام، من ناحية، وبالحداثة الغربية".

 

الطيب النقر

كوالالمبور- ماليزيا

 

 

ضياء نافعتعارفنا قبل عدة سنوات في احدى مؤتمرات مترجمي الادب الروسي في موسكو . كان أ.د. محمد الجبالي عندها رئبسا لقسم اللغة الروسية في جامعة عين شمس المصرية، وكان يمثُل مصر في المؤتمر المذكورمع زميلتي الرائعة أ.د. مكارم الغمري، الباحثة المصرية المعروفة في الادب الروسي، والتي كتبت عنها عدة مقالات (انظر مقالتي  عنها بعنوان – مع أ.د. مكارم الغمري في موسكو) . قضينا ثلاثة أيام باكملها معا في المؤتمر المذكور، وكنّا نتناول فطورنا صباحا سوية على مائدة واحدة – هو ومشرفته العلمية في دراسة الماجستير بمصر أ.د. مكارم، والمترجم العراقي المعروف د. تحسين رزاق عزيز وانا (مشرفه العلمي في دراسة  الماجستير في جامعة بغداد)، وكانت فترة الفطور مليئة بالاحاديث والذكريات الجميلة والهموم العربية المشتركة بين المختصين العرب في اللغة الروسية وآدابها، وأحلام هؤلاء المختصين، الاحلام التي تحققت (وما أقلّها) والاحلام التي ضاعت (وما أكثرها) في خضم الحياة العاصفة وغير المستقرة بتاتا في عالمنا العربي (من المحيط الهادر الى الخليج الثائر !!) .

أ.د. محمد الجبالي- ومنذ فترة ليست بالقصيرة – يشغل منصب الملحق الثقافي لمصر في موسكو، وقد أفرحني هذا النبأ عندما علمت به في حينها، وكتبت له رأسا قائلا، ان شعار (الرجل المناسب في المكان المناسب) قد تحقق اخيرا في احدى اهم بلداننا العربية . حقق ا.د. محمد خلال هذه الفترة القصيرة نسبيا اعمالا رائعة حقا في مجال الحياة الثقافية الروسية – المصرية من اتفاقات ونشاطات ثقافية مهمة جدا مع المتاحف الروسية الشهيرة (منها الارميتاج في بطرسبورغ، ومتحف بوشكين في موسكو)، وتوسيع العلاقات مع مختلف الجامعات الروسية، وحتى استطاع ان ينظم اجتماعا موسّعا في موسكو بين رؤساء الجامعات الروسية والمصرية، وشارك فيها العديد من الاساتذة من الجانبين، وهو عمل رائد وخطوة جديدة تماما في مسيرة العلاقات الثقافية بين روسيا والعالم العربي باجمعه، وكان آخر عمل مبتكر قام به، هو اعلان مسابقة للاطفال الروس، دعاهم فيها الى رسم لوحات تجسّد الحضارة المصرية من وجهة نظرهم، وقد نشر مجموعة في غاية الجمال والابتكار من تلك اللوحات، التي رسمها هؤلاء الصغار الروس، وشكّل لجنة من الفنانين التشكيليين المصريين والروس لاختيار عشر لوحات، وستكون المكافأة للفائزين - تنظيم سفرة سياحية لهؤلاء الروس الصغار الى مصر مجانا، حيث استطاع الاتفاق بشأن تنفيذ ذلك مع بعض الشركات الروسية الكبيرة.

عندما بدأت دار نوّار للنشر باصداراتها، قررنا تقديم مجموعة من تلك الكتب هدية الى الملحقية الثقافية المصرية، وقد استقبل أ.د. محمد الجبالي تلك الهدية بترحاب شديد، واستلمها بكل سرور، وأضافها الى مكتبة الملحقية المصرية (وهو بالمناسبة من قام بتأسيسها)، وساهم بعرض تلك الكتب في المعارض الثقافية في الجامعات الروسية المهتمة باللغة العربية وآدابها (وقد شاهدت شخصيا صورا عديدة لمعرض كتب في جامعة بطرسبورغ الروسية ساهم بتنظيمه أ.د. محمد باسم الملحقية الثقافية المصرية، وكانت كتب دار نوّار للنشر من ضمنها)، وكذلك أوصل تلك الكتب الى جهات مصرية داخل مصر . واليوم، وبمناسبة صدور الكتاب الخامس من سلسلة كتبي بعنوان – (دفاتر الادب الروسي) عن دار نوّار للنشر، اتصلت تلفونيا به واتفقنا ان نلتقي في الملحقية الثقافية المصرية، كي اقدّم لهم عدة نسخ من الكتاب الخامس هذا، والذي يضم (52) مقالة حول الادب الروسي، وهكذا التقينا مرة اخرى، وكان اللقاء ودّيا للغاية، اذ اطلعت على بناية الملحقية الثقافية، وكيف انها تبدو وكأنها متحف مصرّي مصغّر، اذ تزدان جدرانها بلوحات مدهشة الجمال من الحضارة المصرية العريقة، ومرتّبة بتنسيق رائع، وكان أ.د. محمد الجبالي يشرح لي كل لوحة من تلك اللوحات وتاريخها واسرارها وخصائصها، وتوقفنا طويلا عند لوحة مدهشة لحجر رشيد بلغاته الثلاث، هذا الحجر التاريخي، الذي اكتشف العلماء عن طريقة اسرار اللغة المصرية القديمة. ثم جلسنا لشرب القهوة والدردشة، وعلمت منه، ان هناك الان (15) الف طالب مصري في الجامعات الروسية، وان اكثر من 90% منهم يدرسون في الاختصاصات العلمية، وتطالبهم الملحقية ببحوثهم العلمية، وترسلها الى المختصين داخل مصر لمناقشتها ومحاولة الاستفادة منها علميا وعمليا، وعرفت منه ايضا، ان هناك قناة تعاون بين الجامعات المصرية والروسية لايفاد التدريسيين  المصريين الذين يرغبون بكتابة بحوث ترقيتهم الى مرتبة الاستاذية في الجامعات الروسية و ذلك بالاشتراك مع الاساتذة الروس في اختصاصاتهم، وغالبا ما تكون هذه البحوث باللغة الانكليزية، وتخضع هذه البحوث بعد انجازها الى تقيييمات علمية موضوعية وحسب المتطلبات العلمية داخل الجامعات المصرية .

واثناء احاديثنا الممتعة هذه، اتصل مكتب دار نوّار للنشر تلفونيا، واخبروني بانجاز آخر كتاب من اصداراتنا، وهو بعنوان – (دراسات في الاثر العربي في اللغة والطبع والتراث الاسباني) من تأليف د. بسّام ياسين البزّاز، رئيس قسم اللغة الاسبانية الاسبق في كليّة اللغات، والاستاذ حاليا في جامعة الجزائر، والمترجم العراقي الكبير عن اللغة الاسبانية، وأخبرت أ.د. محمد بذلك، وأبدى اهتمامه بهذا العنوان المهم، واتفقنا رأسا ان استلم هذا الكتاب الان، كي اقدّمه هدية الى الملحقية الثقافية المصرية، وهذا ما تم فعلا، وشكرني جدا على هذه الهدية العلمية القيّمة، ووعد بايصال هذا الكتاب المهم الى الجامعات المصرية داخل مصر، وادخاله طبعا الى صفوف مكتبة الملحقية الثقافية المصرية في موسكو ليطلع عليه الجميع . 

تحية تقدير الى الملحق الثقافي المصري في موسكو أ.د. محمد الجبالي،، الرجل المناسب في المكان المناسب بكل معنى الكلمة...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

عمرون علي اكتبوا على قبري: هنا يرقد أحد الحالمين بمستقبل أفضل. أيها الزائر قبري لا تكف عن مواصلة الحلم!

المفكّر والفيلسوف د نصر حامد أبو زيد


نعم من حقنا ان نحلم بوطن يعشق الحرية هذا الحلم لا يمكن التسامي به ضمن مملكة الخيال أو النزول به الى الواقع واختزاله في صور نمطية وإعادة صياغته في قوالب لغوية ثابتة، بل هو مطلب انساني وحق طبيعي ومدني سابق لكل ثورة فكرية أو سياسية.. الحرية هي  محرك كل عمل ابداعي  وهي مرتكز الحداثة  وعنوان نهضة الأمم، الحرية هي الإنسان هكذا تعلمت من ابي زيد، حيث مواصلة النضال من أجل الحرية وليس التحرر الظرفي واجب أخلاقي وفريضة إسلامية، ومشروع إنساني لمواصلة الحلم، انها  القضية الأساسية التي يجب العمل على إعلانها صراحة وكنت قد اشرت الى ذلك في موضوع سابق عندما كتبت عن محنة التفكير في زمن التكفير  من ابن رشد الى نصر حامد أبو زيد، وقلت انه في عام 1999 اصدرت محكمة الاستئناف في القاهرة حكما، قضى بتطليق زوجة الدكتور حامد ابو زيد، على اعتبار انه مرتد عن الإسلام بعد اتهامه بتلويث عقول الطلاب والغش والجهل، وبانه كويفر مخمور مغرور. وقبل ذلك بثمانية قرون وتحديدا عام 1195، تم الإعلان في المنشور الرسمي للدولة الموحدية، ان ابن رشد معطل ملحد، واجمع من حضر من الفقهاء في جامع قرطبة، انه مرق من الدين واستوجب لعنة الضالين.

ورغم الاختلاف بين الرجلين في طريقة النفي بحكم ان الثاني اختار منفاه في هولندا بإرادته، والأول اجبر على النفي إلى قرية اليسانة او كما كانت تسمى قرية اليهود، بالقرب من قرطبة، الا ان خيوط الجريمة واحدة والمتهم هو نفسه.

المتهم فقي بالمعنى الحجازي يدعي الفقه يحشر نفسه بين العلماء ويقول ما يشاء لمن يشاء كما جاء على لسان المفكر الليبي الراحل الصادق النيهوم، فقي متفيقه يعتقد ان الحقيقة تسكن الماضي واضحة لا تحتاج إلى اعمال العقل للكشف عنها، وهو قادر على الإمساك بها، والقبض عليها بشرط الرضوخ لسلطته والسمع والطاعة لولي أمره.

المتهم أيضا مثقف انتهازي نار الغيرة احرقت قلبه الأجدب أعمى غيور حسود قزم يتطاول على من هو أعلى منه مقاما في سلم الفكر والفضيلة يتودد يرقص كعاهرة يركع يسجد لسيده.

المتهم سياسي غبي معطوب الفكر،نجس متسلط مريض نصب نفسه طبيبا لعلاج الآخرين يتحرك كخنزير متلذذ يمارس هوايته في اغتيال العقل ومصادرة الحق في التفكير.

كل هؤلاء هم أفراد الجوقة وحراس معبد الأوهام، يضربون على ذات الطبلة يرقصون على نفس الايقاع بالمحصلة يمارسون – كما وصفهم الشاعر العربي نزار قباني - عزفا منفردا على الطبلة " طَبْلَه.. طَبْلَه وطنٌ عربي تجمعُهُ من يوم ولادته طبلَهْ.. وتفرَقُ بين قبائله طبلَهْ.. وافراد الجوقة والعلماء وأهلُ الذِكْر، وقاضي البلدة.. يرتعشونَ على وَقْع الطَبْلَهْ.. يرددون أغنية الشيطان .

وهنا  نتساءل: لماذا وقف ويقف فقهاء السلطان  على تعدد مشاربهم، واختلاف محطاتهم التاريخية ضد كل محاولة جادة للتحرر من الاستبداد الفكري؟

لماذا يحاربون بسيف التعصب الاعمى كل محاولة لتأسيس فكر عقلاني حر؟ وما الذي يخيف السلطة السياسية في الأنظمة الاستبدادية من مشاريع الإصلاح الفكري؟

وماذا خسر العرب والمسلمون بحرق كتب ابن رشد وتكفير حامد أبوزيد وغيرهم؟

مشروع نصر حامد أبو زيد يتقاطع مع مشروع سقراط حيث (السخرية والميوتيك) أساس كل حوار واداة للحفر والنبش عن الحقيقة، يتقاطع أيضا مع فلسفة ابن رشد فهو قراءة عقلانية  ومشروع ديني فلسفي علمي يتناول وبكل شجاعة  مشكلة التغير السياسي والاجتماعي وكيفية بناء الدولة على أسس الحق والواجب والخضوع لسلطة القانون هي فلسفة تنويرية دفعت أصحاب المصالح الى  اتهام  ابن رشد بالخيانة والتخطيط لانقلاب سياسي والى اتهام ابي زيد بالكفر والردة .

مشروع نصر حامد أبو زيد تحرري  اشترط من خلاله  التفكير العقلاني الحر كمنطلق لأي بحث فكري مع التأكيد على ان البحث عن الحقيقة لا يجب ان يستهدف تحقيق غايات نفعية وانه لابد من التسلح بأدوات البحث العلمي وقد عبر عن ذلك الدكتور محمود اسماعيل بصورة دقيقة ومختصرة :" لقد أفاد المؤلف [الدكتور نصر] من المناهج البنيوية والسيميائية وفقه اللغة وغيرها في تفكيك النصوص واستبار غور مضامينها اللغوية والأسلوبية ودلالاتها المعرفية، كما ركز على مباحث في الفلسفة والعقيدة واللغة، واظهر طول باع في قراءة المصطلحات وكشف مضامينها معولا على تاريخية المصطلح والمفهوم في آن. كما لم يهمل مناهج القدماء من المفسرين والبلاغيين وعلماء الكلام وأفاد منها جميعها بعد دعمها بالمنهجيات الحديثة والمعاصرة. (محمود اسماعيل،  قراءات نقدية في الفكر العربي المعاصر، ص 24-25)" وهذا المشروع كان  يتعارض ولاشك مع أصحاب النفوذ الديني من فقهاء واوصياء على الدين وأصحاب النفوذ الثقافي من شعراء وادباء الباحثين عن المال والجاه والشهرة فكانت معركة ابي زيد معركة ضد التطرف وضد كل محتكر للحقيقة.......

نقطة الانطلاق عنده هي الاشتغال على التفسير العقلي للنص الديني من خلال فكر المعتزلة وكيفية توظيف المجاز ثم الاشتغال على فكر ابن عربي والتجربة الذوقية ودور الحدس في تفسير وتاويل النص الديني . وكل ذلك من  اجل فهم صحيح للتراث الفكري  الاسلامي وهذا ما اشار اليه فؤاد كامل عند تقديمه  لكتاب مفهوم النص لنصر أبوزيد  في مجلة العربي الكويتية مارس 1993م

هذا هو الكتاب الثالث في سلسلة ” دراسة تراثنا الفكري ” التي يصدرها الدكتور نصر حامد أبوزيد الأستاذ بقسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، والتي بدأها بكتابه ” الاتجاه العقلي في التفسير ”، ثم أردفها بكتابه الثاني “فلسفة التأويل “. وكان تركيزه في هاتين الدراستـين السابقتين ينصـب على الآفـاق الفكرية والمعـرفية التي تبدأ منها عمليات التفسير والتأويل.

يركز المؤلف في هذه الدراسة الثالثة على جانب النص ذاته وعلاقة المفسر به وجدله معه، وذلك في محاولة لاكتشاف مكونات النص وآلياته الخاصة، ودوره الإيجابي في عملية التأويل، وهي محاولة تهدف إلى إعادة التوازن بين طرفي عملية التأويل وهما النص والمفسر فلا يهدر أحدهما على حساب الآخر كـما يحدث أحيانا في فلسفة التأويل المعاصرة.

الدكتور نصر الذي عاش حالة من اليتم والحزن السياسي والاغتراب لم يتنازل ابدا عن افكاره وكان يصف نفسه بالمواطن والمثقف الملتزم، ورغم التكفير والتهديد بالقتل الا انه واصل التفكير بمنطق الباحث المتمكن من ادوات البحث والكتابة باسلوب واضح مرتكزا على الحجة والبرهان تحول من دراسة الفلسفة الى الادب العربي لان اول محاضرة في الفلسفة جعلته يشعر بالإحباط، لاسيما وانه كان يبحث عن التميز والابداع و يرفض بشدة الفكر التلقيني المبني على الترديد هذا الابداع تجلي مع أطروحة الدّكتوراه في فلسفة التأويل والّتي كانت دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي. ومن هنا بدأت رحلة التفكير والتكفير وقصة تكفيره كما اكد ابو زيد  لا يمكن فهمها خارج سياق مناخ الاحتقان السياسي/الثقافي الذي غلَّف الأجواء المصرية منذ بداية الثمانينات بعد اغتيال رئيس الجمهورية السابق في وضح النهار وتحت وميض كاميرات الإعلام في احتفال مصر بيوم انتصارها.

 ازداد الاحتقان في التسعينات بعد أن طالت يد الإرهاب قيادات سياسية في قلب القاهرة، وساعد مناخ « الفزع الحكومي » من الإرهاب في توسيع سلطة الفكر الديني الذي يؤيد النظام ويدين الإرهاب بلاغيا. امتدت يد الإرهاب للمثقفين فاغتيل « فرج فودة » وتم الاعتداء على « نجيب محفوظ » وانقسم المجتمع الثقافي إلى معسكرين متنابذين. وسط هذا المناخ جاء موضوع الترقي واستطاع تقرير غير علمي أن ينال موافقة اللجنة العلمية ضد تقريرين إيجابيين. ولم يكن هذا ليقع في مناخ أكاديمي طبيعي لم تلوثه ضغوط « الإرهاب » الذي صار فزاعة النظام السياسي والإداري في مصر كلها ضد أي نقد.فتحول موضوع « الترقي » إلى معركة قرر خصوم « حرية الفكر » حملها إلى القضاء. في ظل غابة القوانين والتشريعات في النظام القضائي المصري تمت صياغة مسألة التكفير والحكم بالردة … الخ.

حارب الدكتور نصر حامد ابو زيد الفكر السلفي المتطرف والفكر الحداثي المتطرف لغياب الوعي العلمي في كلا المشروعين ولغياب العقل النقدي ثم انه هناك في نظره نوع من التعالي على الواقع بل وعلى الافراد وممارسة ديكتاتورية فكرية تحيلنا الى حالة من التطرف والتعصب واعتبار الاخر المخالف هو الشيطان وهو الجحيم  في حين ان حرية التفكير حق مقدس ولايمكن مصادرة الحق في المعرفة من أي جهة كانت ومن هنا ادرك نصر ان المعركة الحقيقة هي الدفاع عن الحرية فمن خلال الدفاع عن الحق في الاجتهاد وحرية التفكير و التعبير سواء في الدين او الفلسفة او الفن  وغلبة التمجيد والنمطية في التفكير في ظل سلطة شمولية وهذا هو سبب التخلف في المجتمعات العربية المعاصرة ففي حوار الباحث والروائي  كمال الرياحي والذي جاء بعنوان  هكذا تحدث نصر حامد أبو زيد [سيرة الهرمينيوطيقي الحالم] سأله عن معنى العبارة التي وردت على لسان محمد أركون« الحل هو أن نذهب إلى السربون وندرس التاريخ الإسلامي هناك، وليس في جامعة قسنطينة. » اجاب نصر حامد ابوزيد يعبّر عن أسفه – وربما عن يأسه – من نظامنا التعليمي في العالم العربي. ليس فقط ما يشكو منه كل رجال التعليم من أنه تعليم يعتمد على « التلقين » و »الترديد »، بل هو بالإضافة إلى ذلك فقير من حيث المحتوى. المثال المطروح هو « التاريخ الإسلامي » الذي يدرَّس بشكل تمجيدي، وبالتالي يفتقد المتعلّم أي إحساس بمعنى التاريخ والتطور والفعل الإنساني. لا شك أننا بحاجة إلى ثورة في مجال التعليم من رياض الأطفال إلى الجامعة، ثورة لا تتحقق إلا بثورة اجتماعية إصلاحية شاملة. من أين نبدأ؟ من الاقتصادي؟ أم من السياسي؟ أم من الثقافي؟ أم من الدين؟ حائرون في البدايات وعاجزون عن الحسم.

وسواء وقفنا امام مشهد نقل جثمان ابن رشد وكتبه من مدينة مراكش المغربية التي رُحل إليها بعد نكبته المشهورة على يد الخليفة الموحّدي، ثم إعادته بعد وفاته على ظهر دابة إلى قرطبة حيث دُفن نهائياً فيها وهي مسقط رأسه او امام مشهد دفن الدكتور نصر حامد ابو زيد وقد غاب عن جنازته كل المسؤولين وجل المثقفين وهرب من العزاء أهالي قريته  » قحافه  » بمدينة طنطا وأحجموا عن تقديم واجب العزاء فان الدلالة واحدة حيث ان دفن ابن رشد ونصر حامد ابو زيد  بهذه الطريقة  دفن لقيم التجدد والانفتاح، وإحياؤه من جديد هو إحياء لأسباب الانقاذ من المأساة التي سببها الدفن المستمر لفكر هذين الرجلين في لا وعي المواطن العربي يقول ابن عربي:” ولما جعل التابوت الذي عليه جسده (ابن رشد) على الدابة، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر. وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير، كاتب السيد أبي سعيد (الأمير الموحدي)، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج، الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال:” ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام، وهذه أعماله _ يعني تواليفه!،- فقال ابن جبير: ياولدي، نعم، مانظرت! لافض فوك! فقيدتها عندي موعظة وذكرى”.

 

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر

......................

* توفي في يوم الاثنين التاسعة صباحا 5 جويلية 2010 مستشفى الشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر غربي القاهرة، اثر إصابته بفيروس مجهول خلال زيارة له لاندونيسيا.

 

 

ما يقارب العامين مضت على ذلك المسير برفقة الصديق الشاعر تركي عبد الغني، من ساحة “آنهالتر بانهوف”، التي كانت إلى قبل إنتهاء الحرب الكونية الثانية واحدة من أقدم وأكبر محطات القطارات الشهيرة بأرصفتها الموزعة في أربع إتجاهات نحو دول القارة الأوروبية، الشرق والغرب والشمال والجنوب، لم يبق اليوم منها سوى بوابتها الجدارية الأثرية العملاقة.. قطعنا الطريق بإتجاه أهم معبر حدودي “جك بوينت شارلي” يفصل من عام 61 وحتى سقوط منظومة الدول الاشتراكية في 1989 برلين الغربية عن برلين الديمقراطية. في طريقنا سألت صديقي.. أين كنت يا رجل؟. ويبدو ان المسافة لم تكن كافية لانهاء حكاية معاناته الاسطورية أثناء زيارته لبلده الأردن، مختتما حديثه بنوع من الفكاهة، حيث وصلت إلى ما أنا إليه ذاهب عند ذلك المعبر الشهير الذي تمتليء فضاءاته بقصص وندبات كل من غادره لغاية ما في كلا الاتجاهين. مسالكه الكونكريتية وأسواره السمنتية المتينة شاهدة حتى اليوم على أحداث عصر الحرب الباردة، الذي يشكل “جدار برلين” واحدا من آثارها المؤلمة.. مددت يدي مع شيء من الجزل لاودع صديقي، فيما وجه دعوته لي قائلاً: صدر ديواني الجديد ويسرني حضورك أمسية التوقيع عليه. بسبب تعرضي لنكسة صحية لم أتمكن آنذاك من الذهاب.. قبل أيام وخلال لقاء جمعني ببعض الاخوة من الوسط الثقافي، ناولني احد الاصدقاء كتاباً، قائلا، هذا ديوان تركي عبد الغني كلفني إيصاله إليك مع بالغ تحياته .

منظومة  شعرية

 إبداء الرأي بشكل عام في منظومة شعرية كالتي يتضمنها ديوان الشاعر تركي عبد الغني من وجهة نظري، ليس بالأمر السهل، على الرغم من مرور عامين على صدور الديوان. فالكتابة في شأن إبداعي أدبي، له أبعاد رؤيوية لا تقبل التأويل والمسائلة يفرض بالضرورة تحديد المسلك الذي ينبغي السير بإتجاهه، “الانطباعي” الخاص بقراءة القصائد وفقاً لما يسمى بنظرية “ما حول الأدب”، أي الترحل بين المنصات الشاعرية وجمالية اللغة الشعرية والتعبيرية. أم الذهاب بإتجاه ما يعرف بـ “النقد الأدبي” الذي يفقد الرؤية الحقيقية لما أنا منغمس فيه من ذائقة نوعية في قصائد تركي. لذا لا أجد مفرأ من إختيار الأول مع مقاربة جزئية حول “النقد الأدبي”، بالشكل الذي يرصد “جهد” الشاعر و “منتوجه” الأدبي، كونهما من ناحية اللازمة الثقافية والحضارية، أمران لا ينفصلان!.

لا شيء إلا الموت بالتحديد

يهب الحياة لظلي الممدود

عقلي ، رؤاي ، تموت بين عواطفي

بتجردي عنها من التجريد

هب لي فناءك كي أتم تجددي

سيموت من يخشى من التجديد

مفهومنا نحن العرب، لأدب النقد، في أغلب الأحيان نصبح “جلادين”، ننحاز إلى صراعات اجتماعية ـ سياسية أو عقائدية، وفي العموم على أساس المجاملات وليس المهنية. الكتابات النقدية عندنا في أغلب الأحيان (ولا أعمم) لا تعتمد الموضوعية. عكس القاعدة العامة في الثقافات الغربية التي لا تقبل “نقداً” لا يتوافق مع المفاهيم الأدبية. لاعتبارات فلسفية  ترتبط بالإنتماء لإرث حضاري يُعتز به ويَعتبر المثقف جزءاً مكمل لثقافته، وبالتالي يجسد إحترام الموروث الوطني ـ الثقافي المترامي الأبعاد. ما أود قوله من وراء هذه الناصية الاضافية أهمية “توليد الخيال” بدل ممارسة “النقد” فيما يتعلق بالسياق العام لقصائد الشاعر عبد الغني، والتي توضح حالة النص أو النوع خيالا مصمما بشكل فني، وبالتالي فإن العناصر الرمزية والاشارات الجوهرية تبدو أكثر معقولية. بالإضافة إلى ذلك، تلعب المفاهيم الفنية “العهود الأدبية” التي جد في استعمالها، الى جانب الخيالية وغير الخيالية والجمالية ـ الشعرية، دورا مهما فيما يُنظر إليه على أنه نموذجي عندما نتحدث عن الأدب من حيث المنهج. لا يشمل في قصائد تركي، فقط، ما هو “مخترع”، إفتراض الخيال، المأساة، الايمان، السحر والعالم الآخر، إنما أيضا دمج أشياء مثل “المعيار” و “الأداة” كتحفة أثرية عن طريق ربط العناصر الشكلية التي تشمل الدراما كقياس إضافي، والتي تظهر جمالية الشعر في نصوص الواقعية.

تركي عبد الغني، شاعر أردني من مواليد قرية كفريوبا من محافظة إربد، يقيم منذ 1994 في العاصمة الألمانية برلين.. يكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة بطريقة فريدة وجريئة وجاذبة تحمل أبعاداً إنسانية صوفية فلسفية عميقة. صدر له ديوان شعري “حقائب الطين” عن هيئة الثقافة والتراث في أبو ظبي. ترجمت العديد من قصائده إلى اللغة الألمانية والفرنسية. شارك في العديد من الأماسي الأدبية في أوروبا ودول عربية منها: ألمانيا، إيطاليا، هولندا، تونس، المغرب، سوريا والأردن. حصل على العديد من الجوائز. ديوانه الشعري الثاني الموسوم “المعارج والألواح” يحتوي أربعة عشر معراجاً وأربعة عشر لوحا متفاوتة الطول والعناوين، وبحجم كتاب الجيب وورق وطباعة أنيقة. اللافت للنظر، بالإضافة للصفحات العديدة المتروكة بيضاء، أنه يخلو من اسم دار النشر ورقم وتاريخ الاصدار. ألا أن أحد المواقع التي تناولت قبل عامين الديوان، أوردت بأن الناشر “دار ميسلون” الدمشقية.

