ضياء نافعصدر الجزء الثاني لكتاب – (الادب الروسي والعالم العربي) بقلم المستشرقة الميرا علي زاده عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية عام 2020، ولكن – ومع الاسف الشديد – بعد موتها، اذ انها رحلت عام 2019 عن عمر يناهز 79 عاما . لقد صدر الجزء الاول من هذا الكتاب عام 2014 (انظر مقالاتنا الخمس بعنوان – العراقيون في كتاب الادب الروسي والعالم العربي)، والذي  يعّد  واحدا من أهم المصادر الاساسية حول الادب الروسي في العالم العربي وتاريخ العلاقات العربية الروسية الادبية، وكيف تناول الادباء والباحثون العرب الادب الروسي منذ اواسط القرن التاسع عشر والى بداية القرن الحادي و العشرين، وهو جهد علمي هائل وفريد من نوعه في مجال العلاقات الثقافية العربية – الروسية  أنجزته المرحومة الميرا علي زاده  طوال سنين طويلة من عملها في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية . لقد تحدثت المستشرقة  في الجزء الاول  من كتابها  عن  نتاجات  الادباء الروس  في القرن التاسع عشرمن  بوشكين وتورغينيف وتشيخوف ...الخ، اما الجزء الثاني من هذا الكتاب، فكرّسته للحديث عن تولستوي ودستويفسكي فقط. 

يقع الجزء الثاني لكتاب – الادب الروسي والعالم العربي في 382 صفحة من القطع المتوسط . ويحتوي على فصلين،  الفصل الاول بعنوان – ليف تولستوي غازي الشرق العربي ويتضمن اربعة أقسام هي – على مشارف المجد في العالم العربي (نهاية القرن 19 – اوائل سنوات القرن العشرين)، ثم، تولستوي فنانا في مركز اهتمام الادباء العرب في السنوات 1920 – 1940، ثم، الترجمات الجديدة والنقد في النصف الثاني للقرن العشرين، ثم، تراث تولستوي الابداعي في الشرق العربي في القرن الحادي والعشرين . الفصل الثاني من الكتاب بعنوان – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب، ويتضمن خمسة أقسام هي – الترجمات الاولى (بداية القرن العشرين)، ثم،التاثير على الادباء العرب في سنوات 1920 – 1940، ثم، ابداع دستويفسكي  بتفسير وترجمات الباحثين  العرب في سنوات 1950 – 1990، ثم، علاقة القراء في سنوات 1970 – 1990، ثم، دستويفسكي والادب العربي في نهاية القرن العشرين – وبداية القرن الحادي والعشرين . وتاتي بعد ذلك قائمة بالمصادر (من ص 331 الى ص 365) وهي باللغتين الروسية والعربية مع ملحق خاص بالمجلات العربية . وتختتم المستشرقة الميرا علي زاده كتابها بقائمة لاسماء الاعلام التي وردت في الكتاب (من ص 365 الى ص 382)، ثم تأتي الخلاصة للكتاب باللغات العربية والانكليزية والفرنسية  .

من الواضح للقارئ (حتى من هذا العرض السريع لفهرس الكتاب) سعة هذا الجهد العلمي الكبير، الذي بذلته المستشرقة المرحومة، وكيف انها استطاعت فعلا ان تغطي مرحلة زمنية واسعة من النشاطات الفكرية، التي قام بها الادباء والباحثون العرب لتعريف القارئ العربي بانجازات الادباء الروس الكبار، ولا نظن، ان هذه السطور الوجيزة يمكن ان تفي هذا الكتاب حقه، ولهذا، فاننا نريد ان نقترح – قبل كل شئ – ان يكون هذا الكتاب مرجعا اساسيا في كل الاقسام الروسية في جامعات العالم العربي، مرجعا يستخدمه اساتذة تلك الاقسام في عملية تدريس مادة الترجمة الادبية في الدراسات الاولية والعليا (من الروسية الى العربية وبالعكس) لطلبتهم، واتمنى ان يكون هذا الكتاب يوما ما مصدرا محوريا لاطروحة ماجستيرعندنا،  تتناول موضوع تاريخ العلاقات الثقافية العربية الروسية  .

  نحاول - في ختام هذا العرض الاوليّ الوجيز جدا للكتاب -  الاشارة فقط الى بعض الاسماء العربية التي وردت فيه، والتعليق قليلا على ما جاء حولهم في هذا العمل الموسوعي  . الاسم الاول، الذي نتوقف عنده هو طه حسين عميد أدبنا وأجيالنا، فقد أشارت المستشرقة الى كتابه الموسوم - (صوت باريس) الصادر عام 1943 في القاهرة، حيث كتب فيه انطباعاته عن تولستوي، وترجمت الى الروسية مقاطع مهمة من ذلك الكتاب . الاسم الثاني هو سامي الدروبي، الذي أشارت اليه المؤلفة في ثمانية مواقع  في كتابها، اذ كيف يمكن الكلام عن دستويفسكي في العالم العربي دون التوقف عند سامي الدروبي، الذي نحت لنفسه تمثالا عربيا شامخا من نتاجات دستويفسكي . الاسم الآخر الذي اريد التوقف عنده هو حياة شرارة ، الرمز الابداعي الساطع  لقسم اللغة الروسية الحبيب في جامعة بغداد، فقد اوردت المستشرقة  ما كتبته حياة شرارة حول تولستوي بسبع صفحات كاملة..... وكان بودي طبعا ان اتوقف – ولو سريعا - عند اسماء اخرى من المبدعين، لكن العين بصيرة واليد قصيرة   يا اكرم فاضل وعلي الشوك ومحمد يونس ومحمود احمد السيد و نجيب المانع وبقية اسماء  الادباء والباحثين  الكبار من العراق ومن البلدان العربية الشقيقة الاخرى، الذين ورد اسمهم في هذا الكتاب ...

الرحمة والغفران  للمرحومة الميرا علي زاده (1940 - 2019)، والصبر والسلوان لنا جميعا على هذه الفاجعة  التي اصيبت بها حركة الاستشراق الروسية، وسيبقى اسمك خالدا  يا  الميرا  علي زاده، لأنه يرتبط ببحوثك وكتبك التي تحوّلت الى مصادر اساسية دائمية في حدائق مكتبة العلاقات الثقافية العربية – الروسية ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

عز الدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية الغربية. وتم التعاطي مع المسألة بشكل غلب عليه طابع الإثارة وافتقر إلى الروية. جرى في غالب الأحيان تصوير العالم العربي بمثابة فضاء طارد ومعاد لمكوناته الدينية غير العربية وغير المسلمة إمعانا في تجريده من رصيده الخلقي. والصورة فيها تلاعب فجّ لا ينصف المتضررين، مع حصول انتهاكات فظيعة بشأنهم في الفترة الأخيرة، ولا تردع الظالمين، بل تسيء إلى العرب أيما إساءة. هذا الكتاب الذي نتناوله بالعرض يأتي ضمن موجة الانشغال بأقليات البلاد العربية لاسيما منها المسيحية. وقد آثرنا عرضه نظرا لخطورة مضامينه، ولما يُعبّر عنه من مواقف تجاه التاريخ المشرقي عامة والواقع السياسي العربي راهنا، ولما يحوزه مؤلفه من موقع داخل حاضرة الفاتيكان. فهو من تأليف الكردينال فرناندو فيلوني، من مواليد 1946 بمندوريا الواقعة جنوب إيطاليا. الرجل يُعتبر من الوجوه البارزة لدبلوماسية حاضرة الفاتيكان، حيث شغل منصب القاصد الرسولي في العديد من المناطق خارج أوروبا، في إيران وهونج كونج والصين والفلبين والبرازيل، فضلا عن تقلّده مهام دبلوماسية في الأردن والعراق. بالإضافة إلى تولّيه مناصب حساسة في حاضرة الفاتيكان، حيث يشغل، منذ العام 2011، منصب مفتش أنجلة الشعوب، وهي أعلى الهيئات المعنية بالتبشير على نطاق عالمي.

يتساءل فرناندو فيلوني في مستهل كتابه عن مدى قدرة الوجود المسيحي في العراق على الثبات مستقبلا أم سيكون مصيره الاندثار على غرار الأقلية اليهودية؟ محاولا الإجابة عن ذلك السؤال من خلال إعطاء قراءة ذات طابع سياسي لما أحاط بالعراق خلال الحقبة الحديثة، وتأثير تلك الأوضاع على مسيحيي البلد. والكتاب يهدف بالأساس إلى بناء أواصر صلة بين الكنيسة العراقية والكنيسة الكاثوليكية، أكان ذلك في التاريخ القديم أم في التاريخ الحديث، ليخلص من خلالها إلى صياغة تاريخ للكاثوليكية في العراق. إذ لا يأتي الكتاب متابعة لتاريخ المسيحية في العراق بشكل عام، حتى وإن عاد المؤلف بذلك إلى رجالات التبشير الأوائل مع القديس توما والتلميذين آداي وماري.

يتناول الكردينال فيلوني في الفصل الأول من الكتاب تاريخ الجماعات المسيحية الأولى في العراق، مفسرا دواعي انعزال الكنيسة العراقية -على حد زعمه- التي تشكل مكونا هاما من مكونات المسيحية المبكرة الوارد ذكرها في (سفر أعمال الرسل2: 9). حيث يذهب إلى أن مسيحية القرون الأولى في العراق كانت خارج نطاق سيطرة روما والقسطنطينية، وقد كانت تلك الاستقلالية اللاهوتية ناتجة في البدء عن نهْل مباشر من الأصول المسيحية، وليس لأسباب سياسية وجغرافية، كون العراق في منأى عن الصراعات الجارية على ضفاف المتوسط. ليتابع المؤلِّف في الفصل الثاني الحديث عن تاريخ الكنيسة في العراق إلى حدود القرن السادس عشر، ويتخلل ذلك تناول الحضور العربي والمغولي والعثماني وذلك بدءا من منتصف القرن السابع الميلادي مبرزا مدى تأثير كل حقبة على الوجود المسيحي. ثم يركّز فيلوني في الفصل الثالث على حضور الكنيسة اللاتينية في أرض الرافدين، حيث يتناول مختلف أنواع التواصل طيلة الفترة المتراوحة بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر. ثم يخصص الفصل ما قبل الأخير إلى أحداث القرن العشرين، متناولا تاريخ العراق الراهن وما تخللته من اضطرابات سياسية طيلة الحروب التي خاضها نظام البعث وحتى احتلال العراق من قِبل الأمريكان وظهور ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية داعش. لينتهي في الفصل الخامس والأخير إلى العلاقات الرابطة بين الكرسي الرسولي في روما والعراق.

2263 الكنيسة في العراقضمن الباب الأول ينطلق كتاب فيلوني بعرض عام للحضور المسيحي في العراق، يأتي غائما وغير دقيق في عديد المواضع لافتقاره إلى الطابع التحليلي واعتماده أسلوب السرد والحشو للأحداث، يهيمن فيها تصوير للمسيحية العراقية تصويرا يغلب عليه طابع الفتنة والهرطقة والحال أن تطور اللاهوت طبيعي أن ينشأ في ظل انشقاقات عقدية، وإن افتقر إلى سند سياسي على غرار السند الروماني الذي رافق المجامع المسكونية الأولى في الغرب. حيث لعبت السلطة الرومانية دورا فاعلا في عقد المجامع وفي قراراتها، مثل مجمع نيقية (325م) ومجمع القسطنطينية (381) ومجمع إفسس (431) ومجمع خلقيدونيا (451م)، وهي المجامع التي أرست أركان المعتقد الثالوثي. حيث تجري كتابة تاريخ مسيحيي العراق في كتاب فيلوني من منظور غربي، باعتبار كافة أشكال الحكم التي شهدها العراق تحت حكم الفرس، والعرب، والمغول، والعثمانيين، وإلى حين تشكل الدولة العراقية الحديثة هي أشكال احتلال مارست ألوانا من الضغط والقهر على الشخصية العراقية المسيحية. وهي قراءة قاصرة على إدراك طبيعة حلقات تاريخ المجتمع العراقي لتجعل الفرز على أساس ديني هو المقياس العام المحدد.

والجلي أن ثمة صفحة من تاريخ مسيحيي العراق أُسقطت من الخلاصة التاريخية التي حاول فيلوني تقديمها عن هوية العراق المسيحية. فلو عدنا إلى تاريخ البدايات نلحظ أن التهديد البيزنطي المستمرّ على المنطقة، ما كانت مسيحية العراق والشام، ممثلة في النساطرة واليعاقبة، قادرة على الصمود في وجهه، ولا بوسعها الحفاظ على كيانها وخصوصياتها الدّينية المستقلّة من دون حضور الإسلام، وهو الأمر ذاته الذي واجهه أقباط مصر. يقول ميخائيل السرياني في الشأن، وهو بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثامن عشر، في مؤلّفه التاريخي الضخم: "لأن الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كلّ شيء قدير، والذي وحده يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلا من المتكبّر. ولأن الله قد رأى ما كان يقترفه الرّوم من أعمال الشرّ، من نهب كنائسنا ودُورنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، أتى من الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الرّوم... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الرّوم وشرورهم وأحقادهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا...". وهو تقريبا ما يلتقي فيه مع الحسن بن طلال في كتابه "المسيحيّة في العالم العربي" (1995)، حين يذهب إلى أن فترة حصول الانشقاق بين القسطنطينية وروما، كان قد مرّ على خضوع المسيحيين في مصر والشام والعراق للحكم الإسلامي قرابة أربعة قرون. وبقي، من بين هؤلاء المسيحيين، الملكانيون وحدهم في مصر والشام موالين لبيزنطة، وعلى علاقة موصولة بها سياسيا وكنسيا، كما كانوا من قبل. أما أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (الأقباط واليعاقبة)، وكذلك النّساطرة في العراق، فكانت بيزنطة بالنسبة إليهم مصدر اضطهاد لا غير. ولذلك رأوا في الحكم الإسلامي خلاصا من جور بيزنطة، فأبدوا استعدادا للتعاون معه منذ البداية. وهناك من يشير إلى أن الموارنة كانوا في عداد المسيحيين الذين رحّبوا بحلول الحكم الإسلامي محل الحكم البيزنطي بالشام، خصوصا بعد أن صدرت قرارات المجمع المسكوني السّادس عام 680م، وتبع ذلك حدوث الافتراق الكنسي بين الموارنة، والملكانيين في أبرشية أنطاكية.

لا يخلو كتاب فيلوني من روح الهيمنة التي رافقت كنيسة روما ونزعتها للتمدد، ضمن ما يُعرف بالنزعة المسكونية، لإخضاع كنائس العالم. ولكن صراعات السّيطرة على سدّة التّراتبية داخل الكنسية ينبغي ألاّ تخفي أن حوادث الانفصال ومطالب الاستقلال لبعض الكنائس، التي قابلها تلويح بالحرمان واتهام بالهرطقة، ما كانت ذات صلة بالمفاهيم العقدية المجرّدة، بل بحثا عن تحرر سياسي من التحالف الوثيق بين العرش والمذبح (أي الدولة والكنيسة). لذلك عند مراجعة تاريخ الكنيسة لابد من الحذر من مصادرة الحقيقة المغيَّبة، التي غالبا ما طمستها نعوت البدعة، والهرطقة، والمنحولة، والأبوكريفية، وغير القانونية، وهي إقصاءات أيديولوجية لطالما وُظِّفت للطّعن في الأطراف المعارضة لإلغاء مشروعيتها، استدعتها الكنيسة المهيمِنة ضدّ من خالفها الرأي. وقد غرق فيلوني طيلة الفصلين الثاني والثالث في هذا الانحياز لكنيسة روما دون مراعاة خصوصيات كنائس الشرق، معتبرا كل ما لم يرُق للكنيسة الكاثوليكية بدعة، ولو كانت تلك العقائد معبّرة عن الواقع الشّرقي ورؤيته وتصوّراته للمسيحيّة. إذ اعتبَر صاحب كتاب "الكنيسة في العراق" المرقيين هراطقة، وهو خطّ لاهوتي دعا إليه بريلّوس البصري، من بصرى الشام، في الولاية العربية الرّومانية، خلال القرن الثّاني. وملخّص رأي صاحبه أن المسيح خال من أي مسحة إلهية في ذاته، ولا ألوهية إلاّ ألوهية الآب التي حلّت فيه. كما اعتبر الأريوسيين الموحِّدين -أتباع الكاهن أريوس، الذي عاش في بداية القرن الرّابع. م- هراطقة، وقد انتشر مذهبه في شمال إفريقيا وامتد إلى الشام والعراق، والذي عُقِد لأجله مجمع نيقية الشهير سنة 325م. والأمر نفسه مع الآشوريين، الذين عدّهم هراطقة، وهم نساطرة رفضوا المذهب الرّوماني وشقّوا عصا الطاعة. وتعود نسبتهم إلى ثيودوروس المصيصي، المدعو نسطور، وهو ينحدر من أسرة آرامية عربية نزحت إلى شمال الشّام من بلاد العراق، التابعة في ذلك العهد إلى الدّولة الفارسية الساسانية، وقد مات نسطور بعد خلعه في المنفى، في صحراء مصر الشرقية.

على العموم لم يكن تاريخ الكنيسة الرومانية في المشرق صفحة نقية كما يصوره فيلوني. فقد شاب العلاقة اضطراب لم ينته عند إكراه كنائس المشرق على الاعتراف بهيمنة روما، بل شرعت كما يرى جورج خضر، مطران جبل لبنان للرّوم الأرثوذكس، في تحوير لاهوتي أنشأت بموجبه كنائس تابعة، فكان من الآشوريين الكلدان الكاثوليك في العراق، ومن الأرثوذكس الرّوم الكاثوليك، ومن الأرمن الأرثوذكس الأرمن الكاثوليك، ومن السّريان الأرثوذكس السريان الكاثوليك ("مجلة المسرّة" بيروت، 2004، ص: 72-73).

وكما يورد فرناندو فيلوني بدأ التطلع مجددا إلى ربط كنيسة العراق بروما في الفترة الحديثة مع إنشاء مطرانية بغداد سنة 1632 وتشكيل أول لجنة رسولية في سوريا خاصة بالشرق الأوسط سنة 1762. كان الغرض البعيد من ذلك إيجاد سبيل لاختراق الدولة العثمانية النافذة وتحصين مسيحيي المشرق من مخاطر البروتستانتية. لتتطور مخططات الكنيسة الغربية في العراق في فترة لاحقة إلى رهان على المدرسة كأداة لخلق شخصية مسيحية عراقية مرتبطة بروما، وقد حاز اليسوعيون قصب السبق في هذا منذ العام 1931 من خلال بعث "الجمعية التربوية العراقية الأمريكية" التي خولت لها وزارة التربية العراقية إنشاء أول مدرسة، ستتطور في السنوات اللاحقة إلى ما يُعرف بـ"معهد بغداد" 1932 و"جامعة الحكمة" 1956. لكن الإشكال الماثل، أن تعليم الإرساليات التبشيرية في المشرق عامة ما كان دعما للطوائف المحلّية وربطا لها بواقعها وتعريفا لها بأصولها، بل هدفَ أساسا إلى ربط ولائها بالخارج. يصف جبران خليل جبران هذا الواقع الناتج عن تعدّد الولاءات الثّقافية والسياسية في مطلع القرن الفائت، ضمن كتاب "صفحات من أدب جبران" لنبيل كرامة (ص: 61-62)، قائلا: "في سوريا مثلا كان التعليم  يأتينا من الغرب بشكل الصّدقة، وقد كنّا ولم نزل نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضوّرون، ولقد أحيانَا ذلك الخبز، ولما أحيانَا أمَاتنا. أحيانا لأنه أيقظ جميع مداركنا ونبّه عقولنا قليلا، وأماتنا لأنه فرّق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا، حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق متضاربة المشارب، كل مستعمرة منها تشدّ في حبل إحدى الأمم الغربية وترفع لواءها وتترنم بمحاسنها وأمجادها. فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية، تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرّع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيرا فرنسيا، والشاب الذي لبس قميصا من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا".

يتناول فرناندو فيلوني في القسم الأخير من الكتاب مسائل راهنة تتعلّق بمسيحيي العراق، خصوصا في ظل النزيف الديموغرافي الحاصل، حيث تراجعت نسبة المسيحيين من 5 بالمئة، أي بما يعادل مليون و 400 ألف مسيحي قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلى حوالي 2 بالمئة اليوم. والجلي ما يطبع مسيحيي العراق من تنوع طائفي: أرمن وآشوريين وكلدان وسريان، كما تخترق تجمعاتهم الإثنية تباينات مذهبية: أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وإنجيليون، اعترف القانون العراقي باثنتي عشرة طائفة منها. ويبقى تمركز جلّ هؤلاء، قبل الأحداث الأخيرة التي شهدها البلد، في بغداد وأربيل والموصل. وكما يشير فيلوني، يبقى تكتل الكلدان يميل إلى الشراكة اللاهوتية مع الكنيسة الكاثوليكية، في حين ينحو تكتل الآشوريين إلى تشييد كنيسة عراقية محلية. وأما تكتل السريان، الأقل عددا من الكلدان والآشوريين، فهو ينقسم إلى سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس؛ في حين الأرمن فهم إلى الكاثوليك أقرب. وعلى العموم فالملاحظ أن بنية مسيحيي العراق الاجتماعية ليست بنية عشائرية ما جعل تشكيل عصبية داخلية بينهم ضعيفا بقصد خلق نوع من التكتل الواقي، وهو ما أبقاهم عرضة للتهديدات بشكل مستمر. وإلى جانب مشاكل الداخل، تجابه كنيسة العراق مشاكل أخرى متأتية من الخارج تتمثل في الكنائس العابرة للقارات، وهي كنائس متمرسة بالتحكم في اقتصاد المقدّس على مستوى عالمي، على غرار الإنجيليات الجديدة والكنائس التقليدية الكاثوليكية والبروتستانتية، والتي تحاول ابتزاز المستجير بسلخه عن هويته. لا نقدّر أن كنيسة جريحة، كحال كنيسة العراق اليوم، في ظل تهديد حقيقي لوجودها، قادرة على رفع تلك التحديات بمفردها ما لم يحصل تكاتف ووعي بأن ثروة التنوع الثقافي والديني في البلاد العربية هي ثروة الجميع.

 

الكتاب: الكنيسة في العراق.. التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية من البدايات إلى الراهن.

تأليف: فرناندو فيلوني.

الناشر: مكتبة حاضرة الفاتيكان (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2021.

عدد الصفحات: 255ص.

 

عزالدين عناية

جامعي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

عدنان حسين احمدثمة كُتب تموت إثرَ ولادتها القيصرية مباشرة لأنها تحمل بذرة فنائها في داخلها، وهناك كُتب يمكن أن تعيش وتعمّر طويلاً لأنها تحمل بذرة حياتها الإبداعية في أفكارها، وثيماتها، ومقارباتها الفنية التي يتداخل فيها المبنى والمعنى. وكتاب "قصة السينما في مصر" للناقد السينمائي سعدالدين توفيق الصادر عن "دار الهلال" في القاهرة سنة 1969 هو من نمط هذه الكُتب الحيّة التي يمكن لها أن تعمّر طويلاً  لثراء مضمونها، وعمق رؤيتها النقدية، وسلاسة أسلوبها السردي الذي يتماهى مع الموضوعات التي يعالجها بلغة حيّة نابضة تشعر بحرارتها بعد مرور أكثر من خمسين عامًا على كتابتها بحيث يخالجك الشعور وكأنها كُتبت الآن وخرجت توًّا من المطبعة!

يتألف الكتاب، الذي يقع في 180 صفحة من القطع المتوسط، من مقدمة وسبعة فصول مستوفية للموضوعات التي تناولها الناقد السينمائي الراحل سعدالدين توفيق، طيّب الله ثراه. وما إن يشرع المتلقّي بقراءة المقدمة التي كتبها المؤلف بصيغة استفهامية يتساءل فيها: هل ولد فنٌ مصري جديد بعد أربعين عامًا من الإنتاج السينمائي الذي أُنجز في الأعوام الممتدة بين1927 و1969بحيث بلغ رصيد السينما المصرية 1500 فيلم روائي؟ إذ اعتبر الناقد أنّ السينما المصرية قد بدأت فعليًا بفيلم "ليلى" الروائي الطويل الذي صدر في 16 نوفمبر 1927، وهو من إخراج عزيزة أمير، وإستيفان روستي، وأمير عُرفي الذين اشتركوا في التمثيل إضافة إلى آسيا داغر، وحسين فوزي، وأحمد جلال سالم وآخرين.

لا ينفي سعدالدين توفيق أن السينما المصرية قد انطلقت قبل عشر سنوات من ذلك التاريخ لكن التجارب التي أُنجزت قبل فيلم "ليلى" لم تكن سوى محاولات بدائية تفتقر إلى النضج الفني، وهي في مجملها أفلام قصيرة أنجزها مغامرون، بعضهم أجانب، لا يمتلكون رؤىً فنية تؤهلهم لإنجاز أفلام سينمائية ناجحة.

يعتقد توفيق أن الفيلم المصري طوال تلك العقود الأربعة لم يخلق بصمتهُ الخاصة مثل الفيلم الياباني أو الهندي أو الإيطالي أو الفرنسي، والسبب لأنه لا يتوفر على أسلوب سينمائي مصري، ولا ينفرد بنكهة خاصة تُميّزه عن بقية الأفلام العالمية التي تحيل مباشرة إلى بلدانها. وبَغية الإجابة على السؤال الإشكالي يدعونا الناقد إلى متابعة "قصة السينما في مصر" خلال أربعة عقود منذ انطلاقتها الأولى حتى السنة صدر فيها هذا الكتاب النقدي القيّم.