اختيار ديوان

أختيار الشاعر هذا العنوان المركب لديوانه “المعارج والألواح”، يجمع بين التاريخ وعلم القراءات، كانما يتتبع أثر “ملحمة كلكامش” الشعرية الأولى في تاريخ البشرية، وطرق حفظ الصبيان القرآن في الألواح. وما جاء عن الفقيه والأديب اللغوي، الشاعر محمد بن قاسم بن محمد المتوفي عام 1708م بمدينة فاس من “معارج” في اصول علم اللغة وفلسفتها.. أقتبس ما نشر حول ديوان عبد الغني في أحد المواقع: (ولعل عنوان الديوان يوحي بما فيه، فالمعراج هو اتصال الأرض بالسماء والخالق، والألواح تعبر عما هو تاريخيّ فمنها أُخذت أبجديات حياةِ البشر الأولى، وقصائد الشعراء الأوائل، والملاحم الإنسانية العظيمة التي اتُخذت عبرة وسُنت منها القوانين الاجتماعية والفكرية للحياة الإنسانية). الشعر ببساطة هو لغة محملة بالايقاع والرمزية والمعاني إلى أقصى حد ممكن، استطاع الشاعر في “معراجه والواحه” نسجها بدقة وطريقة غير شرطية تتآلف مع اساسيات كتابة الشعر بأنواعه المتنوعة، منذ عصر أثينا وروما، مروراً بالشعراء المعاصرين شكسبير وكوته ووالت ويتمان. ملتزماً بالمعنى واللغة، بالشكل الذي يوازن بين الإيحاء الخيالي والتحفيز النمطي والإغراء من خلال الارتباط بالوسائل التي يخلق بها الشاعر شيئاً جديداً، بعيداً عن التجريدات المحددة والعودة إلى المنطوق والمكتوب الذي يبحث عن الفكرة في الكلمة – وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للشاعر كما هو للقارئ عبر القرون والثقافات: الفاتحة ـ هي أول قصيدة في الديوان، استشراق الظاهر بين الأنا والمطلق، يقول..

أترى القضية واضحة؟؟

 مُذ بدء ململة الرؤى بمداركي

واللوز ذات اللوز

والرمان نفس اللون نفس الطعم نفس الرائحة

وأنا… أنا

واليوم مثل البارحة

الصور الشعرية في قصائد تركي عبد الغني لا تخلو من مجموعة متنوعة من العناصر الرومانسية والسوريالية والأصوات المؤثرة – بفضل القيمة في رسم خرائط شعر حديث ومتعدد الأوجه، هو من الجمال الشديد وفورية اللغة، ما تم الحفاظ عليه أيضا في ما بعد القصائد.. نصوص، تحكي قصصا وآيات عن معاناة الإغتراب والنزوح والرفض، الحزن والشوق والحنين والخوف، وبالطبع الحب والسخرية وعجز الروح من الحياة ومتاهاتها – غالباً ما تكون عوالم مليئة بالمشاعر والعواطف والتحدي والتجوال في مساحات واسعة. المعابد والأطلال، كذلك المناظر الطبيعية والحواس والحياة الواقعية أصبحت هي المشاهد. شعره يحمل جاذبية “غنائية” ذا أهمية خاصة ترمز إلى ما يسعى إليه بشكل غير تقليدي أكثر تركيزاً للتعبير، فيما يصر لإنشاء الحبكة الكاملة بالقرب من الواقع التاريخي أو الاجتماعي بالعودة الى المؤثرات اللغوية بالمعنى الحقيقي للكلمة..

أعلى تجاذبني الاعلى

صفة تجدد خلقها فعلا

كُثُب الرمال جعلتها مدنا

ومدائن حولتها رملا

اني أعيش لكل قافية

وأموت فيها ميتة حبلى

ولكي تراني كم قتلت بها

جمع خطاي لتجمع القتلى .

***

عصام الياسري

 

 

مدينة المسيب، مدينة جميلة يشطرها الفرات الى شطرين، وقد حباها الله بطيب الهواء،و خصوبة الارض، حيث تكتنفها البساتين الفيحاء، والمزارع الغناء، يرويها الفرات بعذب سلسبيل مائه، فجعل قلوب الكثير من الناس تهوى اليه، ما سكنها احد الا حاول ان يتشبث بالبقاء فيها، وان غادرها فسيظل دائم الحنين اليها، كتبت عنها كتابا اسميته (المسيب تاريخ وحياة)، تكلمت فيه عن كل ما وصلت اليه من معلومات تخص الحياة الاجتماعية والاقتصادية والادبية،ودورة الحياة فيها، ظهرت المسيب كميناء الى الوجود بعد ان انتهى دور الانبار التاريخي،وانتقال السفن الى مدينة المسيب متخذة منها ميناء لتجلب لها مختلف البضائع، وتصدرمنها بضائعها ومنتجاتها الزراعية، وتحول طريق الزائرين الى كربلاء من طريق النيل حلة الى طريق الاسكندرية مسيب

 مماحدى بالقرية الى التحول الى النمط المدني من خلال ظهور السوق وانتشار المهن المختلفة، والتي تحتاجها المدينة، فكان المقهى من عناصر المدينة المهمة، ويعود ظهور المقهى الى ماقبل سنة 1850م بزمن طويل ربما، حتى انها اصبحت تمثل اهم عناصر تمصيرها، حيث صبغتها بالصبغة المدنية، وهي اشارة واضحة الى انتقال الحياة من الريف والمضيف الى حياة المدينة ونظامها الاجتماعي وعلائقها الاقتصادية، والاجتماعية، فكانت البديل الحقيقي للمضيف، فقد اصبحت المكان الذي يلجأ اليه الوافد، فهي ديوان ومضيف المدينة، وهي محطة استراحة ابنائها بعد انتهائهم من عمل يومهم الشاق، حيث يتجمعون عصرا ومساء فيها، ليتبادلوا الاحاديث اويعقدون اتفاقياتهم ويناقشون مشاريعهم واعمالهم، ويشنفون اسماعهم بمختلف القصص التي يقصها عليهم القصة خون بعد المساء، لاسيما في ليالي رمضان،وكانت النركيلة عروس مجالسهم في كل المقاهي، ولاهميتها (المقاهي) اصبحت لكل محلة مقهاها الذي يرتاده شباب المحلة، كما ان المقهى اصبحت ذات اختصاص بنوعية روادها، فلما كانت المسيب ميناء ومدخالا الفرات الاوسط كثرت فيها السفن، فتكونت  ذلك شريحة  اجتما عية عرفت بالملاحين، فكانت لهم مقهى عرفت بمقهى الملاحين وكان مكانها في الشارع العام في الجهة المقابلة لمدخل السوق الكبير ومكانها الان اصبح دكاكين وجزء منها   دخل في جامع ال ثابت، ومقابلها عند مدخل السوق الكبير قامت مقهى مهدون وهي من اكبر واشهر المقاهي في المدينة، حيث انها مقر لعمال واسطوات البناء والكسبة وغيرهم من ابناء المدينة والوافدين للمدينة والمارين بها، ويجاورها مقهى عليوي تخيت حيث كانت مقابل كراج بيت ثابت ومعظم روادها من السواق وغيرهم، ومقابلها كانت مقهى عبد دايخ امتازت بصغرها واناقتها وروادها خليط من مختلف الشرائح الاجتماعية، واذا اتجهنا الى الجنوب سنلتقي بمقهى الحاج رسمي، وهذه المقهى مرت بدورين الدور الاول كانت مقهى مكشوفة ولكنها مسيجة بسياج حديديى يرتفع عن الارض مقدار متروهي على شكل حديقة فيها انواع الزهوروبعض الشجيرات، اماروادها فكانوا من المعلمين والمدرسين والموظفين وبقية الشرائح،وكان فيها قسم مسقوف شتائي، نقضت هذه القهى وشيد محلها العديد من المحلات ومقهيان كبيران، شغل احداهما صالح شقيقة ثم تخلى عنها الى الحاج رسمي، وافتتح محلا للكماليات في الجهة المقابلة،والمقهى الاخرى كان يديرها عبد علي وهوالاخ الاصغر للحاج رسمي،واذا ماوصلنا الى حسينية المسيب  ستواجهنا مقهى سلمان، وهي مقهى محلة الشيوخ، واذا ما اتجهنا نحو الجسر فسنصل الى مقهى عبادة القجري على الجهة اليمنى يقابلها مقهى اخرى (نسيت اسم صاحبها) وكان الى جوارها في مدخل السوق الكبير الجهة المقبلة لمقهى مهدون جايخانة عريف عبد وهي مقهى صغير، وامثالها موجود في مناطق عديدة من المدينة لاسيما داخل السوق، واذا ما ذهبنا الى داخل السوق سنتقاطع مع عمود السوق، فاذا استدرنا يمينا سنلتقي بمهى كبيرة واسعة ذات واجهة ضيقة وهي المقهى القديمة لمهدون، كانت فخمة الاثاث انيقة مزينة بالمرايا التي توزعت على جدرانها، وهذه اول مقهى تدخل الحاكي الكرانفون حيث يستمع روادها الى الاغاني العراقية والمصرية، وحسب طلباتهم، ولقد شغلها بعد مهدون ال صنكور، ثم تركوها واتجهوا لبيع الاجهزة الكهربائية، ولازالت هذه المقهى قئمة ولكنها فقدت جاذبيتها حيث ما عاد يرتادها سوى الاحداث لممارسة لعبة البليارد، وفي الجهة المقابلة في سوق الخياطين مجاور جامع السعداوي/ الفرات مقهى حبيب، ومقابله قرب مدخل السوق من جهة النهر مقهى قديمة جدا هي مقهى بيت حمادي التي اندرست بحكم الزمن، واذا ما ذهبنا باتجاه العلاوي فعلى الجهة اليسرى بالقرب من حمام الصابوني مقهى الحاج بزيزين، وهي مقهى يرتادها بعض كبار السن والمجاورين، وهناك جايخانه قديمة من العهد العثماني عند نهاية شارع بيت مكاوي مجاورة لعلوة محمد كبسون الجبر وهي مدخل بستان الانباريين واذا ما استمر مسيرنا واتجهنا يسارا نحو نهر الفرات سنلتقي بمقهى بيت خنفور على شاطيء النهر وكان يرتادها الشباب المثقف والموظفين، واذا ما استمر سيرنا حتى نصل الى جدار البنزينخانة، سنلتقى هناك بجرداغ عباس صدا م هذا الجرداغ / المقهى ونقلا عن المرحوم هادي الحلاق الجميلي، كان مقرا للشعراء الشعبيين من ابناء المدينة وضيوفهم من شعراء المدن الاخرى، ومن الشعراء محمد السعلو وعباس النشعة وهادي الحاج كاظم الانباري، واذامارجعنا ادراجنا ودخلنا محلة ام الصخول فسنلتقي بمقهيين عند مدخل السوق الكبيرهما مقهى قرش ومقهى جاسم الجميلي، وهما من مقاهي المحلة القديمة وكان المرحوم حجي عبود قصة خون المحلة يعقد جلساته في مقهى قرش  وعند وصولنا الى نهاية شارع ام الصخول فعلى جانب المخل الايسر للخارج من المحلة مقهى مسلم العلاوي وغلى الجانب الاخر مجاور محل حاج كاظم بزونة مقهى كاظم ياس وهي حديثة بالنسبة للاخريات والى شمالها مقهى عبد النبي الخنفور،وهناك مقاهي متاخرة كمقهى المحطة وكان يرتادها هواة الدومينو ومقهى بيت عافص ويقابلها  مقهى بيت مروح عند مدخل شارع التجنيد مقابل مقهى بيت عافص، وهناك مقهى عليكه الكشاش مقابل كراج الحاج سلمان المكاوي، ومقهى محسن ملتقى الشباب على نهر الفرات، ومقهى سيد مهدي مقابل دراج الجسر، ومقهى مهدي الكواك في مدخل شارع اولاد مسلم،اما اهم القهواتية الين امتهنوا هذه المهنة في  حياتهم، ممن اتذكرهم، شاكر الزابطي، واخوه صبري الزابطي، وصالح الجبوري ابن الشاعر عباس النشعة وكانت مقهاه في مدخل السوق مقابل شارع كاظم عويص، وخيري القرغوليوكان يدير جاي خانة عند باب فندق ناجي الجايد مقابل حجي كاظم الصائغ، وعلي الدبي،وافاضل زكري، وهادي السبع وصالح هبوشة وموسى فريق،وكانت مقهاه عبارة عن جرداغ  على شاطيء الفرات في صوب البوحمدان، وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة لتذكرهم، ما تقدم كان عن مقاهي  الصوب الكبير اما مقاهي الصوب الصغير صوب البوحمدان، فاشهرها واكبرها مقهى عريبي الكبير

وكان موقعها عند مدخل الجسر لفي الجهة اليسرى  للذي ياتي من الصوب الكبير، وكذلك مقهى عطية العنيفص الجنابي مجاورة لمدخل الجسر، وقبل الختام اود ان انوه بان الفرق الشعبية لكرة القدم كانت مقراتها في المقاهي، وبعض المقاهي اصبحت مقرا للنشاط الثقافي، كماهوالحال في فرع اتحاد الادباء والكتاب في المسيب حيث مقره في مقهى ابو زينة على شاطيء القرات.

 

احمد زكي الانباري

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا حول ريادة منصور قهمي في تأصيل مفهوم النسوية الإسلامية، وفي هذا نقول مع الأستاذ محمد حربي: " بأن كتاب أحوال المرأة في الإسلام ليس مقالة هجائيّة موجهة ضد وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية من أجل إدانته والتشهير به أمام الغرب. وإنّما هو عبارة عن أطروحة دكتوراه نوقشت في السوربون عام 1913 في وقت كانت فيه أطروحات الدكتوراه تمثل عملً علميًّا جادًّا يتمتع بكل مواصفات الدراسات الأكاديمية الصارمة. وكان يمكن لهذه الأطروحة أن تختفي تحت أنقاض الدراسات الجامعية الأخرى، لولا أنّ حراس النظام التقليدي القديم قد هاجموها وصبّوا عليها جام غضبهم. وهم بذلك أشهروها على غير علمٍ منهم، وأتيح لها بالتالي أنْ ترى النور وتنتشر بين الناس.

وفى الواقع إنّ منصور فهمي كان قد تعّرض للهجوم فور عودته مصر. فقد شهّر به بعض الصحفيّين الذين لا ضمير لهم. وحرّضوا عامة الناس عليه لكي ينتقموا منه. وممّا يؤسف له أنّ السلطات الجامعية قد انحنت بكل عار أمام هذه الحملات الصحفيّة الكاذبة، ولم تفعل شيئًا للدفاع عن أحد أعضائها: الدكتور منصور فهمي. وقد تمّت محاكمته بناء على تقرير لئيم ومغرض يقول ما معناه: إنّ المدعو منصور فهمي قد ناقش فى فرنسا أطروحة دكتوراه مضادة للإسلام ونبيّه، وذلك تحت إشراف " أستاذ يهودي " يُدعى ليفي برول! وهكذا اضطهد منصور فهمي وأزيح عن التدريس الجامعي في مصر، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد ثورة 19 19. ولكن يمكن القول بأنّه قد نسي من قبل الناس ولم يعد موجودًا كمفكر بعد عودته تلك. فقد حطمته الرقابة الصارمة والضغوط الاجتماعية وقضت على آماله وأحلامه في التقدم والبحث العلمي. إنّ من يجهل الإكراهات اليوميّة الممارسة على الوعي في المجتمعات الإسلامية لا يمكنه أنْ يفهم مسار منصور فهمي ولا مصيره. والواقع أنّه تأثّر كثيرًا من الناحية النفسية بعد أنْ أنكروا عمله واحتقروه ولم تقم له قائمة بعدئذ. نقول ذلك على الرغم من أنّه كان باحثًا صاعدًا يعد بعطاء كبير وذلك حسب قول الأستاذ محمد حربي.

ولم يكن منصور فهمي أول مَن تعرّض لوضعية المرأة ومشكلاتها، فقد سبقه قاسم أمين (1865- 1908) عندما نشر منذ عام 1899 أول كتاب مؤيدًا لـ " تحرير المرأة "؛ صحيح أنّ بعض السوريين واللبنانيين كانوا قد سبقوه إلى هذا العمل، ولكنه كان أول من أمسك بالمقص الكبير لكي يمزق الحجاب الذى يغلّف النساء العربيات ويمنعهن من رؤية النور. إنْ منصور فهمي يعترف بديْنه له، ولكنه يذهب بعيدًا أكثر في الاتجاه؛ حيث يبحث عن أصل الأحاديث النبوية (المتعلقة بالمرأة) في المجتمع الإسلامي في القرن الأول للهجرة، وليس في التركيبة النفسية أو الأخلاقيّة لهذا الفرد أو ذاك. فالمجتمع هو الأساس وليس الفرد. وهو الذي يولد الأحاديث التي تناسبه ويحارب تلك التي لا تناسبه، أو يخفيها ويحجبها، أو لا يعمل بها بكل بساطة. ونفس الشيء يمكن أنْ يقال عن المؤلّفات المغاربية، وبخاصة الأصولية، التي تتحدث عن وضع المرأة انطلاقًا من محاربة الغرب فقط أو كرهًا به. فإذا كان الغرب يعمل كذا فينبغي أن نفعل عكسه .. وهذا الموقف لا ينبغي أن نصدقه بكل حرفيته أو على علاته. فهناك آلاف النساء الشابات اللواتي يخرجن من الأوساط الشعبية واللواتى تلقين تربية عربية أكثر مما هي أوروبية، ومع ذلك فهن يناضلن من أجل التحرر دون أن يكون النموذج الغربي: أو الأوروبي " نصب أعينهن. فهن يثرن ضد سلطة الأب أو الأ خ أو الزوج أو بكل بساطة على ذلك البوليس الأيديولوجي الذي يشكله مفتي التلفزيون أو الراديو، وهو متلصص من نوع جديد؛ وهو أنه أول دعا إلى الأخذ بالرؤية السلفية التي ترتكز على القوامة، وحجاب المرأة وضرورة طاعة المرأة للرجل، بينما الثاني دافع عن الحجاب وتعدد الزوجات. إلا أن فهمي هو أول مَن كتب بمنهجية علمية - من وجهة نظر علم الاجتماع - عن الخطاب الإسلامي وتعامله مع المرأة، مفرّقاً بين الدين والمؤسسة الدينية من جهة، وشخصية نبي الإسلام ونصوصه المقدسة، التي ساهمت بشكل أو بآخر في وضعية المرأة في ظل الإسلام.

وقد ناقش منصور في جرأة غير معهودة كما قبل ـ وقتها ـ عدة قضايا لم يكن أحد يستطيع الاقتراب منها، أو مجرد التفكير فيها بهذه الطريقة ، ونذكر منها علي سبيل المثال مناقشته حول طالب محمد الأزواج المتعدّدي الزوجات بالعدالة بين زوجاتهم؛ حيث يقول منصور فهمي: " هذه القواعد الدقيقة في المساواة بين الزوجات كانت غايتها الحدّ أو الحصر من تعدديّة الزوجات. هنا أيضًا لم يتّبع محمد هذه القوانين ولم يطبّقها على نفسه. فنظريًا مبدأ العدالة بين الزوجات مذكور في القرآن، ولكن عمليًا لم يعامل محمد زوجاته - أمهات المؤمنين - على قدم المساواة . فزوجاته أرسلن يومًا فاطمة - إحدى كريمات محمد - في مهمّه حسّاسة إلى أبيها النبي. قالت فاطمة لأبيها: " زوجاتك يطلبن منك أنْ تعاملهن كمعاملتك لعائشة " . كان من الصعب على محمد - الذي كان مغرمًا كثيرًا بعائشة - أنْ ينحني أمام رغبات زوجاته. ألم يُنعم الله على محمد مقدّمًا العفو عن كل أخطائه التي يرتكبها فى منزله مفضّلاً زوجةً منهن على الأخريات؟ . ومع هذا كان مجمد منصفًا شكليًا معهن . فكان يوزّع وقته بشكل عادل بينهن ولكن قلبيأ لم يدافع عن نفسه لميله وحبّه لعائشة، فواجه ربّه مبرّرأ موقفه قائلاً: " هذا قسمي في ما أملك ولا تلمني فى ما تملك ولا أملك " . وبعبارة أخرى فإنّ محمدًا سيد وقته وأملاكه يستطيع أنْ يقسّم وقته وما يملك بالعدل بين زوجاته بينما القلوب هي ملك الله فلا يستطيع إذن أن يسيطر على عواطفه، فهو الذى حدد تعدد الزوجات للآخرين استثنى نفسه من ذلك . فالرجل المسلم لا يحقّ له أنْ يتزوّج أكثر من أربع زوجات. وكل زواج يجب أنْ يعقد بوجود شهود ودفع المهر للزوجة . وأما محمد فإنّه تزوّج أكثر من أربعة واعفى نفسه من الشهود والمهر.

وحول قضية الدين والتقاليد الاجتماعية فنجد فهمي يفرق بين المحمدية والديانة الإسلامية، فالأولى تتمثل في عقيدة محمد في نقائها الأول، بينما الثانية تعني مؤسسات من أصول شتى‏ ومنابع مختلفة‏،‏ اتخذت بمرور الزمن هيبة القوانين المقدسة.‏ فيؤكد على رغبة محمد الشديدة فى حماية المرأة وصيانتها، لكن المؤسسات الدينية والقوانين الثيوقراطية هي ما أدى إلى انحطاط المرأة، لأنها حوّلت سلطة الأب أو رب العائلة إلى سلطة مقدسة تتماهى مع سلطه الله، وأن هذا الوضع الاجتماعي، ومن ثَم الديني، جعل البيت هو عمل المرأة الوحيد، وكان عليها أن تنزوي فيه قهرا. ويرى أنه «على الرغم من أن الإسلام أعطى للمرأة شخصية خاصة بها، إلا أننا نؤكد أن المرأة بعد الإسلام وُجدت في وضع أكثر دونية عما كانت عليه قبل الإسلام». فإن كانت وضعيتها متدنية نظرياً قبل الإسلام، إلا أنها كان لها حضور اجتماعي، فكانت تشارك في الغزوات وتعمل في التجارة ولها حرية اعتناق الدين الذي تريده. أما بعد الإسلام ومن خلال تفاوت النصوص المقدسة، فالأمر انقلب، فنظرياً كان من المفترض أن تكون في وضعية أفضل، لكن واقعياً واجتماعياً كانت أسوأ بكثير. «بعد انتصار الفتوحات الإسلامية ذبلت شخصية المرأة العربية وتلاشت قيمة وزنها الاجتماعي. إن المؤسسات ذات المصادر المختلفة كتعدد الزوجات والارستقراطية والثيوقراطية، كل هذه عوامل تضافرت لتساهم في مهانة المرأة التدريجية».

وهناك نصوص أخري من هذا القبيل نذكر منها هذا النص:" في أحد الأيام كان محمد مشغولاً بنشر العدالة بين الناس وحلّ مشاكلهم إذ أتته امرأة شاكية قائلة أنّ زوجها ضربها وتطلب منه العدالة. في مثل هذه الحالة كان محمد يطبّق قانون العقوبة بالمثل - شريعة النّحّل - إلاّ أنّه يتردّد في أنْ يعاقب الزوج المتهم بعقاب قاس ويوحي الله إلى محمد بتشريع قانون ينتفع منه الرجل: " الرجال قوامون على النساء. يقول القرآن ". وترفض التهمة عن الزوج. وحكم القرآن هذا ما زال يتردّد على أفواه المؤمنين ويستعمله الرجال ليثبتوا تفوّقهم على النساء وفي لحظة تأمّل كان محمد يفكر في حالة المرأة فيتراءى له أنّ العديد من الرجال برزوا في حياتهم وأنّ القليل من النساء لَمعن . والذي قاله محمد يذكّـر بما قاله الكاهن عضو الإكليروس " بين ألف رجل وجدت واحدًا وبين كل النساء لم أجد واحدة ". يظهر هنا واضحًا التأثير المسيحي لكن لا شيء يبرهن بالتأكيد أنّ محمدًا قد نطق فعلاً بهذه الكلمات. إلاّ أنّ أهمّية هذه الكلمات أنّها تعتبر حديثًا إسـلاميًا أصيلاً.

وحول أسطورة الحجاب فيري فهمي أن الحجاب  هو حصيلة للتقاليد وليس الدين، فالشريعة الإسلامية لا علاقة لها بالحجاب. كما ربط ما بين (العزلة والحجاب والطبقة الاجتماعية) فالحجاب والعزلة لم يُفرضا على الجواري مثلا ـ واقعة عمر بن الخطاب الشهيرة، ونهره الجارية ذات الحجاب لأنها تشبهت بالحرائر ـ ففي العزلة والحجاب تمييز للحرائر كشرف لبنات الطبقات الراقية عن بنات العامة.‏ وقد تطورت هذه الفكرة من ميراث عزل المرأة بعيدا عن الحرب القبَلية،‏ حتى لا تؤخذ سبيّة،‏ أو تُخطف كغنيمة‏.‏ «واستعمال الحجاب لم يكن شاملاً، ولدينا الوثائق التي تشير بالتأكيد إلى أن النساء في تلك الحقبة الزمنية، وفي مجتمع محمد لم يخضعن لاستعمال الحجاب. ومن دون شك فإن عادة الحجاب أخذت، مع مرور الزمن، تعمم وتتوطد مع تقدم الإسلام». فالأمر طبقي بالأساس، حتى إن عزلة النساء «أصبحت مع الزمن شيئاً مألوفاً، وأخذت تُعمم أكثر وأكثر، واعتُبرت في النهاية شيئاً طبيعياً جداً. فالمصطلحات التي تعبّر عنها كانت تستخدم لإطراء امرأة ما، أو عائلة بأسرها.. وحتى حين حكمت مصر في القرن السابع للهجرة الملكة شجرة الدر، فالواعظون في الجوامع لم يجدوا تعبيراً أفضل لإسداء الإطراء للملكة إلا بالحديث عن حجابها الصارم، قائلين (واحفظ اللهم الجبهة الصالحية، ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين، ذات الحجاب الجميل والستر الجليل، والدة المرحوم خليل».

من ناحية أخرى فما ذكره القرآن بشأن الحجاب كان خاصاً بزوجات محمد وليس بغيرهن من المسلمات. كما أن الحجاب لم يكن عادة عربية لكنه أُخذ عن شعوب أخرى مثل الترك والفرس. أما (النقاب)، فيراه الرجل (موضة)، فهو لم يكن يستعمل فى عهد محمد، مستشهداً بابن سيرين ــ من علماء القرن الأول الهجري ــ بأن النقاب لم يكن سوى موضة، تم استحداثها فى النصف الثاني من القرن الأول الهجري. وفي الأخير يرى منصور فهمي أن السبب الرئيسي لانحطاط المرأة هو «فصلها عن الرجل وعزلها عن المجتمع». هذه خلاصة رسالته التي نال من خلالها درجة الدكتوراه، الرسالة التي أنفق فيها من عمره ووعيه خمس سنوات، إلا أنه لم يستطع مقاومة الإرهاب الفكري الذي طاله واتهمه بالكفر والإلحاد، فانعزل تماماً عن دوره التنويري، قاطعاً صلته بكل ما كان يؤمن به قائلاً .. «الخير كل الخير في أن لا تخرج المرأة من البيت ومن ميدان الزوجية ومن ميدان الأمومة حتى تسهر على راحة زوجها، والشر كل الشر هو فى سوق المرأة إلى المصانع والحوانيت مما يتنافى مع قوانين الله والطبيعة. ومطلب المرأة بخلاف ذلك هو مطلب موهوم".

ثم يتساءل منصور فهمي كيف أمكن لهذه النصوص الدقيقة أنْ تفقد قيمتها العملية على الأقل في بعض البلاد الإسلامية وكيف استطاعت عزلة النساء أنْ تصبح صارمة إلى مثل هذا الحد؟ وكيف نفسر تقاليد بعض البلاد المسلمة وبعض الطبقات الاجتماعية التي منعت منعًا باتًا سفور وجه المرأة إلا في حضور الأقارب والأهل.

وهنا يجيبنا منصور فهمي فيقول:" التفسير الوحيد الممكن إدراكه هو متسببات النظام الاجتماعي التي ساهمت في تعليل هذا المنع. وربّما، من ناحية أخرى، التطور الذي أدّى إلى تعميم عزلة النساء كان من تأثير القدوة الشخصية للرسول في علاقاته مع زوجاته. هذا على الرغم من أنّ الآيات القرآنيّة تتكلم فقط عن نساء النبي ولا تشمل بقية النساء. والجدير بالذكر بأنّ الآية هذه تطلب من النساء أنْ يحافظن على زي مُحتشم " يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهنّ ذلك أدنى أنْ يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيمًا " (سورة الأحزاب).

ثم يؤكد منصور فهمي بأن النبي صلوات عليه وسلم لكي يتجنب الإغواء الشيطاني منع الرجل من الانفراد بالمرأة. ومن كل هذه البراهين وُلد عّرف وكبر وتطور في بعض البلاد وترعرع في بعض الطبقات الاجتماعية. بينما في بلاد أخرى لم يتوطد هذا العرف أو هذا الاستعمال. فهناك بيئات شجعت على استعمال الحجاب وبيئات أخرى أظهرت مقاومة لاستعماله. ونترك هنا للتحليل التاريخي والاجتماعي ليعطي أسباب هذه الفروقات. وهدفنا أنْ نستعيد تاريخ النظريات المحمدية التي سيّرت مراسيم المناقب والأخلاق الإسلامية.

ويخلص منصور فهمي من حديثه عن مسألة الحجاب فيقول:" وخلاصة القول أنذ الدين الإسلامي والشريعة لا علاقة لهما (على الأقل مباشرة ) في الدعوة إلى استعمال الحجاب. فالأنظمة التي تلتزم بالحجاب واقعة تحت تأثير التقاليد، هذا إذا امكننا أنْ نميز ونوضح بدقة في العالم الإسلامي بين التقاليد والأديان. وتاريخ الديانة الإسلامية يشهد على صعوبة التمييز بين وجهة نظر اجتماعية ووجهة نظر دينية محضة. فالإسلام هو دين ودنيا إذ نظم حياة المؤمنين في أدق التفاصيل ولكن في فترة تطوره التاريخي. أرغم الإسلام على أنّ يتأقلم مع الضرورات الاجتماعية والأوضاع المتناقضة للواقع الإنساني.

وعندما يسألون عن تبرير استعمال الحجاب يتحصن المسلمون وراء ميثاقهم - الإتفاق أو الإجماع " ووجهة الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج .. وميثاق المسلمين هذا يتدرّع به كجوهر أساسي في الدين ليعطي ثقلاً قانونيًا لمؤسسة الإسلام.. وإن اعتبرنا الأشياء من وجهة نظر التقاليد ودافعنا عن فكرة الحجاب كنقطة جوهرية في الدين الإسلامي فإنّ ذلك يعني أننا لا نتحدث عن دين قابل للتغير والتطور. فالركيزة هنا هي إجماع المسلمين. ومن المستحسن أنْ لا نضيع وقتنا بجدل عقيم ودائرة مفرغة ولنسمي الأشياء بأسمائها ونقول إنّ الحجاب هو حصيلة التقاليد وليس الدين.

وهناك موضوعات يطول شرحها في الكتاب تطرق إليها منصور فهمي مثل قضية: العبودية في القانون.. العبودية في التقاليد والوقائع.. تأثير العبوديّة على وضع المرأة.. المرأة ومبادىء القانون الإسلامي وتأثيرها الممارس على النظام الأبوي عند العرب.. المرأة وقانون الوراثة.. عجز المرأة أمام القانون.. القبول أو المواففة.. الشروط الواردة التي يمكن أنْ تذكر في عقد الزواج والحقوق والواجبات المتبادلة بين الأزواج.. الطلاق أو فصم العلاقات الزوجية.. المهر – الدوطة.. وهلم جرا..

وعندما يلقي منصور فهمي نظرة تاريخية على المجتمعات الإسلامية يلاحظ أنّ المرأة كانت أكثر تعرضّا للقمع والعبودية في المدن. فقد كان الوفود الغزير للنساء السبايا (أى الأمات) على هذه المدن بعد الفتوح قد قلب بنية المجتمع العربي رأسًا على عقب بعد ظهور الإسلام . لماذا؟ لأن وجود المرأة " الحرة " سوف ينظم على أساس أنّه مضاد لوجود المرأة " العبدة " ( أو الجارية كما كانوا يدعونها في اللغة العربية الكلاسيكية). وهكذا راح الرجال يشبعون كل رغباتهم ونزواتهم مع الجارية، وأما نساؤهم الحرائر فتنحصر وظيفتهن في إنجاب الأطفال. ونلاحظ في المجتمع العباسي أنّ الجواري كن أكثر ثقافة وحرية من النساء المدعوات حرائر! وكان الرجال يطلبون الجواري، بل ويتهافتون عليهن. هذا فيما يتعلق بالماضي.

ثم يؤكد منصور فهمي فيقول:" ومن الوهم أن نعتقد بأنّ عدم مصارحة التاريخ أو التحايل عليه سوف يؤدى إلى تقدّم قضية المرأة. فمنصور فهمي يبين بكل وضوح أنّ " التاريخ وتدهور الديانة الإسلامية " هما اللذان أديّا إلى خضوع المرأة لعبودية جديدة. ثم يضيف المؤلف قائلاً: " ولكن على الرغم من وضعها الأدنى من الناحية النظرية، فإنّه كان للمرأة وجودها الخاص بها، وكانت تتكلم، وتفكر، وتتحرك…. وإذا ما قارنا بين وضع المرأة في المجتمع الإسلامي الأولي وبين وضعها في المجتمع الإسلامي المعاصر أدركنا الفرق الشاسع وأصابتنا الدهشة حقّا. ويحق لنا أن نردد هنا جملة الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان التي يقول فيها: " إنّ المرأة العربية في عهد محمد لا تشبه إطلاقًا هذا الكائن الغبي الذي يملأ حجرات الحريم لدى العثمانيين! ". فشتان ما بين البارحة واليوم".

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للدكتور منصور فهمي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

......................

1- منصور فهمي: أحوال المرأة في الإسلام .. (كتاب)..

2- محمد عبد الرحيم: منصور فهمي صاحب «أحوال المرأة في الإسلام»: محاولة التثوير الفكري ومصيرها البائس .. مقال بالقدس العربي.

3- محمد حربىّ: مكانة المرأة في الأدب - نحو تحرير المرأة .. مقال .

 

كاظم الموسويأخبار العراق كثيرة، تتصدر نشرات الأخبار والصحف والإذاعات والفضائيات ولا تسرّ الصديق ولا تفرح الرفيق. صحيح التخلص من الاستبداد والدكتاتورية أمر مفروغ منه، ولكن التفكير ببديله، هو الأمر الأهم، فما جاء به وبعده متواصل معه أو أسوأ منه. مهما كان الاحتلال لا يمكن أن يكون مرغوبا حتّى لمن أراده ورغب به أو تخادم معه أو لأسبابه. لقد تمّ كلّ شيء والشعب العراقي مغيب عما يحدث ويجري. تمّ فتح الأبواب على مصراعيها لقوات احتلال وغزو وهيمنة استعمارية، لا يهمها ما يحصل بقدر ما تريد هي لمصالحها وأهدافها ومشاريعها.

كنت زائراً دمشق في تشرين اول/ اكتوبر 2003 ومنها فكرت بزيارة الأهل والسفر إلى العراق بعد غياب طال أكثر من ثلاثة عقود زمنية. فذهبت مع نسيبي إلى منطقة السيدة زينب حيث كراجات الحافلات المتوجهة إلى العراق. قبل أن نصل إليها دعانا أصدقاء عراقيون يجلسون في مقهى مفتوحة على الشارع العام. جلسنا معهم وبدأت الأسئلة والآراء حول الوضع وطرق السفر.. فتم إقرار مقترح السفر عبر الطيران إلى القامشلي ومنها إلى الموصل أوّلا.  ومن ثمّ بغداد. قبل ترك المقهى بادر أحد الحضور، وقد عرفنا من تصرفه أنه ضابط سابق في الجيش وله علاقات واسعة بالاتّصال بصديق آخر عراقي يقيم هناك. وأخبره عن الفكرة فشجع عليها، وكتب لي رقم هاتفه وقال لي أنه سيستقبلك ويذهب معك إلى محطة السيارات المتوجهة إلى العراق وهو يعيش هناك ويعرف المدينة جيداً وله صداقات، ففرحت بالأمر للاطمئنان والتأكد من سلامة الطريق وراكبيه. وكانت الأخبار تفيد بضرورة الحذر من السرقات والخطف وغير ذلك إذا عرفوا عن المسافر الغريب. أخذونا إلى مكتب طيران صاحبه لقبه كلقبي وأعطانا سعراً خاصاً للتذكرة على أساس المعرفة والقرابة وبعد الترحيب ودعوة شرب قهوة عنده، دفعت الثمن وحملت التذكرة وعزمت على التهيؤ للسفر. صدفة قبل أن نعود إدراجنا كان مكتب طيران عند تجمع سيارات النقل المتجه إلى مركز العاصمة، فذهب نسيبي يسأله عن أوقات السفر إلى القامشلي والتكلفة فعرض عليه عرضاً أقل من صاحبنا/ أقربائنا بربع سعر التذكرة. ضحكنا وقلنا .. أهذه البداية؟

في اليوم المقرر حملت حقيبتي القديمة حسب التوصيات واتّجهت إلى المطار. في المطار إعلان عن رحلتين إلى القامشلي بوقت متقارب، بينهما نصف ساعة، وعرفت من رقم الرحلة أن تذكرتي محجوزة على الثانية، وما أن صعدنا وجلسنا دون أرقام وحشر كالسردين أو كسيارات النقل الداخلية، صعد شباب بأزياء عسكرية أو من موظفي الطيران وطلبوا منا النزول من الطائرة، ونزلنا لنجد حقائبنا على الأرض ووقفنا بالانتظار وصدر الأمر بأخذ كلّ مسافر حقيبته ويقترب الى جهتهم، فسحبت حقيبتي واتّجهت إليهم اخذوها مني وأشاروا لي بالتوجّه من جديد للصعود إلى الطائرة.

وصلنا القامشلي واتّصلت بالأخ العراقي المقيم هناك، فأخبرني بطريقة الوصول إليه، وبحثت عن سيارة تاكسي من المطار، لم أجد غير السيارات الصغيرة التي تستخدم للحمولة، سالت أحد سواقها فرحب بإيصالي. بتّ ليلتي مع أحاديث شجية عن أوضاع الوطن وعند الصباح أوصلني المضيف إلى محطة السيارات (كراج) المتجهة إلى العراق، الموصل أساساً. ووجدت سائقا يصيح; نفر واحد.. فاتجهت إليه وسألته عن إيصالي إلى العنوان في الموصل. فرحب وأخذ مني خمسة عشر ألف دينار عراقي وفي الطريق تبادلنا أحاديث منوعة لقضاء الوقت، فتبين أنَّ الراكبين الآخرين، شاب وشابة، طلبة دراسات عليا ومتزوجان من أسابيع، ومن المعارف، فاصرا على النزول عندهما ويقومان بتوصيلي بعدها.. اعتذرت منهما واستمريت إلى العنوان، وذكرا لي بأنّهما دفعا أُجرة السيارة وهو يتحرك بعيدا عنهما، ولم أنصت لهما أو انتبه للأمر، ولما وصلت استقبلت من الأقرباء عند العنوان ودفعوا له الأجرة أيضاً، كما عرفت فيما بعد، أي أنَّ السائق أخذ ثلاث مرات أُجرة إيصالي بكلّ صلافة وفقدان ضمير أو شكل من نظافة سلوك في التعامل. أذكر ذلك لتسجيل الفداحة في الطباع التي صنعها الحصار ودمر كلّ الأخلاق والمعاملات الإنسانية.

كتبت عند عودتي عدة مقالات. هذه منها، وهي تعبر عن الأوضاع التي آلت إليها البلاد. بعنوان: جريدة الشارع العراقي.

"للشارع العراقي جريدته المميزة، رغم عديد الجرائد ووسائل الإعلام الجديدة فيه. ولها تاريخها المشهود وفيها ما لها من جرأة وعليها من قوة وقدرات لم تبلغها مساحة أو هوامش الانفتاح الإعلامي في أية فترة من فترات التاريخ السياسي بالعراق. ففي العهد السابق حيث لا وسائل إعلام غير ما إرادته الدكتاتورية البغيضة ورسمته أو قننته في إطار منهجها الشمولي الأحادي الاتّجاه المنصب رئيسيا في خدمة النظام وسياسته الإرهابية القمعية المعروفة، كان رأي الشارع موجودا، حتّى ولو بصوت خافت، معبرا عن موقفه وتوجهاته العامة، همسا أو عبر مختلف الوسائل والأساليب، أبلغها ما كان بين السطور من الطرائف والنكات والحكايات الساخرة من أزلام النظام وأركانه، أو في الشعارات أو الجمل الوافية التي تكتب على الحيطان للعلن وللعامة وللرأي العام الذي يشعر بأنها لسان حاله أو إشارات عن ما يمور بخاطره أو في عميق أفكاره.

هذا الصوت أو الجريدة رغم اختلاف الصورة اليوم بالعراق نوعا ما عما كانت عليه، بعد أنْ صمتت صحف النظام السابق المحدودة العدد والمعروفة الجهد والصدد ونهبت ممتلكاتها وصدرت بدلاً عنها صحف كثيرة وبادلتها وسائل إعلام متنوعة ومختلفة وظهرت مسميات عديدة لأحزاب ومطبوعات وإصدارات بأسمائها، تظل لها سمتها الخاصة ولغتها العامة.

من بين كلّ ما يمكن تعريفه بجريدة الشارع أو الرصيف، أقدم قراءة مصورة من عنوان باسم جريدة الرصيف سجلتها يد بخط واضح على جدار بناية حكومية هدتها صواريخ توماهوك كروز أمريكية في وسط بغداد، انقلها كما كتبت واضع توضيحا لها بين قوسين للقارئ الكريم:

تحت عنوان إحصائيات ورد:

105 حزب معلب مستورد.

110 جريدة جذب (كذب)

100 منظمة فرهودية

200 حركة بلا بركة

300 جمعية حرامية

400 جبهة طينية

500 اتّحاد + اتّحاد عاطل

600 مقر سلب ونهب ديمقراطي

و 700 عليهم

وفي عمود آخر سجل ما يلي:

مطلوب رئيس جمهورية

أوّلاً: عادل

ثانياً: نزيه

ثالثاً: متواضع

رابعاً: فقير

خامساً: رؤوف عطوف

سادساً: مو حرامي (ليس حرامياً)

سابعاً: كريم جواد

ثامناً: شجاع ما يفلت (لا ينهزم، لا يهرب)

تاسعاً: لا يعلق صورة له على الجدران

وفي صفحة أو عمود آخر ما يلي: مجيئه كارثة، بقاؤه كارثة، رحيله كارثة.

هذه نماذج مسجلة ومثبتة أمام أعين الناس، وهي صفحة من صفحات جريدة الشارع العراقي التي تعبر عن مشاعر الرأي العام عموماً، ولعل ما وضع من تعليقات على شعارات ولافتات أحزاب وأشخاص دخلت العراق مع قوات المارينز أو لبست لباسها هي الأخرى صفحات أخرى من تلك الجريدة.

وفي كلّ الأحوال فأنَّ هذه الإحصائيات تقول ما لم تقله الصحف أو وسائل الإعلام الكثيرة التي تصدر أسبوعياً مؤقتاً كما تسجّل تحت عناوينها وبولغ في أرقامها وأعدادها كظاهرة صحية لم تألفها حالات الشارع العراقي ولم تتكيف معها قدرات القارئ الموجهة له أساساً، لهذا وصفها محرر جريدة الرصيف على أعمدة وجدران بناية وسط بغداد مقصوفة ولما تزل شاهدة على ما حلّ وما يجري بالعراق بهذا الشكل الكاريكاتيري معبرا عن مزاجه الخاص المرهون بالمزاج العام، والموصول بالقلق والحيرة والترقب من التحوّلات التي تواكب مسيرته وموروثه التحرري وتطلعاته نحو حرية حقيقية وديمقراطية تتناسب وتاريخه النضالي وصفحات وثباته وانتفاضاته المعلومة، لا تقفز عليها أو تدعي ما يخالف نهجها.

لقد تخلص الشعب العراقي من عهد سابق واختنقت دمعة فرحه بحدقات عيونه ليجد أمامه عهداً لم ينتظره أو يختره، بل وجد احتلالاً أسوا من الدكتاتورية وأشد وقعاً في حياته اليومية. حيث حول الاحتلال شوارعه ومدنه إلى مجمعات عسكرية مسورة ومحاطة بالأسلاك والحواجز ونقاط التفتيش والمداهمات واستفزاز الأباتشي ومصفحات وناقلات الجنود، إضافة إلى الإعلان عن مشاريع بيع ثرواته علناً وبالصوت العالي لكلّ من يشتري، واستشراء ما لم يكن بحسابات الشارع العراقي أنْ تعود إليه وهو يتطلع إلى أنْ يعيش كبقية العالم في بدايات قرن جديد وعهد آخر. ولم توفر السلطات التي نصبتها قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني، كما تذيعها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لحدّ اليوم في نشراتها الإخبارية، للمواطن العراقي بديلاً حقيقياً وتضع له آمالاً جديدة، بل وضعته في دوامة جديدة واستبدلت كابوس الإرهاب والتسلط السابق بالفلتان الأمني وسراب الوعود والهموم المتوالدة من سمات النماذج البديلة. فضلا عن وضعها أسساً تتناقض مع برامجها السياسية والفكرية التي تدعيها أو أعلنتها بجرائدها المدعومة ووسائلها المحسومة.

لم تجد جريدة الشارع العراقي أي شيء من ما يدعيه كلّ مرة جورج بوش أو توني بلير من مبررات شنّ الحرب على العراق أو الأهداف التي يريدانها للشعب العراقي. حتّى المنظمات الدولية لم تعط العراقيين من برامجها أو مواثيقها ما يمنحهم مزيدا من الثقة بها، على العكس قدمت المنظمات الدولية ازدواجية معايير تماهت بها مع مخططات السياسة الإستراتيجية المرسومة لمستقبل العراق والمنطقة بل خدمتها أكثر من وظائفها مما وضعها بصف قوات المارينز الأمريكان أو العراقيين التي أوصلت حالة الشارع العراقي إلى حافات الغضب والاحتجاج، والأمنيات إلى تصورات بعيدة المنال.

جريدة الشارع العراقي عبرت بلغة واضحة عن تغير المشاعر من الفرح من التخلص من الكابوس إلى الحزن على الدخول بكابوس آخر ونفق لم تر منه بصيص ضوء قريب، وهي صفحة أخرى من معاناة الإنسان بالعراق، وغياب دوره بالمنطقة والعالم.

قراءة ما تنقله الجريدة من تساؤلات عيون الناس المارة بالشارع، أو المشرأبة إلى مستقبل واقعي بلا احتلال أو قوات مارينز أو بلا سجون جديدة وحرس صهيوني تقدّم صورة عن واقع الحال العراقي اليوم بعد الاحتلال الذي شرّع قانوناً وتسميه قواته العراقية تحالفاً وتحريراً. جريدة الشارع العراقي تريد وطناً حرّاً ديمقراطياً يمتلك الإنسان فيه حقوقه وكرامته وثرواته ويعمل بأمن واطمئنان لمستقبله ويعيش بسلام في وطنه، وتظل هي الناطقة حقّا بصوته رغم كثرة الصحف والأحزاب المشغولة بدوافعها ومصالحها البعيدة عن جريدة الشعب والشارع العراقي".

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد عليفي السادس والعشرين من مارس سنة 1959 فقدت مصر، بل فقد  الوطن العربي، علماً من أعلام الفكر، ورائداً من رواد النهضة الحديثة، وهو الدكتور منصور فهمي .لقد كان رحمه الله فيلسوفاً عميق التفكير، وأديباً مرهف الحس والشعور، وباحثاً واسع الاطلاع علي تراث السلف الأدبي والفلسفي، وعلي وسائل النهضة الأوربية الحديثة، وداعياً من دعاة الإيمان بالله، وحب الوطن، وطلب العلم، والإصلاح الاجتماعي، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، ولا يجهل أحد من أدباء الجيل الحاضر تلك الشخصية الفذة التي مثلت أجمل تمثيل جانب النبل والمروءة والصلاح والخير في جيلها وذلك علي حد قول مصطفي الشهابي.

قال عنه أستاذنا الدكتور بيومي مدكور :" عرفت الفقيد الكريم منذ ربع قرن أو يزيد . عرفته أستاذا وعميداً، مجمعياً وزميلاً، محاضراً وخطيباً، كاتباً وباحثاً، محدثاً ومناقشاً، عرفته فعرفت فيه حماساً بالغاً لما ارتضته نفسه واطمأن إليه هواه . ولم يضعف هذا الحماس في شئ تقدم السن ولا مرور الأيام . حتي لقد كان يقف في شيخوخته  مواقف تعز علي بعض الشباب . عرفته فعرفت فيه التصويب إلي الهدف والحرص علي الغاية . إن تعلق بأمر سعي إليه ما وسعه، وقصد إليه من مختلف جهاته . عرفته فعرفت فيه السباق إلي القول والراغب في مخاطبة الجماهير. ولا يتردد في أن يرفع الصوت جهرة إن حانت الفرصة أو دعا إلي ذلك داع. عرفته فعرفت فيه قوة العارضة والمثابرة في الدفاع عن الرأي . وكم سمعته يدافع عن وجهات نظر معينة، دون أن يمل تكرارا أو يخشي لججا في الخصومة . عرفته فعرفت فيه أخيرا العربي المستمسك بعروبته، المدافع عن أمجاده.

كما قال عنه محمد توفيق دياب بأنه :" شخصية جليلة عزيزة .. عاشقة للغة العربية .. كان يغضب إذا غامزها غامز، كما يغصب للشرف إذا أُهين وللدين إذا مس، فهو في ذلك إنسان محتدم العاطفة، مشوب الحماسة، شديد الحساسية .. لقد عرفتك منذ خمسين عاما أيام طلب العلم في بلاد الغرب . عرفتك ثم صادقتك ثم سعدت بإخائك، لم أخف عليك شائبة، ولم أعرف لك انحرفا عن طريق الخير والحق والكمال، وإنك لتسمع اليوم كلماتي المقصرة العاجزة، ولكنك تمس اخلاصي واخلاص المجتمعين لتحيتك . وعما قريب سألحق بك، وتهنأ روحي المتواضعة بلقاء روحك العالية، وكل آت قريب.

وحول فلسفته حاول محمود تيمور فى كتابه "ملامح وغصون" الربط بـين حيـاة منصور فهمى وأفكاره الفلسفية؛ فهو يري" إن حياة منصور فهمى ونفسيته موصولة أوثــق الاتصال بمـا يدرسـه من الفلسفة وقواميسها ولاسـيما الجانب الأخلاقي منها ... فقد دارت فلسفته حول محور الخيـر والشر فى طبيعـة البشـر، ومـدى اسـتطاعة الإنسان أن يكثـر من الخير ويتجنب الشـر بما يتمسك به من أصول الأخلاق.

ويوضح طـه حسين الذى كان بينه وبين منصور فهمى مناظرات ومساجلات  فى القسم الخامس من كتابه "من بعيد" أثر ثقافـة منصور فهمى الفرنسية ودراسته الفلسفية الاجتماعية فى كتاباته، مبينا تأثره بفريقين من الفلاسفة: فلاسفة القرن الثامن عشـر فى فرنسا، وفلاسـفة الاجتماع فى أواخر القرن الماضي وأول هذا القرن:  روسو صاحب الشعور الدقيق والعواطـف الحـارة والمزج المضطرب والخيـال الخصب، ودوركـيم صاحب العقـل المستقيم والمـنهج العلمي الدقيق. يقول طه حسين: "لو أنني أردت أن أحدد تأثير روسو فى خطرات منصور فهمى لأشرت إلى هذا الطموح الظاهر إلى مثـل أعلى من الخير يلتمسه منصور كما كان يلتمسه روسو فى الطبيعة الحرة الساذجة التي لم تفسدها الحضارة".

ولد منصور فهمي في متنصف العقد التاسع من القرن التسع عشر في تلك الفترة من تاريخ مصر الحديثة المليئة بالألآم والآمال . ويمكن أن نقسم حياته إلي مرحلتين واضحتين كما قال الدكتور إبراهيم مدكور : مرحلة الإعداد والنشأة، ومرحلة النضج والإنتاج . وامتدت المرحلة الأولي إلي نحو الثلاثين سنة بداها بالالتحاق بمدرسة المنصورة الابتدائية علي مقربة من مسقط رأسه . وانتقل بعدها إلي القاهرة لمتابعة دراسته في مدرسة فرنسية حرة حصل فيها علي شهادة الدراسة الثانوية سنة 1906 واجتذبه الفقه والتشريع، فالتحق بمدرسة الحقوق دون أن يمكث فيها طويلا . ذلك لأن الجامعة المصرية القديمة أعلنت عن بعثة للفلسفة إلي جامعة باريس، فتقدم لها، وفاز بمسابقتها.

وسافر سنة 1908 إلي أوروبا حيث قضي خمس سنوات نهل فيها من حياض العلم والأدب، فلم يقنع بالدراسات الفلسفية التي سافر من أجلها، بل ضم إليها بعض الدراسات العلمية كالجغرافيا الطبيعية، والفسيولوجيا، وعلم الأجنة ، وكأنما شاء أن يستكمل وسائل منهج الدراسات الاجتماعية التي كانت سائدة في السربون حين ذاك . وتتلمذ لأكثر من عالم وفيلسوف . وتأثر خاصة بـ" ليفي بريل" أحد أقطاب المدرسة الاجتماعية الفرنسية في أوائل هذا القرن، وكللت دراساته بالنجاح وحصل علي شهادة الدكتوراه .

ولم تصرفه قراءاته الأجنبية عن مصادر الثقافة العربية التي نهل منها في طفولته وشبابه واستمر يرجع إليها طول حياته . فتوفرت له بذلك ثقافة شرقية وأخري غربية . وأجاد الفرنسية اجادته للعربية وألم بقليل من الإنجليزية والفرنسية . وكل تلك أدوات صالحة للبحث والدراسة . وكل تلك أدوات صالحة للبحث والدراسة . وأتيح له قبل عودته إلي مصر أن يطوف ببعض بلاد أوروبا فكانت الرحلة كتابا آخر أفاد منه إلي جانب ما درس وقرأ .

وقبل أن أنتقل إلي المرحلة الثانية من حياته، لا بد لي أن أشير إلي حادث رسالته للدكتوراه وكان موضوعها :" مركز المرأة في الإسلام La condition de la femme dans l`Islamisme وكان طبيعيا أن يختار موضوعا كهذا في جو تحرير المرأة المصرية في ذلك التاريخ الذي تزعمه قاسم أمين وزملائه . إلا أن إدارة الجامعة التي أوفدته رأت أنه جري علي قلمه عبارات تتنافي واحترام التقاليد الدينية . وسعت جاهدة إلي منع تقديم رسالته ز ولكن منصور فهمي الشاب أبي عليه حماسه إلا أن يسير في الشوط حتي النهاية . فنوقشت الرسالة، ونال عليها أعلي درجات الشرف.