جرائد ومجلات سينمائية مصرية

2261 قصة السينمايتضمن الفصل الأول معلومات غزيرة عن تاريخ السينما المصرية وظهور الجرائد والمجلات السينمائية المتخصصة. كما يسلّط الناقدُ الضوءَ على فيلمي "ليلى" و"زينب" ويُحيطنا علمًا بالظروف والملابسات التي أحاطت بهما. وإذا كان الفرنسيون يفتخرون بأول عرض سينمائي تجاري في 28 ديسمبر 1895، في الصالون الهندي بمقهى "جران كافيه" في شارع كابوسين في باريس فإن مصر قد عرضت بعد أسبوع أول فيلم سينمائي في مقهى "زواني" في الأسكندرية، وتبعتها القاهرة حين عرضت أول فيلم في 28 يناير 1896، في سينما سانتي. يتوقف الباحث عند بعض الأفلام القصيرة التي أُنجزت عام 1917 من بينها "شرف البدوي" و"الأزهار المميتة" اللذين اشترك في تمثيلهما محمد كريم قبل أن يسافر إلى إيطاليا وألمانيا لاحقًا بهدف الدراسة والنهل من الثقافة السينمائية الأوروبية.

يُثبّت الباحث معلومات مهمة من قبيل أول ممثل مصري وهو فوزي الجزايرلي الذي اشترك، هو وابنته إحسان الجزايرلي، في فيلم "مدام لورينا" سنة 1918 للمخرج والمصوّر الإيطالي لاريتشي، ثم يُنجز  محمد بيومي فيلم "الباشكاتب" عام 1923، ويقوم بإخراج أفلام فكاهية على غرار أفلام تشارلي تشابلن وأولها "المعلّم برسوم يبحث عن وظيفة". كما أصدر بيّومي أول جريدة سينمائية اسمها "جريدة آمون". فيما أصدر محمد توفيق أول مجلة سينمائية بعنوان "الصوّر المتحركة" سنة 1923. ومن جهته قام الناقد السينمائي السيد حسن جمعة بإصدار مجلة "معرض السينما" سنة 1924 في الأسكندرية وهو، كما يصفه الباحث، من روّاد الصحافة السينمائية الجادين والمثقفين.  وفي 25 نوفمبر صدرت مجلة "المسرح" التي يعدّها الباحث من أقوى وأحسن المجلات التي صدرت في مصر، ويرأس تحريرها الناقد الفني محمد عبدالمجيد حلمي، ورغم أنها متخصصة بالمسرح لكنها كانت تنشر الأخبار السينمائية المحلية المحدودة. وهكذا توالى صدور المجلات مثل "الصباح"، و"نشرة مينا فيلم" في الأسكندرية، و"نشرة أوليمبيا السينماتوغرافية" في القاهرة إلى أن بدأت الصحف اليومية تخصص بابًا أسبوعيًا للسينما مثل جريدة "البلاغ الأسبوعي" التي يحررها السيد حسن جمعة ثم بدأت الصحفُ الأخرى تُقلّدها وتحذو حذوها.

المُخرج محمد كريم سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن

تبنّت المخرجة والممثلة الرائدة عزيزة أمير عرض فيلمها الموسوم "ليلى" على حسابها الخاص في سينما متروبول وكان من بين المدعوين محمد طلعت حرب وأمير الشعراء أحمد شوقي، وبعد العرض خاطبها حرب قائلاً:"لقد حققتِ يا سيدتي ما لم يستطع الرجال أن يفعلوه"، كما قال شوقي:"أرجو أن أرى هذا الهلال ينمو حتى يصبح بدرًا كاملا". الغريب أنّ الرقابة قد "حذفت مشهدًا من الفيلم تظهر فيه طبلية تتناول عليها الأسرة طعامها"! من دون أن يوضّح سبب الحذف. كما يذهب الباحث إلى أنّ فيلم "ليلى" هو "أول فيلم مصري مائة بالمائة" مع العلم أن وداد عرفي قد اشترك في تمثيل الفيلم وإخراجه وهو تركي الأصل، وأنّ إستفان روستي من أم إيطالية وأب نمساوي، كما أنّ آسيا داغر من أصول لبنانية.

ينطوي الفيلم الثاني "زينب" الذي توقف عنده الناقد طويلاً على كثير من المفاجآت. فقد عُرض في سينما متروبول في القاهرة في 12 مارس 1930 في مرحلة السينما الصامتة. وشارك في التمثيل زكي رستم، وبهيجة حافظ، وسراج منير، ودولت أبيض، وعلوية جميل إضافة إلى أعداد كبيرة من الفلاحين لم يمثّلوا قط في حياتهم. وكان الفيلم من إخراج محمد كريم الذي اقتبس القصة السينمائية من رواية "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل الذي كتبها هو الآخر عن قصة حقيقية وقعت في كفر غنّام بمحافظة الشرقية، وقد ذهب المخرج إلى هناك ورأى بيت "زينب الإمام"، وهذا هو اسمها الحقيقي، وأكتشف أن الدكتور هيكل كان يحبها. وحينما عُرض الفيلم وحقّق نجاحًا باهرًا أعاد محمد حسين هيكل طباعة روايته ونشرها باسمه الصريح بعد أن ظهرت سنة 1914 بعنوان "مناظر وأخلاق ريفية" ومذيّلة بتوقيع "مصري فلاح". ما يهمنا في هذا الفيلم أنّ مُخرجه محمد كريم قد سبق الواقعية الإيطالية بربع قرن فقد صوّر الشوارع والحقول وأسطح المنازل في قرى الشرقية والقليوبية والفيّوم لسبب بسيط وهو عدم وجود الأستوديوهات السينمائية في مصر، كما استعمل الناس العاديين والمجاميع الفلاحية بدلاً من الممثلين المحترفين الذين يكلّفونه بعض الأموال. ومع ذلك فمحمد كريم يعد المخرج الأول الذي أظهر القرية المصرية على الشاشة. وجدير ذكره أنّ هذا الفيلم الصامت سوف يحوّله المخرج إلى فيلم ناطق سنة 1952.

يتناول الناقد في الفصل الثاني السرعة التي تكلّم فيها الفيلم المصري ولم يتأخر عن شقيقه الأمريكي "مغنّي الجاز" الذي عُرض في عام 1927، إذ سارع المخرج المثابر محمد كريم إلى وضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الناطق الأول "أولاد الذوات" في 14 مارس 1932. ونظرًا للتكاليف الباهضة للأفلام الناطقة فقد جعلهُ نصف ناطق، بينما ظل النصف الآخر صامتًا. وقد حاول بعض المنتجين تحويل أفلامهم الصامتة إلى ناطقة كما حدث لفيلم "تحت ضوء القمر" من إخراج شكري ماضي الذي واجهَ بعض العقبات حينما سجّل الحوار على إسطوانات كانت تُدار مع الفيلم في أثناء عرضه لكن الصوت لم يتطابق مع الصورة وسبّب لهم العديد من المواقف المُحرجة. ينتقد سعدالدين توفيق ضعف قصة الفيلم، ورداءة الماكياج، وهبوط مستوى أداء الممثلين.

التعبير بالصورة والإلمام باللغة السينمائية

يتوقف الناقد عند ثلاث مُخرجات وهنّ عزيزة أمير التي أنجزت فيلم "كفّري عن خطيئتكِ"، وفاطمة رشدي التي حقّقت فيلم "الزواج"، وبهيجة حافظ التي تألقت في فيلم "الضحايا" ونجحت في تجربتها الإخراجية أمّا أميرة وفاطمة فقد فشل فيلميهما فشلاً ذريعًا الأمر الذي دفعهما إلى عدم تكرار تجربة الإخراج والاكتفاء بالتمثيل والإنتاج وكتابة السيناريو كما فعلت فاطمة رشدي.

يُحيط هذا الفصل بثلاثة مخرجين روّاد أيضًا وهم محمد كريم الذي أشرنا إليه سابقًا، وأحمد جلال الذي قدّم لنا "عيون ساحرة"، وهو أول فيلم مصري من أفلام الخيال العلمي الذي لم تألفه السينمائية المصرية آنذاك، وتوجو مزراحي الذي أتحفنا بعدد من الأفلام الروائية مثل "الكوكايين" 1930، و"أولاد مصر". ما يميّز هذا المخرج، بحسب سعدالدين توفيق، أنه "كان يُجيد التعبير بالصورة، وملمًّا باللغة السينمائية، وكان الحوار قليلاً في أفلامه إلى درجة مُلفتة للنظر" كما كان يلجأ إلى الفوتومونتاج Photomontage للتعبير عن مرحلة الانتقال في قصصه (والفوتو مونتاج هو عملية تعديل وتركيب لصورتين أو أكثر بواسطة الفوتوشوب لإنشاء صورة تحمل شيئًا من الخيال". كان مزراحي يعتمد كثيرًا على الوجوه الجديدة بخلاف أقرانه الذين كانوا يعوّلون على الممثلين المسرحيين الذين ذاع صيتهم آنذاك فتخلصَ هو من معضلة الأداء المسرحي، وسوف يتحول مزراحي من الأفلام الاجتماعية إلى الأفلام الفكاهية مثل "الدكتور فرحات" الذي حقق نجاحا هائلاً في حينه. لابد من العودة إلى المخرج محمد كريم الذي أنجز فيلم "الوردة البيضاء" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي حقق نجاحًا غير مسبوق حتى أنه أن إيراداته قد بلغت ربع مليون جنيه، وهو ثاني فيلم غنائي مصري بعد "أنشودة الفؤاد". لا يفوت سعدالدين الإشارة إلى أوجه التشابه بين "الوردة والبيضاء" و"غادة الكاميليا"، كما ينوّه إلى أنّ القصة السينمائية في الثلاثينيات لم تُعنَ بوضع حلول للمشكلات الاجتماعية التي تُثقل كاهل المواطنين المصريين، وأنّ عيون المنتجين كانت مصوّبة إلى شباك التذاكر.

السينما فتحت أبواب الشهرة للمطربين المصريين والعرب

يتمحور الفصل الثالث على "مدرسة إستوديو مصر " الذي أسّسه طلعت حرب سنة 1935 لكن المؤلف يسبق ذلك التاريخ قليلاً ويتوقف عند بعض الأسماء الفنية التي تمّ إيفادها للخارج  وهم أحمد بدرخان وموريس كسّاب لدراسة الإخراج في فرنسا، ومحمد عبدالعظيم وحسن مراد لدراسة التصوير في ألمانيا، وآخرين لدراسة الصوت والديكور والمونتاج. وأشار إلى أنّ فيلم "وداد" بطولة أم كلثوم، وإخراج أحمد بدرخان  قد تعثّر حينما أزاحوا بدرخان وأسندوا المهمة الإخراجية إلى الخبير الألماني فريتز كرامب، الذي لم يكن مخرجًا في الأصل، فجاءت المَشاهد بطيئة مملّة، وحركة الكاميرا بدائية، والتصوير ضعيف، فلاغرابة أن يكون الإخراج هزيلاً وخاليًا من أي لمسة فنية. ومع ذلك فقد حقق الفيلم نجاحًا جماهيريًا شجّع أم كلثوم على الظهور في أفلام أخرى. عُرض هذا الفيلم في مهرجان البندقية سنة 1936، وهو أول فيلم مصري يُعرض في مهرجان دولي. أما بدرخان فيُعدّ أول مصري درس السينما في باريس، وأول فنان ألّف كتابًا عن السينما جاء تحت عنوان "فن السينما" يشرح فيه كيف يُصنع الفيلم من بداية الفكرة حتى ظهوره على الشاشة.

قدّم المخرج محمد كريم عددًا من الأفلام الغنائية من بينها "دموع الحُب"، "يوم سعيد"، و"رصاصة في القلب" بطولة الفنان محمد عبدالوهاب الذي لمس ثمرة نجاحه في الفيلم الغنائي. كما قدّم كريم عددًا من الوجوه النسائية الجديدة مثل نجاة علي، ليلى مراد، رجاء عبده، ليلى فوزي اللواتي سوف يصبحنَ نجوم الشاشة العربية. يشيد المؤلف بإمكانية محمد كريم ويفضّلهُ على ماريو فولْبي ويعتبرهُ "أوسعُ خيالاً، وأرقُّ حسًا، وأكثر شاعرية"، ويعتقد بأنّ لا أحد استطاع أن يحل مشكلة "الأغنية السينمائية" حتى ذلك الوقت. ويرى بأن الأغنية يجب أن تكون جزءًا من القصة السينمائية لا أن تكون شيئًا زائدًا أو مُلصقًا بها.

يعرّج الناقد على بعض أفلام توجو مزراحي مثل "ليلى"، تمثيل ليلى مراد، وحسين صدقي، وفيلم "سلامة" بطولة أم كلثوم ويحيى شاهين. والمعروف عن مزراحي هو حبه لمصر، وسعية الدائم لبث المحبة بين اليهود والمسلمين، وحينما هُجِّر اليهود من مصر لم يذهب إلى إسرائيل، وإنما توجه إلى إيطاليا وفارق الحياة هناك.

يرصد المؤلف بعض الأفلام المختلفة عن النمط السائد مثل فيلم "العزيمة" قصة وإخراج كمال سليم، وهي تجربة فنية تذكرنا بالسينما الواقعية الإيطالية ولا يلوذ بالحلول الماورائية التي يضع فيها البطل ثقته بالقَدَر أو الحظ أو المُصادفة. وقد شبّه الناقد سعدالدين توفيق هذا الفيلم "بالنبات غير الطبيعي" من ناحية التكنيك في الأقل.

لا ينسى المؤلف إشادة الصحفي والكاتب السينمائي الفرنسي جورج سادول بفيلم "العزيمة" 1939 لكمال سليم كواحد من أحسن الأفلام التي ظهرت في الفترة الواقعة بين 1930- 1945. وقد نشر هذا التقييم الإيجابي في كتابه المعنون بـ"قاموس الأفلام" الذي صدر عام 1965.

تفاهة القصة في الأفلام الاستعراضية

يركز المؤلف في الفصل الرابع على أفلام ما بعد الحرب العالمية الثانية التي تضاعف فيها عدد الأفلام المنتَجة من 16 فيلمًا عام 1943 إلى 67 فيلمًا عام 1945 فظهرت موجة من "الأفلام التافهة" كما يصفها سعد الدين توفيق لأنها تعتمد على قصص ساذجة، وتتكئ على النكتة اللفظية، وتعوّل على الإغراء الأمر الذي أفضى إلى هبوط مستوياتها الفنية. ومع ذلك فقد ظهرت حزمة من الأفلام الجيدة لنخبة من المخرجين أمثال محمد كريم وآسيا داغر وأحمد جلال، وأعقبهم ظهور صلاح أبو سيف الذي قدّم فيلمه الأول بعنوان "دايمًا في قلبي" 1946 المُقتبس عن فيلم "جسر ووترلو"، كما قدّم كامل التلمساني فيلم "السوق السوداء" الذي يُعد امتدادًا للمدرسة الواقعية وعالج فيه قضية الإتجار بقوت الشعب. ومع أنه فيلم جيد لكنه فشل فشلاً ذريعًا. كما سطع اسم مخرج ثالث من تلاميذ إستوديو مصر هو أحمد كامل مرسي وقدّم أقوى أفلامه وهو "النائب العام" ثم انصرف بعدها لإخراج أفلام وثائقية عن الفنانين التشكيليين مثل محمود سعيد وراغب عيّاد. ثم ظهر ثلاثة مخرجين جدد وهم عزالدين ذو الفقار الذي قدّم "أسير الظلام"، وامتازت أفلامه بالشاعرية والرِقة ووصفه أحد النقاد بأنه "شاعر وراء الكاميرا"، ويختار المؤلف ثلاثة من أنجح أفلامه وهي "بين الأطلال"، "رُدّ قلبي" و"نهر الحُب". أمّا المخرج الثاني فهو أنور وجدي الذي قدّم العديد من الأفلام الاستعراضية مثل "ليلى بنت الفقراء"، "عنبر" و"غزل البنات" وحقق نجاحًا طيبًا وظل طوال الأربعينات نجم الشاشة الأول. ويعتقد المؤلف بأنّ وجدي قد عالج العيب الجوهري في معظم الأفلام الاستعراضية وهو "تفاهة القصة" ولم يبخل على أفلامه ألبتّة، فقد كانت الديكورات ضخمة، ويهتم بالملابس كثيرًا، ويجد الحلول للمشكلات التي تصادفه في أثناء التصوير.

الرقابة المصرية رفضت فيلم "القاهرة الجديدة" ست مرات

تُهيمن على الفصل الخامس الأفلام الواقعية التي أنجزها صلاح أبو سيف بين الأعوام 1952- 1962 وكانت سببًا لشهرته مثل "لك يوم يا ظالم"، " الأسطى حسن"، "ريا وسكينة"، "الوحش"، "شباب امرأة" و"الفتوّة". وكان البطل في الأفلام هو الإنسان المسحوق والفقير والمهمّش ضحية الاستغلال والإقطاع. ومن المؤكد أن صلاح أبو سيف قد تأثر بالأفلام الواقعية في إيطاليا، وقرر أن ينقل هذه التجربة إلى الشاشة الكبيرة في مصر، خصوصًا وأنّ المخرجين الإيطاليين كانوا يأخذون قصص أفلامهم من أخبار الحوادث التي تنشرها الصحف اليومية الإيطالية. وتكمن الخطورة في نقل الحوادث أنها أصبحت معروفة للناس الأمر الذي يفقدها عنصري المفاجأة والدهشة مثل قصة السفاحتين "ريا وسكينة" اللتين روّعتا أهالي الأسكندرية، أو قصة السفّاح الصعيدي "الخط" الذي أرعب الناس في عموم المدن المصرية. ومع ذلك فقد جازف أبو سيف وأنجز هذه الأفلام بطريقة واقعية لا تنقصها الخبرة، والرؤية الإخراجية المدروسة التي تنطوي على حسٍ نقدي واضح للمجتمع المصري. يؤكد المؤلف بأنّ الرقابة الحكومية في الأربعينات والخمسينات كانت ترفض أي قصة سينمائية ذات مضمون سياسي فلاغرابة أن ترفض التصريح لصلاح أبو سيف بإخراج فيلم "القاهرة الجديدة" لستٍ مرات متتالية، وفي كل مرة كان يقدّم الفيلم بعنوان جديد، وقد نجح في المرة السادسة حينما قدّمه بعد عشرين سنة بعنوان "القاهرة 30". أمّا فيلم "الأسطى حسن" فقد رفضت الرقابة عرضه ما لم يكتب المخرج في نهاية عبارة "القناعة كنز لا يفتى!".

كمال الشيخ تلميذ هتيشكوك

تناول المؤلف عددًا من الأعمال التي انضوت تحت قائمة "الأفلام الوطنية" من بينها "رُدّ قلبي" لعزالدين ذو الفقار، و"مصفى كامل" لأحمد بدرخان، و"جميلة" ليوسف شاهين. وقد ظهر في هذه المرحلة أربعة مخرجين سينقشون أسماءهم في ذاكرة المشاهدين العرب وهم كمال الشيخ، يوسف شاهين، توفيق صالح، وعاطف سالم حيث أنجز كمال الشيخ فيلم "حياة أو موت" الخالي من العناصر التقليدية المتعارف عليها، وقد وصفه النقاد بأنه تلميذ هتيشكوك. فيما قدّم يوسف شاهين "صراع في الوادي" الذي يعالج قضية الإقطاع واستبداده في الريف المصري. كما قدّم "باب الحديد" الذي يراهن على الصورة، ويتضاءل فيه الحوار إلى درجة كبيرة. ركزّ المخرج الثالث توفيق صالح على الحارة المصرية في "درب المهابيل" فيما وجّه عنايته إلى القرية المصرية في "صراع الأبطال" وأنتقد العديد من الظواهر الاجتماعية مثل هيمنة الدجل والشعوذة وعدم الإيمان بالطب والعلم في المناطق الشعبية على وجه الخصوص. وفيما يخص المخرج الرابع فيكفي أن نشير إلى فلم "أم العروسة" الذي يحيلنا مباشرة إلى الواقعية الإيطالية الجديدة التي أثرّت على بعض المخرجين المصريين الذين تبنّوا هذه الموجة وأنجزوا أفلامًا ما تزال راسخة في أذهان المتلقين في عموم البلدان العربية.

يحتشد هذا الفصل بآراء نقدية كثيرة للمؤلف حيث يصف سلسلة الأفلام الفكاهية لاسماعيل يس بـ "الرخيصة والرديئة جدًا ولهذا انصرف عنها الجمهور لاحقًا بعد أن ملّ من التكرار الساذج للحركات التهريجية" وقد شخّص الناقد سعدالدين توفيق الأسباب أولها ضعف قصص هذه الأفلام وتشابهها شكلاً ومضمونًا.

"في بيتنا رجل" أحسن الأفلام الوطنية  التي قدّمتها السينما المصرية

لا ينسى المؤلف أن يتوقف عند المخرجين الذين انتبهوا قصص وروايات الأدباء المصريين مثل طه حسين، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس وقد حصل الأخير على أكبر أجر تقاضاه وهو 4000 جنيه مصري. وقد أخرج صلاح أبو سيف خمس روايات له وهي "الوسادة الخالية"، "لا أنام"، "الطريق المسدود"، "لا تُطفئ الشمس"، و"أنا حرة". فيما أخرج هنري بركات "في بيتنا رجل" الذي يُعدّ من أحسن الأفلام الوطنية التي قدّمتها السينما المصرية وحققت نجاحًا كبيرًا. أما فيلم "البنات والصيف" لعبدالقدوس أيضًا فقد اشترك في إخراجه ثلاثة مخرجين وهم عزالدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف، وفطين عبدالوهاب، لأن الكتاب يتألف من ثلاثة قصص، وسُميّت هذه المرحلة بمرحلة النقد الاجتماعي، "وقد عاب عليه البعض بالانتقال من أفلام بولاق إلى أفلام الزمالك".

الملحوظة الأخيرة في هذا الفصل هي أن عدد الأفلام التي ظهرت خلال الحقبة المحصورة بين عامي 1952- 1962 هو 600 فيلم روائي بينما لا يزيد عدد كُتّاب السيناريو عن أصابع اليد الواحدة، ولعل القارئ الكريم سيعرف حتمًا  السرّ الكامن وراء "تفاهة" القصص السينمائية التي دمغت أفلامنا خلال تلك الحقبة الزمنية التي غلبت عليها "الكلفتة والاستعجال" بتعبير سعدالدين توفيق مع أنّ أهم ما يحتاج إليه الفيلم هو القصة السينمائية السوية والناجحة. وقد أنشأت وزارة الثقافة في حينه "معهد السينما" سنة 1959، ثم أردفته بـ "معهد السيناريو" سنة 1963 لكن خريجي هذين المعهدين ما يزالون بعيدين عن الميدان حتى ذلك الوقت المُشار إليه توًا.

أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري

يقتصر الفصل السادس على دراسة "القطّاع العام" الذي يمثّل المرحلة السادسة من مراحل تطور السينما المصرية 1963- 1969 والأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما التي تعاقدت مع عدد غير قليل من السينمائيين للعمل في أفلام "حرف ب" ومعنى "حرف ب " هنا هو أفلام من الدرجة الثانية قليلة التكاليف. وكانت النتيجة أن ظهرت أفلام هزيلة لا تختلف مطلقًا عن الأفلام الهابطة التي أنتجها القطاع الخاص، فزالت مخاوف هذا الأخير وتيقّن بأن أفلام المؤسسة ليست أفضل من الفيلم التجاري الخاص مع بعض الاستثناءات المحدودة هنا وهناك. وقد انهال النقاد على أفلام المؤسسة باللوم والتقريع وأعتبروا أن السينما المصرية قد عادت عشرين سنة إلى الوراء. وأصبح اسم "من أجل حنفي" لحسن الصيفي عنوانًا وأنموذجًا للفيلم الرديء الأمر الذي دفع المؤسسة إلى إيقاف عرض الباقي من أفلامها. وقد فلَتَ من بين الأفلام الرديئة فيلم "الناصر صلاح الدين" ليوسف شاهين الذي ساهمت المؤسسة بتمويلية، ويعدّ نقلة واسعة من أفلام الصالونات إلى الإنتاج الضخم والمشرّف الذي يقف جنبًا إلى جنب مع أفلام هوليوود الكبيرة. وأجمل ما في هذا الفيلم، كما يرى سعدالدين توفيق، هو المَشاهد الخالية من الحوار، وقد استغرق إنجاز الفيلم سنتين من التأمل والعمل الدؤوب. وفي عام 1966 أنجزت المؤسسة أفلامًا مهمة حققت رسالتها مثل "ثورة اليمن" لعاطف سالم، و"القاهرة 30" لصلاح أبو سيف، و"السمّان والخريف" لحسام الدين مصطفى. أما مرحلة الإنتاج المشترك فلم ينجح أيضًا وكان بعض أفلامها أردأ من أفلام "حرف ب" مثل "ابتسامة أبو الهول" و"ابن كليوباترا"، وهكذا فشلت الشركة في أن تحقق انطلاق السينما العربية في المجال العالمي لأنها لم تحاول أن تتعاقد مع أسماء إخراجية كبيرة مثل روسلّيني أو رينيه كلير، أو إيليا كازان الأمر الذي دفعهم لإعادة النظر بالقطاع العام وإعادة تشكيل المؤسسة على وفق سياسة جديدة لإنتاج الأفلام الروائية.

صرامة نقدية لا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح

قبل أن يثبِّت الناقد سعدالدين توفيق قائمة بأفضل فيلم مصري يعترف بأنه اختياره قد وقع على الأفلام التي تميّزت بمستواها الفني، وقد انتقى فيلم "زينب" كأفضل فيلم في ذلك الوقت لأنه حقق نقلة إلى الأمام، ولو عُرض الآن لضحك الناس عليه أكثر من أفلام فؤاد المهندس. كما أهمل الأفلام التي أنجزها مخرجون أجانب مثل لاشين وفريتز كرامب وأندرو مارتون وما سواهم. ولو ألقينا نظرة عجلى على المئة فيلم لوجدناها تبدأ بـ "زينب"، و"أولاد الذوات"، و"الوردة البيضاء" للمخرج محمد كريم، وتنتهي بـ "شيء من الخوف" لحسين كمال، و"يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق صالح، و"أبي فوق الشجرة" لحسين كمال.