قدّم منصور فهمي أطروحته للدكتوراه إلى جامعة السوربون في ديسمبر/كانون الأول 1913، تحت عنوان «حال المرأة فى التقليد والتطور الإسلامي»، التي صدرت بعدها في كتاب بالفرنسية بعنوان «أحوال المرأة في الإسلام» ــ لم يُترجم حتى عام 1997، وصدر ضمن منشورات دار الجمل. ترجمة رفيدة مقدادي ــ والموضوع كان في ذلك الحين حديث الساعة، فقد كانت المرأة ترسف في أغلال ثقيلة من الحجاب، لم تكن مفروضة عليها من الدين نفسه، ولكنها كانت أثراً من آثار التقاليد في العصور المتأخرة من حياة المسلمين، ورأي أحرار الفكر؛ وعلي الطهطاوي وقاسم أمين صاحبا الفضل في تحرير المرأة، وصاحبا الفضل في إنشاء الجامعة المصرية، أن نهضة الشرق وبعث المسلمين لا يمكن أن يتم إلا بتحرير المرأة . ولقي احرار الفكر المنادون بهذا التحرير معارضة من انصار التقاليد المتمسكين بها، وأصيب قاسم أمين برذاذ من هذه المعارضة.

كما أصيب منصور فهمي أيضا ؛ وليس أدل علي ذلك من أنه وقبل مناقشته الرسالة بأيام ورد إلى الجامعة المصرية تقرير يقول إنها رسالة معادية للإسلام، كما إنها تحت إشراف أستاذ يهودي ـ المقصود ليفي برول ـ عندئذ طلبت إدارة الجامعة منه تأجيل المناقشة، إلا أنه لم يستجب، ونوقشت الرسالة فى موعدها المحدد، بعدها عاد إلى مصر، لتكون في استقباله حملة شنتها صحف السلطة والأزهريون والسياسيون الرجعيون ضده، وكانت الاتهامات الموجهة إليه أنه ملحد وعدو للدين ومفسد للشباب وذيل للمؤامرة اليهودية على الإسلام. وفي النهاية وجد نفسه مفصولاً من الجامعة المصرية.

وأبعد من منصبه وظل مبعداً عنه ست سنوات، ولم يعد إلي منصبه إلا في عام 1920 ولم يجد الرجل سوى الاختباء في قريته حتى قيام ثورة 1919، ليحاول بعدها العودة إلى الجامعة، لكنها كانت عودة مشروطة بأن يعتذر، أو بمعنى أدق يُعلن توبته عما اقترفه عقله، فأذعن قائلاً «يظهر أنني انحرفت قليلاً، حيث كانت معلوماتي عن الإسلام طفيفة، وحين قوبلت في مصر بضجة كبرى ازددت عناداً، ثم كتب الله أن أجلس طويلاً مع بعض مشايخ العلماء من ذوي الأفق الواسع والصدر الرحيب، فبدأت أخلص من الزيغ لأعود إلى حظيرة الدين والحمد لله». حتى أنه انتقد أطروحته بعد ذلك في عدد من المقالات نشرها في بعض الصحف والدوريات.

وعندما عاد إلي عمله ظل يدرس الفلسفة إلي أن تحولت الجامعة المصرية إلي جامعة حكومية، وأصبح أستاذا مساعداً، ووكيلاً لكلية الآداب، ثم عميداً لها، ولم يترك العمادة إلا ليشغل منصب مدير دار الكتب، ثم اختير مديراً لجامعة الإسكندرية، وبقي بها حتي أحيل إلي المعاش سنة 1946.

وفي سنة 1933 اختير عضوا بالمجمع اللغوي، وفي العام التالي أصبح كاتب سر المجمع، وظل في هذا المنصب إلي أن اختاره الله لجواره سنة 1959... وللحديث بقية

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

......................

1-  دياب، محمد توفيق: المرحوم الدكتور منصور فهمي، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مجمع اللغة العربية، ج14، 1962.

2-أحمد عبدالحليم عطية: فهمى "منصور" والتأسيس للأخلاق الإجتماعية، أوراق فلسفية، ع 51، 2016.

3- محمد عبد الرحيم: منصور فهمي صاحب «أحوال المرأة في الإسلام»: محاولة التثوير الفكري ومصيرها البائس .. مقال بالقدس العربي.

4-الأهواني، اكرام أحمد فؤاد: منصور فهمي، مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة - كلية الآداب، مج 19، ج2، 1957.

 

 

عبد الحسين شعبانالمكان زمان سائل والزمان مكان متجمد

ابن عربي

حين سمعتُ خبر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفيروز الكبيرة قبل لقائه المسؤولين، استعدت ما كتبه قبل عقد ونيّف من الزمان عن "شارل مالك الكبير ولبنان الصغير"، ففي زمن الفواجع الكبرى يلجأ الإنسان عادة إلى الرموز الفكرية والثقافية الجامعة للتخفيف من هول الصدمة وحجم المأساة، وهو ما حاول الرئيس الفرنسي استخدامه بذكاء شديد خلال زيارته الثانية بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) 2020.

وبغض النظر عن طبيعة الزيارة السياسية وأهدافها، لكن ذهاب حفيد غورو إلى زيارة فيروز بتوجهه من المطار إلى منزلها مباشرة له أكثر من دلالة، ففيروز تمثل بهالتها وكبريائها وشموخها وإبداعها وصوتها كل لبنان بتنوّعه وتعدديته وموزائيكه وألوانه وفسيفسائه، وهو ما نقصد به من تعظيم للجوامع واحترام للفوارق .

لقد عرف ماكرون كيف يحرّك مشاعر اللبنانيين، بل العرب أجمع الذين ظلّت عيونهم تتطلّع نحو بيروت الثقافة والصحافة والأدب والكتب والحرية والجمال ومقاهي المثقفين والمنفيين والمتمردين وجامعاتها وكنائسها وجوامعها، حيث التعايش والاجتماع الإنساني الحاضن للمواطنة والاختلاف، فضلاً عن جوار الأضداد أحياناً بين الديني والعلماني والمسلم والمسيحي بطوائفهم المختلفة في هارموني عجيب.

مرّتان خلال العقود الأربعة الماضية شعرت أن يداً غادرة تحاول العبث بذاكرتي البيروتية، تلك التي تكوّنت منذ ستينيات القرن الماضي.

الأولى- يوم وقع العدوان الإسرائيلي على لبنان في 4 حزيران (يونيو) العام 1982، حين توغلت الدبابات الإسرائيلية لتحتل العاصمة بيروت، ويومها كانت المدينة غارقة في حرب أهلية استمرت لنحو 15 عاماً (1975-1989). شعرت وقتها أن جزءًا مني كان قد تحطّم بالحرب وانتزع جزءٌ آخر بالعدوان.

والثانية- يوم وقع انفجار مرفأ بيروت، الذي هزّ المدينة بالصميم فتخلخل ما تبقى منها، فبيروت موشحة بالحزن والهموم وترزح تحت أزمات لا حصر لها: الكهرباء والماء والبنزين والمازوت والنفايات والمصارف وأموال المودعين وانهيار سعر الليرة اللبنانية ووصول نحو 55% من المجتمع اللبناني إلى دون خط الفقر، وزاد الطين بلّة اجتياح وباء كورونا (كوفيد 19) ونقص الاستعدادات والتجهيزات والإمدادات الطبية.

حين تفكر ببيروت فمن الصعب عليك أن تفرّق بين البشر والشجر والحجر، لأنها مشغولة بطريقة عجيبة فهي مدينة متداخلة ومتفاعلة ومتراكبة وخيوطها مترابطة ونسيجها يصعب فك أسراره، مثل جغرافيتها وتضاريسها وهويّاتها وظلالها وجنونها، إنها اليوم في لحظة مفارقة فإمّا اللون والرائحة والإيقاع والصوت وفيروز وإما الانكفاء والعزلة والقنوط والتآكل.

لكن الركود والخمول والخنوع ليسوا من صفات بيروت التي نعرفها والتي ما إن تكبو حتى تنهض تحت الرماد مثل طائر الفينيق لتحيل الحزن إلى فرح والكدر إلى بهجة والكآبة إلى أمل والظلمة إلى نور، فهي أم الشرائع التي علّمت البشرية أبجديات الحرف وفيها روح التاريخ وحدائق اللغة وعنفوان التمرد.

حين كرّمتني الحركة الثقافية في انطلياس في العام 2017، وكعادتها الطلب من المكرّم منذ أربعة عقود أن يتحدث في حفل التكريم، وهو برعاية رئاسية، عن مشروعه الفكري أو منجزه الثقافي أو دوره الأكاديمي أو الاجتماعي أو مساهماته في الحياة السياسية والوظيفية أو عن كتبه ومؤلفاته ونشاطه، لكنني طلبت من الجهة المنظمة والأستاذين أنطوان سيف وعصام خليفة أن أتحدث عن ذاكرتي وأرخبيلات العشق البيروتية، وهي جزء من ذاكرة جيل الستينات لمدينة الدلال والغنج والورد وشذا الربيع والياسمين والنور.

إذا كان لكل امرأة رائحتها ولكل بحر لونه ولكل قصيدة نكهتها ولكل مدينة عطرها فبيروت اختلطت فيها الرائحة واللون والنكهة والعطر في هارموني بحيث يمكنك أن تتنفسها وكم راودتني عن نفسي لأفضي بسرّها وسحرها، وأنا أسمع صوتها وأشم رائحة بحرها، الذي اغتسلت بمائه حوريات البحر.

- II -

لا أستطيعُ استعادةَ ذاكرتي الطّفليةِ المكتظّة بصور مختلفةٍ ومتنوّعةٍ دون أن تشعَّ في إحدى زواياها بيروت بكل رمزيّتها وصباها، تلك التي شكّلت بين تقاسيمِها أغاريدَ شرودي الملّونة وروح تمرّدي الأول، خصوصاً وأنّني ترعرعت في بيئة معاندةٍ كانت جاهزةً ومتفاعلةً ومنفعلة باستشراف الجديد واستقبالِ الحداثةِ والتّطلّعِ للتغيير.

هكذا بدأتْ ترتسمُ ملامحُ بيروت الجمال والمدى والتنوّع الثقافي والاجتماعي وكأنّني في فسيفسائيّة تختلطُ وصورة "النجف السعيد" أو ما يكنّى بـ "خدُّ العذراء"، حيث يستلقي الشّعرُ متنفِّساً المدينةَ المحافظةَ التي تآخت مع التمّرد، حتّى تفّجر "الفكرُ المنفتحُ في المجتمع المنغلق" على حدّ تعبير السيد مصطفى جمال الدّين.

كنّا نجدُ في بيروت الستينات كلَّ شيء: المقاهي والكُتُب والملابس والصديقات الجميلات وأغاني الحب والسينمات والمسارح والموسيقى... وكلّ ما له علاقة بالتمدّن والتعايش، حيث شارع الحمرا وساحة الشهداء "البرج" وساحة رياض الصلح وبناية العازارية والروشة وسوق الطويلة وسوق سُرسق وفندق اليلدزلار وفندق نابليون ومقاهي الدولشفيتا والويمبي والمودكا والهورس شو والإكسبرس وستراند والألدورادو والروضة ودبيبو ومسرح قصر البيكاديللي والتياترو الكبير وتياتر بيروت والمسرح الوطني "مسرح شوشو" وسينما روكسي ومتروبول والأمبير و الريفولي والراديو سيتي والأوديون وغيرها...

- III -

وإذا كان الإبحارُ في ما نصبو إليه ومضةً بارقةً سرعان ما تنتهي وقد يبقى شيءٌ من كلّها في ذهنِك أو لا يبقى، حيث تكونُ اليقظةُ قد بدّدت طيفها الخاطف بعد أن تلاشى، لكنّك في حضرة بيروت تصحو مبتدئاً مع مخيّلةٍ جديدة ممتدّة وأنتَ في انخطافٍ موجودٌ، لكأنَّ أنوثة "المدينةِ الإلهة"عادت حلماً يستمرُّ، لطالما عاشَ معي وتغلغلَ في كياني وتنامى مع توجّدي، فقد سكنتني يقظةُ بيروتُ الهاربةُ إلى ليلي حتى قبلَ أن أسكنها، رغم أنّ صدمة الحرب الأهلية (1975-1989) كانت عميقة التأثيرِ وموجعة في نفسي لكنّني بقيتُ على تواصل و بيروت المتّشحة بغيابات كأنّي أشاجيها وأنا: "أرحل عن شوارعها/ وأقولُ مع محمود درويش: ناري لا تموت/ شكراً لبيروت الضّباب/ شكراً لبيروت الخراب/بيروت خيمتنا الأخيرة...". وقد امتدّت روحي عبوراً إليها حتّى تدفّقت أسوار الدم جاهزةً بيننا حينما قتلوا "امرأة كانت تدعى الحرّية"عشيةَ الحرب الأهلية.

وأستطيع القول إنّني عشتُ المدينة بكلِّ جوارحي لستةِ عقودٍ من الزمان، أي مذ عرفتُها في مطلعِ الستينات من القرن الماضي، وكنتُ أتردّدُ إليها باستمرار بما فيها فترة دراستي في أوروبا في مطلع السبعينات وحتى خلال الحرب الأهلية.

كنتُ أبحثُ في المدينةِ عن المختلفِ واللاّمألوفِ من الكتب و الصحفِ إلى المغايرِ واللّا تقليدي من الأفلام، فأجدُ متعتي في هذا التنوّعِ المتجانسِ والاتّساقِ المتمايز، وفي التعدّدِ والوحدةِ وفي طريقة الحياة اللبنانية، وكان شغفي الصّيفي في ستينات القرن الماضي وأنا أزورُ لبنان أن أجلس في مقهى "الشامات" في بحمدون لأبدأ قراءة الصحفِ اللبنانيةِ الرائدة مثل: "النهار" و"النداء" و"الحياة" و"المحرّر" وغيرها، إضافة إلى عددٍ من المجلاتِ ومن بينها تلك المثيرة للجدل والاستفهام مثل مجلة "حوار" ومجلة "شعر" وغيرها.

وكلّما كنتُ أستعيدُ أجواءَ النقاش والسجال والحوار بخصوص النوافذ الثقافية والأدبية والفكرية والتوجهاتِ اليمينية واليسارية، والماركسية والناصرية، والغربية والشرقية يحضرُني ذاك الحوارُ الذي أثيرَ في أواسط العام 1954 من القرن الماضي حول "مؤتمر بحمدون" الذي دعت إليه "جمعيةُ أصدقاء الشرق الأوسط" (الأمريكية) وكانت الدعوة قد وصلت الشيخ "محمّد حسين كاشف الغطاء" في العراق "النجف" من قبل كارلند إيفانز هوبنكز "نائب رئيس الجمعية" والهدف منه - كما تحدِّد بطاقة الدعوة - دراسة القيم الروحية للديانتين الإسلامية والمسيحية وتحديد موقفهما من الأفكار المادّية الإلحادية، ولكن " كاشف الغطاء" كان قد اعتذر عن حضور المؤتمر، بل شكّك بنواياه حيثُ أرسلَ جواباً مطوَّلاً بعنوان "المُثل العليا في الإسلام لا في بحمدون"، وكان اليسار العراقي هو من قام بترويج ذلك الخطاب الذي طُبعَ على شكل كرّاس لفضحِ أهداف المؤتمر الذي قيل إنَّ جهاتٍ مخابراتية أمريكية تقف وراءه.

- IV -

وفي بيروت تعرّفتُ على الروائي غسّان كنفاني رئيس تحرير مجلة الهدف، وذلك ما قامت بتأمينه لي قيادةُ الحزب الشيوعي اللبناني، وكنتُ قد قرأتُ له بعضَ كتبهِ ودراساتٍ له في الستينات، أتذكرُ منها: تعريفُه بشعراء المقاومة، وخصوصاً محمود درويش، وسميح القاسم، وعن الأدب الصهيوني، إضافةً إلى روايتهِ الشّهيرة "رجالٌ في الشمس"، وبادرَ بإهدائي روايتَه "أم سعد"، وهي من الكُتبِ التي أعتزُّ بها، وبقيَ معي في براغ، وحين عودتي حملتهُ في حقيبتي اليدوية، ولم أضَعْه في حقائبي مع حاجياتي وكتبي التي شحنتُها إلى بغداد، وقد تمّت مصادرتُها لاحقاً مع مكتبتي وثلاث مخطوطات، كنتُ قد أعددْتُها للطبع، من قبل الأجهزة الأمنية العراقية.

استقبلني غسّان كنفاني بابتسامةٍ عريضةٍ في مقرّ المجلة في كورنيش المزرعة على ما أتذكّر، وطلبَ من المصوّر تصويري لأرشيف المجلة، وخلال حديثي معه كان أحد الصحفيين يدوّنُ بعضَ ما أقوله. لا أتذكّرُ إنْ كان قد نشر شيئاً بعد مقابلتي أو لم ينشر، لكنّه - على ما أذكر جيداً - كان يتمنّى أن تنصبَّ جهودُ الوطنيّين واليساريين لمواجهةِ العدوان الصهيوني والمخطّطات الإمبريالية.

ذكّرني الصّديق صلاح صلاح، حيث تستمرُّ صداقتُنا منذُ عقودٍ من الزمان، أنّه سمع لأوّل مرّة عنّي من غسّان كنفاني، وحتى قبلَ أن نلتقي، إضافة إلى قياداتٍ فلسطينية لاحقاً، حيث جاء اللّقاءُ الأوّل بيننا بعد ذلك بسنوات، لكننا كنّا نعرفُ بعضَنا قبل هذا التاريخ، وهو ما تناوله بشيء من التفصيل في كلمته عند تكريمي في بيروت العام 2006.

كمْ حزنتُ لفقدان ذاك المبدعِ اللاّمع وهو في ريعان شبابه وأوجِ عطائه، حيث كان قد استكمل أدواتِه الفنية ونضجت تجرِبتُه، حتّى ترصّد له جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وقامت يدُ الغدر بتفجير سيارته في منطقة الحازمية في 8 تموز (يوليو) العام 1972. رحل ولم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر، وكانت تلك واحدةً من الصّدماتِ التي صُعقتُ بها، وما عاظَمَ ألمي هو محاولة اغتيال العقلِ الفلسطيني والمثقفِ الفلسطيني والإبداعِ الفلسطيني. والفلسطينيون لم يقدّموا مناضلين ومقاومين كبار فحسب، بل "مبدعين كبار" مثل غسّان كنفاني ومحمود درويش وإدوارد سعيد وإميل حبيبي وناجي العلي، وغيرهم.

- V -

لم أكن في ذلك الحين قد اطّلعت على فكر شارل مالك ودوره الرّيادي، خصوصاً في وضع "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" عام 1948 بالتّعاون مع البروفيسور الفرنسي "رينيه كاسان" وتشينغ الصيني الكونفوشيوسي والسيدة "إليانور روزفلت"، ولكنّني حين قرأت مقدّمته "العبقرية" في وقت لاحق تأكدت أنّ فلسفته كانت وراء الصياغة المُحْكمة لتلك "المصكوكة" الدولية، وبعدها كتبتُ عنه مقالةً بعنوان "شارل مالك الكبير ولبنان الصّغير" وحين حضرتُ الاحتفال الخمسيني لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1998) وتجوّلت في قصر"شايو" في ساحة تروكاديرو (باريس)، شعرت أنّ روحَه تخيّمُ على أروقةِ المكانِ النابضِ بتفاصيله. وكنتُ قد خصّصتُ خلال العقود الثلاثة الأخيرة أكثرَ من مبحث لي وأكثر من محاضرة وإضاءة عنه.

وكما يقول جبران:

"لبنان يا أسمى المعالي لم يزلْ / لأُولي القرائحِ مصدرَ الإيحاءِ"

وطن الكفاءات الّذي أنجب كباراً في الفكر والعلم والأدب والفنّ، من صاحب "النبي" وعواصفِ روحهِ الملتحفّةِ بالتمرّدِ والنهوض، إلى رحلات أمين الريحاني المتدفّقة في حبْرهِ الحي، و"سبعون" ميخائيل نعيمة "الفيلسوف البليغ إلى أدب "مي زيادة" ورسائلها الشغوف، و"معضلة اللّغة" التي وضعت "الفيلسوف كمال يوسف الحاج" أمام معضلة القومية، وميشال شيحا المفكّر اللّبناني المتقدّم على عصره، وموسوعية البستاني وبلاغة اليازجي ومورد البعلبكي الأكبر... وكيف ننسى "حسن كامل الصبّاح" الذي حلم بحياكة ليلنا من خيوط الشمس ومايكل دبغي الذي نسج جروحات قلوبنا؟.. أمّا "سيّدة الجلالة" فكانت أنثى لبنان الغنوج حيث رياديّة غسان تويني وكامل مروة وسليم الّلوزي وميشال أبو جودة وطلال سلمان والقائمة مفتوحة ....

ألا تكفي هذه الكوكبةُ التي أسّستْ مع الفكر الفلسفي التنويري المعاصر من موسى وهبة وناصيف نصار وغيرهم، وأسراباً محلّقة من الشعراء المُحدثين أمثال إلياس أبو شبكة والأخطل الصغير وخليل مطران وسعيد عقل وإلياس خوري وأنسي الحاج وجوزيف حرب وطلال حيدر وغيرهم، وعديد من الفقهاء القانونيين وعلماء اجتماع واقتصاد؟

إنّها بيروت تخاطرني وأتماهاها بصوت فيروز الملائكي وتلاحين فكر الأخوين الرحباني الانسيابي الإصلاحي و"ثورة الفلاحين" وأغاريد "نصري شمس الدّين" لأن لبنان "راجع يتعمّر" كما خلّده زكي ناصيف، وتُسائل حنيني مواويل وديع الصافي:

"لبنان يا قطعة سما / اسمك على شفافي صلا"

- VI -

حين انتهت الحرب الأهلية وأُبرمَ اتّفاق الطائف تكرّرت زياراتي لبيروت وعندما قرّرتُ أن أترك لندن لم أفكّرْ أن أستقرَّ في أي مدينة عربية غير بيروت، مع أن علاقتي بدمشق فيها الكثير من الحميمية مثلما هي علاقتي الودّية مع القاهرة. وبغداد التي تسكنني لا زالت بعين العاصفة... إذاً هي بيروت ذاتُ الأوتار الخاصة، وحيثما يشعر المرء بالحريّة فذلك وطنه. وكما يقول الكاتب المسرحي اليوناني أريستوفان "الوطن هو حيث يكون المرء بخير" وبيروت دائماً تجعلني بخير. إنها مكتوبةٌ بالماء، وياسمينُ كلِّ حبٍّ، هي التي أنجبت "عشتار" الآلهة التي تعمّدت بأحشاء الموج، أمُّ الشرائع هي، وتوأم الزمن ما كتبه ننّوس اليوناني في القرن الخامس الميلادي.

قالت كلمتها بيروتُ، فكان الله فعل كمال... سمائيةُ البحار هاتيك معاصرةُ الأبد، امرأةٌ "كانت تدعى الحرّية"، حتّى "دفعت الجزية عن كلّ الكلمات"، يا ستّ الدّنيا يا بيروت/ يا حيث كتبنا الشِّعر...

بيروت التي جُبلت بالمحن والمعاناة احتضنت اللاجئين والنازحين والطامحين وعشّاق الجمال، هاتِه أشكلَةُ مدينة بفعل أبجدية الخلود تُحاكي ما بعد الوجود وتُحيي الزّمان، تُعمِّد الآلهةَ بتراتيل الحرّية

بيروت "إنّ الدّنيا بعدك ليست تكفينا...".

الآن عرفنا... أنّ جذورك ضاربة فينا...".

قال فيها الشاعر أحمد شوقي:

"لبنان والخلـد اختــــراع الله لـم / يـزدن بـأحـسن مــنهمــا ملكـوتـُه

هو ذروة في الحسن غيرُ مرومة / وذرى البراعة والحجى بيروتُه"

"لن أنسى هذا الدفءَ مثل هذه الدقائق تتداخل في وجودنا كاللّحظات الأخيرة بانتظار أول موعد غرامي" حيث أنفاس الشاعر "موريس باريس" الشجية تحيكُ وشيَ الثقافة الفوّاح. وتقاسيم روح "الجواهري" تردّد:

لبنان يا خمري وطيبي / هلاّ لَممْتِ حُطامَ كوبي

هــلاّ عطفتِ لي الصبا / نشـوانَ يرفلُ بالذّنـوبِ

إنها بيروت تلك الذاكرة الملعونة التي تستحقّ كل السّمو والإجلال والخشوع.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

 

كاظم الموسويالشاعر التقدمي، ناظم حكمت، معروف عالميا، بلا نقاش، وعلي فائق البرجاوي، المناضل الذي اعتقل مع حكمت في اسطنبول، وضع كتاباً عنه، باللغة الفرنسية،  وترجمه زهير السعداوي الى العربية، وطُبع في بيروت في دار ابن خلدون عام 1980، فعرف به. ولمن لا يعرفه بات يتابعه ويعرف تعدد مواهبه، ومنها إصداره كتابه هذا الذي وضع له عنوان: مع ناظم حكمت في سجنه، مذكرات لبناني زامل الشاعر في سجن بورصة.

كتب سامر ابو هواش عن علي البرجاوي أن قلة من اللبنانيين تعرفه أو سمعوا باسمه، فهو شاعر وفنان، توفي في منزله في 27 حزيران/ يونيو سنة 2000  في بولارين بضواحي باريس، وهو أحد أولئك الذين فضلوا الإنكفاء والإبتعاد عن الأضواء، وإن ظلّ ناشطاً كتابة وشعراً ورسماً. من مواليد برجا الشوف في 18 شباط/ فبراير 1916 من أب لبناني هو القاضي توفيق البرجاوي وأم تركية الأصل، هي السيدة فخرية ابنة الشيخ عمر لطفي، مفتي القدس زمن العثمانيين. وكان "كاتباً بالإنكليزية والفرنسية والتركية،  أقام في فرنسا بعد هجرته من بيروت بصورة دائمة محترفاً الرسم والتصوير" . لكن البرجاوي لم يغادر اسطنبول إلا بعد أن عاد منها بذكرى سوف ترافقه طوال حياته, وهي الصداقة التي جمعته بالشاعر التركي ناظم حكمت، صداقة كان لها الأثر الحاسم في حياة البرجاوي شاباً، خصوصاً وأنه خاض والشاعر حكمت تجربة السجن في سجن بورصة لفترة قبل أن يطلق سراحه نظراً لصغر سنه.

واضاف "تابع الرسام علي دراسته الثانوية والجامعية في بيروت واسطنبول، بعد فوزه في ”مباريات مُنح على أثرها عدداً من المنح الدراسية، وكذلك فاز بمنحة الدراسات العليا في اسطنبول والولايات المتحدة الأميركية. وكان موضوع الرسالة عام 1937 ” الإشتراكية في الإسلام ”. وأعد دراسة أخرى كان موضوعها ” تاريخ الصراعات الإجتماعية في الإسلام ”. نقل إلى اللغة التركية مؤلفات روسو وتشيخوف وفوييه وغيرها من الكتب عن الإنكليزية والفرنسية. في عام 1940 انخرط في الخلايا السرية لمحاربة النازية والفاشية في بلغاريا، وأُدخل السجن في تركيا حيث تعرّف على الشاعر التركي الثائر ناظم حكمت. في عام 1947 زار بيروت لأول مرة في لباس قبطان البحر ، كما أقام فترات من حياته في كل من إيطاليا وإلمانيا وفرنسا والإتحاد السوفياتي وأميركا.