جدير ذكره بأنّ الناقد سعدالدين توفيق قد صدر له إضافة إلى "قصة السينما في مصر" كتاب بعنوان "فنان الشعب: صلاح أبو سيف"، كما ترجم "قصة السينما في العالم: من الفيلم الصامت إلى السينيراما" لآرثر نايت. ويكفي القارئ العربي، المتخصص وغير المتخصص، أن يقرأ "قصة السينما في مصر" ليعرف جدية الناقد الفذ سعدالدين توفيق، وصرامة آرائه النقدية التي تخلو من المجاملات، ولا تنتصر إلاّ للعمل الفني الناجح الذي يحترم ذائقة المتلقين.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

ميثم الجنابي"الأوربة الروسية" تقليد ومرض

عندما وضع دانيليفسكي كامل استنتاجاته تجاه الإشكالية الواقعية للتقليد الأوربي في روسيا، فإنه توصل إلى أن الشعب الروسي منقسم إلى طبقتين متختلفتين بعضهما عن بعض. الطبقات الاجتماعية الدنيا ظلت روسية الروح والشخصية، بينما تحولت الطبقة العليا إلى أوروبية المنزع. فالطبقات المتأوربة تأخذ كل ما هو أوربي. وتعتقد بأن كل ما هو جيد في الغرب جيد بالنسبة لروسيا. وبهذه الطريقة تم نقل العديد من الأنماط الأوربية في مختلف مفاصل الدولة والثقافة والحياة. بينما كشفت التجربة بشكل تام وواضح، بأن كل هذه الأشياء غير مقبولة. وإنها تجف وهي في المهد. الأمر الذي يجعلها تطالب بإمدادات مستمرة وجديدة. وفي الوقت نفسه تقول التجربة التاريخية للروس، بأن التغييرات في الحياة الاجتماعية العامة والحكومية النابعة من الاحتياجات الداخلية للشعب قد جرى قبولها بنجاح. ومن ثم، فإن أعظم الإصلاحات التاريخية التي جرى تطبيقها في روسيا والتي عادت عليها بفوائد جمة لم يجر إحداثها وفقًا لنموذج غربي. بل على العكس. لقد جرى تطبيقها وفقًا لخطة مميزة عززت رفاهية الناس وحريتهم. أما الصيغة المتطرفة والأكثر ضررا وضراوة من بين أولئك المتأوربين، فهي تلك التي تنظر إلى كافة مظاهر الحياة الداخلية والخارجية لروسيا من وجهة نظر أوربية. إذ تسعى هذه النظرة بكل الوسائل المتاحة أن تدرج وتدخل كل ظواهر الحياة الروسية تحت معايير الحياة الأوربية أما بصورة غير واعية بسبب استلابها أمام الفكر الأوربي، أو  بوعي من أجل إعطاء هذه الظواهر هيئة التشريف والتكريم والتبجيل. ومنها يمكن أن نفهم خلوهم من كل هذه المظاهر في حال انعدام "شخصيتهم الأوربية"، كما يقول دانيليفسكي. ولعل أحد الأمثلة النموذجية بهذا الصدد هو الموقف من قضية القسطنطينية (اسطنبول). فأوربا تتهم الروس بسعيهم للهيمنة عليها. بينما نشعر نحن بالخجل من هذا الاتهام، كما لو انه بالفعل فعلاً سيئاً. فقد استولت إنجلترا على جميع المضايق البحرية في أغلب مناطق العالم. بل من غير المعروف لماذا استولوا على صخرة على الأراضي الإسبانية (جبل طارق) من اجل السيطرة على مدخل البحر الأبيض المتوسط. أما ما يتعلق بنا فيجري رفض حتى فرضية حقنا في الدخول الحر إلى منازلنا، دعك عن الالتزام الأخلاقي بإبعاد الأتراك عن الأراضي السلافية واليونانية. إن كل هذه الأمثلة مؤشر على أعراض المرض، الذي يمكن أن نطلق عليها تسمية ضعف الروح الوطنية في طبقات المجتمع الروسي الأكثر تعليمًا. وهي في الوقت نفسه السبب الجيني للمرض، والذي تنشأ منه وتدعمه باستمرار. إن هذا المرض يعوق بلوغ الأهداف الكبرى للشعب الروسي. كما يمكنه استنزاف ربيع الروح الوطنية، ويحرم الحياة التاريخية للشعب الروسي من القوة الحيوية الداخلية، بحيث يجعل من وجوده شيئا عديم الجدوى والفائدة. أما الاستنتاج النهائي الذي توصل إليه دانيليفسكي في مجرى دراسته وتحليله ونقده لمرض التقليد أو مرض الأوربة الروسية، فيقوم في إقراره، بأن كل ما هو خال من المحتوى الذاتي لا يتعدى كونه قمامة سوف يجري جمعها ووضعها في نيران الحساب التاريخي.

الحضارة الأوربية ليست عالمية

لقد أدى هذا الإستنتاج الفكري والثقافي العميق الذي توصل إليه دانيليفسكي إلى وضع ونقد السؤال الأعم والأعمق في الوقت نفسه عما إذا كانت الحضارة الأوروبية متطابقة مع الحضارة العالمية أو الإنسانية العامة؟ أي عما إذا كانت الحضارة الأوربية تتطابق مع مفهوم وفكرة العالمية والإنسانية العامة.

إن الوعي الأوربي، كما يقول دانيليفسكي، ينطلق من مقدمات ترتقي عنده إلى مصاف البديهة التاريخية والثقافية. وهذه المقدمات هي كل من تصوير الشرق والغرب على أنهما نقيضان وقطبان؛ وأن الأوربي الغربي هو قطب التقدم والتطور والتقدم بينما الشرق (آسيا) هو قطب الركود والغباء؛ وأن الغرب محبوب والشرق مكروه؛ وأن الفكرة الأوربية تنطلق من أنها الكلّ والمطلق والحقيقة والجمال والخلاص، وما عداها ركود وموت؛ وأن أوروبا هي إنسانية كاملة وبدونها لا يمكن أن تكون هناك حضارة. بمعنى انه لا وجود للتقدم خارجها.

أما من حيث الواقع والتاريخ والثقافة الفعلية، فإن كل هذه المقدمات "الفكرية" هي هراء مطلق وسطحية إلى درجة يجعل حتى من دحضها امرا مخجل، كما يقول دانيليفسكي. لاسيما وأن تقسيم العالم نفسه إلى أجزاء هو تقسيم مصطنع. أما المعيار الحق فهو أن البحر أو البحار هي التي تقّسم الكرة الأرضية. وبالتالي، فإن أي جزء من أجزاء العالم لا يمثل ولا يمكنه أن يمثل الخصائص التي قد يضعها أحدهم في معارضة الآخر. فمصر وساحل البحر المتوسط عمومًا أكثر البلدان قدرة على الثقافة. وأن أوروبا في الواقع هي جزء من آسيا. ومن ثم لا تختلف عن الأجزاء الأخرى. وبالتالي لا يمكنها أن تعارض بشكل كامل وتختلف اختلافا تاما عن الآخرين. كما أن الواقع يبرهن على أنه في جميع أنحاء العالم توجد بلدان قادرة وأخرى أقل قدرة على تطوير المدنية. وبالتالي، فإن السمعة التي تتمع بها أوربا هي نتاج حالة نعرفها. رغم أن بقية آسيا لديها ثقافة أكثر أصالة على الإطلاق من الأوربية. فالعديد من فروع الصناعة الصينية لا تزال في درجة من الكمال لا يمكن للصناعة الأوربية بلوغها. وينطبق هذا على صناعات أخرى عديدة. كما تحتل الصين المكان الأول على الكرة الأرضية بالزراعة العقلانية. والبستنة الصينية أيضا ربما تكون الأولى في العالم. وينطبق الشيء نفسه على وسائل الراحة. وقد عرف الصينيون قبل الأوربيين بقرون عديدة البارود والطباعة والبوصلة وورق الكتابة. كما أن لأهل الصين أدب هائل ونمط من الفلسفة. وعندما كانت مذاهب الإغريق القدماء تؤمن بالخرافات، فإن علماء الفلك الصينيون لاحظوا بالفعل هذه الأجرام السماوية علميا. بل أنهم تركوا الإغريق والرومان في الكثير من مجالات التطور العلمي وراءهم بمساحات شاسعة. أما السبب الآخر والأكثر أهمية لرفض فكرة انعدام أية حضارة مستقلة خارج أنماط الثقافة الجرمانية الرومية أو الأوروبية، والتي يجري لصق كلمة العالمية بها، فيقوم في أن التاريخ السابق طوّر حضارات تاريخية كبرى. وبالتالي، فإن هذه الفكرة الأوربية هي نتاج سوء فهم واسع الانتشار.

في نقد النزعة الأوربية وحضارتها

انتقد دانيليفسكي نمط التقسيم التاريخي الذي صنعه الأوربيون لأنفسهم على مثال تاريخهم الخاص، والذي حاولوا جعله نموذجا للتقسيم التاريخي للجميع. من هنا قوله، بأن فكرة الأوربيين عن التاريخ القديم والوسيط والحديث مرتبط بتاريخ الدولة الرومانية. وهو تاريخ أوربي بحت وجزئي في الوقت نفسه. أما محاولة سحبها على تواريخ الأمم الأخرى أو العالم ككل فهو أما سوء فهم أو خرافة. إذ لكل أمة وحضارة تاريخها القديم والوسيط والحديث. وذلك لأن لكل منهما مراحل تطور خاصة به. لاسيما وأن لهذا التقسيم نماذجه في أمور أخرى عديدة، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لنمو الإنسان وحياته. إذ يمكننا التمييز بين ثلاث مراحل فيها وهي الطفولة والشباب والشيخوخة. كما يمكننا تقسيمها إلى أربع مراحل وهي الطفولة والمراهقة والرجولة والشيخوخة، أو مراحل أكثر مثل الطفولة والمراهقة والشباب والرجولة والشيخوخة والهرم. وبالتالي، يمكن ابتداع أعداد أخرى لفترات التطور في حياة الأقوام التاريخية،كما يقول دانيليفسكي.

وعندما ننظر إلى نشوء وتطور الأنماط التاريخية الثقافية الكبرى أو الحضارات الأصلية، فإننا نراها مرتبة ترتيبًا زمنيًا على التوالي وهي: المصرية، والصينية، والآشورية – البابلية – الفينيقية - الكلدانية أو السامية القديمة، والهندية، والإيرانية، والعبرية، واليونانية، والرومية، والسامية الجديدة أو العربية، والجرمانية الرومية أو الأوروبية1 . وأضاف دانيليفسكي إلى هذه المجموعة العشرة مما أسماه بالنمطين الأمريكيين وهما كل من المكسيكي وحضارة البيرو، اللذين ماتا قبل أن يكتملا. وعلى هذا الأساس استنتج، بأن الشعوب التي شكلت هذه الأنماط التاريخية الثقافية هي الوحيدة التي كانت تمثل قوى إيجابية في تاريخ البشرية. وذلك لأن كل منها وضع بصورة مستقلة بداية تطوره الذاتي انطلاقا من خصوصيته وطبيعته الروحية. ومن الناحية التاريخية عادة ما كان يجري نقل ثمار كل منها للآخر بصفتها مواد للتغذية أو سماد للتخصيب بمواد متنوعة قابلة للهضم ومستوعبة للتربة التي كان من المقرر أن يتطور فيها النمط التالي، كما نراه على مثال ظهور وتدرج وتطور الأنماط التاريخية الثقافية. فقد طورت هذه الأنماط الثقافية والتاريخية شخصياتها الفردية، كما يقول دانيليفسكي. وبالتالي ساهمت في تنوع مظاهر الروح البشري، ناهيك عن تلك الاكتشافات والاختراعات مثل النظام العشري من علامات الأرقام، والبوصلة، وصناعة دودة القز، والبارود وغيرها من الانجازات العلمية الكبيرة، التي تم نقلها إلى أوروبا من الشرق بمساعدة العرب.

ووضع دانيليفسكي هذه الحصيلة وكثير من الجوانب التي اخضعها للتحليل والاستعراض والنقد في استنتاج دقيق يقول، بأن تقسيم التاريخ إلى ثلاث مراحل هي فكرة أوربية خالصة. ومن ثم تخصها لحالها فقط ولا علاقة لها بتاريخ الأنماط التاريخية الثقافية أو الحضارات الكبرى للماضي والحاضر.

إن تسلسل الانماط التاريخية الثقافية الكبرى، أو الحضارات الأصيلة، كما يصفها دانيليفسكي، يشير إلى أنها عرضة للزوال التاريخي. بمعنى انه ليست هناك حضارة أو نمط تاريخي ثقافي قادر على العيش دوما. والمصطلح الدقيق الذي وضعه واستعاض به عن مصطلح الحضارة يتضمن فكرة التاريخي، أي العابر بمعايير الزمن. وذلك لأن بدايته هو نشوء وتكون وتكامل ذاتي مديد، أي تاريخ الصيرورة الأولية والانتقال من المرحلة الاثنوغرافية إلى مرحلة الأصالة الذاتية كما اسماه دانيليفسكي. وما بعدها هو إنتاج مثمر قصير، شأن كل ما في الطبيعة. وبقدر ما ينطبق ذلك على الأنماط القديمة، فإنه ينطبق بالقدر ذاته على النمط الأوربي. من هنا ظهور الفكرة النقدية المتعلقة بمستقبل هذا النمط الثقافي. فهو من حيث البداية والأصل نمط تاريخي. ومن حيث ثماره هو نمط أوربي. وبالتالي، فإن حالة الإثمار التي لازمت إبداعه العظيم تفترض، شأن من سبقه، بالضرورة للانحلال. من هنا سؤاله عما إذا كان الغرب، بوصفه حامل الثقافة الأوربية، سيتعرض للتعفن والانحلال أم لا؟

موت الحضارة الأوربية

وفي معرض اجابته على هذا السؤال- الإشكالية انطلق دانيليفسكي من فكرة مفادها أن الشعوب الأوربية أنتجت أسس تفكير جديدة وطريقة جديدة للبحث العلمي. وبدأ أثرها منذ عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر بإعطاء نتائج نظرية وعملية وفيرة. حيث جرى إبداع وتأسيس كل شيء أصلي في الفن والعلوم الأوروبية. مما حدد تطورها اللاحق ضمن هذا الإطار. وتمثل حالة نمو الثمار وحصادها مرحلة الانحدار التاريخي والنفوذ الزمني للحضارة. فالثمار هي بداية الخريف. وألوانه هي نهاية الربيع. الأمر الذي يؤيد الاستنتاج القائل، بأن القوى الإبداعية لأوربا قد دخلت بالفعل في هذا المسار المحتوم منذ مائة وخمسين أو مائتي عامًا مضت،كما يقول دانيليفسكي. وهي الفكرة التي سيكررها شبنغلر لاحقا في موقفه من "أفول أوربا". وشدد دانيليفسكي أيضا، على انه قد يكون من الصعب القول ما إذا كان الصيف بمعنى كونه الوقت المبكر أو أواخر الخريف، فإن الشمس هي التي تزرع هذه الفاكهة، وأنها تمر بالفعل وراء خط الطول وتميل بالفعل نحو الغرب. سوف يصبح هذا الوضع أكثر وضوحًا إذا استطعنا أن نحدد طبيعة القوى التي بنت وحافظت على بناء الحضارة الأوروبية.

ومن هذه المقدمة والنتيجة في الوقت نفسه، حاول دانيليفسكي الإجابة على ما في الزوال المحتمل والقريب للنمط التاريخي الثقافي الأوربي من آفاق جلية بالنسبة للنمط التاريخي الثقافي السلافي. وانطلق في تأسيسه لهذه الفكرة من أن للأحداث التاريخية في مجرى تطورها ومستويات كمالها، فوارق كبرى لا معنى للمقارنة بينها بما يتعارض مع قواعد النظام الطبيعي. وأن التمييز النوعي للأنماط التاريخية الثقافية هو أعلى مبدأ في التقسيم. بمعنى انه يبلور الفكرة التي تعارض مختلف النماذج البدائية والضيقة في ما يخص تقسيم وتقييم الأمم وحضاراتها. بمعنى انه يريد الرجوع بالأقوام إلى أنماطها الثقافية، أي التركيز على أولوية وجوهرية الإبداع الثقافي الحضاري، بوصفها المساهمة الذاتية الفعلية في تاريخ الأمم والعالم ككل. وسبب ذلك يقوم في أن الأقوام والشعوب، كما يقول دانيليفسكي، تختلف من حيث مكوناتها الإثنوغرافية. وعلى أساسها تنقسم البشرية إلى عدة مجموعات كبيرة. وواحدة من هذه المجموعات هي أسرة الشعوب السلافية. وهي تتميز بذاتها ومن ثم تختلف عن المجموعات البشرية الأخرى مثل السنسكريتية والإيرانية والهيلانية واللاتينية والألمانية. ويترتب على ذلك أن أسرة الأمم السلافية تشكِّل نمطا تاريخيا ثقافيًا متميزًا. ومع أن دانيليفسكي يتكلم عنه بمعايير الاحتمال، إلا انه احتمال يرتقي بالنسبة له إلى مصاف اليقين.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- هنا ثمة خطأ تاريخي يقوم في تجاهله للحضارة السومرية. كما أنها الأقدم من كل تلك الحضارات التي أشار اليها دانيليفسكي. وقد يكون السبب هو عدم اطلاعه آنذاك على هذا الجانب، أو أن المعارف بالحضارة السومرية وتاريخها لم تكن بعد واسعة الانتشار في الدراسات المتخصصة بتاريخ الحضارات بشكل خاص.

 

محمد السعديليلة البارح وقبلها بليلتين سهرت مع كتاب (صعود الحزب الشيوعي العراقي وانحداره) للمؤلف البروفيسور طارق يوسف إسماعيل أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليغاري الكندية ورئيس المركز العالمي لدراسات الشرق أوسطية المعاصرة وترجمة الصحفي والمترجم العراقي عمار كاظم محمد، ويبدو كانت ترجمة الكتاب الحرفية صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي وللتخفيف من عبأ الوقع على النفوس وببراعة المترجم صدر بعنوانه الحالي، كنت حريصاً في تقليب صفحاته بقراءة هادئة ومتأنية ومفيدة في تقليب صفحات التاريخ وأعادة القراءة لسنوات قضت من حياتنا،  سبق وأني قرأت عنه بأكثر من ناصية وموقع وصحيفة وسمعت من بعض الرفاق والأصدقاء، الذين حظوا به وقلبو صفحاته بوعي  ودراية، والذي زاد من أهتمامي في الحصول على نسخة منه رغم الصعوبات التي فرضتها تداعيات (جائحة كورونا) على حرية حركة الناس، لكن بمبادرة طيبة وهذه ليست الأولى من نوعها الرفيق والصديق أبن المناضل المرحوم حسين سلطان الرفيق خالد ومن بغداد الحبيبة حمله مشكوراً بسام أبن المرحوم المناضل حسين الكمر وعبر العزيز إبراهيم أبن المناضل باقر إبراهيم وصل لي بأمان فالشكر لتلك الايادي النظيفه. كان جل أهتمامي في الحصول على نسخه منه وقراءته حين وصوله على حساب قراءات أخرى، كانت ضمن البرنامج المهيأ لي. وما تركه هذا الكتاب في عشية صدوره من سجال وآراء وخلاف في وجهات النظر وصلت بعضها حد التشهير والأتهامات الرخيصة من رفاق الأمس على مانشيتات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، كان محط أهتمامي وزاد من فضولي بتقليب صفحاته .

الكتاب الذي طبعته جامعة كامبردج يستعرض تاريخ الحركة الشيوعية في العراق منذ بداية ارهاصاتها الاولى في العشرينيات من القرن الماضي وحتى فترة ما بعد تأسيس مجلس الحكم العراقي بعد الغزو الامريكي للبلاد عام 2003.

”ويرصد الكتاب تاريخ الحركة الشيوعية العراقية الذي تغطي قرن من الحياة السياسية للبلاد التحولات التي طرأت على الدولة العراقية منذ بداية الحكم الملكي وحتى نهاية الحكم الجمهوري عارضا صورة شاملة لكل الوقائع التي رافقت الحركة الشيوعية في العراق منذ نشاطها الطليعي في الاربعينيات والخمسينيات الى انحسارها وتراجعها في الوقت الحالي محللا بشكل محايد الاسباب التي ادت الى انتكاسها بشهادات ووثائق وعشرات المقابلات مع الشخصيات المهمة في الحركة تم جمعها من قبل المؤلف وتنسيقها بشكل علمي طوال اربعين عاما من العمل المضني ”.

الكتاب الذي صدر بترخيص من جامعة كامبردج بمجلد من 630 صفحة من القطع المتوسط عن دار (سطور) في العاصمة بغداد ضم الكثير من الاسرار والخفايا التي تنشر لأول مرة واحتوى على اسماء وشخصيات مازالت لحد الان ضمن المشهد السياسي الحالي في العراق.

يعتبر ومن وجهة نظر العديد من المتابعين والمعنيين يالشأن أول كتاب شامل يصدر خارج الحزب عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي . وقد صدر في وقت سابق باللغة الانكليزية وقدم له مقدمته المرحوم والمناضل اليساري حسقيل قوجمان، وتطلع في حينها الى ترجمته الى اللغة العربية لتسهيل قرأته من قبل جيش من الشيوعيين العراقيين، الذين يتوقون الى تاريخ حزبهم المجيد .

وقال قوجمان: في أحدى متابعاته للكتاب هذا أول تاريخ للحزب الشيوعي العراقي يمكن لأي قارئ مهما كان موقفه السياسي أن يستفيد منه، لاستخلاص ما حدث تاريخيا وليس آراء من كتب هذه الأحداث . وقد أثير  عشية صدور الكتاب بنسخته العربية حفيظة البعض حتى شملت ممن لم يطلع عليه وعلى تفاصيله جملة إنتقادات لاذعه له بدل من أن يأخذ على محمل الدراسة وأعادة التقييم على ضوء العقل النقدي الماركسي في فهم التاريخ .

في نسخته العربية على يد وبراعة المترجم عمار كاظم محمد والذي أستغرق في ترجمته عامان وتبادل مع المؤلف حوالي مئة رسالة وبمعونة رفاق ومتطلعين ومعنيين بالشأن السياسي العراقي . وقد قال المترجم بعد أن أنجز ترجمته والاطلاع على تاريخ الحركة الشيوعية العراقية منذ أرهاصاتها الأولى في العشرينيات من القرن الماضي وتضحياتها الجسام ولم تتمكن من بناء عراق قوي ومزدهر آمر يثير الغرابة، ومن خلال متابعتي للاهتمامات والآراء المختلفة حول الكتاب، يبدو أثارت حفيظة البعض من الرعيل القديم ولا خلاف على وجهات النظر المختلفة والمتصارعة ضمن سياقات الصراع الفكري وهذا يضيف معلومة جديدة وقراءة مختلفة من أجل حراك فكري ثقافي مهم، لكن للآسف الشديد راح في متاهات أخرى بعيدة عن أرثنا التاريخي في التشهير والاتهامات مما دعا البعض يقول .. ها هم ممن كانوا يقودوننا، ورباننا في السفينة؟. 

صدر الكتاب عام ٢٠٠٨ باللغة الانكليزية من جامعة كامبردج في نيويورك ويتألف الكتاب بنسخته الانكليزية من ٣٢١ صفحة من القطع الكبير ونال اهتماما خاصا من المتابعين والدارسين والتواقين للفكر والتاريخ، وأعتبر الكتاب الثاني من حيث الاهمية والموضوعية والأمانة بعد كتاب حنا بطاطو (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق)، والعديد من القراء أعتبروا كتاب عزيز سباهي في مجلداته الثلاثة لم يلبي طموحات الشيوعيين في مناقشة تاريخهم. ويقول حسقيل قوجمان حين أستعرت الجزء الثالث من الكتاب وقرأته سألني أحد الاصدقاء عن رأي بالكتاب فقلت له لولا عنوان الكتاب لما عرفت أنه يبحث تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، وقد أخفق في مناقشة سياسة الحزب وأحداثه والتحيز للحزب ومواقفه ومحاولة تبرير الاخطاء منها وإيجاد الأسباب والتبريرات التي أدت الى الخطأ . فقد كان أسلوب عزيز سباهي واضحا في التحيز إلى الاتجاه السياسي الذي يؤيده ويعتبره الاتجاه الصحيح وهذا ليس تاريخا بالمفهوم العلمي للتاريخ. وكانت رؤية الحزب منذ مؤتمره الثاني ١٩٧٠ بتكليف لجنة حزبية لكتابة تاريخ الشيوعيين العراقيين التي تعمدت بالبطولة والفداء وقد تخللت مسيرته عثرات ونواقص فلابد من الوقوف عندها وتقييمها، وقد حدا بقيادة الحزب بتكليف عزيز سباهي ١٩٩٩ بإنجاز هذه المهمة ورغم صدوره بثلاثة أجزاء عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي لكن لم يعتبر الحزب الشيوعي كتاب الرفيق سباهي وثيقة حزبية رسمية . وحسناً فعل، فالكتاب رغم الجهد الكبير الذي بذل في تأليفه، يحمل وجهة نظر مؤلفه القابلة للنقاش .

 

محمد السعدي

مالمو/شباط ٢٠٢١

 

 

ميثم الجنابيماهية اوربا وحقيقتها

دفعت النتائج التي توصل إليها دانيليفسكي في موقفه من إشكالية الوطني والعالمي بالنسبة للتطور الثقافي والأصالة الحضارية إلى أن يقف أمام السؤال الجوهري بالنسبة لروسيا ألا وهو هل أن روسيا دولة أوربية، وهل أن كيانها الثقافي أوروبي أم لا؟ وللإجابة على هذا السؤال افترض دانيليفسكي، بأن الإجابة الحقيقية عليه تستلزم حل السؤال الأساسي المتعلق بماهية أوربا نفسها، أي ما هو المقصود بأوربا. لاسيما وأن الإجابة عليه تجعل من الممكن بالنسبة لروسيا فهم ما إذا كانت أوروبا على صواب أم على خطأ في موقفها من روسيا، عندما تصفها بالكائن الغريب عنها.

انطلق دانيليفسكي في اجابته على هذا السؤال من سؤال أدق يتعلق بالماهية الجغرافية أولا لأوربا. فالشيء المتعارف عليه، والذي يعرفه كل تلميذ يقول، بأن أوربا هي أحد الأجزاء الخمسة من المعمورة. وعندما ظهر التقسيم الجغرافي الأول للعالم إلى ثلاثة أجزاء، فإن لهذا التقسيم كان معناه الخاص والمحدود آنذاك. فقد كان الفاصل بين القارات هو البحر. فما وقع إلى الشمال من البحر حصل على أسم أوربا، وما وقع إلى الجنوب حصل على أسم أفريقيا. وما وقع إلى الشرق حصل على أسم آسيا.