وختم ابو هواش تعريفه: بفضل جدارته وموهبته، حظي الرسام علي البرجاوي بميداليات الإستحقاق الذهبية من الأكاديمية الفرنسية للثقافة، تلك التي تمنح لأولئك الذين يؤدون خدمات إلى المجموعة الإنسانية. وهو أول رسام أقام في فرنسا، معرضاً عن المأساة الفلسطينية ومجازر صبرا وشاتيلا، وكان آخر معرض أقامه، في شباط/ فبراير 1989 في صالات مبنى الجامعة العربية في باريس. وكان يشده الحنين إلى بلدته برجا الشوف ويغمر قلبه الشوق إليها ، وكان يتمنى الحصول على صور لمناظر طبيعية لها ليحيي ذكراها في لوحاته الفنية.

في تقديمه لكتابه، كتب علي فائق البرجاوي عن حياة الشاعر ناظم حكمت، ذاكرا أنه ولد في سالونيك، وهي من ارض اليونان، في عام 1902  وفور ولادته عادت أسرته إلى اسطنبول، وكان جده محمد ناظم باشا واسع الاطلاع والمعرفة، وكان شاعرا مثقفا ومطلعا بعمق للثقافتين العربية والفارسية، وهو الذي صرف حفيده الى الشعر، وحببه إليه. وكانت أمه جليلة خانم رسامة تلقت فنون الرسم في باريس، وشجعت موهبته بالرسم وبراعته فيه. وذكر في التوطئة عن معرفة ومكانة ناظم حكمت في المشهد الثقافي، حيث كتب الكثيرون بالتركية عنه اولا ثم بسائر اللغات، وسوف يكتب عنه الكثيرون، ومازالت الدراسات عنه تجتذب العديد من الباحثين، والدارسين، ذلك لأن العمق، والانسانية، والغنى في شاعريته السمحة تتعادل وتتساوى، فهو يرى أن ناظم دون ريب اعظم الشعراء في القرن العشرين، ومن اعظمهم في كل عصر وزمان. (ص 8) وتوفي الشاعر في موسكو ودفن فيها في الثالث من شهر حزيران/ يونيو  1962  وكان قد قضى خمسة عشر عاما من عمره أو تزيد في سجون بلاده، تركيا، هي زهرة شبابه ورونق عمره. ورغم معاناته وقسوة ما آلمه من عذاب في وطنه، كتب: "انا الذي تجسدت فيه مدينة اسطنبول..فاشهد يا شعب تركيا، وآن لك أن تشهد ما اعاني من آلام..". واضاف البرجاوي في وصف الحال الذي عاناه هو مع الشاعر حكمت، عن الحياة في السجون التي كانت تفتقر إلى جميع شروط المحافظة على الصحة، والتي كانت تتميز باجواء الرطوبة، والعفن، وكانت سببا في هد بنيان هذا العملاق، ذي العينين الزرقاوين، زرقة بحر "مرمرة" وذي الشعر الأشقر، الذي يشبه في ملامحه يسوع المسيح. وما أن خرج من السجن قضى عقده الاخير في زيارات بلدان كثيرة، إضافة إلى موسكو التي جعلها مقرا له، حتى وفاته ودفنه فيها. موثقا صداقات إنسانية عالمية، بروح وطنية تركية بالغة الوفاء والصدق والإخلاص.

جمعت علي البرجاوي بناظم حكمت، علاقة أدب وفن وفكر، عمقتها مودة واعتزاز شاب واقترنت بظروف وضع سياسي دولي واندفاع  أيديولوجي. " كنت حينذاك طالبا في السابعة عشرة من العمر، مفعما بالحماسة الى العدالة الاجتماعية وإلى السلام بين البشر. وكنت مستعدا في سبيل تحقيق هذا الحلم للاشتراك، وسائر الحالمين في النضال ضد النازية، والفاشية، وضد المظالم الاجتماعية.(ص 10-9 )

اعتقل البرجاوي في زنزانة ضيقة تحت الارض، وهو في ذلك العمر،  ونقل منها بعد ثلاثة أشهر إلى الطابق الثالث في سجن بورصة، حيث  إلتقى فيه بالشاعر حكمت ورفاقه  الذين كانوا محتجزين معه في هذا الطابق من السجن. هذا اللقاء وما بعده هو ما احتواه الكتاب.. وبعد إطلاق سراحه ومرور سنوات من العلاقات والزيارات والتواصل مع الشاعر ومعرفة ظروفه ومعاناته وصعوبات نضاله وملاحقات السلطات له ، جلس البرجاوي كاتبا عن تلك الأيام، التي أمضاها في ذلك السجن، واصفا العلاقات التي أسسها مع السجناء الآخرين في اخاء ومساواة تامين. وهدفه من الكتاب أن يقدم للأجيال العربية، الفتية والناشئة "أن مبدأ بناء وطن سعيد، تسوده الأخوة، ليس حلما، ولا اسطورة."!.

رغم أن البرجاوي كتب الكتاب باللغة الفرنسية، الا أنه كما أراد وسجل أن يوثق تلك الصداقة والمحبة لشاعر تقدمي انساني خلدته أعماله وابقته إبداعاته شعلة مضيئة في المشهد الثقافي عموما والشعري خصوصا في بلاده والعالم. وان يلقي الضوء على تلك السنوات القاسية من حياته وحياة الشاعر  الذي لم تثنه عن حبه لشعبه ووطنه. فكانت صفحات تاريخ وشهادة لايام صعبة وقاسية في حب الوطن والانسان.

 

كاظم الموسوي

 

 

قاسم ماضيوهي جوهر الانتماء إلى حس وثقافة الأمة .

لم يتوقف الكاتب اللبناني الأمريكي "كامل محمود بزي" عن الاندفاع الخلاق صوب تواترات وإلتواءات الأدب المهجري، الذي شكل له الشغل الشاغل في مغتربه، منذ وطأت قدماه على أرض المنفى، التي شكلت له أرضية خصبة برغم مشاغله الحياتية المشتعلة بأنين الوطن وفراقه، ولقمة عيشه، وكتاباته جاءت كاشفة تقوم على فرضية الإنتماء، وهو الكاتب الذي انفتح على سائر المبدعين من الذين سبقوه، وهو الذي يحبس نفسه في الدلالة المكانية أو لنقل الجغرافيا التي انطلق منها ليشكل فضاءه الذي رسمه بعد هذه السنين .

وهنا نتساءل عن ماهية الكتابة ؟ لدى كاتبنا "كامل محمود بزي" هذا الكاتب العربي الذي أراد أن يكون قاموسَ الجالية العربية، ومصدرَ ثقافتها بنثرها وشعرها، وهو بالتالي ينقّب عن كل صغيرة وكبيرة من أجل إرساء قواعد اللعبة الثقافية وتزويدها إلى الآخر، وما هو الفضاء الإشكالي وأقصد الفضاء الأدبي الذي أغرقه الكاتب بحثا وتنقيبا في عالمنا المادي هذا الذي هو يشغل جميع أبناء المعمورة .

وهو في اعتقادي فعل استنفار لإضطرابات وانفعالات في الهم الأنطولوجي أو ما يسمى الإدراك الوجودي لدى أي مبدع . يقول في مقدمة الكتاب د.يحيى الشامي أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية " لطالما شكلت الهجرة، وإن بصورة مؤقتة غير دائمة، حافزاً لقدح زناد الفكر، وكشف القناع عن ملكة الإبداع، فكيف إذا كان المهاجر من ذوي الفطنة ويقصد به الكاتب " كامل محمود بزي "والفهم والذكاء، ومن الذين لهم بالفطرة علوق بالأدب أوالشعر، الذي هو ترجمان مختلف المشاعر والأحاسيس الكامنة في النفس كمون الشرر في النار .ص 7

2005 كامل محمود بزيوانطلاقا من مفهوم "بلانشو" أن الكتابة حرفة مهولة، محفوفة بالألم، فهي تنتجه وتتعلق بالموت تعلقاً كبيرا، الذي يتجلى فيها بشكل حاد وطارئ، وعلى الرغم من كساد بضاعة الأدب والشعر اليوم، فالكاتب " بزي " يحلم دوما بالحصول على موطئ قدم وأن لا يتوقف أبداً في حياته من أجل سعيه إلى التهرب من هذا المنفى الاغترابي وقلق الحياة عبر مواصلة ابداعية لا تتوقف، فهو لا يكل ولا يمل في البحث والتنقيب في عالمنا هذا .وفي هذا الكتاب الشامل الذي أطلق عليه أسم " اقلام مهجرية " وهو ثاني مصنف له بعد مصنفه الأول " الشيخ خليل بزي " 75 عاماً في خدمة الدين والمغتربين، والذي كنت ُ قد كتبتُ عنه في السنوات السابقة في الصحف والمجلات، أن الإبداع يحمل سمات الذات المبدعة من خلال اختيار المضمون وطريقة التعبير وأسلوب الكتابة واستثمار الخزين الفكري والمعرفي وكذلك الثقافي وتفاعله مع محيطه، وهنا يتساءل الكاتب العراقي " عواد علي " هل ما زال في وسعنا الحديث عن " أدباء مهجر وأدب مهجري " وهل ما زال في وسعنا أن نطلق المصطلح الأول نفسه على نتاجات حملة الأقلام من المبدعين المهاجرين والمنفيين ؟ كل هذه التساؤلات لخّصَها الكاتب في فلسفة الكتاب الذي أطلقه للقارئ العربي وهو يغوص ويتعمق في كل مفردة وفي كل جملة حتى قال في كونها الأس الذي دعاني، وكشف النقاب عن وجودهم وآثارهم، ونركز على بعض نماذج نتاجهم، باحثا عن تلك الومضات الإبداعية الجميلة، في كتابة تمس الوجدان، وبالتالي إلى فتح نافذة يطل منها القراء والنقاد ليجدوا ضالتهم من خلال الإطلاع على ابداعات هذه الأقلام المهجرية، وهنا لا بد من الإشارة إلى هذا العنوان " اقلام مهجرية " حيث أن هذا المصطلح الذي يقول عنه الناقد المخضرم" حاتم الصكر " أن مصطلح المهجر ومفهومه يبدو أقل ايلاما في تصوير الحالة من مصطلح "المنفى" الذي تلاه، وهو إجباري يجد المرء نفسه مرغما على اتخاذه مقرا، وقد تداوله أدباء شردتهم السياسة في أوطانهم .وهو يؤكد في هذا الكتاب على معرفة عن قرب على كوكبة من أصحاب الأقلام المهجرية الذين حملوا أوطانهم في قلوبهم، وقد أكهلتهم الغربة، وضجت بهم السنون، فأطلوا من علٍ، صياحين على بيادرالوجد، عرفتهم شعراء وكتابا مندفعين في الهم الثقافي، اندفاعهم في هم الإبداع، يتمتعون بواقع يقترب من لغة الحنين، بل يذوب فيها، وفي مجمل بحثه وتنقيبه عن هؤلاء المبدعين الذين عاصروه وأستمع اليهم عبر عدة جلسات ثقافية أراد منهم أن يكونوا مدخلا لهذا الكتاب المهم والحيوي حتى تكون القراءة بحمولاتها الدلالية الهامة .ولاسيما ما يتعلق بكتابتهم العميقة والواعية التي تتولد عنها الكثير من الدلالات والمعاني وعلى كل المستويات الوجودية والإنسانية والسياسية أيضا، وحتى لا يغيب عن ذهننا وكما قال عنه د.الشامي "فآثر أن يركب الصعاب لما أن عزم على أن يكون له في عالم الكتابة والترجمة حضور، وعجيب أمر هذا الصديق المغترب الذي هو أحد عشاق الصناعتين، الشعر والنثر، ولأن فلسفة الكتاب "أقلام مهجرية " هي توثيقية هدفها الأساسي إرساء المعلومات من أجل الاستزادة والحصول على المعلومات لكنها جمعت بعد قراءات مستفيضة واستسلمت للعديد من الرؤى الذاتية التي تخلص في النهاية إلى منهجية عامة واضحة يمكن الاعتماد عليها في كل المحافل الأدبية، باعتبار الأدب وثيقة اضافية في تاريخ الفكر والفلسفة، والتي أثبت أن الأدب يتحقق من خلال الفن الأدبي الرفيع، والمضمون الإنساني العميق، الذي يقارب كل شاردة وواردة في موضوعات هذه الحياة الإنسانية التي يعالجها الفكر بمشرط اللغة . ويبدو من صياغة الكتاب هذا، والذي يضم بين جنباته منجزات أدبية في بلد المهجر المعاصر بالولايات المتحدة الأمريكية، أبدعها ثلاثون أديبا ً وشاعراً ومثقفاً، مشتملاً على فصول يستقل كل فصل بشخصية من هؤلاء المبدعين، نصوصا ونتاجات وقصائد، تؤشر مجتمعة إلى منجز يلقي الضوء على حياة الإغتراب وارتباط الذاكرة بالوطن الأم، بحيث يصعب الفصل بين الحياتين، وهو من القطع الكبير ويقع في 820 صفحة والصادر عن دار المحجة البيضاء. ويعرف الجميع وخاصة من المشتغلين في هذا المجال أن الإبداع منجز فردي لا جماعي، وهذا من بديهيات الإبداع في الأدب برمته، ومن خلال هذه الجولة السياحية المكتنزة بالوعي والمُحركة للعواطف الإنسانية، وهو يستفزك في إختيار قصائد ذات أبعاد فلسفية وفكرية معبرة عن حب الوطن والغربة، انطلاقا من إيمانه الشخصي وتحمسه للكتابة ومواصلته المستمرة من أجل تأثير الأدب في الفكر الإنساني . وكذلك تأثير الأدب في فكر القراء .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن الأديب والرحالة محمد علي كرد، فنقول: لقد رزق محمد كرد علي ملكة بالغة في النقد، فصور في عصر الظلمات تأصل الأوهام والجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم والتقوى، كما انتقد العصر الحديث واستفاضة علوم الدنيا فيه.. يبحث في الصحافة عن مرض الأمة فيصف له الدواء الناجع ويفتش عن فساد القول فيهديه إلى الإصلاح، وقد أعانه على هذا النوع من البحث والإرشاد تعمقه في تاريخ العرب والإسلام واطلاعه على كثير من آراء الفرنسيين في النقد والاجتماع، وكان في صحافته مصلحا اجتماعيا وناقدا خلقيا.

لقد وضع محمد كرد علي أسلوبه في إصلاح المجتمع، إذ كان يصف عن ذكر المسائل الخاصة وبخوضه لباب المسائل العامة، ومن شأن هذا الأسلوب أن يكون ذا تأثير كبير في المجتمع، فقد أقبل الناس على قراءة "المتقبس" في بدء وصولها لأنهم أحبوا أن يتطلعوا إلى النور بعد الظلام، وكانت تهديهم سواء السبيل، وتفتح أذهانهم وتثقف عقولهم، وقد كان «للمقتبس» آثار معنوية ونتائج عملية، إذ كانت تفصح على الرأي العام في البلاد، كما نحي من جرائها بعض الولاة والموظفين، ولا أدل على تأثير جريدته في بيئته، وعمل مقالاتها في القراء، من اضطهاد الولاة له، للعداء الذي لقيه بسبب الصحافة، حتى اضطره الأمر إلى الفرار من دمشق مرتين، مرة إلى بيروت عن طريق البحر، ومرة إلى القاهرة عن طريق البر، فلاقى أنواع العذاب، وقد حاول حزب الاتحاديين اغتياله لأنه - كما قال - أصلاهم نارا حامية على السياسة التي انتهجوها مع العرب. وإلى جانب مقالاته القومية.. كان يدافع عن العرب بإحياء أعاظم الرجال، حتى تتفتح عيون أهل العصر عليهم.

وفي مجال الإبداع والتميز يمكن الإشارة إلي المنهجية التي تميز بها محمد كرد علي والتي بها يتميز ويتفرد، وتتلخص هذه المنهجية في اتخاذه الواقع الاجتماعي المرتكز الأساسي لكل تحليلاته وتفسيراته لمختلف القضايا، والمشكلات محور اهتمامه، ومعالجته الظواهر الاجتماعية والتربوية في سياقها المجتمعي، وبأساليب وطرائق تنبع من طبيعتها وطبيعة  الظروف التي تعمل من خلالها، واهتمامه بطرح الرؤي النقدية للعلاقات الاجتماعية المهيمنة المسيطرة وللمفاهيم والمسلمات السائدة في الفكرين الاجتماعي والتربوي .

كما يتضح التميز والتفرد في القضايا والموضوعات التي تناولها محمد كرد علي، وعلي رأسها قضية التنمية البشرية، وبناء الإنسان العربي، واعتباره صانع التنمية وهدفها النهائي، واهتمامه بصياغة المجتمع الجديد الذي ينشد وجوده ن من حيث كونه مجتمعاً منتجا يشيع فيه الدعل الاجتماعي، والتواصل الثقافي، والحوار الديمقراطي وصبغ أبعاده الاقتصادية  بالصبغة الاجتماعية، وتوظيف العلم توظيفا اجتماعيا، واتخاذه منطلقا أساسيا للتغيير المنشود.

أما أظهر الآراء التي يتبناها محمد علي كرد في الشئون الاجتماعية والتاريخية، فهي في دعوته لتحرير المرأة باعتدال، وفي حضه علي الأخذ بالصالح العام  من المدنية مع الاحتفاظ بالأخلاق الإسلامية، وفي تشجيعه إلي الأخذ بوجهات الاشتراكية المعتدلة، وفي حملته علي الشعوبية، وعلي الشعوبيين، وفي تعصبه للأمويين، وتفنيد  ما كتب في تجريحهم، اعتمادا علي ما كان يعتقده من تحامل العلويين عليهم وذلك حسب قول منصور فهمي عنه.

ولقد كتب في موضوع المرأة ما يلي:" كنت – ولا أزال – ظهيرا للمرأة محبا لإنصافها، آسفا للاستعباد الذي حاق بها، محاولا تعليمها كل ما يرفع من شأنها، داعيا لإقناعها بحجابها الشرعي . ذاهبا إلي أن تخلف المرأة المسلمة عن الأخذ بحظ من التهذيب قذف بالمسلمين من حالق المدينة إلي هاوية الانحطاط . وما طلبت إعطاء المرأة زيادة علي حقها، وما جوزت لنفسي أن أخدعها وأتملقها، توقعا لرضاها، وكنت – وما برحت – علي مثل اليقين أن من يعاون المرأة علي مساواة الرجل يخدعها ويضحك منها. وصديقك من صَدقك لا صدقك.

وقال في موضع آخر ( ص 359- أقوالنا وأفعالنا): " المرأة امرأة وإن ألبستها ثياب الرجال، ووسدت إليهم أعمالهم . ومهما جاهدت لا تحليها بخلق، ليس فيها، ولا تخلق فيها ميزات لم تتميز بها . المرأة كما قالوا: ريحانة وليست بقهر، لم تؤهلها طبيعتها  لغير ولادة الأولاد  والعناية بتربيتهم وخدمة زوجها  والسهر علي راحته . وتولي الخطير والحقير من شئون بيتها .. فروض جسيمة فرضت عليها . لو أحسنت تجويدها  لكفتها أن تشتغل معظم ساعات نهارها، وزلفا من ليلها، ومن كان عليها مثل هذه التبعية: كيف تقوي علي تولي المصالح العامة فتقضي وتسوس وتشارك الرجال في شئون اختصوا بها منذ كانت الدنيا".

وكان محمد علي كرد في كثير من كتبه كما يقول منصور فهمي يذهب  إلي الاشتراكية المعتدلة، إلا أنه كان يقدر الفروق التي تميز خواص الناس علي عوامهم، ولا يغفل عن الميزات التي تميز صفوتهم علي دهمائهم . ويستشهد في ذلك بقول ابن المقفع:" قد علمنا علما لا يخالطه شك أن عامة قط لم تصلح من قبل نفسها، وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها، وأن خاصة قط لم تصلح من قبل نفسها، وانها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها . وحاجة الخواص إلي الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلي خواصهم واعظم من ذلك " .

أما آراؤه في الاقتباس عن المدينة الغربية، فقد كتب ذلك ما يلي: ( القديم والحديث ص5): " إن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة ( يقصد العري والمسلمين) يري الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها، وضم كل ما ينفع من هذا الجديد.. علي أن يكون للدين والعلم حريتهما، فتكون المعتقدات بمامن من طعن الطاعنين بها، كما تجري المدنية علي الشوط الذي تراه.. وإذا رأي  بعضهم في بعض المعتقدات  ما لا ينطبق علي روح الحضارة والعلوم العصرية فالأولي أن يطبقوا العقل علي النقل كما هو رأي كبار علماء الإسلام منذ القديم .

وكان محمد علي كرد من دعاة التكتل العربي . وما كتب في ذلك قوله: (أقوالنا وأفعالنا ص 314):" إذا تحققت الوحدة العربية تصبح قوة لا يستهان بها في هذا الشرق، ويكون لها من موقعها الممتاز بين الشرق والغرب ما يجعل منها كتلة شرقية تنفع العالم ولا تؤديه، وتعيد مجد أمة كانت  علي حياة تامة قرونا  طويلة."؛ ومن أبرز أقواله  أيضا في هذا السياق: 

أ- الأمم تقتبس بعضها عن بعض، فإن كان قادة حركتها عقلاء تأخذ عنهم النافع، وإن كانوا جهلاء يختلط عليهم الأمر، وتتناول الغثّ والسمين ..(القديم والحديث – ص30).

ب- إن ما نقله العرب عن غيرهم من تراتيب الممالك معروف ومعترف به، والإنصاف يقضي أن يًسجّل لهم قسطهم من الأعمال المنبعثة مباشرة من قرائحهم المزيّنة بأخلاق عالية، ما عهد، فيما نظن، مثلها كثيرًا في الأمم السابقة ولا الخالفة.. (الإدارة في عز العرب – ص6)

ج-كانت للعرب عادات حسنة اقتبست بعضها الأمم الغربية، ولما جاءنا الغربيون بهذه الحضارة الحديثة، أصبح من اللازم اللازب أن نأخذ عنهم بعض ما ينفعنا من عاداتهم المستحبة، سنّة طبيعية في الخليقة أن يأخذ المتأخّر عن المتقدّم، والجاهل عن العالِم.. (أقوالنا وأفعالنا – ص43).

وفي نهاية هذا المقال نقول  رحم الله الأديب والرحالة محمد كرد علي الذي كان صادقا في مبادئه ، وكان مخلصا في الدفاع عن قضايا كثيرة منها: المرأة، واللغة العربية، والمناهج، والوحدة العربية التي أمن بها، وكان متفانيا في العمل من أجل قضايا حقوق الإنسان .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

..............

1- فهمي، منصور: المرحوم الأستاذ محمد كرد علي، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة،: مجمع اللغة العربية، ج 10، 1958.

2- أحمد تمام: محمد كرد علي.. بين العصرانية والتراث (في ذكرى وفاته: 17 من رجب 1372هـ).. مقال..

3- جمال الدين الألوسي – محمد كرد علي – دار الشئون الثقافية العامة -بغداد -1986م.

4- سامي الدهان -قدماء ومعاصرون -دار المعارف -القاهرة -1961م.

5-فضل عفاش -رحالات في أمة -دار المعرفة – دمشق -(1408هـ= 1988م).

6- محمد رجب البيومي -النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين -دار القلم – دمشق (1415هـ= 1995م).

7- عدنان الخطيب، محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 44/161).

8-شاكر الفحام، العلامة الجليل الأستاذ الرئيس محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 79/13).

9- سامي الدهان، محمد كرد علي حياته وآثاره (مجلة المجمع مج 30/211).

10- مجمع اللغة العربية بدمشق (الذكرى المئوية لولادة الأستاذ الرئيس محمد كرد علي)، مجلة المجمع مج 52/ج1 (عدد خاص).

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال أود أن أكتب عن كاتب جمع بين الثقافة الواسعة والرحلة الطويلة، والأسلوب الأدبي المتين، وهو أحد فرسان النثر العربي طالما استفدت من قلمه الرشيق، وأسلوبه البديع، هنا في هذا المقال سيكون حديثي عن الأديب والكاتب، والرحالة، والمثقف، محمد كرد علي، المولود 1293هـ والمتوفي عام 1372هـ،.. درس في المدارس وتتلمذ علي الشيوخ، وأجمل النظر في الكتب، وكانت هذه الروافد مصدر ثقافة محمد كرد علي .

حفظ المعلقات السبع، ونصف ديوان المتنبي، وبعض قصائد أبي تمام، وابن الرومي، وقرأ في كتب البلغاء، والأدباء ؛ إضافة إلي ذلك قرأ علوم الشريعة .. كتب مرات فقال: " تشبعت نفسي بكتب الغزالي، وابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، وأخذت الشريعة من أصفي مصادرها .. توسع محمد كرد علي في ثقافته فقرا ما كتبه فولتير، وجان جاك روسو، وجوستاف لوبون، وغيره من الكتاب .

وقال فيه علامة العراق “محمد بهجة الأثري”: الأستاذ محمد كرد علي –رحمه الله- أمّة في رجل، أهّلته مواهبه العديدة لأن يكون أحد بناة النهضة الحديثة وقادتها الكبار في بلاد العرب، وسيرته مثال رائع لمضاء العزيمة وخلوص النية وصدق العمل وحبّ الخير وإرادة الإصلاح”.

وقد عمَد محمد علي كُرد علي إلى منهجٍ في التأريخ، يجرّد التاريخ ما أمكن من المبالغات والخرافات، ويُثبت الوقائع المهمّة الثابتة، ويحذف ما تتطرّق إليه شُبهةٍ أو شائبةُ غُلوّ، مع العناية في جانب التاريخ السياسي ببيان عِلل الحوادث وتسلسلها ودواعيها، واستخراج النتائج واستنباط القواعد، حسبما أوضّح في مقدّمة كتابه "خطط الشام".

ومحمد كرد علي (مع حفظ الألقاب) ليس شخصية عادية، لم يحترف الأدب وحده، ولم يحترف المجتمع وحده، ولم يحترف السياسة وحدها، بل هو شخص جمع الكثير من الفضائل؛ فقد كان وزيراً للمعارف، وكان سياسياً وراسماً للثقافة والأدب، إضافة إلى ذلك فقد كان عاشقاً للعربية واستطاع بعشقه ذاك أن يكرس وقته وجهوده كاملةً من أجل إنشاء أول مجمع عربي في دمشق، هو المجمع العلمي العربي آنذاك، ومجمع اللغة العربية حالياً.

ومحمد كرد علي ليس مفكرًا عاديًا أو باحثا كان مبتغاه أن يحصل على المعلومة ويحنطها، لقد كان أبعد من ذلك حيث غطت معارفه مجالات مختلفة لذلك يعتبر من رواد النهضة العربية الحديثة حيث اكتسبت كتاباته زخما كبيرا مطلع القرن العشرين، وقد عرف بدعوته إلى التجديد وافتتانه بالثقافة الباريسية.

وقد عُرف محمد كرد علي بأنه داعية إحياء وتجديد يصدح بكرهه للظلم، ويؤكد التمسك بالهوية العربية. وفي الوقت ذاته ينادي بالسير على ركب الحداثة الغربية ووصفه الشيخ محمد بهجة الأثري بقوله “أمة في رجل نافح عن العروبة والإسلام، ودعا إلى الحرية، وقاوم الاستبداد”.

كانت له قاعدة أعجبتني، وقد ألزم بها نفسه، وهو أن يقرأ أكثر مما يكتب، والمتأمل اليوم في كتب بعض المعاصرين، يجد أننا قد بلينا بأناس كتبوا كثيراً ولم يقرأوا شيئاً، ومن مؤلفاته النافعة والمفيدة، هذا الكتاب المسمي بـ "غرائب الغرب " ؛ حيث وصف فيه معالم الغرب، وقد زاره ثلاث مرات، وهو كتاب اجتماعي وتاريخي واقتصادي وأدبي وثقافي ؛ حيث تحدث فيه عن البلدان التي زارها في الغرب، وقد زار فرنسا، وإنجلترا، وألمانيا، وإيطاليا، وأسبانيا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، والنمسا، وبلاد المجر، واليونان، وقد أرخ فيه للمكتبات والمتاحف والمجامع العلمية والتقاليد والعادات لكل بلد زاه من هذه البلدان، والكتاب ملئ بالفوائد، وطبعته الأصلية نادرة، ولكنه صُور، حيث طبع عام 1841 هـ الموافق 1923م .

ويعتبر المفكر السوري تركيبة فريدة لأب كردي وأم شركسية، وتنحدر أسرته من مدينة السليمانية شمالي العراق تلقى مراحل التعليم الأولية بدمشق ودرس فيها المرحلتين الإعدادية والثانوية، وتعلّم اللغات التركية والفرنسية والفارسية إلى جانب العربية.

وأخذ عن عدد من علماء عصره ـ وأجلهم: طاهر الجزائري ومحمد بن محمد المبارك (والد الشيخ عبد القادر المبارك) وسليم البخاري ـ ما وسعه من كتب اللغة والأدب والبيان والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة، وحفظ أكثر شعر المتنبي ومقامات الحريري.

أتيح لـه منذ سنة 1892م حتى 1898م أن يُعين موظفاً في قلم الأمور الأجنبية، فأتقن التركية وآدابها، وترجم حينها رواية «قبعة اليهودي ليفمان» عن الفرنسية، ودخل «جمعية الاتحاد والترقي»، وتركها لما بدت له نواياها، وألف من العرب والترك «حزب الحرية والائتلاف» ثم حُلَّ.

هاجر إلى مصر عام 1901 وتتلمذ في حياته على عدد من رجال الدين ليتولى بعد ذلك رئاسة تحرير جريدة الشام الأسبوعية في الفترة من 1897 و1900، وهي أول صحيفة تصدر في دمشق وتولى في مصر رئاسة تحرير مجلة المقتبس العلمية عام 1906 ثم جريدة الظاهر، كما شغل منصب أمين سر تحرير جريدة المؤيد ذائعة الصيت.

ويعد محمد كرد علي من أكثر الأوفياء للغة العربية حيث أفنى عمره في البحث والتوثيق لهذه اللغة فكان أول وزير للمعارف والتربية في سورية وكان رئيسا لمجمع اللغة العربية بدمشق منذ تأسيسه 1919، وشغل منصب وزير المعارف بسوريا مرتين، عام 1920 ثم 1928، وظل في المنصب حتى 1931.

حرر سنة 1897م إلى 1900م أول جريدة عربية بدمشق هي «الشام»، فترجم لها عن التركية والفرنسية تحت كابوس الرقابة، وبدأت شهرته مع ذلك إذ كتب في «المقتطف» خمس سنوات، وكانت أول مقالة له فيها: «أصل الوهابية»، وذهب سنة 1901م إلى مصر، فرأس تحرير «الرائد المصري» عشرة أشهر متكارهاً، صحب في أثنائها علماء مصر، وحضر دروس الشيخ محمد عبده العامة والخاصة.

ولما حلّ الوباء بمصر سنة 1902م عاد إلى دمشق فاتهمه الوالي بالسلفية، فتوارى في قرى الغوطة إلى أن هبط مصر ثانية سنة 1905م، فأصدر منذ سنة 1906م حتى 1908م ثلاثة مجلدات من مجلة «المقتبس» الشهرية، وحرر في جريدة «الظاهر» اليومية لمحمد بك أبو شادي قسم المترجمات، ثم رأس تحريرها، وعندما أُغلقت ترجم في «مسامرات الشعب» لخليل صادق، ثم رأس تحرير «المؤيد»، وحرر في مجلة «العالم الإسلامي» الباريسية؛ فطارت شهرته في الآفاق.

ثم عاد إلى دمشق بعد إعلان الدستور العثماني، فأنشأ مطبعة، وأصدر في 17/1/1908م مع أخيه أحمد جريدة «المقتبس» اليومية، ووالى إصدار مجلة «المقتبس» الشهرية، وناوأ فيهما «جمعية الاتحاد والترقي» و«حزب تركيا الفتاة»، فأصدر من المجلة سنة 1909م إلى 1913م خمسة مجلدات، ثم بعد انقطاع حولين سنة 1917م أصدر الجزأين الأول والثاني من المجلد التاسع، ثم توقفت.

ولما وضعت الحرب أوزارها، وقامت الحكومة العربية الفيصلية في 5/10/1918م عاد بعد ثلاثة أشهر وقد واجهت الحكومة مشكلات التعريب، فأنشأت «شعبة الترجمة والتأليف» التابعة للجيش، وأراد صديقه الحاكم العسكري لسورية رضا باشا الركابي توسيع الشعبة، فجعلها «مجلس المعارف» وأسند إليه رئاسته، ثم اعتزل وظيفته لتصرفات الحكومة، فراجعه الركابي، فطلب أن ينقلب المجلس مجمعاً علمياً مرتبطاً بالحاكم العام -وكان رأى فصل المعارف عن اللغة والمكتبات والآثار- فوافقت الحكومة، وصدر الأمر بتأسيس المجمع العلمي العربي في 8/6/1919م من ثمانية أعضاء انتخبوه من بينهم رئيساً في أول اجتماع لهم في مقر المجمع بالمدرسة العادلية في 30/7/1919م، واتخذ المجمع المدرسة الظاهرية مقراً للمكتبة العامة، وما كاد يبدأ العمل حتى صدر آخر تشرين الثاني 1919م أمر بصرف الرئيس والأعضاء عدا اثنين بدعوى الضائقة المالية.

وقد اختير في 7/9/1920م حتى 10/3/1922م وزيراً للمعارف في ظل الاحتلال الفرنسي لسورية، فقبل على الرغم من الانتقادات إحياءً للمجمع، وأعاد المجمع إلى نشاطه بعد أن نأى به عن السياسة، وأكسبه جلال العلم، وجنبه تدخلات المستعمر.

وذهب في رحلة ثالثة إلى أوربا، فزار بلجيكا وهولندا وإنكلترا وإسبانيا وألمانيا وسويسرا، وكتب في ذلك (51) مقالة في الطبعة الثانية من «غرائب الغرب»، ودرس سنة 1924م الأدب العربي والنحو والصرف في معهد الحقوق بدمشق، واختير وزيراً للمعارف ثانية في 15/2/1928م حتى 11/6/1932م، فأنشأ مدرسة الآداب العليا، وهيّأ الأسباب لافتتاح كلية الإلهيات، وقام برحلة رابعة إلى أوربا زار فيها إنكلترا وفرنسا وبلجيكا، وشارك المجمع في عهده (35سنة) مشاركة جادة في التعريب، ووثق صلاته بالشرق والغرب، وأقام المحاضرات، وحقق الكتب، وأصدر مجلته مطلع سنة 1921م وبلغت اليوم ثمانين مجلداً.

ولقد أبدى “محمد كرد علي ” منذ البداية شغفا بالأدب والتاريخ. وعرف بدعوته إلى الإصلاح والتجديد واللحاق بالحداثة الغربية من خلال كتاباته في الصحف والمجلات العربية وخلال وجوده بمصر، لازم دروس الشيخ محمد عبده وتأثر بدعوته وسمع منه آراء الشيخ جمال الدين الأفغاني.

ومن مؤلفات “كرد علي” المشهورة “خطط الشام” وهو كتاب من أجزاء، و”الإسلام والحضارة العربية”، والإدارة الإسلامية في عز العرب”، و”أقوالنا وأفعالنا”، و”المسلمون والغربيون في الحروب الصليبية”، و"الحكومة المصرية في الشام”، و" ثلاث سنوات من حكم سوريا”.؛ وله في الأدب والتاريخ “دمشق مدينة السحر والشعر”، و"غابر الأندلس وحاضرها"، و”كنوز الأجداد”، و”أمراء البيان”.

وقد توفي محمد كرد علي في دمشق يوم الخميس 2/4/1953م، ودفن في «الباب الصغير»، جوار قبر معاوية بن أبي سفيان، وأعقب ولدين هما: طريف، ومأمون.

ومن كتبه المفيدة أيضا هذا الكتاب المسمي بـ " المعاصرون"، وقد ترجم فيه لبعض المشاهير في عصره، حيث يبدأ بذكر ولادة المترجم حيث يتحدث عن النسب والفكر، ورأي محمد كرد علي في العلم المترجم ؛ ومن الأعلام الذين ترجم لهم محمد كرد علي إبراهيم البازجي، وجورجي زيدان، والزهاوي، وحافظ إبراهيم، وشكيب أرسلان.

ومن كتبه المفيدة أيضا هذا الكتاب المسمي بـ " أمراء البيان"، والذي ترجم فيه لأمراء البيان، والإنشاء في أدبنا العربي، حيث يذكر منهم عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، وسهل بن هارون، والزيات، والجاحظ، والتوحيدي، وابن العميد، وقديما كان هذا الكتاب مقررا في المدارس المصرية العالية، وأنصح به الناشئ كثيراً، ومن كتبه أيضا كتابه " خطط الشام "، والذي يعد أكبر موسوعة كتبت عن بلاد الشام في العصر الحديث،إذ استغرق في تأليفه سنوات كثيرة، وهو قد بذل فيه جهدا كبيراً، وهو مفيد جداً للمهتمين بهذا الباب .. تحدث فيه عن الشعوب والقبائل التي سكنت بلاد الشام من العرب، وغسان، وطي، كنده، وحمير، وأزد، والتركمان، ثم أورد اللغات التي تكلم بها أهل الشام علي مر التاريخ، من السريانية، والعربية، والبابلية، واليونانية، واللاتينية، والتركية، وبعد ذلك انتقل للحديث عن العصور التي مرت بها الشام سواء من حيث تاريخ الشام قبل الإسلام، وفي الإسلام، ثم الدولة الأموية، والدولة العباسية، إلي غير ذلك وانتهي لما أسماه بالعهد الحديث من سنة 1326هـ إلي 1343هـ، وأرخ في هذا الكتاب للعلوم، والآداب، والفنون الجميلة، والزراعة، والصناعة في الشام، وتحدث فيه كذلك عن المساجد، والجوامع، والأديرة، والمدارس، والزوايا، والمستشفيات، والاثار، والمكتبات.. باختصار الكتاب ملئ بالفوائد وبالذات لمن يهتم بتاريخ هذا البلد .. طبعته الأولي نادرة؛ إذ يحكي الباحث السوري في كتابه “خطط الشام” عن رحلته إلى باريس “:صرفتُ الوقت في باريز أدرس مدنيّتها وأستفيد من لقاء علمائها وساستها، ووقفتُ وقوفًا حسنًا على حركتها العلمية والسياسية، وذلك بواسطة جماعة من أصدقائي علماء المشرقيات، عرّفوني إلى الطبقة العليا التي أردتُ التعرّف إليها في عاصمة الفرنسيس، وفي مقدّمتهم فيلسوف فرنسا المرحوم إميل بوترو.

ويتابع “كرد علي” وقد سألته أن يكتب لي جريدة بأمهات الكتب التاريخية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية، فتفضّل وكتب لي ما أردت، فابتعته وطالعته كلّه مطالعة درس، ولا أزال إلى اليوم أجعل تلك المجموعة المختارة سلوتي في خلوتي وجلوتي.

وفي كتابه «الإسلام والحضارة العربية» يعتمد محمد كُرد علي، على جملة من الاقتباسات "الاستشراقية" عن علماء الغرب، ليرد بها على كل من يحاول الانتقاص أو النيل من الإسلام وحضارته، من بينها ما نقله عن غوستاف لوبون، المؤرخ الفرنسي الشهير، صاحب كتابي «حضارة العرب»، و"سيكولوجية الجماهير"، والذي انتصر كثيراً للعرب والمسلمين بقوله «وذلك أنه كان للمدينة الإسلامية تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب.. وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية، وبتأثيرهم العقلي فتحوا لأوروبا عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية".

في هذا الكتاب يدافع محمد كرد علي عن العرب ضد الهجمة العنصرية الغربية التي اتهمتهم بحرق مكتبة الإسكندرية أثناء دخولهم مصر في عهد الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.

ومن كتبه أيضاً "أقوالنا وأفعالنا"، وفيه يكرس محمد كرد علي قلمه لرصد ظواهرَ اجتماعية وثقافية سادت المجتمعات العربية خلال بدايات القرن العشرين، فرأى أنها تعيق التطور، فكان لزاماً تسليط الضوء على هذه الظواهر وحل المشكلات التي سببتها، ويعقد المقارنات بين تلك العادات والطباع المرفوضة وبين مثيلاتها الأوروبية المستحسنة، فلا يرى غضاضة في الأخذ ببعضٍ من سلوكياتهم وطباعهم التي حققت لهم التقدم، فكانت دافعاً لا عائقاً. كذلك يقدم رؤيته لعدة قضايا اجتماعية كانت مجالاًًً لسِجَالاتٌ فكرية في تلك الآونة كقضية حقوق المرأة، والوحدة العربية، والجامعة الإسلامية.

وفي كتابه «غرائب الغرب»، الذي صدر عام 1923 يتحدث محمد كرد علي عن رحلاته إلى أوروبا، ويضع أمام القارئ دراسة دقيقة عن واقع الغرب الأوروبي في تلك المرحلة المبكرة من القرن العشرين؛ أما كتابه «كنوز الأجداد» فتحدث عن أعلام الثقافة الإسلامية، كالأشعري، والأصبهاني، والتنوخي، والغزالي، والحريري وغيرهم، في رصد جميل لأكثر من 50 من هؤلاء الأعلام.

وفي مجال تحقيق الكتب، صدر له: " رسائل البلغاء"، و" سيرة أحمد بن طولون"، و"المستجاد من فعلات الأجواد" الذي ضمنه أخبار الكرماء في الجاهلية والإسلام، ثم «تاريخ حكماء الإسلام»، وكتاب «الأشربة» لابن قتيبة الذي يجمع بين الأدب والفقه، وأخيراً كتاب (البيزرة) في الصيد وآلاته والحيوانات، وما قيل فيها من الأدب والطرف والشعر اللطيف.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

................

1- ـ مجمع اللغة العربية بدمشق (الذكرى المئوية لولادة الأستاذ الرئيس محمد كرد علي)، مجلة المجمع مج 52/ج1 (عدد خاص).

2- سامي الدهان، محمد كرد علي حياته وآثاره (مجلة المجمع مج 30/211),

3- ـ شاكر الفحام، العلامة الجليل الأستاذ الرئيس محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 79/13).

4ـ عدنان الخطيب، محمد كرد علي (مجلة المجمع مج 44/161).

 

 

 

 

يسري عبد الغنيمن الدور المهمة التي كان يلجأ إليها الطلاب والمدرسون وعشاق العلم والمعرفة، فيستفيدون منها أعظم استفادة، دار الإمام / أبي حامد الغزالي (توفى 504 هـ) حيث كان يستقبل تلاميذه في داره بعد أن اعتزل العمل بالمدرسة النظامية بنيسابور، على إثر رحلته التي قام بها لأداء فريضة الحج والاعتكاف في الجامع الأموي بالعاصمة السورية دمشق، حيث كتب كتابه الشهير (إحياء علوم الدين) .

وعندما اتهم العالم / علي بن محمد الفصيحي (توفى 516 هـ ) بالميل إلى الشيعة، وسئل عن ذلك الاتهام فلم ينكر، فتم فصله من المدرسة النظامية حيث كان من مشاهير مدرسيها، ولكن أفواجًا من المتعلمين راحوا يقصدونه في داره ليواصلوا القراءة عليه، وبالطبع ما اتخذه أهل السلطة في تلك الآونة من فصل للرجل من عمله يدل أكبر دلالة على ضيق الأفق والتعصب الأعمى الذي يضر بنسيج المجتمع، فالإسلام دين الوحدة والتسامح، لا يعرف الطائفية أو الحزبية المقيته التي تعصف بوحدة الأمة وتؤدي إلى ضعفها وتراجعها .

وكان الوزير الفاطمي / يعقوب بن كلس، وزير الخليفة / العزيز بالله (الخليفة الفاطمي الخامس في سلسلة الخلفاء الفاطميين، تولى 365 هـ، وتوفي 386 هـ ) على معرفة واسعة للمذهب الإسماعيلي، وقد كتب في الفقه الإسماعيلية كتابًا ضخمًا ضمنه ما سمعه من الخليفة الفاطمي / المعز لدين الله محمد أبو تميم (توفي 365 هـ )، والخليفة الفاطمي / العزيز بالله نزار أبو منصور (ابن الخليفة / المعز لدين الله، توفي 386 هـ)، وكان منزله كل يوم جمعة مأوى للعلماء والطلاب ليقرأ لهم من هذا الكتاب ومن سواه من الكتب .

أما السلفي أحمد بن محمد أبو طاهر (توفى 576 هـ) كان من العلماء الفقراء، وطاف بلاد الله، وقابل خلق الله حتى وصل إلى مدينة الإسكندرية المصرية، فتزوج امرأة ذات مال واتخذ من بيته بالإسكندرية مكانًا للتعليم، وفي الجزء الثالث من منتخباته من أصول سماعات أبي الحسن علي بن المشرف يقول: بلغت من أوله قراءة وسماعًا ومعي إسحق وحمد ابنا أحمد بن موسى المروزاني، وصح لنا ذلك في منزله بالإسكندرية .

تلك أمثلة تعد نماذج فقط لسواها مما حفلت به كتب الأدب والتاريخ، وهي تبين بوضوح أن منازل العلماء أسهمت بنصيب وافر في نشر الثقافة والعلم في أرجاء المعمورة الإسلامية، وبخاصة قبل انتشار المدارس .

ولما كان البيت مكانًا له خصوصيته التي لا يصح أن تنتهك بأي حال من الأحوال فمن الطبيعي أن يحسوا رواده بالوحشة والانقباض، ومن هنا كان على صاحب البيت - وقد جعل منه ملتقى للطلاب والتلاميذ - أن يقابل رواده ببشاشة وترحيب ويسري عنهم قدر الطاقة والإمكان، وإلا فقد يتسبب عن ذلك انقطاعهم عن الحضور .

بالطبع هذا مما يجعل الدرس قليل الجدوى، ويتحتم على الطلاب كذلك أن يتسموا بالوقار والهدوء حفاظًا على حرمة البيت وجلاله .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علي القاسميفكره وأخلاقه وموقف التنويريين من الحكم العسكري

"قد أختلف معك في الرأي ولكني على استعداد لأن أموت دفاعاً عن حريتك/ حقك في التعبير عن رأيك."

فولتير في "قول في التسامح"


تمهيد: في سنة 1990 كنتُ مديراً لإدارة التربية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، وسافرتُ إلى القاهرة في مهامٍ منها الاجتماع بصديقي عالم اللغة المصري الدكتور محمود فهمي حجازي الذي كنتُ قد عهدتُ إليه الإشراف على مشروع الإيسيسكو لتأليف كتب تعليم اللغة العربية في المدارس الماليزية الابتدائية والثانوية. وكان حجازي آنذاك وكيلَ كلية الآداب للدراسات العليا، بجامعة القاهرة.

في نهاية اجتماعنا، قال لي الدكتور حجازي:

ـ تعال معي لأعرّفك على الرئيس الجديد لقسم اللغة العربية في كلّيتنا، الدكتور جابر عصفور. لا بدّ أنك قرأت له.

ـ نعم، قرأت له ويسعدني التعرف إليه.

وذهبنا إلى مكتب الدكتور جابر عصفور، والتقيتُ به، ومنذ ذلك الحين، تعدّدت لقاءاتي معه، وواظبتُ على القراءة له، وتتبع أخباره. وحصل لدي الانطباع بأنه رجل وطني، متواضع، كريم، شجاع، صادق، معتدل، دبلوماسي. واجتماع هذه الصفات الحميدة في شخص واحد، هو من باب " تكامل الأخلاق" كما يُسمّى في فلسفة الأخلاق.

وطنيته:

كنت ذات يوم من سنة 2006، بعد أن تركتُ العمل في الإيسيسكو، أشارك في الحوار الثقافي العربي الكوري في سيئول. وكان معنا الدكتور جابر عصفور، والدكتور بوسنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو)، والدكتور محمد صابر عرب الذي تولى حقيبة وزارة الثقافة في مصر بعد ذلك عدّة مرات، وغيرهم. وفي بداية الاجتماع، التفتَ الدكتور جابر عصفور إلى المشاركين قائلاً:

ـ أرجوكم، إخواني، أن تتكلّموا باللغة العربية فقط، فالاجتماع يتوفر على ترجمة فورية عربية ـ كورية.

وطبعاً الدكتور عصفور يجيد الإنجليزية، فقد ترجم منها عدّة كتب مرجعية في النقد الأدبي. ولكنّه أراد من ملاحظته تلك تأكيد الهُوية العربية بدافع وطني. (و" العربية" هنا صفة ثقافية للهُوية وليست عرقية).

وذات يوم، قال لي الدكتور جابر عصفور:

ـ أقترح عليك أن تترجم كتاباً في علم المصطلح، لأن المكتبة العربية تخلو منه.

أجبت:

ـ حتى في اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، لا توجد سوى ثلاثة أو أربعة كتب فقط، وليس من بينها كتاب يستوفي جميع روافد علم المصطلح: اللسانية والمنطقية والوجودية والمعجمية والسيميائية والحاسوبية والفهرسية. بيد أني أعِدُك بتأليف كتاب متكامل خلال خمس سنوات.

وهكذا ألفتُ ونشرتُ كتابي " علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية " (1) الذي صدرت طبعته الثانية عن مكتبة لبنان ناشرون في بيروت قبل شهرين بتسع مئة صفحة تقريباً.

تواضعه وكرمه:

يتحلّى الدكتور عصفور بتواضع العالِم وبكرم المصري الأصيل.

حوالي سنة 2005 وفيما كنتُ أتأهَّب للسفر إلى القاهرة قصد المشاركة في المؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية، رجاني صديقي الناقد المراكشي الأستاذ إبراهيم أولحيان أن أحملَ معي ترجمة كتاب الأديبة الفرنسية آن موريل " النقد الأدبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا"(2) التي أنجزها بالتعاون مع زميله الأستاذ محمد الزكرواي، وأعرِضَها على المجلس الأعلى للثقافة، لعلّهم يودون نشرها في سلسلتهم الشهيرة للكتب المترجمة.

اغتنمت فرصةً بين اجتماعات مؤتمر المجمع، وذهبتُ إلى مكتب كاتبة الدكتور جابر عصفور، الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة، ولم أكن قد حصلت على موعد مسبق. وسألتها:

ـ هل يمكنني أن أقابل الدكتور؟

ولدهشتي، أجابت ببساطة:

ـ مرحباً، تفضل أدخل.

وازدادت دهشتي عندما وجدتُ في مكتب الدكتور عدّة أشخاص يتبادل معهم الحديث بلطف، ولعلهم من مسؤولي المجلس الأعلى للثقافة أتوه لتلقي تلعيماته في بعض القضايا. فهذان علامتان من علامات الرجل الكريم قال عنهما الشاعر العربي وهو يمدح كريماً:

هشٌّ إذا نزلَ الوفودُ بـبابهِ ... سهلُ الحِجابِ مؤدَّبُ الخُدّامِ

وإذا رأيتَ شقيقَهُ وصديقَهُ ... لم تدرِ أيُّهما أخــو الأرحامِ

كما حدَّد الشعراء العرب صفةَ الرجل البخيل الأولى بصعوبة مقابلته:

إذا ما أتيناهُ في حاجةٍ ... رفعنا الـرِّقاع لهُ بالقصبْ

لهُ حاجِبٌ دونَهُ حاجبٌ ... وحاجبُ حاجِبهِ مُحتجبْ

وبعد ترحيب الدكتور جابر عصفور بي، عرضتُ عليه الموضوع، فسألني:

ـ هل قرأت المخطوطة؟ وما رأيك في الكتاب والترجمة؟

ـ نعم اطلعتُ على الكتاب في الطائرة، وأحسب أنه مفيد وترجمته جيدة.

هنا نادى الدكتور عصفور كاتبتَه (وأظنها السيدة شهيرة العالم، ابنة الناقد المعروف الدكتور محمود أمين العالم): وقال لها وهو يسلّمها الكتاب:

ـ هذا الكتاب للنشر.

وقد نُشِر الكتاب فعلاً.

شجاعته وصدقه:

بعد حوالي خمسة أشهر من انتخاب محمد مرسي (من جماعة الإخوان المسلمين) رئيساً لجمهورية مصر، قال الدكتور جابر عصفور في مقابلة لجريدة الوطن بتاريخ 27 / 11/ 2012 ورد فيها:

 " إن قرارات الرئيس مرسي هي إعلان عن دكتاتورية لا يمكن إلا أن تؤدّي إلى الحرب بين أطياف الأمة...وإيحاءات الجماعة تدلُّ على الرغبة في القمع... وإن تطبيق الشريعة وهْم... وأحلام المصريين تحوَّلت إلى كوابيس..."

أطلق تلك الكلمات النارية دون أن يخشى القمع الذي ذكره.

وعندما كان الدكتور جابر عصفور وزيراً للثقافة سنة 2014، لم يتردّد في إقالة الدكتور رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، لأنه أوقف عدداً من كبار موظفي الهيئة عن العمل دون الرجوع إلى الوزارة أولاً.

وحينما منعتْ وزارتُه عرْض فيلم " الخروج: آلهة وملوك" للمخرج البريطاني ريدلي سكوت الذي يدور حول خروج النبي موسى من مصر، صرّح الدكتور جابر عصفور لوكالة فرانس برس:

ـ " إن قرار منع الفيلم صدر من الوزارة ولا علاقة للأزهر به. هذا الفيلم صهيونيٌّ بامتياز، فهو يعرض التاريخ من وجهة النظر الصهيونية، ويتضمَّن تزييفاً للوقائع التاريخية؛ لهذا تقرَّر منْع عرضه في مصر.".

وهو يعلم حقَّ العلم أَن القانون الفرنسي يعدُّ هذا التصريح نوعاً من اللاسامية، ويُجرّمه، وكان هو يتردد على باريس للعلاج.

اعتداله ودبلوماسيته:

يوصف الدكتور جابر عصفور بأنه تنويري يساري، ولكنه يختلف عن كثير من التنويريين اليساريين باعتداله ودبلوماسيته. وسأعود إلى هذا الموضوع بشيء من التفصيل. ولكن أورد هنا مثلَين على اعتداله ودبلوماسيته:

حينما حصلتْ، سنة 2014، مشكلة بينه، بوصفه وزير الثقافة، وبين الأزهر حول عرض فيلم نوح في مصر، صرح الدكتور عصفور في مقابلة تلفزيونية:

ـ"مشايح الأزهر ضيّقوا الأفق، ولا يتمتعون برحابة صدر شيخ الأزهر أحمد الطيب."

وهذه دبلوماسية عالية يُعبَّر عنها بالقول السائر " يكسِرُ ويجبُرُ".

ويتجلّى اعتداله في اهتمامه بالتراث العربي الإسلامي خلافاً لكثير من التنويريين الذين ينادون بالقطيعة مع التراث. وهذا ما سأعود إليه لاحقاً.

عندما يتحدث عن التنوير الذي يناوئ ظلامية رجال الدين، لا يتردد في القول إن الفكر التنويري في مصر قديم يرجع إلى القرن التاسع عشر، ويشير إلى أن موجته الأولى انطلقت من مشايخ الأزهر ورجال الدين مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801ـ 1873) أحد أبرز رواد التنوير في مصر وصاحب كتاب " تخليص الإبريز في تلخيص باريس"(3) وكتاب " المرشد الأمين للبنات والبنين"(4).