وكانت كلمة "آسيا" تعود في الأصل إلى الإغريق، أي إلى وطنهم الأصلي الأول في البلاد الواقعة على السفح الشمالي من القوقاز، حيث تم تقييد بروميثيوس بالصخرة وفقا للأسطورة الإغريقية. وأسيا هو أسم لأم أو زوجة. من هنا تم نقل هذا الاسم من قبل المهاجرين إلى شبه الجزيرة، والمعروفة باسم آسيا الصغرى. ثم جرى اطلاقها على كامل العالم الواقع على شرق البحر الأبيض المتوسط. حينذاك أصبحت الخطوط العريضة للقارات معروفة جيدا. ومن ثم جرى تحديد الفاصل بين أفريقيا وأوروبا وآسيا. وبالتالي هل تنتمي روسيا إلى أوروبا ضمن هذا التفسير التاريخي الجغرافي؟ فمن الناحية الجغرافية أن أحد أجزاء روسيا يقع ضمن أوربا بالصيغة المعروفة أو المشهورة أو المقرور بها، كما يقول دانيليفسكي. أما من حيث الجوهر فلا وجود لشيء أسمه أوروبا بالمعنى الدقيق للكلمة. فما هو موجود يمكننا أن نطلق عليه أسم شبه الجزيرة الغربية في آسيا. لكن ذلك لا يعني أن كلمة "أوربا" لا معنى محدد لها أو أنها مجرد صوت فارغ. إن معناها واضح وجلي وقوي ولكن ليس بالمعنى الجغرافي بل بالمعنى الثقافي والتاريخي. إذ ليس للجغرافيا قيمة مهمة في مسألة الانتماء أو عدم الانتماء إلى أوروبا.

وهنا يبرز السؤال أمام دنيليفسكي حول ماهية أوربا بالمعنى الثقافي والتاريخي. وفي مجرى تحليله لمختلف جونب هذه القضية توصل إلى أن ماهيتها بالمعنى الحضاري يتطابق مع معنى الحضارة الجرمانية الرومية. ومن ثم، فإنَّ أوربا هي الحضارة الجرمانية الرومية نفسها. فالحضارة اليونانية لم تنمو على نفس التربة الأوروبية. لقد كان مجال الحضارات اليونانية والرومية مختلفًا. فقد ولد هوميروس الذي يعتبر "مرآة الكلّ اليوناني" على ساحل آسيا الصغرى لبحر إيجه. بمعنى انه من آسيا الصغرى، التي كانت المحور الرئيسي للحضارة الهيلينية. فهنا ظهر الشعر الملحمي لليونانيين وكذلك الفلسفة (طاليس)، والنحت، والتاريخ (هيرودوت)، والطب (أبقراط). ومنها انتقلوا إلى ساحل البحر المقابل. صحيح إن أثينا أصبحت المركز الرئيسي لهذه الحضارة لكنها تعرضت للتلاشي. وأعطت ثمارها مرة أخرى ليس في بلد أوروبي ولكن في الإسكندرية في مصر. وهكذا تجاوزت الثقافة الهيلينية القديمة في مجرى تطورها الأجزاء الثلاثة المعروفة في العالم: آسيا وأوربا وأفريقيا. ومن ثم لم تكن حصرا على أوربا، بل ولم تنتمي إليها بالمعنى الدقيق للكلمة. فهي لم تبدأ ولم تنته هناك، كما يقول دانيليفسكي. وحسب رؤيته، فإن أوربا حصلت على المعنى والأهمية التي تستخدم بها الآن في مجرى تطور الحضارة اليونانية والرومانية. وهي حضارة حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله.

روسيا ليست اوربية

كل ذلك حدد مضمون السؤال الأولي الذي وضعه دانيليفسكي، عما إذا كانت روسيا تنتمي إلى أوروبا بالمعنى المذكور أعلاه؟ وقد كانت اجابته بالنفي القاطع. إذ لم تتغذ روسيا من الجذور الأوربية، سواء كانت بهيئة عصائر مفيدة أو ضارة، ولم تتغذ من جذور الروح الجرماني. ولم تكن جزءً من الإمبراطورية الرومية لشارلمان، ولم تكن جزءً من الفيدرالية الثيوقراطية التي حلّت محل ملكية شارلمان، ولم تكن مرتبطة بجسم واحد مشترك بها أو معها. بل أن تاريخ روسيا مستقل ولا علاقة له بالتاريخ الأوربي وإشكالاته وقضاياه وحلوله. إذ ليس فيها إشكاليات النظام الاقطاعي، ولم تمر بالإصلاح الديني، والكاثوليكية، ولم تحيا بالمثل العليا التي تجسّدت في الفن الجرماني الرومي. بعبارة أخرى، ليس في روسيا ما يمكنه أن يكون انتماءا جوهريا لأوربا بأي شكل كان من الأشكال. ومن ثم لا معنى للحديث عن طابعها الأوربي.

إن روسيا ليست أوربية، بل هي كيان خاص قائم بذاته. والاستثناء الوحيد هو "للنبلاء الجدد"، أو الارستقراطية الروسية المقلدة للتقاليد الأوربية، والتي لا تعرف التواضع ولا الفخر النبيل. أما الناس الذين يفهمون كرامتهم فيبقون دوما ضمن حدودهم الخاصة، كما يقول دانيليفسكي. ويقصد بذلك عموم الشعب الروسي. أما من يقول، بأن روسيا لا تنتمي إلى أوروبا عن طريق الولادة، لكنها تنتمي إليها بموجب قانون التبني وذلك لأنها استوعبت ما طورته أوروبا، ومن ثم أصبحت (أو على الأقل ينبغي أن تصبح) مشاركا في إبداعها وانتصاراتها، فهو حكم لا معنى له من وجهة نظر دانيليفسكي. من هنا تشديده على أن روسيا قائمة بذاتها وهي نتاج تاريخها الخاص ولا وجود لأية مشاعر لأبوة أوروبا في علاقاتها مع روسيا وما شابه ذلك. بل ونراه يدفع هذه القضية صوب نهايتها المنطقية عندما اكد على أن جوهر القضية هنا لا يكمن في هذه الجانب، بل في ما إذا كان هذا التبني ممكنًا بحد ذاته. فمن المعروف أو المقرور به من الناحية العلمية والفلسفية، أن لكل شيء بداية ونهاية، كما يقول دانيليفسكي. وكل ما في الوجود عرضة للاستنزاف. وهذه هي الرؤية التاريخية التي تعتقدها الغالبية العظمى من الناس المتعلمين. وبالتالي لا معنى لعدم رؤية كون الحضارة الأوروبية هي أيضا، مثلها مثل كل شيء آخر في العالم، عرضة للاستنزاف. إضافة لذلك، إن المعرفة التاريخية الدقيقة تبرهن على أن الأشكال السياسية التي يطورها هذا الشعب أو ذاك هي مناسبة له فقط، أي لمن يبدعها. وأن عدم الاعتراف بذلك يجعل من "التقدم" بوصفه ظاهرة تاريخية، فكرة ونظرة غامضة.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن محاولة جعل الصيرورة والكينونة الروسية جزءا من التاريخ الأوربي أو صورة إضافية للنمط التاريخي الثقافي الأوربي، هو مجرد نتاج الغباء المميز لذوي العقول المستلبة والتقليدية. وأعتبر هذه الظاهرة شكلا من أشكال الأوبئة الثقافية. من هنا فكرته عما اطلق عليه عبارة "الأوربة هي مرض الحياة الروسية".

لقد وجد دانيليفسكي في نزعة التقليد الروسية لأوربا ومحاولة جعلها مثالا مطلقا وأن روسيا نفسها أوربية أو جزء منها، مجرد وهم لا علاقة له بالتاريخ والحقيقة، والأهم من ذلك لا علاقة له بالمستقبل، أي مستقبل الإبداع الذاتي لما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي السلافي. فقد مرت أوربا بطريقها الخاص في كافة الميادين والمجالات. ومن ثم أبدعت نمطها التاريخي الثقافي الذي لا علاقة له بروسيا، كما أن لا علاقة لروسيا به لا عن قريب ولا عن بعيد. الأمر الذي يضع مهمة تناول حقيقة التاريخ الروسي وآفاقه في مجال تأسيس نمطه الثقافي الخاص.

ففيما لو نظرنا إلى الحياة الروسية، كما يقول دانيليفسكي، فإن الواقع الجلي فيها يكشف عن أن صحتها وعافيتها ليست على ما يرام. فصحتها غير صحيحة. لكنها مع ذلك لا تعاني من الأمراض العضوية المستعصية على العلاج، مثل مرض التحلل الإثنوغرافي. وفي الوقت نفسه، فإن روسيا مصابة بهوس يمكنه أن يكون قاتلا. فهو المرض الذي نرى مظاهره في شيخوخة الوجوه الشابة، والذي يهدد الكيان الروسي بأسوأ أنواع الموت ألا وهو الوجود العقيم والعديم الجدوى. وهي نتيجة لا يحتملها الواقع والتاريخ الروسي ولا يقبل بها. فقد تحمل الشعب الروسي في المراحل الثلاث لتطوره (بناء الدولة، وفقدان الحرية المدنية، وإصلاحات بطرس الأول) عذابات كبرى وهائلة. لكنها جرت كلها من اجل بناء الدولة القوية وثباتها، كما يقول دانيليفسكي.

فمن حيث المقارنة التاريخية بين أوربا وروسيا نرى، بأن الحضارة الأوروبية أخذت تنحو منحى عمليا إلى حد كبير. ومن بين نتائج هذه الظاهرة هو تطبيق العديد من الاكتشافات والاختراعات العلمية في ميدان الصناعة ونظامها المدني. بينما كانت روسيا في بداية القرن الثامن عشر قد انتهت تقريبا من الصراع مع جيرانها الشرقيين. إذ أخذ الشعب الروسي، الذي أيقظته الأحداث تحت قيادة شخصيتين لا يمكن نسيانهما وهما كل من مينين1  وخميلنيتسكي2 ، اللذين انتصرا على طبقة النبلاء البولنديين الذين غيروا مبادئ الشعب البولندي السلافية، والذين أرادوا أيضا إجبار الشعب الروسي على القيام بنفس الخيانة تجاه النفس، كما يقول دانيليفسكي. الأمر الذي جعل من تقوية الدولة الروسية عبر طريق الاقتراض من الكنوز الثقافية المستخرجة من العلوم والصناعة الغربية مهمة ضرورية وأولية. فهو الاقتراض السريع الذي قامت به روسيا كي تتمكن بعد عملية تعليم طبيعية بطيئة قائمة على المبادئ الخاصة، من الاستقلال بنفسها، أي كل تلك العملية التي قام بها وقادها بطرس الأول. ولكن هل كان بطرس الأول يدرك بوضوح هذه الضرورة؟ فهو مثل معظم الشخصيات التاريخية العظيمة عادة ما تتصرف وفق خطة مدروسة بهدوء وبهوى وشغف عارم. فبعد أن عرف أوروبا وقع في غرامها. وأراد بكل الوسائل أن يجعل من روسيا دولة أوروبية. فحالما رأى بطرس الاول الثمار الأوربية وإيناعها، فإنه توصل إلى استنتاج يقول، بأن من الممكن نقل هذه الشجرة كما هي إلى الأراضي الروسية. واعتقد بأن من الممكن زرعها في الأراضي الروسية القاحلة آنذاك (بالمعنى الثقافي والقومي والاجتماعي).

لكن بطرس الأول لم يأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في العمر، ولم يعتقد أن البريّة قد لا يكون لديها وقت للثورة. ولذلك أراد أن يقطعها من الجذر ويستبدل بها ما هو موجود. أما في الواقع، فإن هذه البدائل ممكنة التطبيق على الأجسام الميتة فقط، كما يقول دانيليفسكي. لقد كانت رؤيته بهذا الصدد تستند إلى فلسفته عن النمط التاريخي الثقافي وإمكانية نشوءه وتطوره وانتقاله. وهي رؤية لم يؤخذ بها في مجرى تطور الدولة الروسية بعد بطرس الأول. ووجد هذا الإهمال انعكاسه الكبير والهائل في التجربة السوفيتية التي جعلت من نموذج الغرب أولوية مطلقة ومثالا تاما في كل شيئ. أما الخلاف الهائل معها لاحقا، فهو بأثر الأيديولوجية الطبقية، أي الموقف الاجتماعي وليس الثقافي الذي كان يحتل موضع الأولوية في منظومة دانيليفسكي الفكرية والتاريخية.

بعبارة أخرى، لقد ظلت التقاليد البطرسية سارية المفعول في الوعي الروسي الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. وفيما يخص الثمار وإمكانية استبدالها بما هو موجود في التربة الروسية، فمن الممكن تذكر سياسة خروتشوف بزراعة نبات الذرة التي اتلفت لاحقا الزراعة السوفيتية. لقد كان دانيليفسكي يتحدث، بأثر رؤيته وثقافته العلمية الطبيعية، عبر مقارنة حية عما اسماه باستحالة انتاج ثقافة وحضارة خاصة من خلال نقلها وزراعتها في تربة ثقافية لها مسارها التاريخي الخاص. إذ اعتبرها سياسة عقيمة لا تدرك ولا تفهم حقائق الطبيعة والوجود التاريخي للأقوام والشعوب. وإذا كان فسادها جليا في مجال الزراعة العادية، فما بالك في مجال زرع الثقافة؟ من هنا استنتاجه القائل، بأن الحياة التي تشكلت تحت تأثير المبدأ التربوي الذاتي الأصلي لا يمكنها قبول هذا النوع من التحولات، وذلك لأنها تؤدي إلى اصابته بالشلل.

البطرسية الثقافية - اوربة خشنة

إن المشكلة التاريخية الثقافية التي عانت منها روسيا بسبب سياسة بطرس الأول، كما يقول دانيليفسكي، تقوم في وقوعه في غرام لا يقاوم تجاه أوربا. وبأثره سعى لمعالجة روسيا بطريقتين متناقضتين ألا وهما الحب والكراهية بقدر واحد. لقد كان يحب روسيا ويكرهها في آن واحد. كان يكره البدايات الأولى للحياة الروسية سواء بسبب عيوبها أو مزاياها، لكنه لم يكرهها بكل روحه. من هنا ضرورة التمييز في أعماله بين جانبين الأول ويتعلق بنشاطه في بناء الدولة ومنشآتها العسكرية والبحرية والإدارية والصناعية، والثاني نشاطه الإصلاحي المتعلق بالحياة والعادات والأعراف والمفاهيم والقيم التي حاول غرسها في تربة الشعب الروسي. وإذ كان عمله في الجانب الأول يستحق التقييم والتبجيل بما في ذلك تسخيره الناس جميعا من اجل الدولة، بحيث جعله ذلك يستحق بحق لقب العظيم، فإن نشاط النوع الثاني لم يكتف بإيذاء عميق لمستقبل روسيا، بل وجعل أعماله الخاصة عديمة الفائدة تماما. فالضرر الذي أحدثه ما زال ينخر في جسد الشعب الروسي. الأمر الذي أثار استنكار رعاياه، وأحرج ضمائرهم، وعقّد مهمته. بحيث يمكننا القول، بأنه هو نفسه قد تسبب بإضافة عقبات أمام نفسه ومن ثم العمل المهموم من اجل تذليلها، كما يقول دانيليفسكي. مما أدى إلى استهلاك حصة كبيرة من الطاقة التي كان يمكن استخدامها بطريقة تؤتي بفوائد أكبر. إذ ما هي الحاجة إلى حلق اللحى، وإجبار الناس على اللباس الأوربي، والتدخين، وتشويه اللغة بحشر المفردات الأوربية، وإدخال العادات الأجنبية، وتغيير التقويم الزمني وكثير غيرها؟ ولماذا جرى وضع أشكال الحياة الأجنبية في مرتبة الشرف الأولى؟ والسؤال الذي يبرز هنا هو هل بإمكان كل هذه الأعمال أن تعزز الوعي العام؟ بالتأكيد كلا. أما القضية الأخرى فتقوم في أن عمل الدولة وحدها لا يمكنه تغطية كل شيئ. لهذا كان من الضروري تطوير ما يمكنه أن يمنحها القوة القادرة على فعل كل شيئ. انه التنوير. وقد كانت تلك مهمته الأساسية. ولكن كيف يمكن لهذا التنوير أن يقوم بمهمته في ظل تدمير الكينونة الروسية وخصوصيتها، كما يستفسر دانيليفسكي. وعلاوة على ذلك، لا يمكن فرض التنوير بالقوة. وعموما إن كل اصلاح وتجديد لا يمكنه النجاح بقوة خارجية أيا كان شكلها ومحتواها. بل من الضروري أن يجريا ذاتيا، أي من الداخل. وقد تكون هذه العملية ابطأ لكنها أمتن وأكثر أصالة وغنى. ولذلك كان كل من الانقلاب والحداثة اللذين قام بهما بطرس الأول، يجريان أولا بين صفوف الطبقات العليا من المجتمع. وشيئاً فشيئاً أخذ هذا التشويه يمس الحياة الروسية عبر انتشاره وتغلغله في أعمق أعماق الحياة الروسية وطبقاتها الدنيا. لقد تعامل بطرس مع كل ما هو روسي باحتقار وازدراء. لهذا جرى تشويه مفهوم الروسي الحقيقي بحيث لم يتخلص من هذه العلاقة والمواقف حتى في أفضل المراحل الإيجابية والكبرى في التاريخ الروسي. الأمر الذي يشير إلى ما يمكن دعوته بالمرض الأوربي أو الأوربة الغبية التي أصابت روسيا في مجرى ما يقارب القرن ونصف قرن من الزمن، كما يقول دانيليفسكي.

لقد أدى ذلك بنظره، إلى تشويه الحياة الوطنية واستبدالها بكل ما هو أجنبي؛ واستعارة المؤسسات الأجنبية وزرعها في الأراضي الروسية، مع الاعتقاد بأن ما هو خير في مكان ما يجب أن يكون خيرا في كل مكان؛ الزركشة المفتعلة التي مست كافة أشكال الحياة الظاهرية للناس والمجتمع من ملابس وأجهزة وسلع منزلية ونمط الحياة وما شابه ذلك. بحيث وجد هذا التأثير طريقه إلى كل مجال من مجالات الحياة. كما وجد انعكاسه في الفن والموسيقى والهندسة المعمارية وغيرها من ميادين النشاط الإنساني. أما النتيجة الكبرى لكل ذلك فهي فقدان روسيا لهويتها الخاصة. في حين أن الأصالة السياسية والثقافية والصناعية والمثل العليا التي يجب أن يسعى إليها كل شعب تاريخي هي المقدمة الضرورية لتحقيق الأصالة في كل شيئ وكل إبداع. وإذا كان من الصعب أحيانا بلوغ ذلك، فإن الحد الأدنى الضروري هو حماية الاستقلال. أما الحفاظ على هذا النمط من الاستقلال بوسائل مصطنعة فهو ظاهرة محزنة. بينما كان بالإمكان التخلي عن كل ذلك فيما لو جرى الاحتفاظ بأشكال حياتنا الوطنية، كما يقول دانيليفسكي. فالسجاد في بلاد فارس ليس للرفاهية بقدر ما يعكس نمط حياتهم العادية. انه حاجة ضرورية للأغلبية. الأمر الذي يفسر بلوغ إنتاج السجاد حد الكمال، بحيث لا يحتاج إلى أية حماية لرعاية صناعته. وينطبق الشيء نفسه على الشالات الهندية، والأقمشة الحريرية الصينية والخزف. ونفس الشيء يمكن قوله عن الصناعات الروسية. ومن الممكن أن نأخذ على سبيل المثال انتاج السماور الروسي الذي جعل الحكومة الفرنسية تقوم بفرض قيود جمركية وقيود الاستيراد المختلفة عليه من اجل حماية منتجاتها3 . كل ذلك يشير إلى أن الأصل أفضل من التقليد. بمعنى أن لخصوصية الحياة أثرها على نوعية الصناعة، ومن ثم التجارة. وحالما تفقد الصناعة شخصيتها الوطنية، فإنها تؤدي الى تشوهات مختلفة، إضافة إلى انعدام وجود ما يمكن الدفاع عنه وحمايته ورعايته. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- كوزما مينيتش مينين (ت- 1616) إحدى الشخصيات الشعبية الروسية الكبرى التي جمّعت حولها الشعب الروسي بمختلف فصائله في مجرى الصراع ضد الاحتلال البولندي للأراضي الروسية ومدينة موسكو. واستطاع مع الأمير بوجارسكي من تحرير موسكو عام 1612 ولاحقا الأراضي الروسية ككل. ويعتبران الممثلان الأكثر شعبية وعمقا في الوعي الروسي التاريخي. وأقيم لهما نصب تذكاري عام 1818 في الساحة الحمراء وتحته كتب "إلى المواطن مينين والأمير بوجارسكي، تقديرا من الشعب الروسي".

2- بغدان ميخائيلوفيتش خميلنيتسكي. (1595-1657) احد الزعماء والقادة التاريخيين للقوزاق. ولعب دورا مهما في توسيع وتثبيت الدولة القيصرية. انحدر من عائلة نبيلة. كان تاريخه الشخصي سلسلة من الحروب وقيادتها. وقع في الأسر التركي العثماني. واشترك في حروب عديدة. وأصبح قائدا لقوات القوزاق. ودخل في صراع وحروب ضد الكثير من الدول وبالأخص البولندية، بعد أن عمل في خدمتها في بداية الأمر. وعمل خملنيتسكي على طلب المساعدة من مختلف الدول للحصول على استقلال في المناطق التي يحكمها (مما يسمى حاليا اوكراينا). وأجرى مفاوضات بهذا الصدد مع الروس والبولنديين، بل وحتى مع السويديين، لكنها جميعا لم تؤدي آنذاك إلى نتيجة مرجوة. لكنه تعرض إلى هزائم لم يستطع ايقافها إلا بعد الاتفاق مع الدولة الروسية. حينذاك اقسم بالولاء للدولة الروسية بعد أن دخلت وقواته مدينة كييف. بمعنى إرجاع الأراضي الروسية السابقة إلى عهدة الدولة الروسية المركزية.

3- السماور هو جهاز لتحضير الشاي والمشروبات الدافئة

 

سهام جباركتابه (أرض ساخنة) أنموذجاً

من النادر العثور على كتابات من نوع أدب الرحلة في الأدب العراقي المعاصر كالتي كتبها الأديب العراقي الراحل محمد شمسي. ولعلها مزيّة خاصة بالكاتب أن يكتب في أكثر من نوع أدبي كالقصيدة والقصة والرواية وأدب الرحلة وأدب المغامرات للفتيان. واللافت في ذلك كله أننا نلمسُ لا جمعاً بين الواقع والمتخيّل فحسب في معظم كتابات شمسي بل التداخل النوعي الذي يجريه الكاتب بسلاسةٍ ويُسر بين أكثر من نوعٍ أدبي في أعماله عامةً.

ولعل اهتمامي بكتابه (أرض ساخنة) الصادر عن منشورات آمال الزهاوي 1978، نابعٌ من كونه نصّاً كلياً بمعنى أنه نصّ متنوع الخطابات ومتعددّها كما يفرضُ ذلك عليه نوع أدب الرحلة فهو مرتبط بالواقع تسجيلاً له وتوثيقاً تاريخياً وجغرافياً وسيرياً وتذكّراً واقتباساً من جهة، وهو من جهةٍ أخرى يقدّمُ تمثّلاً شعرياً للواقع، تمثّلاً لحلم ورغبة وأسطرة من دون خسران عنصر الصدق الفني في الكتابة، فهو ليس تمثّلاً كاذباً أو مفتعلاً ولاسيما إن أثرَ التجربة الشعوري يظلُّ ممتداً على مدى الكتاب كلّه بما يسمُه بالابتكار والأصالة.

وكأن هاجس الكاتب في الرحلة كان أن يندفع شعورياً مع خصوصية المكان (أفريقيا) بوصفها أرضاً لبدائية الأحلام وحرارة الرغبات وأفق الطبيعةِ الممتدّ، كما يراها، إذ يفترشُ رمزيةً لائقة بالمكان، رمزية تجعل الاندفاع على أوَجه لمصادر الحلم واشباع الرغبات. وفي هذا تمتدّ المهيمنة الموضوعية التي تتركّز في الهدف الحسّي المتجسّد بأشكال عدّة بدءاً من العنوان الذي يزدوج فيه القصد الى المكان أفريقيا والى المرأة على نحو مجازي..

ويتأكد هذا المزج الدلالي فيما يقوله في متن الكتاب (وبعد سنين لا تعدّ، كثيرة بعدد طيور السماء وسمك البحار وذرات الرمل ظلت الحياة في أفريقيا كما كانت قبل ملايين السنين حارة، طائشة، متدفقة، مليئة، وظلت الصيغ الإنسانية الأولى تطفح على الأرض رامية حذرها القديم كلما وجدت قشرة لينة، رقيقة)(الرحلة ص13). وهناك توظيفات نصّية واستثمارات أخرى مجازية وصريحة تعزّز هذا الهدف في سياق الرحلة الكلي.

على وفق خصوصية أدب الرحلة فإن مسعى شمسي في كتابه يبقى أدبياً خالصاً لايخرج الى أهدافٍ ومساعٍ أخرى، إذ لم يسخّر الكاتب رحلته لأهداف سياقية خارجية.

وفي الحقيقة إن رحلة (أرض ساخنة) هي جزءٌ متمّم لرحلة الكاتب في كتابه (ألف ميل بين الغابات) الصادرة في طبعتين عامي 1973 و1976. وتمثّل (ألف ميل بين الغابات) بداية الرحلة وانفتاحها على البيئة الجديدة في أفريقيا، فيما تُعنى (أرض ساخنة) بنهاية الرحلة والعودة الى الديار بعد اكتمال دورتي الاقبال والادبار الى المكان بسحره وغرابته واختلافه ثم التملّص عنه بما غنمه الكاتب من (تدوين) يُلخّص الحياة المعاشة بكل العمق الممكن والمختلف.

هذا الاقبال والادبار يمثلان ايقاع الحياة الولادة والموت، البدء والختام، الذات والموضوع، التكثيف الشعري والتفصيل السردي الموازي.

وهكذا الشعر والنثر يعمّقان بنيةَ الرحلة ودلالتها، بدايتها وانتهاءها في الكتابين.

لقد تجسّدت الخصوصية الشعرية في إعطاء المكان صورة ذاتية تخدم نوع أدب الرحلة وتغذّيه فالكاتب بذلك يدوِّنُ تأريخه الشخصي أو التأريخ الشعوري الذي ينبغي أن يُدوّن على وفق أولويات الكاتب. 

أما التفصيل السردي فهو ما تجسّده كل أنماط النثر الموجودة في أدب الرحلة كالتقرير والاستطلاع والمراسلة الصحفية والقصص واليوميات والتاريخ والجغرافية والمغامرات.

ويتقدم هذا رصد ثنائية السارد (الرحّالة) فهو بطل من جهة قيامهِ بالفعل في المساحات المستكشفة، وهو راوٍ سارد للأحداث، غير محايد بالضرورة، إذ يخطط للمغامرة من جهة الفعل بالرصد والاكتشاف والتخطيط والسعي، وفي الوقت نفسه يصف ويسرد وينتقي ما يريده محفزاً المتلقي للتوقع والانتظار. تجتمع إذن خاصيتا العرض المتضمن المراقبة، والموقف الشخصي المتبنّى تجاه المحكي، مع الوظائف الثانوية المنبثقة من هاتين الوظيفتين الرئيستين، في شخص محمد شمسي المؤلف (الكاتب) والسارد، لقد تحقّق حضورٌ لشخصيتين هنا قد اجتمعا في متن (أرض ساخنة) حيث الوظيفة مزدوجة في الواقع وفي صياغته. وإلى جانب ضمير المتكلم الذي يصدر به السارد سرده يتردد اسمه كذلك (محمد) خلال نص الرحلة، ليعمّق هذا الحضور للكاتب السارد.

وتتخلل نصّ السارد نصوصٌ قليلة لشخصيات في الرحلة تصاغ بطريقته نفسها، إلى جانب التضمينات التي لوّنتْ سياق الأحداث لدعم الموضوعات الأساسية والثانوية ومن ذلك يطالعنا تلخيص للحكايات، واستذكار ومونولوج داخلي، وأسطرة للمكان وللشخصية، وسرود وتضمينات أخرى أقل استعمالاً.. وكل هذه الاستعمالات محسوبة للسارد، حتى الحوار يقع ضمن إدارته، وفي هذا ما يرسم صورة الرحالة كليّة في الرحلة، حتى تكاد تحتويها.

يوجّه محمد شمسي الحكايات التي يورد تلخيصاً لها لصالح هدفه الحسّي فنجده يسرد حكاية الخلق الأول حيث يخفي الإنسان الأول ممارسته عن خالقه كي لا يحاسبه، ويروي حكاية الرجل المتوحّش الذي يشعر برائحة المرأة، وحكاية الأمير الذي يطارد غزالاً لوحده فيجوع ويعطش ويجد عجوزاً تطعمه وتسقيه ثم يعود إلى مملكته فلا يجد ألذ من طعام تلك العجوز وشرابها، وحكاية ماجلان الذي يصل إلى جزيرة نائية فيها تذكير بالرجل العملاق الذي مرّتْ عليه آلاف السنين حتى أصبح أليفاً مدجنّاً، وحكاية صديق البطل التي تبدي تهويلاً في محاولة قبيلة أفريقية إغواء سائحتين امريكيتين، وحكاية الحارس إدريس عن الشيخ محروس المتضمنة إثارةً للرعب وحاجة إلى الاحتماء، وحكاية يختلقها البطل أمام السواح الأجانب عن رحلة صيد في الصحراء العربية، وغيرها.

للحكايات الملخّصة دلالة عامة وكليّة تتمثّل بتكريس نموذج البطل البدائي المتوحش برغباته وجوعه المبهم غير المتمدن، ويحقّقُ البطلُ_ السارد لنفسه الهدفَ الحسيّ الذي ينطلقُ منه منذ بدء رحلته. كذلك تعملُ الحكايات على إغناء الرحلة بمضامين حيّة متنوعة تبثّ أجواء شعورية مشوّقة وجاذبة للقراء فضلاً عن الشخوص المتلقيّة في الرحلة نفسها.

وفي ذلك يتجلى تعميقٌ للنصوص ولتلقيها فضلاً عن تحلية للأجواء بتواصل ممتد على أكثر من طبقة من مرسل ومرسل اليه متعدّدين على أنحاء متنوعة وعلى طول الخطابات المتضمَّنة في متن الرحلة.

بنائياً كانت الحكايات عاملَ ربطٍ مفصلي بين فقرات نص الرحلة أو أنها أحياناً مثّلتْ وقفة زمنية في سياق السرد في الرحلة، ويكون زمن سرد بعض الحكايات عبارة عن توقف تام لحركة السرد في الرحلة، كذلك كانت الحكايات نوعاً من الحذف إذ يسكت السارد عن تفصيلات لا يرويها للقارئ، وتحل محلّ ذلك الحكاية.

وهناك وظائف جذب وتشويق واستدراج للمسرود له، وإشاعة فضاء طقسي عام يسمح بتمرير الدعوة إلى البدائية في شكلها الإيروتيكي، ورسم صورة كائن بدائي في حالة تهيؤ لغزو ورمي شباك لصيد، أو إشاعة رعب تسمح بتصور فاعلية ذكورية في سرد من أجل اللذة كأنه يأتي مضاداً لسرد أنثوي مثّلته في التراث شهرزاد في سردها الدفاعي بإقامة نوع من الكبح لجماح شهريار في تسلّطه على النساء وإعدامهن في سبيل لذّته.

سرد شهرزاد يعمل في إطار دفع ومقاومة وكفّ أو منع، في حين يعمل سرد شمسي في إطار مضادّ هجوم واستعداء وشدّ وغلبة.

هناك استذكار وحنين يظهر في رحلة شمسي إلى مواطن الطفولة لخلق جسور تصل الحاضر الموصوف ببدائيته زمن براءة الإنسان، بالطفولة زمن براءة الشخصية. وهكذا كانت هناك طاقة استذكار تحثُّ النص للإيغال في عمق مدلوله. ليس الاستذكار محصوراً في ماضي البطل وحده فهناك حنين للماضي كله، من هنا ورد استذكار لما في التراث العربي مثلاً حرب البسوس لاستدرار حكمةٍ رافضةٍ للحرب ولقسوة الحياة، هذا التماهي مع التراث زوّد الشخصية بدلالة رامزة لما هو عربي كلّي لا فردي فقط.

من جانبٍ آخر للمتأمل أن يجد الصلة عميقةً للبطل بالموت، بمعنى قيافة أثر الموت بالجسد وبإفنائه في اللذة وفي البحث عنها. لنقرأ مثلاً وصفه للوجوه الأربعة للشخوص_ وهو منهم_ في السيارة، ووصفه لوجهه ((إن وجهي عشبة صغيرة متهورة، سريعة الجري نحو الموت وإن الأرض على امتدادها ذراعان ناعمتان تتلقى أجسادنا المتعبة))(الرحلة ص47) وإذ لا تخفى دلالة تشبيه ذراعي الأرض وتلقّيها الأجساد بالمعنى الحسّي للذراعين ودلالة الاحتضان والتلقّي، يستمر التداعي بالتأمل في صورة حيّة عن حيوان تنهشه النسور مما يعكس معنى خاصاً لهذا التهافت الحسّي الذي ينتهي باستهلاكيته وانغلاقه الى الموت سواء بالمونولوج الداخلي الذي ترك آثاره على وجه الرحلة التي لا ينبغي أن ننسى أنها رحلة عودة وادبار وانصراف عن موضوعها الأساسي وهدفها الرئيس المهيمن فيها، ففيها معنىً من معاني الموت إذ هو انتهاء وانصرام زمن وانطفاء الحياة فيه.

هناك استذكار الى الطفولة في الحنين الى عادات الصغار، وفي السرد على نمط الاعتراف، وتداعي الذكريات المخترقة حواجز الزمان والمكان والمتبنّاة من الشخصية، وإن أتتْ على لسان عاشق من العصر الأموي. إن لهذه الاستذكارات قيمة تأكيد حضور الشخصية في رغبتها بالاستزادة وتحميل النصّ كل الشحنة الممكنة للإنسان الخارق بفراسته وبصدق مجسّاته وشهوته إزاء الوجود وأحلام هذا الوجود.

فيما يخصّ المكان تتمثّل أسطورةُ أفريقيا في نص محمد شمسي من خلال مغامرته الخاصة فيها، إذ ليستْ أفريقيا داخل (أرض ساخنة) القارّة المعمّدة بالدم وبثورات التحرّر فيها. إنما هي أفريقيا ذات الدلالة الشمسية التي هي موضع اللذة حيث الرجل البدائي المتوحش منذ أول صفحات الرحلة، وهكذا تعلى (مكانة) أسطورية لا مكان فحسب في صياغات لغوية شاعرية وانثيال نفسي حميم. يبدأ ذلك بتدبيج تقاليد السهر في المدينة عبر مجموع مكرّس بالخمر والغناء والنكات الرديئة، في سرد هذه الصورة يتردد ضمير المتكلمين لا المتكلم (نحن حفنة من الرجال لا تسلينا الأحاديث ولا تغسل همومنا المناقشات.. أعمار مختلفة وكما يتنقل الرعاة بإبلهم في الصحراء كنا نحمل أجسادنا المرهقة ونتتبع خطوات العشب والماء، ماؤنا الخمر وعشبنا نساء كلابار وايلورين.. ومدينة ((كانو)) ليست صحراء وحاناتها ليست آباراً تعدو عليها الرمال. هذه ليالينا... رجال من جميع القارات يأتلفون عند اقتسام الغنائم...) (الرحلة ص15)، ويمتد هذا الانتماء الجمعي حتى لحظة قدوم السائحتين الأمريكيتين إذ يرجع المتكلم إلى نفسه ليستأثر بالغنيمة وحده ويتنصل عن المجموع. إن هذا الاستئثار هو الذي أدّى بالرحلة إلى أن تكتمل في فرار (إدبار) دائم وصولاً إلى الوطن. وتتحول المكانة الأسطورية من المكان الذي مثله المجموع إلى المكانة التي يمثلها البطل الساردُ وحده.

وفي مجمل الرحلة تردنا صورُ هذا البطل مزوّدة بتشبيهات ورموز من حكايات واستذكار للماضي الخاص والعام مما عرضنا له. فالأسطورية لم تشمل الشخوص كلهم، وإن مرّت برفق على بعض هؤلاء الشخوص (مثل صديق البطل الكهل الذي فرّ مع ليا إحدى السائحتين إلى أصقاع مجهولة من أفريقيا مستغرقاً في رحلته_ حبه)، إلا أن تمثّل الأسطورة كان دواماً لشخص بعينه له امتدادات شخصية وعامة. أما الشخوص الآخرون فثانويون يدورون في فلك البطل ومساعيه. فيما غُيِّبتْ العوامل المناوئة عن السرد لتظل أنا المتكلم حاضرة حتى النهاية مع صفات معمّقة لها، منها ما يدخل في إظهار قدرات خاصة من عرافة وقيافة وخداع في الحكي يذكّر أحياناً بشخصية البطل المخادع في المقامات العربية القديمة.

هناك سرود أخرى في الرحلة، لها أهمية هي أيضاً، في إرساء الخصيصة النوعية للرحلة فلولاها لامتنع علينا إطلاق أدب رحلة على (أرض ساخنة)، وتتوزع هذه السرود على قلّتها في  مساحة النص، وتتشابك مع غيرها من استعمالات. وإذا شئنا حصرها في كتاب الرحلة المستغرق (135 صفحة) لوجدنا أنها لا تزيد عن عشرين صفحة، وبالتأكيد هذا قدر قليل مما يدخل في الموضوع المباشر الذي يميّز الرحلة عن غيرها من الأجناس، على أن سياق السرد كله لا يخرج عن مناخ أفريقيا، والشخوص موجودون هنا لأجلها، مع الوصف المتناثر لبعض التفصيلات والأمور الجانبية للحياة هناك. ولقد جنّد المؤلف قدراته في ملء الفراغ الحاصل بالتنويعات السردية التي تفنّن في زجّها مع لغته الواصفة بشعرية وبتأمل ممتلئ.

كل هذا التفصيل السردي يقابله، في الحقيقة، تضمين شعري يستفاد عادةً منه في كتب الرحلة لخلق توازن بين العالم الواقعي والجانب الشعوري، ولقد أفلح الكاتب محمد شمسي حقاً في إشاعة فضاء شعوري عام وواحد غير مشتت أو مبلبل، بمعنى أن تضمين الشعر في (أرض ساخنة) جاء موظفاً للموضوع المهيمن نفسه، فلم يخرج الكاتب عن الجو العام للنص. بل إن نثر الكاتب نفسه كانت له فاعلية شعرية على طول سياق النص، فجاءت الرحلة مع واقعيتها محمّلة بمكنونات العاطفة والخيال في سرد يستثمر التشبيهات، والمجازات، والرموز للذهاب عميقاً في ضخّ دلالته.

 

د. سهام جبار

 

 

 

ميثم الجنابيلقد جعل دانيليفسكي من المواجهة الباطنية مع الغرب (الأوربي) التي لا مفر منها ميدان وأسلوب تحويل أوهام التيار السلافي والقومي الروسي إلى أحلام اليقظة السياسية من خلال تفسير علاقة الوطني بالعالمي، والكشف عن طبيعة الخلاف الجوهري بين النمط الأوربي والروسي، والكشف عما اسماه بالأوربة أو "وباء التقليد الأوربي"، بوصفه مرض الحياة الروسية، ومن ثم البرهنة على أن النمط التاريخي الثقافي الأوربي لا يتسم بطابع عالمي، وأخيرا، إن النمط  التاريخي الثقافي الأوربي عرضة للتحلل والفساد، وبالتالي انتهاء دوره الريادي على النطاق العالمي. ومن ثم لا قيمة له بالنسبة للبديل الروسي السلافي.

ففي معرض تحليله لعلاقة الوطني أو القومي بالعالمي أو بالإنساني العام، انطلق دانيليفسكي، من أن ما يميز العبقرية العالمية هو تمتعها بقوة الروح والتحرر من قيود القومية والعمل من أجل الإنسانية ككل. غير أن ذلك لا يمكنه الحدوث خارج إطار الواقع الوطني أو القومي وضمن مسار التطور الذاتي للأنماط الثقافية. فالتطور الحضاري بحد ذاته غير ممكن دون مروره وانتقاله من العشوائية والحدود الوطنية إلى العالمية. من هنا كانت جدارة بطرس الأكبر، كما يقول دانيليفسكي، في إخراج روسيا من الحدود الوطنية وإدخالها في مجال الحرية الإنسانية، أو على الأقل انه دفعها بهذا الاتجاه. وترتب على ذلك صعود الفكرة الأوربية وأهميتها بل جوهريتها بالنسبة للوعي الروسي الآخذ بالبطرسية الخالصة. وقد تطورت هذه العقيدة وبلغت ذروتها في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر من جانب أتباع النزعة الأوربية والغرب. وقد كان ذلك نتيجة شبه محتومة بسبب كون أغلب المتعلمين والمثقفين الروس آنذاك ينتمون لهذا التيار. وفي مجال الفكر النظري والفلسفي والسياسي كانت مصادرهم كل من الفلسفة الألمانية والاشتراكية الفرنسية. الأمر الذي أفقد هذا التيار الغربي للنزعة الوطنية والقومية، أو أنهما تحولا إلى كيانات ضعيفة وتابعة. ولم يجد دانيليفسكي غرابة في هذه النتيجة والواقع بالنسبة لأولئك الذين حصلوا على تعليمهم من مصادر أوربية فقط. بحيث اعتبروا أن كل ما انتجته الثقافة الأوربية (الجرمانية الرومية اللاتينية) يقف على النقيض من النزعة الوطنية الروسية. بل واعتبروا هذه النزعة ضيقة في كل شيئ وموقف. بحيث دفعهم هذا التقليد وجعلهم يخلطون بين ما هو أوربي وعالمي. بمعنى إنهم ألبسوا كل ما هو أوربي طابعا وغلافا عالميا. بينما كانت الثقافة الألمانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من الثقافات الأوربية قومية محض وضيقة أيضا. في حين أن معنى العالمية هو ما يتجاوز القومية الضيقة. ومع أن هذه الحقيقة جلية للعقل السليم والمنطق، إلا أن ذلك لم يمنعهم من مطابقة الأوربية مع العالمية1 .

لقد سعت الثقافة الأوربية القومية والقارية العامة إلى مطابقة كل ما تنتجه على انه عالمي بالضرورة. ولم تشذ، كما يقول دانيليفسكي، من هذا الموقف والأحكام حتى الاشتراكية في مساعيها لإيجاد أشكال مشتركة من الحياة الاجتماعية قادرة على إسعاد البشرية دون أن تأخذ بنظر الاعتبار التمايز في الزمان والمكان والحالة القومية. وضمن هذا السياق والاتجاه والمعنى والأسلوب ظهر المفهوم الأوربي للعالمية.

لكننا حالما نأخذ بتحليل التاريخ الأوربي، كما يقول دانيليفسكي، لمختلف أقوامه وشعوبه فإننا سوف نقف أمام توسيع مفرط لتجاربها الذاتية وإضفاء صفة العالمية عليها. فمفهوم العالمية أوسع من مفهوم القومية. بينما كل ما في الأوربية وشعوبها هو دعوة نفسية وقومية خالصة. فالتمايز بين القومي والعالمي كان وما يزال كما هو. بل حتى مفهوم العالمية هنا هو أقرب (بالمعنى الأوربي) إلى الفكرة القومية أو حتى القبلية. فمن حيث الجوهر، كما يعتقد دانيليفسكي، لا وجود لما يسمى بالعالمية. إذ لا توجد حضارة عالمية واحدة ولا يمكن أن توجد. لأنه أمر مستحيل. بمعنى انه لا يمكن أن توجد حضارة إنسانية كاملة يمكنها ضمّ الجميع إليها. إن هذه الحضارة الإنسانية الكاملة لا وجود لها لأنها مثالية وغير قابلة للتحقيق. لكنه مع ذلك يفسح المجال أمام الإقرار بهذا العنوان العام المجرد من خلال مفهوم الحضارة المثالية القابلة للتحقيق عبر التطور المتسق أو المشترك لجميع الأنماط التاريخية الثقافية.

إلا أن إشكالية القومي والعالمي تظل موجودة على الدوام في ما يخص المسار الطبيعي للأنماط التاريخية الثقافية. وذلك لأن الحضارة لا تنتقل من شعوب ذات نمط ثقافي معين إلى شعوب أخرى. وإذا كان هذا الشعب أو ذاك لأسباب خارجية أو داخلية غير قادر على تطوير حضارة متميزة وخاصة به فلا خيار أمامه سوى التحلل والتحول إلى مادة إثنوغرافية. وحددت هذه الرؤية ونسقها المنطقي الحكم التاريخي الثقافي تجاه علاقة النمط السلافي الثقافي الممكن مع نفسه ومع الأنماط الثقافية الأخرى (الأوربية بشكل خاص). لهذا اعتبر دانيليفسكي السلافية الرديف المعنوي للأوربية، والشعوب السلافية رديفا للشعوب الأوربية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن السلافية هي مصطلح يماثل معنى الهيلبنية واللاتينية والأوربية. وهي نفس النمط التاريخي الثقافي. وبالتالي، فإن معنى روسيا والجمهورية التشيكية وصربيا وبلغاريا بالنسبة لمفهوم السلافية ينبغي أن يكون رديفا لمعنى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإسبانيا بالنسبة أوروبا. من هنا يمكن فهم رفعه لشعار الفكرة السلافية القائل، بأنه ينبغي أن تكون فكرة السلافية بالنسبة لجميع السلافيين من روس وتشيك وصرب وكرواتيين وسلوفينين وسلوفاكيين والبلغار بعد الله والكنيسة، أعلى من أية فكرة أخرى. بمعنى احتلالها الدرجة الثالثة في هرم المرجعية الكبرى (الله والكنيسة والسلافية) أو أحد أضلاع المثلث الضروري للنمط التاريخي الثقافي السلافي. من هنا رفعه فكرة السلافية بوصفها مرجعية جوهرية إلى مصاف ما فوق العلم والحرية والتنوير وأي شيئ أرضي آخر، وذلك لأن أياً من هذه القيم والمفاهيم لا يمكن تحقيقه دون سلاف مستقلين بالمعنى الروحي والشعبي والسياسي.

أما السؤال المتعلق بماهية الحضارة السلافية الجديدة وما هي مبادئها مقارنة بالحضارة الأوروبية، فقد اجاب عليه دانيليفسكي كما يلي: لكل حضارة مسارها الخاص. وكل منها يطور نمط ثقافي معين مميز له. وبالتالي لا معنى لتكرار ما قام كل منها وأنجزه. وهي فكرة توحي بتضمنها على فكرة الإبداع الجديد والمتجدد، التي نعثر على نموذجها أو نماذجها الأكثر رقيا في الثقافة الإسلامية حول ما دعته بفضائل الأمم في الإبداع. وهي فكرة أكثر دقة مما عند دانيليفسكي. إلا أن مأثرته هنا تقوم في بلورته إياها ضمن سياق تأسيس الهوية السلافية في مواجهة الهيمنة الأوربية الحديثة ونمطها الثقافي اللاتيني الجرماني.

وانطلق في تأسيس فكرته وموقفه هذا من أن تطور العلم الإيجابي، بوصفه احد أهم نتاج الحضارة الجرمانية الرومية، هو تمثيل خاص لهذا النمط التاريخي الثقافي الأوروبي، تماما كما كان الفن وفكرة الجمال هي الثمرة الأساسية للحضارة اليونانية، بينما كان القانون والتنظيم السياسي للدولة ثمرة الحضارة الرومية. لذلك من غير المعقول إطلاقاً أن يجري تطوير هذه الجوانب (أو استنساخها) من جانب النمط الثقافي السلافي. فالتقدم والتطور هو نتاج أسباب داخلية تجعل الأمم الجديدة ذات الذهنية الخاصة الظهور بصورة مختلفة ومتميزة في المجال التاريخي، بمعنى تكوين نمطها الثقافي الخاص. لكن ذلك لا يعني أن النمط الجديد من الحضارة لا يمكنه النجاح في الحقول التي اجتازها الآخرين أو ممن سبقه وزامنه. ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النوع من النشاط مهمته الرئيسية. إذ لكل دولة بعض فروع المعرفة، كما هو الحال بالنسبة لكل شيء آخر. وكما أن قدرات الشعوب مختلفة كما هو الحال بالنسبة للأفراد، لهذا يوجد أفراد مستعدون لعلم الرياضيات وآخرون لعلم الطبيعة وقسم ثالث لعلم اللغات وغيرهم لعلم التاريخ والعلوم الاجتماعية وهكذا دواليك. وعندما نتأمل إبداع الشعوب الداخلة ضمن النمط الثقافي الأوربي الحديث، فإننا نرى تباين شعوبها في الإبداع العلمي. فمن حيث القدرة على الرياضيات النظرية والتطبيقية، بحتل الفرنسيون المكانة الأولى. إذ بينهم نعثر على أكبر عدد من الرياضيين الكبار مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى مجتمعة. ولعل شخصيات مثل باسكال وديكارت وكلارو ودالامبرت ومونجي ولابلاس وغيرهم مثالا على ذلك. بينما طورت ألمانيا في نشاطها العلمي صيغة أخرى. إنها قدمت كوكبة من علماء الرياضيات الكبار غير ان عددهم لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة اشخاص وهم كل من لايبنتس وأويلر وغاوس. لكن ألمانيا مهيمنة أكثر في علم اللغة أو الفلسفة المقارنّة التي لا تستطيع فرنسا مقابلتها بهذا الصدد. وإن هذه الأسبقية التي لدى الألمان في هذا المجال لا يمكن تفسيره بأسباب عرضية.

كل ذلك أوصل دانيليفسكي إلى استنتاج دقيق يقول بوجود ثلاثة أسباب تدفع العلم، إلى جانب أسباب أخرى، بما يتوافق مع ختم القومية. وهذه الأسباب هي أولا كل من التفاضل من جانب مختلف الشعوب في مجال المعرفة وفروعها المختلفة؛ وثانيا تمايز الأقوام والأمم في قدراتها ونظراتها عن غيرها بحيث يجعلها تنظر إلى الواقع من وجهة نظرها الخاصة؛ وأخيرا إن امتزاج بعض الخصائص بين الشعوب والأقوام ليست عملية عشوائية. وفي حصيلتها تشكل ما نسميه بالشخصية الوطنية.