 وينبغي التنويه هنا إلى أن الطهطاوي نظر إلى أفكار الإصلاح السياسي في مصر من وجهة نظر إسلامية في تناول الحداثة. فقد كان يرى أن مبادئ التنوير، كالمساواة والعدالة الاجتماعية والحريات المدنية متضمنة في أصول الفقه، وأن الاقتباس من الأغراب، لا سيما إذا كانوا من أولي الألباب، تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجب العجاب، وأن الأفكار الصادرة عن العقل لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية(5) . وليس جميع التنويريين العرب هم ذوي مرجعية إسلامية.

جابر عصفور مفكّرا تنويرياً:

يُعدّ الدكتور جابر عصفور من زعماء التنوير في تاريخ مصر الحديث. وينعت المتديّنون المتشدّدون هؤلاء الزعماء بالكفر والإلحاد والانحراف الديني والعقدي. وزعماء التنوير في مصر منذ بداية القرن العشرين هم: سلامة موسى (1887 ـ1958) وطه حسين (1889 ـ 1973)، وتوفيق الحكيم (1898 ـ 1987)، ونجيب محفوظ (1911ـ 2006)، ونوال السعداوي (1931 ـ   )، وجابر عصفور (1944 ـ  )، وصلاح فضل (1938ـ )، وغيرهم.

والدكتور جابر عصفور أحد أبرز زعماء التنوير بمصر في العصر الحديث، لا لأنه ألّف ونشر أكبر عدد من الكتب حول التنوير فحسب، بل لأنه كذلك أعلى التنويريين صوتاً، وأوضحهم فكراً، وأقواهم حجة، وأكثرهم إقناعاً.

ففي التسعينيات، نشر الدكتور جابر عصفور ستة كتب قيّمة تحمل مصطلح " التنوير" أو أحد مشتقاته في عناوينها، وهي:

1ـ التنوير يواجه الظلام، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.

2ـ محنة التنوير، القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993.

3ـ دفاعاً عن التنوير، القاهرة: الهيئة العامة للثقافة، 1993،

4ـ هوامش على دفاتر التنوير، بيروت: دار سعاد الصباح، 1994،

5ـ أنوار العقل، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996.

وثمّة بعض مؤلَّفاته لا تحمل في عناوينها كلمة التنوير، ولكنها تدور حول بعض موضوعاته، مثل:

6 ـ آفاق العصر، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997،

7 ـ ضد التعصّب، بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2000،

8 ـ عن الثقافة والحرية، القاهرة: مؤسسة الأهرام للنشر، 2016.

والتنوير، في الأصل، حركة فلسفية اجتماعية سياسية ظهرت في أوربا، وترتكز على دعامتيْن: العقلانية، والحرية.

فالحركة تُعنى بتنوير العقل، وتحريره من الجهل والخرافات، وإطلاق قدراته على التفكير الحر، وعدم تبعيته لأية سلطة دينية كسلطة الكنيسة ورجال الدين، أو دنيوية كسلطة الحكومات الاستبدادية. وتؤمن الحركة بأن وظيفة المثقف التنويري التربوية هي تشجيع المواطنين على الاعتماد على عقولهم وطبيعتهم وعفويتهم، وتفعيلها بالمعرفة والعلم، وعدم الطاعة العمياء للآخرين مهما كانت منزلتهم، فالناس الأسوياء متساوون في قدراتهم الطبيعية الغريزية على التفكير والفهم.

ونافحت الحركة آنذاك عن ضرورة تمتُّع المواطنين بحرياتهم الطبيعية، والمدنية، والسياسية. وكانت أغلبية السكان في أوربا لا تتمتع بهذه الحقوق خلال القرون الوسطى بسبب طغيان الإقطاع على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. وفي القرن العشرين، سُميّت هذه الحريات بالحقوق، وأُضيفت إليها الحقوق الاقتصادية، بفضل المنظمات الأممية والمنظمات غير الحكومية والنقابات وغيرها.

وبناء على مبادئ هذه الحركة الفكرية، خاصة المساواة بين المواطنين وضمان حرياتهم، تفرّعت وتطوّرت مفاهيم تنويرية كثيرة مثل: الديمقراطية، والعَلمانية، والحكومة المدنية، والتسامح، وغيرها.

انطلقت هذه الحركة الفكرية أواخر القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر في أوربا، خاصة في انجلترة، حيث ساعدت الظروف الاجتماعية والسياسية في القرن السابع عشر على ظهور البرجوازية (كسبة، تجّار، صُنّاع) وتزايد نفوذها، ما اضطر الطبقة الإقطاعية إلى تطوير أساليب الإنتاج وقبول الإصلاحات الجديدة. وكان من رواد هذه الحركة الذين أرهصوا لها، رجل الدولة الفيلسوف فرانسيس بيكون (1561 ـ 1626) قائد الثورة العلمية القائمة على الملاحظة والتجريب، والفيلسوف السياسي الأخلاقي توماس هوبز (1588ـ 1679) صاحب نظرية العقد الاجتماعي وكتاب " المواطن "(6) الذي ألفه وهو في منفاه في فرنسا، والفيلسوف الفيزيائي إسحاق نيوتن (1642ـ 1726) صاحب نظرية الجاذبية، والفيلسوف جون لوك (1632 ـ 1704) الملقب بأبي العَلمانية وصاحب "رسالة عن التسامح "(7)، وكتاب " في الحكم المدني" (8).

بيدَ أن هذه الحركة التنويرية وجدت أرضاً فكرية خصبة لنموها وازدهارها في فرنسا في زمن تزايد فيه النفوذ الاقتصادي والاجتماعي للبرجوازية الفرنسية وتراجع نفوذ الإقطاع خاصة في عصر لويس الرابع عشر (1638 ـ 1715) الملقّب بالملك العظيم أو الملك الشمس، الذي دام حكمه الفعلي أكثر من 60 عاماً وتعاظم الحكم المركزي خلاله على حساب سلطات الإقطاع، وأصبحت فرنسا في عهده الدولة الأوربية الأولى في العلوم والآداب والفنون، بفضل رعايته للمفكرين والفلاسفة والأدباء والعلماء، وانتشار المكتبات، وتكاثر الصالونات الأدبية. وهكذا انتعشت الحركة التنويرية في الثقافة الفرنسية على أيدي الفيلسوف القانوني مونتسكيو (1689ـ 1755) صاحب كتاب " روح القوانين" L’esprit des lois (ترجمه عادل زعيتر بعنوان " روح الشرائع")(9) الذي بيّن فيه أنواع الحكومات: الملكية، الدكتاتورية، الجمهورية؛ وطرح فيه نظريته حول الفصل بين السلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة ؛ والمؤرِّخ الفرنسي فولتير (1694 ـ 1778) المشهور بدعوته إلى التسامح وحرية التعبير، خاصة في رسالته " قول في التسامح"(10)؛ والفيلسوف الأديب من جنيف، جان جاك روسو (1712ـ1778) صاحب نظرية التربية الطبيعية التي بسطها في كتابه " أميل: في التربية" Emile: ou De l’education (ترجمه نظمي لوقا بعنوان "إميل: أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد"(11))، وصاحب الدعوة إلى المساواة في بحثه " منشأ وأسس عدم المساواة"؛ ودينيس ديدرو (1713 ـ 1784)، الملقب بفيلسوف الحرية والمشهور بأقواله البليغة اللاذعة، مثل " لم يسبق لفيلسوف أن قتل رجلَ دِين، ولكن رجال الدين قتلوا كثيراً من الفلاسفة."

وخلال ما يسمى بالنهضة العربية في بلداننا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وجد بعض المفكرين العرب أنفسهم يطرحون قضايا أصبحت بديهيات في الفكر الأوربي، كالتسامح، وحرية التعبير، والفصل بين السلطات، والعَلمانية، والحقوق السياسية، إلخ.(12) وقد انتشرتْ هذه القيم في المجتمعات الأوربية، ليس بفضل القوانين فحسب، وإنما بفضل انتشار الثقافة وإلزامية التربية والتعليم الجيدين في المقام الأول.

ولو ألقينا نظرة عابرة على بعض مؤلّفات الدكتور جابر عصفور، لوجدناها تطرح تلك القضايا التي كان مفكرو التنوير يطرحونها في أوربا في القرن السابع عشر والثامن عشر. فهي تطرح قضايا التخلُّف والتقدُّم، والحرية الفكرية، والتسامح، والإبداع، والعناية بالمستقبل، إلخ.

ففي كتابه " أنوار العقل" (1996)، مثلاً، يرى أن العقل أساس التنوير، وهناك تنافر بين التنوير والظلامية. وبحسب الدكتور عصفور، فإن الفكر الظلامي هو حالة من حالات فقدان العقل. وتتمثل الظلامية في ظلامية الفكر الديني، وظلامية النخب السياسية، المتمسكة بالاستبداد ووعدم الانتقال الديمقراطي.

وفي كتابه " آفاق العصر" (1997)، مثلاً، يرى أنه لكي يتقدّم العرب، لا بُدّ لهم من خيال ابتكاري، يستطيع وضع تصوّر واضح للمستقبل، وأن يتخلّوا عن الخيال الاسترجاعي سجين الماضي الذي تجتره قوى التخلف والثبات.

 أما في كتابه " ضد التعصّب" (2000)، فيتطرق الدكتور عصفور إلى بدايات ظهور العنف في الصراع بين التيار الديني المتطرف والتيار المدني المتحرّر في البلدان العربية، ولجوء التيار الأول إلى تكفير المفكِّرين. ويعدُّ هذا الصراع من مظاهر معركة سياسية كانت تدور بين ثقافتين،: ثقافة دينية تقليدية اتباعية متشدِّدة ومشدودة إلى الماضي وتحافظ على الثبات والجمود ويقودها رجال دين متشددون، وثقافة جديدة متحرِّرة متحرِّكة تسعى إلى مستقبل أفضل يقودها مفكِّرون تنويريون مدنيّوين؛ ويصم التطرف الديني بمعاداة الإبداع والاجتهاد، والعمل على تكفير المجتهدين .

يقول المؤلِّف في مقدِّمته لهذا الكتاب:

" كتبت هذا الكتاب في مواجهة تيار التعصُّب الذي أشاعته مجموعات التطرُّف الديني بفصائلها المتعدِّدة وضدَّ عمليات الانغلاق الموازية التي حرص هذا التيّار على تثبيتها في النفوس. ودفاعا عن حرِّية الفكر والابداع، وتأكيدا لقيم الدولة المدنية، واستمرارا للتقاليد الخلّاقة نفسها التي تصل اجيالنا بجيل طه حسين في الدفاع عن الحرِّية التي لا يمكن ان ننالها الا اذا انتزعناها انتزاعا. "

وهذا الكتاب (ضدَّ التعصُّب) يتناغم مع كتاب فولتير (قول في التسامح)، في الغاية والوسيلة والمصطلح. فالتسامح هو نقيض التعصُّب. وإذا كان فولتير انطلق في كتابه من مأساة المواطن جان كالاس البروتستانتي الذي قامت جماعات التعصب الديني المذهبي بإعدامه، ونفي أمّه، وسجن ابنه؛ فإن جابر عصفور قد انطلق في مقالاته الصحفية التي جمعها في هذا الكتاب، من فتاوى بعض رجال الدين المتعصِّبين في تكفير جملةٍ من المجتهدين كما حصل في حالات نصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، وأحمد البغدادي، وسيد القمني؛ أو تكفير بعض المُبدعين، كما حصل في حالات تكفير حيدر حيدر، ومرسيل خليفة، وليلى عثمان، وعالية شعيب.

وأكثر من ذلك، فعندما يورد الدكتور جابر عصفور بعض المصطلحات التنويرية في هذا الكتاب، فإنه يستعملها بمفهومها الذي كان قائماً في أوربا خلال القرن الثامن عشر، مع إدراكه أن المفاهيم قد تتغيّر وتتطوّر باختلاف المكان والزمان. فمثلاً عندما يقول الدكتور عصفور إنه كتب هذا الكتاب تأكيدا لقيم (الدولة المدنية)، فهو يستعمل هذا المصطلح بمفهومه لدى رواد التنوير في القرن الثامن عشر، أي مقابلا للدولة الدينية أو الكنسية التي كان لرجال الكنيسة أثر كبير في توجُّهاتها وإجراءاتها، وليس مقابلاً للدولة البوليسية أو الدولة العسكرية السائدة في معظم بلداننا العربية عندما نُشِر كتابه. ففي اللغة العربية حصل توسُّع في مفهوم المصطلح لم تعرفه معظم اللغات الأوربية في عصر الأنوار. ففي هذا الكتاب لا يستعمل الدكتور عصفور مفهوم " الدولة المدنية" كما استعمله الشبان المصريون، عندما شاهدوا المشير محمد حسين الطنطاوي القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية وهو يرتدي بدلة مدنية لأوّل مرة ويتجول في وسط القاهرة في أواخر سبتمبر أيلول 2011 (اي بعد سقوط الرئيس اللواء حسني مبارك)، فرفعوا أصواتهم قائلين:

ـ " يا سيادة المشير! إحنا عاوزين (دولة مدنية)، مش بدلة مدنية."

ومعروف أن المصطلح قد يكتسب مفاهيم متعددة بمرور الزمن، فمثله مثل الكلمة التي قد تتعدّد معانيها، فكلاهما لفظ. والسبب في ذلك أن الألفاظ محدودة متناهية، وذلك لأن عدد الأصوات الرئيسية تتشكل منها الألفاظ معدود في كل لغة وتشكُّل الألفاظ خاضع لقوانين التنافر بين الأصوات وقوانين الاقتصاد في الجهد. أما المعاني والمفاهيم فهي لامحدودة لا متناهية، بل في ازدياد مضطرد بفضل تقدّم البشرية وتنامي المعارف والعلوم. ولهذا أصبح الاشتراك اللفظي ظاهرة لغوية في جميع اللغات البشرية الطبيعية. ومن هنا يُقدِم كثير من الباحثين على تعريف مفاهيم المصطلحات التي يستعملونها في مقدمة البحث.

التنويرية والدولة العسكرية:

هنالك نقطتان استوقفتاني في دراستي لفكر الدكتور جابر عصفور التنويري العَلماني، وهما:

الأولى، إن الموضوعات التي تدور حولها كتابات الدكتور عصفور التنويرية هي في الغالب: الثقافة، الحرية، العدل الاجتماعي، الإيمان بنزعة إنسانية لا تميز بين الأجناس ولا تفرّق بين الدول، الدولة المدنية القائمة على التسامح، حقوق الإنسان، التقدُّم، التخلُّف، ظلامية التعصب الديني، إلخ.

هذه قيم فلسفية رائعة. ولكن كتاباته لم تركّز على النظام التعليمي القائم في البلدان العربية، الذي أعدُّه السبب الأساس في تدنّي التنمية البشرية وانعدام العدالة الاجتماعية في بلداننا العربية ومنها مصر العزيزة؛ فهو نظام توجد فيه أربعة أنواع من المدارس: مدارس أجنبية تستخدم منهجاً أجنبياً بلغة أجنبية، ومدارس أهلية حرة تعنى كثيراً باللغة الأجنبية، ومدارس حكومية سيئة، ومدارس دينية. وهذا النظام التعليمي لا يساعد على توفير فرص متساوية أمام الأطفال خاصة أن معظم بلداننا العربية تستعمل اللغة الأجنبية في دوائرها الحكومية وفي التعليم العالي وفي المؤسسات الاقتصادية والمالية والشركات. وهكذا فالنظام التعليمي القائم يؤدي إلى طبقية اجتماعية ويعمل على إعادة توليدها دائماً (13).

لعلَّ التنويريين يرون أن هذه النقطة متضمَّنة تلقائياً في مطالبتهم بالعدل الاجتماعي أو حقوق الإنسان.

الثانية: يناوئ التنويريون الاستبداد بجميع أشكاله، ولكن كيف يبرِّرون دعمهم لحكومات عسكرية وتسنمهم مناصب وزارية أو رفيعة في هذه الحكومات التي يصفها بعضهم بالاستبداد؟

وهذا لا يعني أن الدكتور جابر عصفور لم ينتقد الحكم العسكري، ففي حوار له مع جريدة "الوفد" بتاريخ 1/3/2012 (أي بعد ما يُسمى بـ " ثورة 2011 " وظهور ما يوحي بقرب حكم ديمقراطي)، صرح الدكتور جابر عصفور بـ " أن المشروع التنويري ضُرب على يد الأصولية العسكرية والإصولية الدينية " وأضاف: " بدأت محنة التنوير في مصر عندما أجهزت ثورة يوليو رسمياً على الفترة الليبرالية، وتمَّ تحطيم الديمقراطية في أزمة مارس 1954 تحت أحذية العسكر."

ولكن تبقى إشكالية تعاون كثير من التنويريّين، ومنهم الدكتور جابر عصفور، مع الحكومات العسكرية قائمة. وقد طرحتُها على صديق تنويريّ مصريّ آخر في لقاء لي معه بالقاهرة، هو الشاعر الدكتور حسن طلب أستاذ الفلسفة في جامعة حلوان نائب رئيس تحرير مجلة " إبداع " الذي كان يتكرّم بنشر بعض قصصي القصيرة أو ترجماتي مثل ترجمتي لرواية " أحلام أنشتاين". ولكن إجابته الكريمة لم تُشفِ غليلي، ولم أقتنع تماماً بتبريراته الكثيرة.

وعندما أعملتُ الفكر في المسألة وأنا أكتب هذا المقال، تبادر إلى ذهني أن اعتدال الدكتور جابر عصفور ودبلوماسيته جعلاه يوائم بين واجبه تجاه أمته بوصفه مثقفا تنويرياً حراً، وبين واجباته الرسمية بوصفه موظفاً حكومياً أو مسؤولا رسميا. بيدَ أنني لم أرتَح لهذه الإجابة القلقة، لأن المسألة لا تخصُّ الدكتور جابر عصفور وحده، بل تعمُّ معظم رجال الاتجاه التنويري العَلماني في مصر.

ومن عادتي في البحث أنني إذا استعصى عليّ أمر ما، أتركه جانباً وأعود إليه بعد استراحة تقصر أو تطول. وهكذا تناولتُ فنجان قهوة في المقهى التي كنتُ أزاول الكتابة فيه، وأخذتُ صحيفة الأخبار المغربية لذلك اليوم 7/8/ 2019 لتصفّحها. وما إن فتحتُها حتى وقعت عيناي على مقالٍ للسياسي المصري الدكتور عمرو حمزاوي، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة الذي انتُخب عضوا في مجلس الشعب المصري سنة 2012، والذي اعتذر مرتين عن قبول منصب وزاري في حكومتيْن عسكريتيْن. وعنوان مقاله " عن تبرير العَلمانيين المصريين للاستبداد".

وهذا يؤكد ظني أو شعوري الدائم بأنني باحث محظوظ. وأنقل هنا نصَّ الجزء الأساسي من مقال الدكتور حمزاوي لئلا أفسده بالتلخيص:

" لم تكن الدوافع الوحيدة لتحالف النخب العَلمانية (ليبرالية ويسارية) مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للخروج على الإجراءات الديمقراطية في صيف 2013 هي فشل إدارة الرئيس الأسبق، محمد مرسي، في إخراج البلاد من أزماتها وعصفها بسيادة القانون والإطار الدستوري القائم (الإعلان الدستوري الاستثنائي في نوفمبر 2012).

كذلك لم ترتبط دوافع النخب العَلمانية في الانقلاب على الديمقراطية فقط بما طُرح آنذاك كفعل ضرورة لحماية مصر من استبداد ديني محقق والحفاظ على هُويتها الوطنية. فالموقف المضاد للديمقراطية الذي تبنَّته النخب العلمانية في ذلك الصيف ثمَّ تأييد أغلبية عناصرها لعودة السلطوية وصمتها على انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان، مثلٌ وما زال ترجمة لميراث تاريخي طويل حَدَّد منذ القرن التاسع عشر جوهر العلاقة بين النخب العَلمانية ونظم الحكم المتعاقبة، كما بينها وبين فعاليات المجتمع وعموم المواطنات والمواطنين.

فقد كان تشكُّل النخب العَلمانية في أعقاب نشوء الدولة الوطنية الحديثة (دولة محمد علي الذي حكم البلاد بين 1801 و 1840) وثيق الصلة بالتحالف مع نظام الحكم والسلطة القائمة. وتبلورت (باستثناء فترات عابرة) مقولاتها الكبرى وإنماط ممارساتها لدورها السياسي والمجتمعي في سياق الدفاع الدائم عن الحكم ودعم السياسات الرسمية وتبرير إخفاقاتها ونتائجها السلبية.

لم ترَ النخب العَلمانية في الدولة الوطنية سوى قوَّة التنوير والتحديث والتقدُّم القادرة على تجاوز الجهل والفقر والتخلّف..."

وبعبارة وجيزة، فإن القائد العسكري محمد علي باشا الكبير (1769 ـ 1849) حاكم مصر (1805 ـ 1848)، هو التنويري الأكبر في مقابل ظلامية رجال الدين الذين ورثوا فكر عصر الانحطاط بتخلُّفه وجهله وتعصّبه وثباته، بحيث كان بعضهم يحرّم زواج رجل من المذهب الشافعي بامرأة من المذهب المالكي، مع أن كلا الزوجين لا يعرف شيئاً عن أحكام أيِّ مذهب. كما أن العبقري محمد علي باشا الكبير هو الذي أعدَّ وكوّن التنويريين الأوائل في مصر ورعاهم واستعان بهم في مناصب الدولة. فالشيخ الطهطاوي، الذي ذكره الدكتور عصفور بوصفه من رواد التنوير في مصر، هو من صنع محمد علي باشا الكبير وحظي برعايته.

وعلى رجاحة رأي الدكتور حمزاوي، فإنه يبقى مجرَّد وجهة نظر قابلة للتصديق أو التكذيب. وكنتُ أتمنى أن يبرر لنا الدكتور جابر عصفور شخصياً موقفه. وبعد قليل من البحث عثرتُ على ما كنتُ أتمناه في ثنايا حوار أجراه صحفيٌّ حاذق مع الدكتور جابر عصفور ونشرته جريدة " الأخبار " اللبنانية في عددها بتاريخ 9/7/ 2008، أي بعد انتهاء مهمته في المجلس الأعلى للثقافة، وانتقاله إلى إدارة المركز القومي للترجمة الذي سعى لإنشائه إيماناً منه بأهمية الترجمة في تنمية الثقافة، وقبل بضعة أيام من سفره إلى باريس لإجراء عملية جراحية في القلب. فقد طرح الصحفي محمد شعيرة بجرأة سؤالاً عن التناقض بين كون الدكتور عصفور تنويرياً وبين رئاسته لأهم جهاز ثقافي في مصر في وقت كانت أجهزة الثقافة والإعلام مجنَّدة لمعركة السلطة ضد الأصولية... وتساءل هذا الصحفي عن الجوانب التي يرى هذا المثقَّف التنويري أن مشروعه يتقاطع مع مشروع الدولة، خصوصاً أن معظم الأنظمة العربية عسكرية وقائمة على الاستبداد والفساد.

أجاب الدكتور جابر عصفور بـ " أنه تنويري خارج السلطة... وأنه لم يكن يعمل مع سلطة بل مع دولة أتاحت له (منافذ) حقّق عبرها بعضا من مشروعه الثقافي ... وكان بين الطرفين (اتفاق مضمر) ما دامت هذه الدولة تسمح له بتحقيق ما يؤدي إلى تثقيف الناس ... وفي كل الأحوال، ما دمتَ مثقفاً، يجب أن تعوّد نفسك على أنك خارج السلطة، بل خارج الدولة تنظر إلى ما يحدث فيها من منظور معارض أو مستقل يستطيع رؤية السلبيات."

ولعل جواب الدكتور عصفور يتفق في جزأ منه مع تحليل الدكتور حمزاوي.

وينبغي أن نذكر أن كثيراً من زملاء الدكتور جابر عصفور من التنويريّين المصريّين مثل الدكتورة رضوى عاشور والدكتورة ميرال الطحاوي قد انتقدوا بشدة قبوله وسام رئيس تونس رجل الأمن المستبد زين العابدين بن علي سنة 1995، وقبوله جائزة طاغية ليبيا الغوغائي الملازم معمر القذافي سنة 2009، ووقبوله منصب وزير الثقافة في حكومة اللواء حسني مبارك الأخيرة، ومصافحته له في حين كانت دماء المصريين الرافضة لحكمه العسكري الفاسد ما زالت تنزف في شوارع مصر. ولعلَّ هذا النقد هو مما جعل الدكتور جابر عصفور يقدّم استقالته بعد بضعة أيام من استيزاره.

 وينبغي الإشارة كذلك إلى أن بعض التنويريين العرب مثل المغربي الدكتور محمد عابد الجابري (1935ـ 2010)، صاحب رباعية " نقد العقل العربي"، رفضَ تسلّم جوائز مالية ثمينة من صدام حسين طاغية العراق، ومن العسكري الملازم معمر القذافي طاغية ليبيا.

الدكتور جابر عصفور الناقد:

لم يقتصر عمل الدكتور جابر عصفور على نقد ثقافة المجتمع ومحاولة تطويرها، بل انصبَّ في معظمه على النقد الأدبي، تخصُّصه الأصلي في الجامعة. فالنقد، في نظر الدكتور جابر عصفور، خطاب معرفي يقوم على منهج مكوّن من مجموعة من المبادئ والقواعد المستمدة من الأفكار الأدبية.

أعدُّ الدكتور جابر عصفور ناقداً شمولياً، بمعنى أنه أحاط بالنقد من جوانبه الأربعة:

أ ـ النقد النظري،

ب ـ النقد التطبيقي،

ج ـ نقد جميع الأنواع الأدبية،

د ـ نقد النقد.

ففي النقد النظري، اعتنى الدكتور جابر عصفور عناية خاصة في نظريات النقد وأسسه، ليس في التراث العربي فحسب، بل كذلك في الفكر الغربي. ففي التراث النقدي العربي له عدة دراسات، أهمُّها أول كتبه " الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي " (1973)، وعاد إليه في كتب ودراسات لاحقة مثل كتابه " قراءة التراث النقدي" (1997). أما النظريات النقدية الغربية الحديثة، فعمل على جعلها في متناول النقاد العرب باضطلاعة بترجمة أربعة كتب مرجعية هي: "عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو" (1985)، " الماركسية والنقد الأدبي " (1986)، "النظرية الأدبية المعاصرة" (1991) " اتجاهات النقد المعاصر" (2002).

 وفي النقد التطبيقي، لم يكتفِ الدكتور عصفور بالتعريف بالمضامين الجمالية في النصوص التي يتصدّى لها بالنقد، بل كان يحاول كذلك الكشف عن قيمتها الإنسانية. وهكذا تناول الدكتور عصفور كثيراً من إبداعات أعلام الأدب العربي قديما وحديثاً. كما أنه اضطلع بدور هام في مجلة " فصول " النقدية منذ تأسيسها سنة 1981، حين ترأس تحريرها الناقد الدكتور عز الدين إسماعيل، وكان الدكتور صلاح فضل والدكتور جابر عصفور نائبيه. وابتداء من السنة الحادية عشرة من حياة هذه المجلة النقدية الهامة، تولى الدكتور جابر عصفور رئاسة تحريرها. وقد رعت هذه المجلة النقد الأدبي في الوطن العربي تنظيراً ونطبيقاً وترجمة، وشجعت ظهر أجيال من النقاد العرب، ويسَّرت لهم الاطلاع على النظريات النقدية الغربية الحديثة.

ولم يقتصر الدكتور جابر عصفور في نقده التطبيقي على نقد نوع أدبي معين، كما يفعل كثير من نقادنا المعاصرين، فيتخصَّصون في نقدّ الشعر، أو نقد السرد، مثلاً، بل تناول في دراساته جميع الأنواع الأدبية، كالشعر (كما في كتابه " مفهوم الشعر: دراسة في التراث النقدي" (1978)، وفي دراساته لشعر أدونيس، ودراسته عن شعراء السبعينيات في مصر، المنشورة في جامعة صنعاء)؛ والسرد (كما في دراسته عن " نقاد نجيب محفوظ" المنشورة في العدد الثالث من المجلد الأول من مجلة فصول)؛ والمسرح (كما في دراسته المطولة " التجريب المسرحي في حياتنا" (14) .