فقد فضل اليونانيون، علبى سبيل المثال، الطريقة الهندسية، بينما الهنود بسبب خيالهم الخصب جعلهم يختلفون عن اهل اليونان بما في ذلك في الهندسة والرياضيات (مع انهما من أدق العلوم). إن خيال الهنود يجمع أغرب الصور الرائعة، ولكنه في الوقت نفسه أكثر غموضا. فاليونان يتميزون بالدقة واليقين الذي يوافق خيالهم. بينما لا نلاحظ ذلك عند الهنود في إبداعهم الفني ولا في البنية الميتافيزيقية للفلسفة الهندية، التي تتميز باستنتاجات جدلية جريئة بعيدة المدى. ويمكن التدليل على ذلك بنموذج آخر هو النموذج الإنجليزي. فالصراع والتنافس يشكلان أساس الشخصية القومية الإنجليزية. ووجد ذلك انعكاسه في إبداع ثلاثة شخصيات كبرى وضعوا ثلاثة تعاليم أو ثلاث نظريات في مجالات المعرفة المختلفة، وكلها مبنية على هذه الخاصية الأساسية للشخصية القومية الإنجليزية. ففي منتصف القرن السابع عشر، وضع الإنجليزي هوبز نظرية سياسية عن ظهور وتطور المجتمعات البشرية استنادا إلى فكرة حرب الكل ضد الكل أو حرب الجميع ضد الجميع. وفي نهاية القرن الثامن عشر، ابتدع آدم سميث نظرية اقتصادية مبنية على التنافس الحر بين كل من المنتجين والمستهلكين، ونظرية النضال والتنافس المستمر، التي تؤدي إلى الوئام الاقتصادي. وأخيراً وضع الإنجليزي داروين نظرية الصراع من أجل الوجود في مجال علم وظائف الأعضاء، والتي يجب أن تشرح أصل الأنواع الحيوانية والنباتية وتنتج الوئام البيولوجي. ولهذه النظريات الثلاث مصير مختلف. فنظرية هوبز منسية تماما. بينما نمت نظرية سميث إلى علم كامل للاقتصاد السياسي، مما جعل محتواه أكثر أهمية. بينما انتشرت نظرية داروين على نطاق واسع.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن جميع هذه النظريات تشترك في نظرتها الأحادية الجانب وإفراطها الجزئي. من هنا استنتاجه بهذا الصدد والقائل، بأن دور كل من القوميات الأوربية الثلاث في الحركة العلمية العامة يتطابق تماماً مع درجة الاختلاف في طابعها القومي. وبالتالي، فإذا كان للقومية محلها بما في ذلك في العلوم الطبيعية، فما بالك من أثرها في العلوم الاجتماعية والمواقف والأحكام الثقافية؟ كل ذلك يكشف من وجهة نظره، عن الحقيقة القائلة، باستحالة نقل ثمار شعب إلى آخر وبالأخص حالما يكونوا من أنماط ثقافية مختلفة. وهو استنتاج، كما يقول دانيليفسكي، لا ينفي ولا يقلل من كون الإنتاج العلمي هو ثروة البشرية جمعاء. غير أن تطورها يكشف عن أن تطوير العلوم بما في ذلك الطبيعية ليس أقل وطنية وقومية من الفن والحياة الشعبية. وهي حالة ونتيجة مرتبطة بطبيعة تطور وخصوصيات "النظام العقلي" للدول والأمم، أي كل ما وضعه في تفسيره عن المكونات الجوهرية لاختلاف الانماط الثقافية.

لقد توصل دانيليفسكي، إلى أن مسار التطور التاريخي للأمم يبرهن على أن الطابع القومي للعلوم يظهر ليس فقط في الجانب الذاتي (الشخصي) ولكن أيضًا بالمعنى الموضوعي. من هنا إمكانية الاستنتاج القائل، بأن العلم يمكن أن يكون قومياً. لكن طابعه القومي يختلف من قومية لأخرى. وإذ كان الطابع القومي أقل ظهورا في العلوم الطبيعية، فإنه يتوقف في العلوم الاجتماعية على النظام العقلي (التربوي) الخاص لكل دولة ولكل نمط من أنماط التاريخ الثقافي. وإذا كان الطابع الأكثر وطنية يقوم في إنجاح العلوم الاجتماعية القادرة على إنماء الدولة والأمة، فإن غايتها تقوم في أن تكون وطنية. وينطبق هذا بالطبع على علوم اللغة. إذ لم يسبق لأحد أن جادل بأن قواعد اللغة الألمانية واجبة أيضا بالنسبة للغة الروسية. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

1-  هذه فكرة سليمة من حيث طابعها النقدي، بمعنى أنها سليمة ضمن حدود الموقف النقدي لدانيليفسكي من نزعة التقليد الروسية آنذاك. فالمهمة الأساسية بالنسبة له كانت تقوم في تفتيت قيمة التقليد ومن ثم ضرورة إرجاع الثقافة والمثقف الروسي إلى عالمه الذاتي (القومي). لكنها ليست دقيقة في ما يخص الموقف من الانتاج القومي الألماني أو الإنجليزي أو الفرنسي، باعتباره انتاجا قوميا خالصا وضيقا. وذلك لأن الإنتاج القومي الخالص والرفيع، الذي يرتقي إلى مصاف "الصيغة الكلاسيكية" هو عالمي بالضرورة. من هنا فإن كل الإنتاج الأدبي والفلسفي والفني الروسي القومي الكلاسيكي هو عالمي أيضا. إذ لا يوجد إبداع عالمي صرف. إنه محدد دوما أما بالقومية أو "العالمية" الجزئية مثل إبداع الثقافة النصرانية والبوذية والإسلامية وأمثالها.

 

ميثم الجنابيإن تاريخ نشوء وتطور واستتباب النمط التاريخي الثقافي (الحضارة) يتوقف على قاعدته الأولية ألا وهي صيرورة الدولة القومية ووحدتها السياسية والإثنية وضرورة الاستقلال السياسي. كل ذلك يبرهن على استحالة قيام حضارة وتطورها بدون استقلال سياسي. وإذا كان بإمكان الحضارة أن تعيش بدون هذا الاستقلال، فإن ذلك لن يحدث إلا لفترة محدودة كما جرى ذلك بالنسبة لليونان. ومع ذلك فهي مجرد ظاهرة استثنائية في كل المسار التاريخي. والسبب القائم وراء ذلك هو هيمنة النظام العبودي، الذي أعاق تطور الأفراد. وخارج اطار السلالات السامية والآرية، استطاعت السلالة الحامية (المصرية) والصينية تأسيس أنماط تاريخية ثقافية لها أصالتها الخاصة، كما يقول دانيليفسكي.

إن هذه الأحكام الدقيقة من حيث مضمونها تكشف أيضا عن أن دانيليفسكي لم يتحرر من أثر التقسيمات الأوربية للغات وأشكالها الدينية المستقاة من التوراة. رغم انتقاده العميق بل والمرير لمناهج الفكرة الأوربية. لاسيما وانه تقسيم أسطوري وديني من حيث مقوماته. ومن ثم يتعارض من حيث الجوهر مع ما سعى إليه من تقييم رفيع لكل من الحضارة الصينية والمصرية. بينما يعادل معنى حام والحامية في الديانة اليهودية والنصرانية المأخوذة منها، المعنى السلبي التام.

وما عدا ذلك لم تستطع أي من القبائل والشعوب الأخرى إرساء أسس حضارات أصلية. ولكل منها اسبابه الخاصة. لكنها تشترك في عدم استطاعتها الانتقال الفعلي إلى عالم الحضارة كما هو الحال بالنسبة للكلتيين والفنلنديين، والعرق الأسود (الإفريقي) وكذلك المغول والأتراك. ولكل منهم سببه الخاص الذي أعاق إمكانية الانتقال من حالة الوحشية والبداوة إلى حالة الحضارة. فبعضها لم تتكامل صيرورته السياسية المستقلة، وبعضها بقي بحالة وهيئة المادة الإثنية، وآخرون بقوا ضمن حالة الاستعداد على لعب دور العناصر التاريخية المدمرة.

أما القانون الثالث للتطور التاريخي الثقافي والقائل، بأن بداية الوجود الحضاري لا يمكنه أن يكون نسخة أو نقل تقليدي صرف لمن سبقه أو يعاصره. وبالتالي، يتطلب المزيد من الدراسة والتوضيح التفصيلي، كما يقول دانيليفسكي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في قلة المعلومات الدقيقة التي بحوزتنا عن الأنماط التاريخية الثقافية لكل من مصر والصين والهند وإيران وآشور وبابل. وبالتالي يصعب الكشف عن الأحداث ونقدها انطلاقا من تاريخ هذه الحضارات نفسها. لكن النتائج التي أدى إليها هذا التاريخ تؤكد مضمون القانون الثالث. بمعنى، أن كل منهم هو كيان ثقافي مستقل وقائم بحد ذاته. إذ لا نعثر على شعب غير الشعب المصري من يدين بالثقافة المصرية. بينما اقتصرت الحضارة الهندية على الشعوب الناطقة باللغات ذات الجذور السنسكريتية. في حين يعود الفينيقيون والقرطاجيون إلى النمط الثقافي السامي القديم. فقد كان الفينيقيون ينتمون إلى نفس الجذر البابلي، بينما كانت قرطاجة مستعمرة فينيقية. في حين لم تنقل قرطاجة حضارتها إلى الأفارقة. أما الحضارة الصينية فشائعة بين الصينيين واليابانيين فقط. أما العبرانيون اليهود فلم ينقلوا ثقافتهم إلى أي من الأمم التي أحاطت بهم أو ممن عاشوا معهم في نفس الوقت. وطبق دانيليفسكي هذا الموقف التحليلي النقدي على البقية الباقية من الحضارات التاريخية من اجل كشف مضمون هذا القانون.

ومع ذلك يكشف الواقع والتاريخ عن أن خطط نشر الحضارة (الإغريقية) غير قابلة للتطبيق مقارنة بخطط الغزو التي نجحت لبعض الوقت. ونفس الشيء يمكن قوله عن الحضارة اللاتينية. ففيها أيضا نلاحظ فشل النقل لأنه لم يؤدي إلى شيئ باستثناء العقم. بينما نحصل على نتائج معاكسة تماما حينما بقت المبادئ الرومانية الأصيلة. أما الولاء لبدايات نظام الدولة القومية فقد جعل من روما أقوى سلطة سياسية من كل ما كان موجوداً.

وهنا يظهر السؤال المتعلق بماهية ونوعية الانتقال الحضاري أو مستوى ونوعية تأثيره، وهل أن نتاج الثقافات التاريخية معزول بشكل تام بحيث تنتفي أية إمكانية للتأثير المتبادل. ومن ثم هل يعني ذلك بأن الأنماط التاريخية الثقافية محكوم عليها دوما بالانعزال والغربة؟ وقد كانت اجابة دانيليفسكي بالسلب. فالحضارات المتتالية لها افضلية على الحضارات المنعزلة. ولكن ما هو الأسلوب الذي يجري من خلاله استخلاف الأنماط التاريخية الثقافية؟ إن إجابة دانيليفسكي على هذا السؤال تقوم في توكيدها على أن التاريخ يبرهن على أن الحضارة لا تنتقل من نمط تاريخي ثقافي إلى آخر. لكن ذلك لا ينفي التأثير المتبادل بين الحضارات. ومع ذلك يبقى هذا التأثير جزئيا. ومن ثم لا يرتقي إلى مصاف الانتقال الثقافي. وللانتقال مستويات ونماذج، أولها الانتقال عبر الاستعمار التام كما كان الحال بالنسبة للفينيقيين بنقل حضارتهم إلى قرطاجة، والإغريق إلى إيطاليا وصقلية، وبريطانيا إلى أمريكا الشمالية وأستراليا. وإذا كان بالإمكان تصور حضارة إنسانية عالمية في مكان وزمان ما فمن الواضح أن من مصلحتها استخدام طريقة الانتشار بالشكل الذي يقضي على الشعوب الأخرى، باستثناء أولئك الذين طوروا هذه الحضارة الإنسانية العالمية. أما الشكل الآخر من أشكال انتشار الحضارة فهو التطعيم، الذي عادة ما يجري من خلاله فهم انتشار الحضارة. فقد كانت الإسكندرية، كما يقول دانيليفسكي، مثل قطعة يونانية أو بقعة على شجرة مصرية. أما الحصيلة التي يمكن التوصل إليها فتقوم في أن التطعيم لا ينفع المطَّعم لا بالمعنى الفسلجي ولا بالمعنى التاريخي الثقافي. غير أن دانيليفسكي كان في الوقت نفسه إلى جانب إمكانية الاستفادة من استنتاجات وأساليب العلوم الطبيعية وتحسين الصناعة وتطوير الفنون. وما عدا ذلك فلا يصلح للتطبيق العملي من معارف وتجارب الآخرين. والسبب يكمن في أن حلول الحضارات الواقعية والفعلية لمشاكلها الفكرية والروحية والاجتماعية وأمثالها تبقى جزءا من تجاربها الخاصة. بمعنى أن هذه الحلول لا تصلح للآخرين لأنها من أصل آخر. ومن ثم لها حدودها. وهي حدود تكمن في القانون الخامس، الذي بلوره دانيليفسكي، عن أن لكل حضارة أمدها الخاص. ومن ثم فهي عرضة للزوال بحكم الضرورة. فهي تشبه النتاج الطبيعي لوجود الأحياء. إنها تمر بمرحلة طويلة من الصيرورة لكي تتكامل وتكون مستعدة للإنتاج والإثمار. وهذه الحالة الأخيرة هي مرحلة نهايتها المبدعة. وبمعايير الزمن هي أقصر من زمن الصيرورة الأولية. وهي المرحلة التي تكشف عما في هذه النمط التاريخي الثقافي من خصوصية تجد انعكاسها في كافة ميادين الإبداع المادي والروحي. ففيها يظهر، كما يقول دانيليفسكي، نشاطها الروحي بشكل جلي في جميع المجالات التي تستجيب لما في طبيعتها، ليس فقط تجاه العلوم والفنون بل وتجاه التنفيذ العملي لمثلها العليا عن الحقيقة، والحرية، ونظام الحياة الاجتماعية، والرفاهية الشخصية وما إلى ذلك. وشأن كل حالة من هذا القبيل، فإن النهاية الحتمية تقوم في جفاف النشاط المبدع لهذا النمط الثقافي أو الحضارة. وليس المقصود بالجفاف هنا سوى الحالة التي يقف أمامها الإبداع التاريخي باعتبار أن ما جرى بلوغه هو الغاية القصوى، أو أن ما توصلوا إليه لا يخلو من تناقضات لا تحصى شأن كل ما هو عند الآخرين. وبغض النظر عن كل ما يمكن بلورته بين أتباع هذا النمط من تفسير وتأويل لما جرى، فإن النهاية هي هي: الاندثار من مسرح التاريخ. وسواء جرى ذلك بفعل أسباب داخلية أو قوة خارجية، فإن النتيجة الجلية تقوم في أن شعوب هذا النمط التاريخي الثقافي تعود مرة أخرى إلى الشكل الإثنوغرافي البدائي للحياة، والذي يمكن أن تنشأ منه حياة تاريخية جديدة. بمعنى التحلل والاندثار في صيرورة التاريخ الثقافي.

فبلوغ الكمال في هذا النمط التاريخي الثقافي أو ذاك عادة ما يتجسد في نمط ثقافي غالب، مثل النمط الجمالي والفلسفي عند اليونان، أو الصناعي عند الصينيين، أو الديني عند الساميين وما شابه ذلك1 . بمعنى أن انتهاء الإبداع التاريخي للنمط الثقافي المعين، ومن ثم تحلل ما فيه، عادة ما يشكل نقطة الانطلاق سواء المدركة بمعايير التجارب الموازية أو الرؤية الحسية المباشرة، أو بفعل الإبداع الذاتي الخالص. وسبب ذلك يقوم في أن حركة التقدم إلى الأمام في حياة البشرية، كما يقول دانيليفسكي، لا تتوقف. إذ حالما يجري بلوغ الكمال في مجال معين، حينذاك تبدأ حركة المسار الثقافي في طريق آخر. وعادة ما يلازم ذلك دخول سمات ذهنية وعقلية ومشاعر وإرادة أخرى في ميدان النشاط، والتي لا تمتلكها إلا شعوب من نمط تاريخي ثقافي آخر. والمقصود بذلك، حسب دانيليفسكي، إن التقدم لا يجري في اتجاه واحد، وإلا لتوقف بعد فترة بالضرورة. بل المقصود هو الانطلاق من حصيلة النشاط التاريخي للبشرية ككل صوب اتجاهات أخرى.

ووضع هذه الحصيلة في استنتاج يقول، بأنه لا يمكن لأية حضارة أن تفتخر بأنها تمثل ذروة النمو والتطور في جميع الجوانب مقارنة بمن سبقها أو بمن يعاصرها. ففكرة الجمال عند الإغريق قد بلغت ذروة الكمال، في حين لم تنتج الحضارة الأوروبية الحديثة شيئا يمكنه التفوق على الإغريق بهذا الصدد. بينما سارت شعوب النمط الثقافي الأوروبي باتجاه الدراسة التحليلية للطبيعة، واستطاعوا إرساء العلوم الإيجابية بشكل لم تستطعه أية حضارة أخرى سابقة. ومع ذلك، ليس المقصود من وراء ذلك القول، بأن المواهب الروحية للشعوب عادة ما تتمثل بجانب واحد فقط. كما لا يعني ذلك أن كل منها يحقق جانبا واحدا فقط في الحياة مثل القول، بأن الإغريق كانوا يمارسون الأناقة والجمال، وأن الأوروبيون لديهم العلوم الدقيقة فقط. إن الحديث هنا يشير فقط إلى ما هو جوهري وأولي وخاص في الإبداع التاريخي لهذا النمط الثقافي أو ذاك. وهو مرتبط بخصوصية البداية الأولية أو حصيلة المبادئ الأولية المتراكمة في وعيها وشخصيتها، والتي تصنع لاحقا نمطها الثقافي الخاص2 . فالانتقال من الحالة الإثنوغرافية إلى الدولة، ومن الدولة إلى الحالة الحضارية أو الثقافية يحدث بأثر دفعة أو سلسلة من الدوافع الخارجية التي تستثير وتحفِّز نشاط البشر باتجاه معين. فقد شكل غزو هيراقليدس بداية تشكيل الدول اليونانية. أما التعرف على الحكمة الشرقية وانتهاءً بالحروب مع الفرس فقد أدى إلى استثارة الروح الشعبي صوب دخول اليونان في مرحلة الحضارة. ونفس الشيء بالنسبة لروما. إننا لا نعرف الأسس الأولية للدول الإيطالية القديمة وصراعها المتبادل، وكذلك كيفية هيمنة الأرستقراطية على الفئات الشعبية التي أدت إلى سيطرة روما. إلا أن الحروب البونيقية والتعرف على اليونان قد استثارا الروح الشعبية ومن ثم دفعها صوب عالم الحضارة3 . أما اصطدام الشعوب الجرمانية بروما فقد أدى إلى خروج الجرمان من الحالة الإثنوغرافية. وما قبل ذلك يمكن قوله عن بابل وآشور وفينيقيا وغيرها. وهذه بدورها عملية معقدة وشائكة ومتداخلة تحتوي على حالات التقدم والانتكاس والرجوع من جديد. وتأخذ ازمان مختلفة. إضافة لذلك ليس جميع الأنماط الثقافية تمكنت من المرور عبر جميع مراحل هذا التطور. إذ يحدث أن تتعرض للتدمير من قبل عواصف خارجية أو بسبب قلة المخزون الاحتياطي الذي جرى جمعه بحيث لم يعد كافيا للنمو الكامل.

وتوصل دانيليفسكي بأثر هذه القوانين وجوهريتها بالنسبة لنشوء وتطور وزوال الأنماط التاريخية الثقافية إلى أن تطور البشرية لم يستمر حتى الآن إلا من خلال الأنماط التاريخية الثقافية الأصيلة وبما يتوافق ويستجيب لمساعي التجمعات الكبرى. ومن ثم لا يمكنها أن تجري بطريقة أخرى.

إن هذه الصيغة الحادة بل والحتمية التي تواجه صيرورة وتكوّن الأنماط التاريخية الثقافية (الحضارة) وزوالها، تحتوي في منظومة دانيليفسكي على بعد "متفائل" آخر يقوم في المعنى الذي ضمّنه في فكرته عن إمكانية واحتمال بل وحتمية صعود النمط التاريخي الثقافي السلافي بشكل عام والروسي بشكل خاص، في مواجهة النمط التاريخي الثقافي الأوربي (الرومي- الجرماني، أو اللاتيني - الجرماني) الآيل للسقوط والزوال. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

....................

1- نعثر في هذا التصنيف على صدى المواقف الأوربية الأولية عن تقسيم ذهنية الشعوب والأمم بما يستجيب لنمطية الشرق والغرب، بحيث جعلوا من الشرق عالم الدين والخرافة وما شابه ذلك. ولاحقا يجري تخصيصها بعالم "الساميين"، أي أنهم يمثلون الفكرة الدينية والوعي الديني، وانه ابداعهم الوحيد في معارضة العلم والمنطق المميز لأوربا، وما شابه ذلك من أحكام ساذجة وسطحية ولا تخلو من غباء متبجح بخرافاته.

2- هناك اسباب جوهرية عميقة تكمن في ما اطلقت عليه الثقافة الإسلامية الكلاسيكية عبارة "طبائع الأمم"، أو ما يطلق عليه اليوم خصوصيات الأمم أو أرواحها، أو ما يطلق عليه دانيليفسكي مصطلح النمط التاريخي الثقافي. فقد كان مضمون الفكرة التي بلورتها التقاليد الإسلامية الفكرية الرفيعة تقوم في تعبيرها عن النفس الثقافية الإسلامية أو الروح الثقافي الإسلامي أو العقل الثقافي التاريخي. انها استنبطت فكرتها عن طبائع الأمم وتمايزها بمعايير الموقف الثقافي والفكرة الثقافية. ومن ثم كشفت عن فضائلها، وليس مجرد مجموع خصالها. إنها ركزت على الدور أو القوة الفاعلة في إبداع الأمم وشخصياتها. وقد سار دانيليفسكي من حيث الجوهر ضمن هذا المسار أو هذا السياق. وله الأولية في الثقافة الروسية من خلال تحويل الفكرة الفلسفية إلى أيديولوجية سياسية عميقة المحتوى وإستراتيجية الرؤية، كما أن له الأولوية في الثقافة الفلسفية الأوربية عن الثقافة والحضارة ومسارهما التاريخي. والسبب الأساسي لذلك يقوم في أن المبدأ الجوهري بالنسبة لدانيليفسكي هو الفكرة الروسية الوطنية أو القومية الثقافية السلافية. فقد كشف التاريخ الثقافي نفسه، والذي كان محور وحافز اهتمام دانيليفسكي، عن القيمة النظرية والفكرية والفلسفية والثقافية والسياسية لكتابه (روسيا وأوربا). ولعل قيمته الحيوية لحد الآن تقوم في كونه احد الأعمال النظرية النقدية الكبرى التي ابرزت خفايا وكمون الفكرة السياسية في الرؤية الثقافية والحضارية للأمم. ومن الممكن رؤية هذه الفكرة الجوهرية في العنوان الإضافي للكتاب نفسه بعبارة ("نظرة على المواقف الثقافية والسياسية للعالم السلافي تجاه العالم الجرماني الرومي").

3- الحروب البونيقية هي سلسلة الحروب الثلاث التي دارت بين قرطاجة وروما. والاسم مأخوذ من اللفظ الرومي لقرطاجة (بونيقي). وقد كانت هذه الحروب الدامية والعنيفة، التي جرى تأويل مسارها ونتائجها التاريخية بأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنها كانت تجري اساسا من اجل الهيمنة في حوض البحر المتوسط. فقد كان البحر المتوسط البحيرة التي تشكلت وتراكمت فيها وحولها مسار دول الحضارات الكبرى. بدأ من مصر وفارس وسوريا (الكنعانية) ومصر واليونان وقرطاجة وروما. لقد كانت الحروب بينها جزء من هذا المسار المعقد والمرتبط بالدولة ومساعيها للهيمنة آنذاك بوصفه احد الشروط الأساسية للحصول على الثروة والازدهار المادي والمعنوي. وقد كانت الحروب البونيقية تتمثل ما يمكن دعوته بتقاليد الصراع بين شمال وجنوب البحر المتوسط. وهي حروب كانت تسعى للهيمنة ومن خلالها أو معها للتوحيد السياسي والثقافي. وقد كانت الحروب دولا. وبغض النظر عن الاختلاف بين نماذجها الكبرى، وبالأخص غزوة الكسندر المقدوني للجنوب، وهانيبعل للشمال، وروما للجنوب، ولاحقا العرب المسلمون للشمال، تسير ضمن نفس السياق، مع الفارق الجوهري بين غايات كل منهم. لكنها جميعا كانت تسعى إلى غاية واحدة وهي الاستيلاء وفرض نمطها الثقافي. وهو صراع قطعه العرب المسلمون بصورة نهائية من خلال ارجاع الأقوام الشمالية إلى مناطقها الأصلية والبقاء فيها وضمنها. وقد تكررت محاولات لاحقة لعل الحروب الصليبية والغزو الأوربي الكولونيالي أحد نماذجها الصارخة، التي انتهت في نهاية المطاف بإرجاع الأقوام الأوربية إلى مناطقها الأصلية وجرى تثبيت الوجود والحدود الحالية للعالم العربي، أو الجنوب المتوسطي ضمن حدوده وكيانه التام الثابت. وأيا كانت حالة الثغرات الحالية والفجوات الكبرى الفاعلة فيه الآن، فإنها تبقى مجرد حالة طارئة لها امثلتها في الماضي. وبالتالي حتمية رجوع كل من فيه إلى كينونة العالم العربي ووجوده التاريخي والمستقبلي. وهذه نهاية ونتيجة لا مفر منها.  

 

 

عبد الجبار العبيديبمناسبة ولادة الامام علي يقول مؤلف كتاب الفلسفة والأعتزال في نهج البلاغة...

د. قاسم حبيب جابر

يهدي المؤلف هذا الكتاب الى الانسان الفذ الذي عاش بين الفقراء وضد الفقر، ومع المحرومين وضد الحرمان، ومع الجماهير وضد الطغاة. الى القائد المقاتل الذي جمع بين اللين والقسوة، وبين الرحمة والعنف، ودخل ساحة الحرب من اجل الحق قبل أن يبلغ الحُلم. الى من أغتسل بالألم والعذاب، وتعرض لعواصف التهم والشكوك، وبقي مخلصاً في العطاء، صامداً بوجه الباطل، مدافعاً عن الشرف والكرامة والوطن والدين.. لكن مع الاسف لم يترك له اتباعا يؤمنون به وبلفسفته سوى من يدعون كاذبين..

الى من قال في صبيحة يوم أستشهاده:

أشدد حيازيمك للموت  فأن الموت لاقيكا

ولا تجزع من الموت   أذا حل بواديكا

كما أضحكك الدهر   كذاك الدهر يبكيكا

الى شهيد الحق علي (ع) هذا الأهداء.

 وتقول المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر عن هذا الكتاب: ان الطروحات الفلسفية التي أشتمل عليها فكر الامام علي (ع) في نهج البلاغة تُمثل نمطاً من التفكير يغلب عليه طابع الاعتزال. ورغم ان ما جاء في غالبيته قد خالف النهج الفلسفي المتعارف عليه، فان روعة العبارة، وعمق المعنى، وجذالة اللفظ، وغزارة المادة، ونوع المواضيع التي تحدث عنها، وهي نفسها التي ترتد اليها محاولات الفلاسفة، قديمهم وحديثهم على السواء، الا وهي: الله والكون والانسان، هذه الامور جميعها، تثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن (فكر الامام) هو في صميم الفلسفة، ومن المراجع الهامة التي يمكن ان يعتمد عليها في البحث عن مبادىء الاعتزال، وان مؤلف هذا لطرح، وباعث هذا الفكر، أنما هو فيلسوف بمادته وان لم يعتمد الفلسفة، وان ما صدر عنه من أقوال وخطب، تعبر عن تواصل حقيقي بين انسان وانسان، اي انه مُقول في اطار أجتماعي وفي خدمة الغاية المتوخاة منها، خصوصا اننا نجد مثل هذه الظاهرة عند المفكرين الصادقين في عاطفتهم، والذي يأتي تفكيرهم تعبيرأً عن حالاتهم النفسية المختلفة، وهم يرسلون كلامهم على سجيتهم، دونما ألتفات الى ما يعتوره من عدم ترابط في أجزائه بشكل تسلسلي واحد..ولكن مع الاسف اننا في هذا الزمن الصعب بدأنا نبتعد عن كل التراث الثر للمؤمنين.

يتناول هذا الكتاب بالبحث والتحليل تلك المواضيع الثلاثة، مُظهرا ما في هذا الفكر النير للامام من أفكار فلسفية بالمقارنة مع ما صدر عن أهل الاعتزال في هذا المجال، كاشفاً الحجاب عن جانب هام من جوانب التراث الاسلامي الغني المعطاء، بأسلوب يوازي بين العمق والوضوح، وأنسياب العبارة وتسلسلها المنطقي.

كتب الامام علي (ع) خطبه ومواعظه وعهوده ورسائله ووصاياه بلغة ادبية تمثلت باللفظ المنتقى والمعنى المشرف، وبالبلاغة المحكمة والمحسنات البديعية الرائعة، قل نظيرها لغةً وعلماً وفلسفة والتي جمعها الشريف الرضي في سفره القيم الذي سماه نهج البلاغة.

توزع هذا الجهد العلوي على 228خطبة و79 بين كتاب ووصية وعهد، و488 من الكلمات القصار، والتي احتوت على عوالم وأفاق الزهد والتقوى، عالم العرفان والعبادة، عالم الحكمة والفلسفة، عالم النصح والموعظة، عالم الملاحم والمغيبات، عالم السياسة والمسؤليات الاجتماعية، عالم الشجاعة والحماسة.لكن المهم ان كل ما كتبه كان يهدف من ورائه خدمة العلم والناس أجمعين. واضعاً بين قلمه وعيونه رضا الله والصدق الأمين..فأين لنا اليوم من هذا التوجه الأمامي الرائع المبين.

لم يكن نهج البلاغة كتابا من أجل الأعلان والشهرة، وأنما جاء من أجل تحرير الانسان من ربقة الجهل وانارة عقله بالعلوم والمعارف، تمهيداً لأيقاضه من سبات عميق ظل يغلب عليه عمر طويل، لبعث روح التأمل والتفكر عنده، ومن خلال هذا التوجه الكلي للانسان يستطيع ان يتجه بعقله وفكره نحو الايمان بالله فهو خالق الكون وواهب الحياة.

ان منهجية الكتاب تؤكد على محدودية حياة وقدرة الانسان، وليس بمقدوره ان يدرك ماهية الحياة مالم يرتفع فوق الصغائر والشهوات، ويتحرر من قيود المادة التي أوقعته ولا زالت توقعه في خضم الاشكاليات الصعبة التي اصبح الفكاك منها امنية صعبة التحقيق، لذا ركز على مفهوم التقوى التي تهب النفس القوة والنشاط والحصانة من الخطأ، وتبعدها عن الانحراف والزلل لتمتعه بالسعادة الابدية.هذا التوجه الصائب يدفع الانسان ان يعيش لنفسه وللاخرين على حدٍ سواء.مادم الاخر أخو له في الدين أو نظيُر له في الخلق.

ان أهم ما يواجه كتاب (نهج البلاغة) هي حملة التشكيك به كونه للامام علي (ع) أم للشريف الرضي، وسواء كان لأحدهما دون الاخر - رغم القناعة الثابتة بأنتمائه للامام علي – فأن هذه الشكوك لا تقلل من قيمة الكتاب ومحتوياته الفريدة في خدمة العلم والحكمة وانسانية الانسان على مر الازمان والدهور.

هو ليس كتاباً للامام علي (ع) وانما هو مجموعةخطب ورسائل ونصائح عامة للامام وضعها الشريف الرضي باحسن مايكتب في الكتب حتى عدت سِفرا رائعا من اسفار المؤلفين.

لقد واجه المؤلف جملة عقبات في تاليف هذا الكتاب القيم، كان أهمها هي فرق الشك بعدم أنتمائية الكتاب الى علي أمير المؤمنين، لقد أفلح الكاتب بتخطي العقبات واثبات ألاصل بعد ان طبق المنهج العلمي لمعرفة النص بعد التمحيص الداخلي والخارجي له وفق أصول منهجية البحث العلمي، حين تفحص جوانب القوة والضعف فيه فاستطاع ان يثبت الاصل ببطلان النقيض، مما فوت الفرصة على المتشككين في الطعن غير المبرر. لكن الاصرار على البحث لمعرفة الحقيقة هو الذي سهل الامر عليه منطلقاً في تأليفه الى معرفة اثباتات ما قدمه الفلاسفة والحكماء والعلماء لمعرفة "الله والعالم والانسان" .

يقول المؤلف: ان نهج البلاغة هو الكتاب الذي أستندت علية المعتزلة لـتأكيد الله وصفاته، والعالم وفكرة الخلق، والتربية العملية لأعداد الانسان للحياة...هذه الافكار الثلاثة أستمدتها حركة الاعتزال من أراء نهج البلاغة، فصاغت نظريتها القويمة التي اعتمدت على الاصول الخمسة التي وضعتها واصبحت فيما بعد اسس قيام النظرية في معالجة مفردات الحكم الاسلامي عندها. في التوحيد والقدرة الآلهية المطلقة، والعدل وتنزيه الخالق عن فعل القبيح فهو العدل الذي لا يجور، والوعد والوعيد وربط الايمان بالثواب والعقاب، والمنزلة بين المنزلتين لاصحاب الكبائر وكيفية كونه لا مؤمن ولا كافر، وفي النظرية تفصيلات نحن بحاجة الى معرفتها لاحقاً، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي فريضة واجبة على جميع الانبياء والرسل والمسلمين.

كلها وردت في نهج البلاغة بأجلى صورها مما دفع الحركة الاعتزالية التي قادها واصل بن عطاء الى ترجمة فلسفتها والتوسع فيها لادراك مضامينها كقاعدة لكل الناس في عالم الاسلام.ومنها ظهر الواجب العيني والواجب الكفائي في التشريع، وتقرر على المسلمين تطبيق هذا الواجب لحفظ مصلحة العباد والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء.ان تطبيق هذا الامر هوأحقاق الحق وتطبيق العدالة بأجلى صورها وهذا هو الاسلام..فهل أدرك من يدعون بأنتمائهم للأمام فلسفته وحبه للعدل الآلهي المبين..؟

لقد اجاد الكاتب بما قصد اليه بعد ان وضعه باسلوب علمي مبسط فسهل على القارىء ادراك النتيجة المتوخاة من الكتاب.

وهل على من يدعون بالامام علي (ع) وذريته ومواقفهم الانسانية من انسانية الانسان واخلاصه الوطني والديني ويدعون التبعية له علما واستقامة تمعنوا في سيرته العطرة واستفادوا منها في حياتهم العملية تطبيقا ليؤمن الناس انهم حقا من اتباعه..؟..لا أعتقد بعد ان خانوا امانة الشعب والوطن والوصايا القرآنية العشر ألزامية التنفيذ.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

 

صدر عن دار غيدا – الأدرن كتاب جديد للباحث الفلسفي الأستاذ علي محمد اليوسف بعنوان: فلسفة اللغة مداخلة نقدية، اشتمل على:

المحتويات

(1) نشأة الكلام والكتابة ومصطلح ما فوق اللغة

(اللغة العربية نموذجا)

(2) العقل واللغة

(3) اللغة وافصاح الفكر

(4) الكلام وصمت الفكر في الكتابة

(5) الاسبقية بين الكلام الشفاهي والكتابة

(6) اللغة وفضاء التعبير المتعالي

(7) اللغة والتفكير

(8) اللغة والفكر في اسبقية الدلالة

(9) فلسفة اللغة وتغييب الواقع

(10) فلسفة اللغة ومصادرة جدل الفكر

(11) موضعة اللغة وتجريد التعبير

(12) ميتافيزيقا اللغة متناقضات دي سوسير وجاك دريدا

(13) تأويلية بور ريكور وشعور السعادة الزائف

(14) نقد فلسفة اللغة والمعنى

(15) كانط والزمن

(16) الزمن في فلسفتي افلاطون وارسطو

(17) الزمن والحركة فلسفيا

2245 فلسفة اللغة

وقد جاء في مقدمته:

تتوزع صفحات هذا الكتاب الفلسفي سبعة عشر موضوعا جديدا لم يسبق لي تناوله في مؤلفاتي الفلسفية السابقة, وكالعادة لا اتناول الموضوعات الفلسفية المكررة حد الاشباع والتخمة ولا الموضوعات الفلسفية التي سبقني بها غيري في عرضها بمنهج اكاديمي ونقل حرفي يرى في قدسية ما يقوله فلاسفة الغرب والعالم عموما لا يمكن الإقتراب منه نقدا منهجيا, وهو ما أرفضه في التزامي بهذا المؤلف وسابقيه من كتبي في تطبيقي المنهج النقدي عوضا عن الاستعراض المنبهر بآراء فلسفية غربية وعالمية سواء في هذا الكتاب أوما سبقه من مؤلفاتي الفلسفية.

حتما من المكابرة أن اكون أفضل من اولئك الفلاسفة العالميين الكبار في تاريخ الفلسفة ,ولا أجد تقاس الامور بيني وبين افكارهم الفلسفية بمعاييرالافضلية, وأنما تقاس بمعايير أنه لا يوجد تفكير فلسفي يرتهن الى جانبه كل الحقيقة ولا يطاله منهج النقد والمساجلة التحاورية أبتغاء وصول الحقيقة الصائبة الافضل فلسفيا... ولا يكون ذلك الفكر الفلسفي معصوما من النقص الذي يعتريه.

ولست بهذا الطرح أكون مقتديا المثل الأخرق خالف تعرف في تناولي افكار فلاسفة كبارمعروف عنهم الميزة الكبيرة التي إحتلوها في تاريخ الفلسفة عالميا, بل همّي وشاغلي الوحيد أن اكون أمينا مع تفكيري ليس لإرضاء غيري لا يشاطرني الرأي في عدم تجاوزي والتزامي وجوب تحمّل مسؤولية ومهمة ما أكتبه كباحث فلسفي.. لأكون متطابقا في الانحياز للنقد الموضوعي القائم على مقارعة الحجة بالحجة ويبقى الحكم للقاريء المتلقي الحصيف.

في هذا الكتاب وجدت في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ونظرية المعنى والتحول اللغوي فضاءا فلسفيا مفتوحا واسعا يقوم على مركزية إعتبار فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة المعاصر بدءا من النصف الثاني من القرن العشرين وصولا الى مباحث الفلسفة المعاصرة المتعالقة معها اليوم.

مواضيع فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات كثيرة ومتعددة مختلفة ومتنوعة منسجمة ومتضادة تتوزعها مئات البحوث ومئات المؤلفات, والعبرة فيما ألزم نفسي به ليس في عرض تلك الافكار في فلسفة اللغة أو بعضها بل العبرة والاهمية عندي في تطبيق منهج نقدي ناضج وملتزم في تناول تلك المواضيع الفكرية الفلسفية وعدم التسليم بموثوقية صوابها من عدمه دوغمائيا إلا بعد تبيان مقارعة الفكر الفلسفي الغربي المطروح مع حمولته النقدية.

ويجد القاريء أني لا أقوم بعرض وجهات نظر فلسفية لمواضيع تحمل الكثير مما يجب أن يقال في نقدها منهجيا وتجنبي التوهان الفكري الدائر حول مركزية العرض, فمنهجي النقدي يبتعد عن التوقف حول الموضوع في عرضه المّخل أو غير المّخل وأنما يستوقفني الموضوع الفلسفي بما يحمله من الكثير الذي يجب توضيحه بالنقد الموضوعي الامين المنسجم مع الاصالة الفكرية في توخي الحقيقة المعرفية الفلسفية.

بصمة مواضيع هذا الكتاب لا تتمثل بغرابة وفرادة تناولي مواضيع فلسفية لم يسبقني غيري بها ليس من جنبة تعالقها مع فلسفة اللغة وحسب فما يكتب عن هذه المواضيع لا تقدر الترجمة العربية الإحاطة به ولا ألإلمام به ليس كاملا ولكن حتى جزئيا , بل الأهم في طرحي تلك المواضيع هو تناولها نقديا منهجيا منظما ومتمّكنا في توصيل بعض من ذلك الفكر الفلسفي المعاصر للمتلقي بمسؤولية بعيدا عن هالة التقديس الزائفة التي تلازم عروضات الفلسفة الاجنبية عربيا.

لا أنكر أن القاريء سيجد في أكثر من موضوع يحتويه هذا الكتاب إستعصاءا مفهوميا لغويا ليس من صناعة المؤلف بل من فرض هذا الإستعصاء اللغوي التعبيري عليه كون لغة الفلسفة ليس سردا مبسطا سهلا لا يحتاج عناء المطاولة والمثابرة من القاريء المتلقي.

وكما قلت في سطور سابقة متعة الفلسفة هي في أستقصاء الإستعصاء اللغوي بها كميزة نوعية تاريخية لها طبعت تاريخ الفلسفة منذ الاف السنين ولا يمكن محاولة جعل لغة الفلسفة سردا لغويا كما في سائر سرديات الاجناس الادبية وسرديات ايديولوجيا السياسة, يحصل عليها القارئ بعجالة في تصفحه لصحيفة يومية أو مطبوع ادبي أو سردي في مختلف تعبيرات أجناس الكتابة . مباحث الفلسفة تكمن لذة صعوبتها المفهومية من صعوبة الجنس الفلسفي المقترن ببذل جهد مثابر يتابع تحليلات المؤلف بيقظة فكرية تتوخى الدّقة وتفعيل حاسّة الفرز الذكي في تمييز المقبول من الرأي عن المرفوض.

أخيرا أكون ممتنا للقاريء مطالعة عناوين موضوعات ومحتويات الكتاب بما يغنيني عن عرضها بإجتزاءات تعريفية لها لا تعطيها حقها مقدمة الكتاب, والكلمة الفصل اولا واخيرا للقاريء المتخصص والطالب المهتم بالفلسفة وقضاياها.

ومجهودي الفلسفي بهذا الكتاب سيحظى بالاهتمام والتقريظ الذي يستحقه, ولا يكون بعدها مهمّا الالتفات الى توافه محسوبين على الفلسفة لا يشغلهم شاغل غير تبخيس جهد الاخرين والانتقاص منه وهم خالي الوفاض من إمكانية أن يعطي أحدهم الجزء اليسير جدا مما يستحق الوقوف عنده في مجال الفلسفة كما أقوم به في مباحثي الفلسفية وتحمّل مشاقها.

كما أود الاشارة أني ختمت الكتاب في ثلاث مواضيع فلسفية خارج نطاق مركزية مباحث الكتاب حول فلسفة اللغة, في ثلاث موضوعات صعبة وفريدة فلسفيا تناولت فيها مفهوم (الزمن) ليس كوزمولوجيا علميا بل فلسفيا عناوينها هي كانط والزمن, الزمن والحركة في فلسفتي افلاطون وارسطو, والموضوع الختامي هو الزمن والحركة فلسفيا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل / آب 2020

 

 

نايلة أبي نادرالدينُ حياةٌ في أفق المعنى

عندما يصبح اسم الإنسان عنواناً لمسار، وعلامة مفارقة تُرصَد في وسط الضوضاء، يكون العمر قد أثمر فعلاً وأفاض.

عندما يقترن الفكر بالعمل، تتوهّج النفس مشرقة أبهى ألوانها فترسل "إشاراتٍ وتنبيهاتٍ"، توقظ وعي الآخر من سباته العميق.

عندما تلوحُ في أفق المعنى محاولاتٌ جديدةٌ تُنبىء بقراءة مختلفة عما سبق، تُمطر السماء فيضاً من أمل على عقول أضناها العبث.

يبدو فعل الكتابة في وسط الحراك القائم على الساحة العربية الاسلامية أمراً غير ملح، والمستفيدون منه قلائل، لكن الاصرار على هذا الفعل عمل جبار في حدّ ذاته، يقاوم اليأس ويدحض القنوط ليرفع النفس العاقلة الى مرتبة التأمل والتفكّر والابداع.

يشكّل كتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين"*  للدكتور عبد الجبارالرفاعي محطة مشرقة في ظلمة التعصّب والغوغائية والكراهية التي تكبّل العقل وترمي به في متاهات مضنية. لم يكتفِ المؤلّف بالاحتجاج على ما يُرتكب من عنف باسم الدين. كما لم يرُق له التوقف عند الدفاع عن الدين في وجه التيارات المادية والالحادية المتطرّفة. حطّ رحال قلمه عند الدفاع عن الدين ليحميه من الدين نفسه، من الفهم الخاطئ لمضمونه المشرق. حاول ان يشير الى مكامن الاشراق الإنساني الراقي في التجربة الدينية، هذا الاشراق الذي يصدّ كل محاولة لالغاء الآخر، ويحرّم العنف، ولا يستعبد الإنسان.المهمة انقاذية، والمبادرة جريئة، والخطاب ثوري انقلابي يستحق وقفة تحليل وتأمل.

تتكشّف في طيات الكتاب ملامح الفلتات العرفانية التي جذبت قلم المؤلّف وأخذته بعيداً حيث الاشياء لها وهجٌ آخر، والكلمات لها معانٍ تتجدّد بتجدّد قارئها. يبدو جلياً في الكتاب مدى غرق صاحبه في مياه المعنى العرفاني. انه ومنذ الصفحة الاولى يفتتح البحث بقطرات ترشح من معين ابن عربي: "واعلم ان الشفقة على عباد الله أحقّ بالرعاية من الغيرة في الله". فكتاب الدكتور عبد الجبار لا يُقرأ فقط من عنوانه، انما ايضاً من العبارة التي صدّر بها الصفحة الاولى. قولٌ لابن عربي ملفتٌ فعلا في تقديمه الشفقة على الوضع الإنساني، وما يعانيه من اضطهاد باسم الدين، وجعله هذه الشفقة أولوية يجب الانتباه اليها اكثر من "الغيرة في الله". لماذا هذا الانقلاب في تظهير فهمٍ للدين مغايرٍ عما هو سائد وسط الحملات التكفيرية؟ لماذا جعل الإنسان في المقام الاول؟ هل ما نشهده اليوم من انزلاقات نحو العنف المدمّر والقابض على انفاس الحياة هو فعلاً تديّنٌ يجب نشره واتباعه؟ هل هذا ما يبغيه الدين حقاً في دعوته السماوية؟

اسئلة قادت مسار الكاتب نحو شاطئ الانتروبولوجيا التي تظهّر عمق البعد الإنساني في الدين، وجعلته يبحث عن تجارب عرفانية وفلسفية وكلامية من أجل تدعيم خطاب الانسنة وتهميش الخطاب التكفيري والتدميري. هو الذي بات يرى في التديّن فعلاً مضاداً للدين. هو الذي أتعبته التجربة العراقية، وقطعت بوحشيتها انفاس البهجة في قلبه. هو المجبول بصراخ المعذّبين، والمتّـشح بأنات المتألّمين التي تتردّد اصداؤها في صوته. لقد تحوّل التديّن في نظره "الى اعصار عاصف يجتاح الحياة، ويحطم كافة المكاسب المدنية والحضارية والمعرفية للبشرية. انه سادية وجدانية ومعرفية، تتلذّذ بقتل الضحية واستباحتها، ومازوشية فظيعة تحتفل بتدمير النفس وهتكها".( عبد الجبار الرفاعي، انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بيروت، دار التنوير، ط2، ص198 )

ان من يقرأ بعمق فصول الكتاب كافة يجد ان الرابط الاساس في ما بينها يكمن في هذا القلق الملح من اجل محاربة اصحاب الايادي السود التي شوّهت ملامح الحياة الدينية الراقية بإنسانيتها، عن طريق الفساد، والتطرّف، والتعصّب، والقتل المتبادل، وهدر الدماء البريئة ...انه القلق على الحضارة والتمدّن والمعرفة وما أنتجته التجربة الإنسانية عبر تطوّر التاريخ. يرى جيداً الكمّ الهائل من الدمار الذي سبّبه التطرّف في التديّن إن في بلده العراق أو في الأماكن المختلفة التي ضربها إعصاره العاصف بالبشر. ينتقد القراءة الحرفية المغلقة للنصوص المقدسة مبرزاً مدى الأذى الذي تسبّبه على ارض الواقع السياسي والاجتماعي. انه أذى يضرب عمق التجربة الدينية عينها، ويكرّس الانغلاق على الذات، وينفي الآخر في دائرة التكفير.هذا الواقع المتردّي أسهم في نشوء جماعات تحتكر تمثيل الدين، وتهيمن على كيفية فهمه وعيشه في آن. يرى في ذلك عملية "انتهاك لإنسانية الإنسان"، و"تزييف لأهداف الدين"، و"اهدار للقيم الروحية". ان ما قامت به هذه الجماعات الدينية على صعيد فهم النص المقدّس ليس سوى " قراءة حرفية مغلقة"، حصرت نفسها بالمدلول اللغوي "الساذج"، وأشاعت " تفسيراً قمعياً للنصوص، تقبع خلفياته وقبلياته النفسية والثقافية في الصحراء والمحيط البدوي المغلق على العالم، كما وتحارب بلا هوادة القراءات التي تتخطّى المعنى السطحي، وتغور في الأعماق، مستلهمة المضامين الروحية الغنية في النص، ومستوحية رؤيته الرمزية المعنوية الجمالية، مثلما فعل العرفاء والفلاسفة والاشراقيون، وغيرهم ".( عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 199 )

ان هذا النهج في التعاطي مع النصوص المقدّسة أدّى الى حجب الوجه الحقيقي للدين الذي تجلّى لدى العديد من المستنيرين. يشدّد د. الرفاعي على ان رسالة الأديان ومقاصدها الكلية بعيدة كل البعد عن فحوى ما تقوم به الجماعات المتديّنة. فرسالة الأديان تكمن في " إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس".

يقدّم المؤلف للطبعتين الاولى والثانية من كتابه بنصين يجدر بالقارئ التوقف عندهما؛ لأنه يوضّح من خلالهما الاستراتيجية التي سيعتمدها في مقاربة موضوعه، كما انه يرسم الأهداف التي وضعها نصب عينيه عندما قرّر جمع نصوصه تحت عنوان: "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين". يمكننا تلخيص هذه الأسباب التي دفعته الى وضع هذا الكتاب بما يلي:

أولاً: تسجيل الاحتجاج على الواقع المأساوي للدين في المرحلة الراهنة.

ثانياً: نقد تزييف الدين من قبل الاسلاميين.

ثالثاً: الحرص على ابراز النزعة الإنسانية في الدين والدفاع عنها.

أما الأهداف التي يبغي العمل عليها فهي التالية:

أولاً: الدعوة الى فهم آخر للدين يخالف الى حدّ بعيد فهم الجماعات المتدينة التي فرضت تصورها الخاص بالقوة، مبرّرة استخدام العنف الديني.

ثانياً: الحث على القيام بتأويل مختلف للنصوص الدينية، من خلال العبور من المنظومة المغلقة لفهمها التقليدي نحو قراءة شاملة تأخذ بالاعتبار نظامها الرمزي.

ثالثاً: تقديم تفسير لا يختزل الدين في اطار المدونة الفقهية وحدها.

رابعاً: اكتشاف وظيفة الدين الاصلية التي تكمن في انتاج معنى لحياة الكائن البشري، ليكون الدينُ حياةٌ في أفق المعنى.

خامساً: التشديد على النزعة الإنسانية في الدين، والتوقف عند توضيح تصوره لهذه النزعة.

اما المنهج الذي اتبعه في بلوغ الهدف فيمكن تحديده بخطوات ثلاث :

أولاً: الابتعاد عن القراءة التقليدية للنصوص المقدسة عن طريق توظيف منهجيات ومفاهيم وأدوات ومعطيات المعرفة البشرية والعلوم الإنسانية لتأويل هذه النصوص في ضوء متطلبات العصر. نجده يستفيد بقوة هنا من مكتسبات الانتروبولوجيا الدينية ومنهجها الخاص في مقاربة الدين.

ثانياً: الحرص على عدم ترحيل الدين من حقله المعنوي القيمي الأخلاقي الى حقل آخر يسيطر فيه القانون على الروح، لكي لا يغدو الدين مجرّد ايديولوجية سياسية صراعية.

ثالثاً: الاهتمام بطرح الأسئلة أكثر من تثبيت الأجوبة النهائية، وفرضها على القارئ، وذلك في سبيل تنمية التفكير النقدي، وطرق باب المسكوت عنه والممنوع التفكير فيه، وعدم التوقف عن التحرّي واعادة النظر في المسلّمات، والابتعاد عن تكرار الشروح التي عّطلت برأيه التفكير الديني وسجنته في اطار الترسيمات التقليدية المغلقة . ان الاستفهام العميق في نظره يستوجب القلق المعرفي الذي يؤمّن للتفكير الشرط الضروري للابداع والديناميكية اللازمة للتطور.