وخصَّص الدكتور جابر عصفور كتابه " نظريات معاصرة " (1998) لنقد النقد، أي مساءلة النقد ذاته في فعل مساءلة موضوعه. وهكذا يضطلع النقد بمراجعةٍ دائمة لمفاهيمه وتصوراته وإجراءاته وأدواته، وذلك من أجل تطويرها وتهذيبها.

وهكذا يمكننا القول إن الدكتور جابر عصفور عالِم في النقد، وليس مجرّد ناقد . ولهذا نجد أن الدراسات النقدية في الجامعات العربية قد تأثرت بآرائه ونظرياته، بدليل صدور رسائل جامعية عديدة عن دراساته النقدية.

الدكتور جابر عصفور والقطيعة مع التراث:

يدل (التراث)، لغةً، على ما يخلّفه الميت لورثته من تركةٍ، سواء أكانت تلك التركة مالاً أو مجداً أو فكراً. أما (التراث)، اصطلاحاً، فيشير إلى ما ترثه الجماعة من أسلافها من ثقافة وحضارة.

وعلى الرغم من أن (الإرث/ الميراث والتراث) هي جميعاً أسماء مشتقة من الفعل (وَرِثَ)، فإن (الإرث/ الميراث) يعني نصيب كل فرد من تركة الميت، على حين أن التراث ـ في مفهومه الحديث الذي تبلور خلال النهضة العربية في القرن التاسع عشر ـ يشير إلى الإرث الفكري والثقافي الذي وصلنا من آبائنا. وهكذا، فإذا كان (الإرث /الميراث) يقتضي وفاة الأب لحلول الولد محله، فإن (الميراث) يعني حضور الأب في الولد واستمرار الماضي في الحاضر. (15)

ورد مصطلح (القطيعة المعرفية) على يد فيلسوفِ العِلم الفرنسي غاستون باشلار (1884 ــــ 1962)، ليدل على مفهومَين:

الأوَّل، تخلّي العالِم في المختبر عن المعرفة التقليدية الشائعة، والأخذ بالمعرفة العلمية الموضوعية القائمة على التجربة والبرهان.

الثاني، القطيعة بين الأنظمة المعرفية. فعندما يعجز النظام المعرفي عن معالجة الإشكاليات التي تواجهنا، لا بدَّ لنا من التخلّي عن النظام المعرفي القديم وتبنّي نظام معرفي جديد. لا بدَّ لنا من تغيير الزاوية التي ننظر منها إلى الأشياء، أي التخلّي بوعيٍ تامٍّ عن ذلك النظام المعرفي القديم، وتبنّي نظامٍ معرفيٍّ جديدٍ يستطيع التعامل مع الإشكاليات التي عجز النظام المعرفي القديم من التعامل معها. فالتطوُّر العلمي لا يتوقَّف على التراكم الكمي فحسب، بل على آليات التفكير الجديدة أيضاً.

وفيما اشتغل باشلار على المفهوم الأوَّل لمصطلح القطيعة المعرفية، تبنّى المفهومَ الثاني وطوَّره ثلاثةٌ من المفكرين هم: الفيلسوف الناقد الفرنسي ميشيل فوكو (1926 1984)، والفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير(1916 1990) ؛ ومؤرِّخ العِلم الأمريكي توماس كوهن (1922ــــ 1996) الذين رأوا أنَّ التطوُّر العلمي ليس بالضرورة تراكمياً وتدريجياً، وإنَّما قد يتأتّى من ثوراتٍ بنيويةٍ يتمُّ فيها تغييرُ نسق البحث وآلياته. وأصبح للقطيعة المعرفية مفهومٌ مختلفٌ شيئاً ما لدى كلِّ واحد من هؤلاء المفكِّرين الثلاثة(16).

وعندما دخل مصطلح ” القطيعة المعرفية ” إلى اللغة العربية في القرن العشرين، طبّقه التنويريّون على التراث بطرقٍ مختلفة. وينبغي الإشارة إلى أنه لا يمكن القطيعة مع جميع عناصر التراث من دون إحداث ضرر كبير في هوُية الجماعة والتماسك الاجتماعي والتراكم المعرفي والتنمية البشرية فيها. فلغة المجتمع وسّلمه القِيمي، مثلاً، لا يمكن القطيعة معهما بصورة مفاجئة أو بقرار إداري، لأن هذين العنصرين يستغرق تكوّنهما فترات زمنية طويلة، ويتغلغلان في وجدان الجماعة ولاوعيها. وأحد أسباب التنمية البشرية المتدنية في معظم البلدان العربية هو محاولة القطيعة مع اللغة الوطنية وفرض لغة أجنبية، لغةَ تواصل في العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد.(17)

وفي ميدان النقد الأدبي دعا بعض النقاد التنويرين إلى ضرورة القطيعة مع التراث العربي في البلاغة والبيان والبديع، لأنه وصل إلى أفق مسدود، ولا تفيدنا في نقد النصوص الأدبية الحديثة. وفي لقاء لي بالقاهرة مع الناقد التنويري الدكتور صلاح فضل، أعرب لي عن ذلك الرأي. وهذا ما فعله عندما اختاره مجمع اللغة العربية بالقاهرة رئيساً للجنة وضع معجم لمصطلحات النقد الأدبي، فإنه اعتمد معجماً أجنبياً حديثاً أساساً لمعجمه الذي يخلو من أي مصطلحات تراثية.

وعلى الرغم من أن المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري (1935 ــ 2010)، قد نبّه في مقدمة كتابه " نحن والتراث" (18) إلى أنه لا يطالب بالقطيعة مع التراث العربي برمته، بل مع العناصر السيئة منه، فإنه في ندوة فكرية نظمتها جمعية الفلسفة المغربية حول " المصطلح التراثي بين الإعمال والإهمال " ورأسها المرحوم الدكتور عزيز الحبابي وشاركتُ فيها إلى جانب الدكتور الجابري، انتقدَ المصطلحات التراثية في الأدب، مثلاً، لكونها لا تلائم الحياة العصرية المتطورة، فمصطلحات الشعر العربي وأوزانه، مقتبسة من الخيمة البدوية، والجمل وشؤونه، والخيل وسيرها: مثل مصطلحات (البيت)، و(العمود)، و(الوتد)، ووزن (الخبب)، إلخ.، فهي غير ملائمة للعصر الحديث. أما أنا فأشرتُ إلى أن الاستعمال والشيوع هما اللذين يقرران حياة المصطلح أو موته، وأن مفهوم المصطلح في وعي مستعمليه لا علاقة له بمعنى اللفظ قبل شيوع المصطلح. واستبدال مصطلحات حديثة جديدة بمصطلحات تراثية مستعملة قد يتسبّب في ازدواجية المصطلح العربي وعرقلة التواصل العلمي (19).

بيدَ أن الدكتور جابر عصفور، يختلف عن معظم زملائه التنويريين في هذا الموضوع. ففي أول كُتبه، الذي أعدّه، في الأصل رسالة جامعية، بعنوان " الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب" (1973)، نظر الدكتور جابر عصفور إلى الأدب بوصفه نسيجاً لغوياً ذا بنية تتفاعل عناصره بطريقة تؤدي إلى إثراء المتلقّي، وتعميق وعيه بنفسه ومجتمعه وواقعه. ورأى في الصورة الفنية وسيلةً رئيسة من وسائل استيعاب موقف الأديب من الواقع، ومعياراً للحكم على أصالة تجربته، وقدرته على تشكيلها في نصٍّ يُمتع المتلقي ويعمِّق وعيه.

وفي ذلك الوقت المبكِّر من تطور علم المصطلح الحديث، أدرك الدكتور جابر عصفور مبدأً مصطلحياً تبلور فيما بعد، مفاده إمكان وجود المفهوم بخصائصه الذاتية والعرضية في زمن من الأزمان، دون وجود المصطلح الذي يعبّر عنه، وإنما يُستحدَث في زمن لاحق، أو يُعبَّر عنه سابقاً بمصطلحٍ مختلف قد يتغيّر ويتطوّر مع الزمن. وبالمقابل قد يوجد المصطلح الذي يُعبِّر عن مفهوم ما، ولكن خصائص هذا المفهوم تتغيّر وتتطوّر بمرور الزمن، ويبقى المصطلح ثابتاً كما هو.

ويصوغ الدكتور عصفور هذا المبدأ الحديث في علم المصطلح بقوله:

" ومع أن " الصورة الفنية مصطلح حديث...، فإن الاهتمام بالمشكلات التي يشير إليها المصطلح، قديم، يرجع إلى بدايات الوعي بالخصائص النوعية للفن الأدبي. قد لا نجد المصطلح ـ بهذه الصياغة الحديثة ـ في التراث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشاكل والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها، موجودة في التراث، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول، أو تميّزت جوانب التركيز ودرجات الاهتمام" (20).

فالدكتور عصفور، بوصفه ناقداً تنويرياً، يؤمن بعدم القطيعة مع التراث البلاغي العربي، بل يدعو إلى دراسته والبناء عليه وتطعيمه وتطويره بما استجد من نظريات نقدية لدى الأمم الأخرى، ليكون قوياً متكاملاً، وأداة فاعلة من أدوات نهضة الأمة .

الخلاصة:

وخلاصة القول إن الدكتور جابر عصفور رجل وطني مخلص على خُلق رفيع، ومفكر مجتهد له ما له وعليه ما عليه، ناضل من أجل التنوير وإشاعة مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعقلانية والنظر إلى المستقبل من أجل تقدّم أمته. وفي الوقت نفسه، فهو ناقد أدبي مرموق، أسهم في إشاعة مفاهيم النقد الحديث وإجراءاته وتقنياته، دون إهمال تراث العرب النقدي والبلاغي. ويشهد على أثره الإيجابي في تطوير الدرس النقدي في المحافل الأكاديمية العربية وتنمية الحركة الأدبية المعاصرة، كثرة الرسائل الجامعية التي تناولت أعماله ونظرياته وأفكاره*.

 

بقلم: الدكتور علي القاسمي

....................

 الهوامش:

- الكلمة الافتتاحية في الندوة التي أقامتها كلية الآداب بجامعة القاضي عياض في مراكش، تكريماً للدكتور جابر عصفور في بداية العام الدراسي 2019/2020.

(1) علي القاسمي. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،ط 2، 2019)

(2) آن موريل. النقد الأدبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا؛ ترجمة إبراهيم أولحيان ومحمد الزركاوي (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2008)

(3) رفاعة الطهطاوي. الأعمال الكاملة. تحقيق محمد عمارة (القاهرة: التمدن، 2015).

(4) المرجع السابق.

(5) علي رسول الربيعي. " استجابة الطهطاوي لأفكار الحداثة السياسية" في صحيفة المثقف بتاريخ 20/8/ 2019.

(6) Thomas Hobbes. De Cive (On the Citizen) trans. Tuck and Silverthorne (Cambridge: Cambridge University Press, 1998) وكذلك:

ـ توماس هوبز. اللفيتان. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب (بيروت: دار الفارابي: 2011)

 

(7) جون لوك. رسالة في التسامح. ترجمة وتعليق: عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1988) . تُرجِم إلى العربية عدّة مرات منها مؤخراً ترجمة سعيد بنكراد بعنوان " قول في التسامح".

(8) جون لوك. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع. 1959).

(9) مونتسكيو. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر. (القاهرة: اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، 1953)

(10) فولتير. قول في التسامح. ترجمة سعيد بنكراد. (بيرت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. 2016)

(11) جون جاك روسو. إميل: أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد. ترجمة نظمي لوقا (القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1958)

(12) علي القاسمي. " الإمام عبد الحميد بن باديس وريادة النهضة العربية" في " الناقد العراقي" بتاريخ 27/6/2018. الرابط: https://www.alnaked-aliraqi.net/article/54404.php

(13) علي القاسمي. السياسة الثقافية في العالم العربي (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2019) ط2

(14) جابر عصفور. " التجريب المسرحي في حياتنا"، مجلة فصول، العدد الأول، المجلد 14 (ربيع 1995) ص ص 5 ـ 23.

(15) علي القاسمي. التراث العربي الإسلامي: دراسات وتأمُّلات (المدينة المنورة: نادي المدينة المنورة الأدبي، 2017)، الفصل الأول،" مفهوم التراث" ص ص 7ـ 25.

(16) المرجع السابق.

(17) السياسة الثقافية في العالم العربي. مرجع سابق

(18) محمد عابد الجابري. نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي (بيروت: المركز الثقافي العربي ودار الطليعة، 1980) المدخل العام.

(19) تُنظر أعمال ندوة " المصطلح التراثي بين الإعمال والإهمال" في مجلة " المناظرة" المغربية في العدد 6 (1993) وفيها دراستا الجابري والقاسمي.

(20) جابر عصفور. الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب (القاهرة: دار المعارف، 1973) ص 7.

 

ابراهيم أبراشبالرغم من مرور ستة عشر عاماً على الاغتيال الجسدي للقائد أبو عمار، فإن الأوساط الرسمية الفلسطينية ولجان التحقيق التي تشكلت لم تعلن رسمياً عن القتلة ولا عن سبب الوفاة، فهل فعلاً أن القاتل وسبب الوفاة غير معروفين؟ أم أن توافقات دولية ومحلية ارتأت أن من المصلحة التكتم على الأمر؟. 

لا شك أن أطباء مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي حيث توفي أبو عمار في الحادي عشر من نوفمبر 2004 توصلوا إلى أن سبب وفاة الرئيس التسمم بمادة البولونيوم المشع، وهي مادة لا يمكن تصنيعها إلا من طرف دولة ذات إمكانيات ووحدها تعرف تكويناتها وكيفية إبطال مفعولها، ولكنهم تكتموا على الأمر. 

الذي جرى أن تعتيماً وحصاراَ تم داخل وخارج المستشفى حيث كان يقيم الرئيس، ورفع الأطباء تقريرهم للرئاسة الفرنسية التي بدورها أجرت اتصالات مع الولايات المتحدة ومصر والأردن وبعض المسئولين في السلطة ووضعتهم في صورة الأمر، أبو عمار مات مسموماً فما العمل؟ هل يتم الإعلان أن إسرائيل سممت أبو عمار وليتحمل كل مسؤوليته؟ أم يتم التمويه على الأمر ويُترك غامضاً؟ نعتقد أن الجميع رأوا أن البوح بالحقيقة قد يؤدي لإحراج السلطة الفلسطينية ودول عربية أكثر مما يُحرج إسرائيل، فماذا تستطيع سلطة فلسطينية مأزومة داخلياً وخارجياً أن تعمل؟ هل ستعلن الحرب على إسرائيل؟ هل ستوقف المفاوضات احتجاجاً على قتل رئيسها لأنها لا يمكن أن تتفاوض مع قتلة رئيس وقائد الشعب الفلسطيني؟ هل ستقوم بتحقيق جدي وتطبق القاعدة القانونية والجنائية التي تقول بالبحث عن المستفيد عند وقوع أية جريمة؟ وإسرائيل المستفيد الأول وإن لم تكن الوحيدة المستفيدة من موته!.

سبب الوفاة معروف والقتلة معروفون، ولكن هناك تواطؤ على الصمت، لأن القتلة (المستفيدون) ليس فقط من دسم السم لقتل الرئيس جسدياً، ولكنهم كل مَن عمل على قتله وتصفيته سياسياً، فالتصفية السياسية سبقت التصفية الجسدية وخلقت الأجواء المناسبة لتمر جريمة الاغتيال الجسدي بهدوء مريب. 

إسرائيل هي العقل المدبر لقتل الرئيس أبو عمار ولم يُخف القادة الإسرائيليون رغبتهم في تصفية أبو عمار وقالها شارون علناً وأقواله موثقة، كما قد حاولوا اغتياله عدة مرات قبل ذلك في بيروت وفي تونس، ومَن يقتل أبو جهاد وأبو يوسف النجار والكمالين والشيخ ياسين وأبو على مصطفي وعشرات القادة قبلهم وبعدهم، وآلاف المدنيين الفلسطينيين، لن يتورع عن قتل قائد اتهموه بأنه إرهابي.

 المتآمرون على تصفية أبو عمار والمستفيدون من غيابه عن المشهد السياسي كثيرون وليست إسرائيل وحدها. القادة العرب الذين صمتوا على حصاره وبعضهم لم يكلف نفسه حتى الاتصال به بل حالوا بينه وبين مخاطبة شعبه والعالم في قمتهم في بيروت وهو محاصر في المقاطعة كانوا متواطئين، السياسيون والكتاب الذين شوهوا سيرته واتهموه بأسوأ الصفات كانوا متواطئين، مسئولون ومراكز قوى محلية شوهوا صورته وحملوه مسؤولية الخراب والدمار الذي لحق بالشعب الفلسطيني أيضا متواطئون، لقد توزع دم الشهيد بين القبائل. 

رحل أبو عمار الذي فجر ثورة واستنهض شعباً وهوية وثبَّت الحضور السياسي الفلسطيني على الخارطة الدولية. لم يكن ملاكاً والمسيرة التي قادها لم توصلنا للاستقلال، ولكن من الظلم أن نحمله مسؤولية مرحلة كاملة لم يكن الفاعل الوحيد فيها، بل لم يكن الفلسطينيون جميعاً أصحاب القرار فيما يخص قضيتهم الوطنية. 

كانت له أخطاء وعيوب وتزايدت هذه الأخطاء بعد الدخول إلى ما أُتيح من الوطن المحتل في سياق مشروع تسوية سياسية غير منصفة، وفي السلطة طغت أخطاء أبو عمار رجل الدولة والسلطة على إيجابيات أبو عمار الفدائي ورجل الثورة. للأسف فإن مَن كانوا أكثر استفادة من عرفات ومن المرحلة العرفاتية هم الذين ساهموا في إفساد سلطة أبو عمار، أولئك الذين كانوا يكيلون له المديح ويغرفون من جيوبه في النهار، ويكيدون ويدبرون الدسائس له بالليل، ويروّجون أن أبو عمار هو سبب الفساد وسبب الفوضى. 

غريب أمر هذا الرجل الذي أبى أن يترجل إلا شهيداً ...سقط شهيد مبادئ لم يتنازل عنها مع أن العالم تغير، شهيد حقوق وطنية رفض المساومة عليها، ومع أنه ناور وتكتك وفاوض ولامس حتى الخطوط الحمر للثوابت الوطنية من أجل فلسطين، إلا أن مكر العدو وجبروته وخذلان الأقربين كانوا له بالمرصاد، لم يكن طالب جاه أو ثروة بل كان ناسكاً متقشفاً، جمع من حوله أعداء بقدر ما كان له أصدقاء، وأعداؤه كانوا أعداء فلسطين. 

قالوا إن أبو عمار عائق أمام السلام !،وقالوا إن أبو عمار عائق أمام إصلاح البيت الفلسطيني وسبب كل فساد وخراب ...! وها قد مر 16 عام على وفاته، فهل أصبح السلام أقرب منالاً؟ وهل أصبح البيت الفلسطيني أكثر صلاحاً وأمناً؟!

لقد جسد الزعيم الراحل في شخصيته كل تشابكات وتعقيدات وعُقد القضية والشعب الفلسطيني. لم يكن ملاكاً ولكنه لم يحكم شعباً من الملائكة، ولم يتعامل دولياً مع مدن فاضلة يحكمها ملائكة... فرحم الله الختيار. 

 

إبراهيم أبراش

 

 

ناجي ظاهرعُرف بانه واحد من ابرز الشعراء العرب الوطنيين الذين كتبوا وانتجوا الشعر السياسي المقاوم للاحتلال بعد قيام اسرائيل. نضحت كتاباته الشعرية في حينها بالغضب والثورة والرفض، وقد دفع مقابلها ما رفض الكثيرون دفعه من ثمن باهظ. تمثل في الاعتقال والسحن وحتى الاقامات الاجبارية.. التي قضت بحد حركته في بلدته وفي البلاد عامة.

الشاعر الصديق محمود دسوقي (1934- الاربعاء28- تشرين الاول 2015)، ولد في بلدة الطيبة- الواقعة في منطقة المثلث عام 1934، اتم دراسته الابتدائية في بلدته، التحق بعدها بالمدرسة الثانوية البلدية في الناصرة وتخرج منها عام 1955 تلقى دراسته العليا في معهد للصحافة وحصل على اجازة منه عام 1964 درس موضوع الاقتصاد في جامعة تل-أبيب وحصل منها على البكالوريوس عام 1970 ودبلوم في المحاسبة عام 1971.

نظم الشعر في سن مبكرة وهو لما يزل في بداية مرحلة الدراسة الثانوية. صدرت اول مجموعة شعرية له عام 1957 وحملت عنوان "السجن الكبير"، وكانت من اوائل المجموعات الشعرية التي رأت النور في بلادنا بعد قيام اسرائيل، علما ان اوائل المجموعات صدرت عام 1956 او قبلها بقليل فقط،.. لكل من الشاعرين عيسى لوباني وجورج نجيب خليل رحمهما الله. بعدها تتالت اصدارات شاعرنا للمجموعات الشعرية ليصدر عام 1959 مجموعته الثانية " مع الاحرار" تلتها مجموعة " موكب الاحرار" وقد صادرتها السلطات الاسرائيلية بعد صدورها بقليل وقامت بمحاكمة صاحبها ليبدأ عهدا جديدا في حياته تمثل بالإقامات الجبرية والاعتقالات المتعددة. ويشار بكثير من التقدير والاحترام الى ان الدسوقي آمن منذ البداية انه بإمكان الكف ان تلوي يد حامل المخرز وان تصرخ في وجهه مطالبة بحق ابناء الشعب بالوجود والحياة كما اشرنا سابقا. ولم يعبأ لا بسجن ولا بسجان في فترة كان مجرد الاتيان على ذكر فلسطين واهلها يكلف الكثير من الملاحقات والاعتقالات.

1986 محمود دسوقياصدر شاعرنا خلال عمره الادبي العديد من المجموعات الشعرية وهي على التوالي: ذكريات ونار* المجزرة الرهيبة* صبرا وشتيلا* طير أبابيل* جسر العودة* زغاريد الحجارة* الركب العائد وتراتيل الغضب، اضافة الى المجموعات الثلاث المذكورة آنفا. وله عدد من الدراسات الادبية هي: الشعر العربي بين القديم والحديث* المعلقات والملاحم الشعرية عند العرب في الجاهلية* الاتجاه الوطني في الشعر العربي الفلسطيني - الاستقلال والثقافة الوطنية* الإسلام دين أم دين ودولة* الانتفاضة - انعكاسات وتفاعل مع أدب الداخل* الرسام العاشق - رسالة إلى جامعة الدول العربية، وقد كان رحمه الله شعلة من النشاط في المجالين السياسي والشعري لا سيما في المرحلة الاولى من حياته. علما انه لم يفصل بين الشعر والسياسة ورأى فيهما كلا متكاملا وفعلا يكمل الآخر.

كتب شاعرنا منذ بداياته الاولى الشعر التقليدي الحماسي، واعتمد في كتاباته خلال هذه المرحلة الشعر العمودي وسيلة للتعبير عما دار في خلده واختلج في قلبه من مشاعر تستذكر ما حدث لأبناء شعبه وتحرض على مواجهته بقوة وصلابة. واذكر انني كنت وانا لما ازل صبيا يافعا على مقاعد الدراسة في الستينيات، اقرأ من اشعاره امام الوالدة والجارة، وكانتا في الخمسينيات من عمريهما من ديوانه "مع الاحرار" فكانتا تذرفان الدموع على ما حل بشعبهما من عسف وظلم وما لحق به من ظلم وجور فتشتت في داخل البلاد وخارجها ليقيم قريبا من مرابعه وبعيدا عنها في الآن. واعتقد انه لهذا رأت السلطات الاسرائيلية آنذاك في شعره خطرا يجب ايقافه عند حده حتى لا يترك اثرا لا تريد له ان يترك على الفلسطينيين الباقين في وطنهم، علما ان هذه السلطات فرضت آنذاك حكما عسكريا شديدا تعامل بيد من حديد مع اي مخالف.

في فترة الخمسينيات والستينيات التي شهدت حضور شاعرنا ثقافيا وسياسيا، اتصف النمط الشعري السائد بنوع من المباشرة والحماسة التي تذكر بأشعار الحماسة العربية القديمة في حماستي ابي تمام والبُحتري، وكان على الشعراء ان يضحوا قليلا بالإبداع الشعري لمصلحة الرسالة السياسية المباشرة كما قال لي شاعر اعزه واحبه من ابناء تلك الفترة. ونحن اذا ما تعاملنا مع شعر الدسوقي بلغة ايامنا فان الكثير من شعره لا يصمد امام المفاهيم الشعرية التي صار اليها شعرنا العربي الحديث، اما اذا تعاملنا معه بلغة الفترة التي انتج فيها فإننا سنرى انه لعب دورا جبارا في اثارة القضية السياسية والهاب الجماهير بها. لهذا اعتقد انه من المفضل ان نتعامل مع ما انتجه شاعرنا بلغة فترته.

لقد واصل شاعرنا في الفترات التالية كتابته للشعر الوطني المباشر، مع تغيير طفيف في الشكل الشعري اذا كتب الشعر الحر المعتمد على التفعيلة، غير انه بقي امينا لمباشرته، في زمن ابتدأ فيه شعراؤنا بالبحث عن اساليب فنية جديدة تتماشى مع ما كتبه وانتجه شعراء مُجلّون من عالمنا العربي المحيط بنا، لهذا اعتقد ان ما انتجه شاعرنا من اشعار في هذه الفترة لم يلق الاحتفال الذي سبق ولقيته اشعاره الاولى، واذكر انني كتبت عن مجموعته "زغاريد الحجارة" التي وضعها ابان الانتفاضة الاولى، ووجهت اليها نقدا شديدا لما تضمنته من مباشرة لم تعد تليق بشاعر يريد ان يكون في تلك الفترة، كما اذكر اننا التقينا في مدينتي الناصرة وتداولنا الحديث عن الشعر وعما صار اليه من تغيرات وتطورات لا بد منها، وشعرت انه اقتنع الى حد ما بما ادليت به من رأي، واشير بكثير من الاعتزاز انه طلب مني ان اكتب مقدمة لمجموعته التالية، فكتبت ما طلبه ولا اعرف ماذا تم له معه حتى الآن.

كان شاعرنا شخصية وطنية سياسية من طراز رفيع، ومما اذكره في هذا المجال انه زارني اثناء الثمانينات، واقترح علي ان نقوم معا بتأسيس حزب سياسي ينطلق من بلدتي الناصرة عاصمة الجماهير العربية، كما وصفها، واردف يقول لي انني درست الاقتصاد واعمل في المحاسبة وبإمكاني ان اوفر الميزانية المطلوبة، الا انه ما لبث ان تراجع عن اقتراحه عندما ادرك جيدا انني لا اريد ان اكون رجل سياسة، وان الادب اكل عقلي.. منذ تلك الفترة لم التق به سوى مرات معدودات، وكنت اتابع اخباره واخبار تكريمه من قبل اهله الفلسطينيين في بلدته الطيبة وفي اراضي 67، فأقول لنفسي انه يستحق مثل هذه التكريمات. وبقيت اكن له الكثير من التقدير والاحترام، رغم اختلاف فهم كل منا للشعر، طوال حياته (عاش 82 عاما). لقد بقي محمود الدسوقي امينا مخلصا لآرائه ومبادئه حتى يومه الاخير في هذه الحياة.

 

بقلم: ناجي ظاهر