يمكن عد المنهج النقدي بمثابة العصب الرئيس الذي يسيّر خطوات الباحث في كتابه هذا. فالتفكير بالنسبة اليه هو النقد، "ونقد المعرفة الدينية مقدمة لكل نقد، ولا تنطلق عجلة الاصلاح الديني الا من خلال مراجعة وتقويم وغربلة الموروث، والجرأة في استبعاد كافة المفاهيم والمقولات والعناصر العميقة والمعطلة للتحديث والبناء والتنمية الشاملة". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 13- 14)

ما الذي يقصده المؤلف بالنزعة الإنسانية للدين؟

ان التحدّث عن النزعة الإنسانية في الدين يحيلنا مباشرة الى محمد أركون الذي حاول في اكثر من موضع ان يبرز النزعة الانسية في الاسلام بخاصة في القرن الرابع الهجري، جيل مسكويه والتوحيدي وغيرهما، وذلك منذ أن أعدّ اطروحة الدكتوراه في السوربون، ونشرها في ما بعد تحت عنوان: نزعة الانسنة في الفكر العربي. كما نذكر أيضاً من مؤلفاته: "معارك من أجل الانسنة"، و"الاسلام والانسنة"، وغيرهما كثر إذ نجده يفصّل القول في نماذج انسية سطعت عبر التاريخ الاسلامي، ان في المناظرات، او المؤلفات، او الممارسات اليومية. نراه يركّز على العلاقة الوطيدة التي تربط بين زوايا ما يسمّيه بالمثلّث الانتروبولوجي: العنف، المقدّس، الحقيقة، لكي يفسّر ما يُرتكب من أعمال مدمّرة باسم الحقيقة الدينية عبر التاريخ، مستخدماً مناهج علوم الإنسان والمجتمع، بخاصة الانتروبولوجيا الدينية، ومسلّطاً الضوء على مدى انفتاح بعض المفكرين على العقلانية والتسامح وقبول الاختلاف.

يحدّد الدكتور عبد الجبار الرفاعي مفهوم "الإنسانية بالدين" في خمسة معانٍ، يمكن تلخيصها بما يلي:

المعنى الاول: الخلاص والتحرّر من "نسيان الإنسان"، والاعتراف ببشريته ومكانته في الارض. من هنا ضرورة تصويب علاقة المؤمن بربه، وتحويلها من حال الرعب الى الابتهاج بالوصال مع معشوق جميل.

المعنى الثاني: عدم التنكيل بالجسد ومحاربة طبيعة غرائزه وقمعه على حساب الايديولوجيا والفهم المبسّط للتربية الروحية.

المعنى الثالث: الدعوة الى السلام واحترام كرامة الكائن البشري، والعمل على دراسة الاديان ومقارنتها للكشف عما هو مشترك وعن منابع السلام فيها.

المعنى الرابع: التحرّر من التفسيرات التعسّفية للنصوص ومن الصور النمطية للاله، وذلك عن طريق ثلاث خطوات منهجية: استلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية التنزيهية عبر التاريخ، ومن ثم بناء الهيات عقلانية مستنيرة.ان هذا الامر سيؤدّي برأي المؤلف الى ترسيخ صورة رحمانية للاله تبرز صفاته الجمالية وأسمائه الحسنى ورحمته الواسعة.

المعنى الخامس: تحقيق المصالحة بين المتديّن ومحيطه والعصر الذي يعيش فيه عن طريق متابعة منتجات العلوم والتكنولوجيا التي تتسارع خطواتها في تبديل العالم والمحيط. ان هذا من شأنه ان يحرّك العقل ويُخرجه من حال السكون والتلقّي، ويبدّل رؤية المتديّن للحياة والكون. اذا اردنا ان نتوقف عند هذه المعاني الخمسة التي يقترحها المؤلّف لمفهوم "الإنسانية في الدين"، يمكن ان تتكشف أمامنا عمق النزعة الإنسانية التي تطبع عمق شخصه ونظرته للأمور. من البيّن انه غارقٌ في التأمّل الذي يرفع الإنسان الى قيمة راقية في حدّ ذاتها. لا يقبل بتشويه هذه القيمة او المسّ بها على حساب ازدهار بعض الاديولوجيات التي تسخّر الدين لمصالحها الخاصة. انه يعمل من الزاوية الانتروبولوجيا الدينية، والمفكر النقدي المتمرّس بالعلوم الاسلامية،  لكي يحرّر صورتين بارزتين في الفكر الديني: تحرير صورة الله وصورة الإنسان في آن معاً من التشويه الذي اصابهما. يشدّد على اهمية العقل في انتاج خطاب جديد ورؤية حديثة للعلاقة التي تربط بين الإنسان وربه. يسعى من خلال التركيز على النزعة الإنسانية في الدين إلى إظهار صورة مغايرة تماماً لما تشهده الساحات العربية الاسلامية من بثّ على موجة التطرّف والتزمّت الاعمى الذي لا يفيد الدين بشيء، انما على العكس، فهو يقوم بتشويش رسالته السامية، وتشويه وجه الله فيه. لا ينتقد ما يحدث من زاوية المفكر الملحد، ولا من وجهة المادي المتطرّف، انما من زاوية المؤمن المتحرّر والمتذوّق لجمالية الدين وتسامي رسالته الراقية.

نجد المؤلّف يفرّغ قسطاً وافراً من النقد في وجه خطاب الاسلاميين متوقفاً عبر فصول الكتاب عند ابراز حجم الأذى الذي ألحقوه بالدين وبالفكر الديني. لقد عمل هذا الخطاب على "تلويث المجال الاجتماعي العام، وتهشيم مرتكزات العيش المشترك في مجتماعاتنا"، وتبرير استخدام "انماط همجية متوحشة من العنف الديني". ينتقد المؤلّف في السياق عينه السلوك السياسي لهذه الجماعات بعد ان استلمت السلطة في بعض الدول لأنها اختزلت التنوّع الاثني والديني والمذهبي، واستخدمت الديمقراطية بشكل مصطنع لتحقيق اهداف خاصة لا أكثر، مع تجاهل الفلسفة الديمقراطية وما تتضمّنه من حريات وتداول سلمي للسطة. يعيد النظر في سلوكهم السياسي معتبراً اياه بمثابة اعادة احياء لقيم القبيلة وتشكيلاتها القديمة، وهم يعودون سنين الى الوراء مفرطين في استهلاك التاريخ.

يتحدّث المؤلف عن الالهيات الجديدة التي بإمكانها ان ترسم حدود المقدّس والدنيوي، وتكشف عن الاقنعة التي تستر ما هو دنيوي لكي تجعله مقدساً. وهي تشير ايضاً الى أن الإنسان يحتاج الى المقدّس بشكل دائم، حتى ان الحياة "لا تطاق" من دون المقدس، كما أنها لا تطاق ايضاً عندما يبتلع المقدس كل ما هو دنيوي ويخلع عليه الوشاح الديني، حارماً العقل من تجلّي ابداعاته ومكاسبه في مجالات الحياة المتعدّدة.

ان من يقرأ كتاب الرفاعي يلمس عن قرب الهمّ الذي يشغل فكره. انه على مدى فصول الكتاب لا ينفكّ يبرز الوجه المشرق للدين خلافاً لما يظهره الخطاب السلفي والممارسات الضيّقة لمن يتبنّى هذا الخطاب، كما ويبرز الحاجة الملحّة والمتزايدة اليوم أكثر من أي وقت مضى للفكر النقدي المنفتح على المعرفة وتجربة الآخر، في آن معاً. انه في تشديده على الوجوه النيرة التي أضاءت تاريخ الفكر الاسلامي بالفكر النقدي المتجدّد والمتحرّر من القيود الضيقة التي تسجن الفكر في إطار ايديولوجي ضيّق، يريد ان يلفت الانتباه الى ما يخالف مضمون الخطاب السلفي الطاغي اليوم، والذي يقتحم الشاشات ومختلف وسائل الاعلام بشكل واسع.

أردنا من خلال هذا البحث ان نسلّط الضوء على مفهوم الرفاعي الخاص بالدين والنزعة الإنسانية فيه، اعتقاداً منا بأن في ذلك إضاءة على نموذج من الخطاب الاسلامي المعاصر المناهض للتقوقع والتعصّب وتكفير المختلف، والذي نحتاج اليه اليوم بقوة. من هنا اخترنا أن نتوقف عند فصلين من الكتاب هما: "الدين هو الذي يمنح الكائن البشري معنى لحياته وسلوكه"، و"الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين"، وذلك من باب الإضاءة على المفاصل النقدية الرئيسة في فكر الرفاعي.

الدينُ حياةٌ في أفق المعنى عند عبدالجبار الرفاعي:

 يتناول في الفصل الأول معنى المقدّس ويميّزه عن الدين كخطوة أولى، ثم يتوقف عند مفهوم الدين ودوره في حياة المؤمن كما في المجتمع من خلال حوار مع علي السومري نُشر في صحيفة الصباح العراقية. أما في الفصل الحادي عشر فنجده يبحث في مسألة التأليف في الاخلاق في الفكر العربي طارحاً علاقة الإنسان بالتديّن ومفصلاً القول في  ضرورة "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين".

يبدأ الفصل الأول بالبحث في مفهوم المقدّس، فيرى المؤلف انه يتسع لأكثر من معنى، بسبب ارتباطه بشبكة واسعة من العلاقات المفاهيمية، وبنظام من المراجع والأحكام القيمية. ويستعرض من ثم مختلف المعاني التي يشير اليها هذا مفهوم، (مثل المتعالي، وما يرتبط بالدين،... ألخ)، وما يقابله من مفاهيم (مثل دنيوي، ومدنّس، عادي، ورجس،... ألخ). ثم يميّز بين المقدس والديني شارحاً أن مجال المقدس اوسع على صعيد التداول بوصفه مرتبطاً بطبيعة المجتمعات وحدوده فيها. يرى ان كل شيء يُمنح بُعداً قيمياً يتجاوز الوجود البشري، يمكن النظر اليه كمقدس على نحوٍ ما، لأن الإنسان يصنع مقدّساته، وهي ليست وليدة الصدفة. بمعنى آخر، "إن تكوين أية فكرة عن ما هو "مقدس" إنما يخضع لفهم الإنسان ونظرته الى وجوده ووجود العالم الذي يحيا فيه. من هنا نجد ان أشكال المقدس وتمثلاته قد تتنوّع وتتعدّد لدى الإنسان تبعاً لثقافته حتى انها تخرج عن المسألة الدينية التي تبدو للوهلة الاولى انها الميدان الحصري له فقط". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص17)

ان هذه النظرة للمقدس مشبعة بالانفتاح على عالَم الانتروبولوجيا الرحب، ومتحرّرة من الاطار المرسوم مسبقاً لهذا المفهوم لتغوص به في العمق. فالمقدس ليس محصوراً فقط بما يحدّده الدين، انما بات مرتبطاً بما يراه الإنسان ايضاً. هنا تبدو جلية النزعة الإنسانية التي توجه التحرّي المعرفي لدى الرفاعي. بيّن كم إن عمل الإنسان وهمومه الفكرية لها الأثر الكبير في تحديد المفاهيم، ومن بينها مفهوم المقدس.

يرى ان فضاء المقدس رحبٌ، مفتوحٌ على اللامتناهي، لا يمكن حصره بمجال ضيّق الافق، اذ أنه يرتبط بتنوّع الثقافات والمجتمعات والازمنة." فكل شيء سواء كان انساناً أو كائناً آخر أو زماناً أو مكاناً، يمكن أن يغدو مقدساً في اطار مشروطية معينة. من خلال انتروبولوجيا الدين، وسوسيولوجيا الدين، وعلم نفس الدين، والهرمنوطيقا، بوسعنا أن نتعرّف على تجلّيات المقدس وتعبيراته وطبقاته ونفوذه وعوالمه ومجالاته". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص18)

يبدو هنا واضحاً كم أن هذه النظرة للمقدّس منفتحة وواسعة، تفسح المجال أمام المزيد من الغوص في أعماق التجربة البشرية وعدم حصرها ببعد واحد من دون سواه. يتجلّى في هذا النهج المنحى الإنساني في الدين، وتسقط من ثم مبررات استخدام العنف واستبعاد الآخر ورميه في دائرة الكفر والهرطقة، لمجرّد انه خالف الرؤية الاحادية للمقدّس. نلحظ ان المؤلف يتناول موضوع الفصل بين المقدس والمدنس من الناحية الانتروبولوجية، فنجد ان مقاربته موقعة بختم الانتروبولوجيا الدينية، وسوسيولوجيا الدين أكثر مما هي دينية بحتة. نجده يتحدث عن الدين وعن وظيفته في المجتمع من وجهة علوم الإنسان والمجتمع، وفي ذلك دليل واضح على انفتاح فكر الرفاعي وسعة افقه.

يتوقّف المؤلّف عند دراسة معنى الدين انطلاقاً من وظائفه لكي يبحث في الحاجة اليه، إذ يعتبر ان الاشياء يمكن ان تُعرّف بوظائفها. يحدّد الرفاعي وظيفة الدين بعملية "انتاج المعنى". الإنسان بطبعه قلق يبحث في الماوراء عن معنى لما يحدث من حوله، لما يشاهده من ابداعات وما يعيشه من أحداث. فالدين "يضيء ما هو مظلم في حياتنا، ويكشف عن الجمال في الأشياء، ويثري الروح والأخلاق، ولا يقتصر على كشف جمال الأشياء...".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

 ملفتٌ هذا التحديد لمهمّة الدين وربطها بالجمال، وكأن المؤلّف يغوص في عمق الإنسان فيراه قلقاً يبحث عن الجمال، فإذا بالدين يقوم بالمهمّة ويؤدّي المطلوب. ان في هذه الوظيفة دعماً لحياة المؤمن لكي يتمكّن من تحمّل الصعاب، والصبر في أزمنة الشدّة. يستطيع المؤمن في نظره أن يرى جمال الاشياء فينظر اليها " متناسقة مع عناصر الكون ونظامه، لترتسم معه لوحة مشرقة". كذلك يعد نمط إنتاج الدين  نمطا روحيا، مرتبطا بالمعنى، بتعبير آخر، يخلع الدين " معنى لا يمكن أن تمنحه الوسائل والأدوات الأخرى التي يمتلكها الإنسان، ويتنوّع هذا المعنى بحسب تنوّع الظروف والأحوال، واستعداد الأشخاص الروحي، ومستوى اطلاعهم على الفكر الديني، ووعيهم الحياتي وثقافتهم". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص19)

يربط هنا بشكل واضح بين وظيفة الدين ومستوى وعي الافراد وثقافتهم. بتعبير آخر، ان المعنى الذي يمكن للدين أن يضفيه على حياة البشر يتعلّق بشكل مباشر برؤية هؤلا للوجود البشري، لحدود هذا الوجود وإمكاناته. من هنا يأتي دور الوعي البشري في انتاج المعنى وخلع القدسية على الاشياء. مرة أخرى تنجلي في هذا السياق النزعة الإنسانية ليس للدين فحسب، انما النزعة الإنسانية عند المؤلف عينه. انه يحاول أن يبرز بوضوح الدور البشري في عملية البحث عن المعنى، أي بتعبير آخر، انه يسلّط الضوء على المنحى الإنساني في وظيفة الدين. هذا ما تركّز عليه أيضاً الانتوبولرجيا الدينية في سياق بحثها عن الحس الديني وتجلياته في المجتمعات البدائية عبر التاريخ.

لكن يبقى السؤال عن الحاجة الى المعنى؟ ما أصلها؟ وما هو دورها بالتحديد؟

يلحظ المؤلّف ان العديد من التيارات الفلسفية المعاصرة حصرت مهمّة الفلسفة بالبحث عن معنى الحياة والوجود والعالم. وفي المقابل نجد ان وظيفة الدين تكمن في انتاج المعنى، لذا نراه يعتبر ان هذه المهمّة من " أخطر المهمّات في الحياة، وفي العالم الذي نعيش فيه". ومن ثم يضيف قائلاً:" يقدّم الدين جهازَي تفسير وتأويل، وهو على ما يبدو النظام العلاماتي الوحيد الذي يولّد المعنى، ويقوم على تفسيره وتأويله. على عكس الأنظمة الأخرى التي تترك " للمستسلم/ المتلقّي/ المستمع/ القارئ" حرية فهم المعنى، وتحليله، وتفسيره وتأويله". كما أن الدين يخترق مجال الخيال، فيشكّله ويصوغه ويعيد تكوينه،(...). ويذهب بعض المفكرين الى أن معركة المستقبل يحسمها من يستطيع السيطرة على مجال الخيال". (عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص 21)

ان في هذا النص معانٍ تستوجب التوقف عندها.يقارن المؤلف هنا بين الدين الذي يولّد المعنى وباقي الأنظمة الأخرى التي تقوم بالوظيفة عينها. فالدين يقوم بتوليد المعنى من دون أن يترك الحرية للمتلقّي بأن يقوم بعملية التفسير والتأويل، انما يحصرها بنفسه على عكس الانظمة الأخرى المولّدة للمعنى، ويقوم بكل ذلك مستخدماً الرموز والطقوس كوسيلة فعّالة في هذا المجال. ويضيف أن الدين يتمكّن من اختراق الخيال فيعيد تشكيله وإنتاجه من جديد، أي يسيطر عليه بالكامل، فيصبح المؤمن راضخاً لمقولات الدين، وللمعاني التي يسبغها على الأشياء، من دون اي تساؤل او مراجعة موضوعية. ويشير المؤلف في هذا السياق الى غنى الدين بالرموز التي تخترق حياة المؤمن بتفاصيلها اليومية الدقيقة، مما يفيض على المؤمن سيلاً من المعاني لا ينضب.(تابع ص22)

ان هذا الامر يدفع الكاتب الى التوقّف عند الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين، باحثاً عما يمكن تسليط الضوء عليه من أجل إبراز مفهوم مختلف للتديّن، يركّز فيه على المحبة والرحمة والتراحم. من هنا يمكن أن ننتقل الى الفصل الحادي عشر من كتاب المؤلف.

التديّن والأخلاق:

ان من يتتبّع مسار الكتاب يعثر على بعض التكرار الذي يبرّره المؤلّف منذ المقدمة، كون المضمون هو عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات ومقابلات سابقة أراد جمعها في صفحات تحمل عنواناً واحداً، لما في هذه النصوص من ترابط، يوحّدها همٌّ معرفيٌ رابضٌ على قلب الرفاعي وعقله. لذلك لن نقوم بعرض مختلف ما ورد في الفصل الحادي عشر من الكتاب، لأن فيه بعض التكرار لمفهوم الدين ووظيفته والحاجة اليه، والتركيز على أن الإنسان كائن متديّن قلق يبحث بطبيعته عن معنى للأشياء والأحداث والكون...سنعمل في هذه الفقرة على إبراز الخط الذي يربط برأينا بين مختلف فصول الكتاب، محاولين استخراج الاهداف التي من أجلها وضع الرفاعي كتابه هذا.

من هنا يمكن أن نسأل لماذا كل هذا الكلام على الدين، وأهميته، والحاجة اليه، والاصرار على عدم التخلّي عنه؟

لماذا التركيز على ابراز النزعة الإنسانية في الدين؟ ومن بعد التركيز عليها، يتمّ الكلام على إنقاذها. إنقاذها ممن تحديداً؟

ان ما سنقوم به تالياً ينحصر في الاجابة على هذه الاسئلة الثلاث، من خلال قراءتنا للفصل الحادي عشر.

تتضمّن فصول الكتاب بمجملها تركيزاً على اهمية الدين في المجتمع والتاريخ وعلى الحاجة الأنطولوجية اليه من اجل تسكين القلق المعرفي والوجودي الذي يضرب عمق الوعي البشري منذ أقدم العصور. اذا توقفنا عند الموضوع الذي اختاره عبد الجبار ليبدأ به فقرة: تدين ضدّ الدين، في الفصل الحادي عشر، يمكن أن تتكشّف لنا الحقيقة التالية: كون مفكرنا عراقياً، ينتمي الى معاناة هزّت ضمير البشرية في نهايات القرن السابق، وما زالت فصولها مشتعلة، تُلقي بحممها ملطِّخةً رقيّ التجربة الدينية وجمالها وطهارتها في هذا البلد العريق كما في بلدان أخرى مجاورة، كونه عراقياً اذا، قد جعله يعيش اختباراً مريراً ومدمّراً لكثير من الثوابت الراسخة في الذهن كما في القلب.كونه عراقياً مخضرماً، عايش واختبر عمق الألم وقساوة المعاناة، جعله يزجّ بنفسه في متاهات الأسئلة المقلقة، والموجعة التي تضع الإنسان في مواجهة مع ما كان ينظر اليه على انه صواب او خطأ.كونه عراقياً يشهد كل يوم أحداثاً تهزّ الكيان وتقلبه رأساً على عقب، أجبره على ان يطرح السؤال حول حقيقة التديّن واستثمار الدين في السياسة، وانزال التجربة الروحية وإقحامها في الصراعات الضيقة المبنية على سياسات لا دخل لها بالماوراء، ولا بذلك العطش الذي ينهش أعماق الكائن البشري ليدفع به نحو ينابيع المطلق.

الحدث الجلل، مشهدٌ شبه يومي، يتكرّر بسيناريوهات مختلفة، انه هذه المرة، تفجير سيارتين مفخختين عند بوابة الجامعة المستنصرية في بغداد عام 2006. وناقل الخبر ليست وسائل الاعلام المتأهبة لتغطية شراسة البشر على الارض، انما هو شاهدٌ من أهل البيت، من طلبة المعرفة والعلم الذين انتفضوا في وجه الجهل والتعصّب والغوغائية، انه محمد حسين ابن المؤلف الذي صادف دخوله الى الجامعة لحظة الانفجار.

ان هذا الحدث، كما غيره مما عاشته عائلة الرفاعي وغيرها من العراقيين، كان له الاثر الواضح في عمل الكاتب على تنقية صورة الدين من التديّن الأعمى والغارق في التقوقع والتعصّب ونفي الآخر والاطاحة به لمجرّد انه تجرّأ وركب موجة الاختلاف او الخروج عن الخطاب السائد. ان " انقاذ النزعة الإنسانية في الدين" صرخة في وجه العنف، وصفعة على خدّ التطرّف، وتفجير لحجج الجماعات السلفية الواهية، ومحاولة اظهارها في المقلب الآخر من التجربة الدينية حيث لا رحمة ولا محبة ولا شفقة ولا أخلاق...لقد شوّه هؤلاء التديّن وحوّلوه إلى بؤرة موبوءة بالعنف والتخلّف تبتلع البشر كما الحجر وتحوّل الابداع الفكري والحضاري الى مجرّد ركام. انه تدمير للذات وتلذّذ مرضي بما يحصل.

يستشهد المؤلّف في هذا السياق بالدكتور محمد طالبي معلناً : " ان العنف هو الذي قتل الحضارة الاسلامية ". ويشدّد على تأكيد هذا الواقع من خلال قراءة تاريخية لما جرى ويجري في يوميات شعوب عديدة. في صدد تحليله لخطاب الجماعات السلفية التي تبرّر العنف وتدعو اليه عن طريق غسل الادمغة بمساحيق الوهم والتصورات الخيالية، يرى الرفاعي ان هناك علامة فارقة تميّز هذا الخطاب يمكن تحديدها بما يلي: التشديد على  "ضرورة تبنّي آراء السلف ومواقفهم بتمامها، وهروبها دائماً الى الماضي، وارتيابها من كل ما من شأنه أن يطلّ على المستقبل، أو يتعاطى مع الواقع بعقلانية نقدية مستنيرة، وسعيها المتواصل لتبجيل الذات، وعدم الكفّ عن امتداحها، واصطناع صورة رومنسية مثالية لها(...) فيما تصنع صورة للآخر ليست بريئة، يصبح فيها كل ما يمتّ اليه من معارف ورؤى ومفاهيم وقيم...وغير ذلك، رجساً مدنساً، تجب مناهضته(...). وتفنّن هذه الجماعات في تجييش المهمّشين والمحرومين، وتتخذهم مادة لبناء ثقافة خاصة بالانتحار وتمجيد الموت، يكون أحد روافدها صورة الآخر المشوهة، التي تصير منبعاً لكراهيته، والغضب المتّقد عليه ". ( عبد الجبار الرفاعي،المصدر السابق، ص200)

ان هذا النص يبرز بوضوح التناقض الذي يقوم عليه الخطاب السلفي، ومقدرته على التلاعب بوعي المحرومين والمستضعفين وغيرهم ممن زاغ بصرهم عن الحق والمنطق. ينصبّ جهد المؤلف على دحض هذا الخطاب، ورأب الصدع الذي خلّفه في الوعي من خلال العمل على إظهار النزعة الإنسانية في الدين بعامة والاسلام بخاصة. انه اعلن حرباً شرسة ضدّ التطرّف والانغلاق، مواجهاً العنف بالنظر الى مواضع الرحمة في الدين عن طريق مناقضة ما يسمّيه بـ "القراءة الفاشية للنصوص"، هذه القراءة التي تولّد جماعات تسير ملتحفة بأكفانها نحو مصيرها المحتوم.

انه يدعو الى القيام بنهضة معرفية هامة يمكن تلخيصها في الخطوات الآتية:

- مراجعة نقدية للتاريخ

- قراءة تحليلية للنصوص

- تقويم الموروث من منظور مختلف

- الابتعاد عن الرؤية الاحادية والذهنية المغلقة

- محاولة استيعاب القيم الإنسانية المنفتحة

- الخروج من الالهيات التقليدية نحو بناء الهيات عقلية مستنيرة

- طرح تساؤلات جديدة تفضي الى التحرر من الصورة النمطية للاله

ان هذه الخطوات تشكّل بحد ذاتها مشروعاً فكرياً ذا مسار نقدي منفتح على المعرفة. انه يحمل في طياته رؤية تنويرية عقلانية مبنية على الانفتاح، والتحرّر من الافق الضيق، والخروج من سجون الماضي، والتوجّه نحو ثقافة الرحمة والاخلاق في التعاطي مع الآخر، ومع التعدد والاختلاف.

من هنا نجد مفكرنا يسلّط الضوء على التجربة العرفانية التي عرفها تاريخ الفكر الاسلامي. انها تجربة تستحق فعلا التوقف عندها ملياً في هذا الزمن تحديداً لما فيها من رقي في الاخلاق، وانفتاح في النظر الى الله والوجود والآخر. يستعرض في سياق هذا الفصل اسماء عدّة سطعت في سماء التصوف ليشير الى تجلّي النزعة الإنسانية في الدين والتديّن، مطالباً بإنقاذها من الخطاب المدمّر المستفحل في كل مكان. ان ما يقوم به الرفاعي محاولة راقية لإنقاذ الدين من دون استخدام العنف، فينقض بذلك كل الحجج الواهية التي تدعو الى استباحة دم الآخرين وإراقته في سبيل تحصيل حقوق السماء.

ان توقفه عند ابن عربي، والبسطامي، ورابعة العدوية، وجلال الدين الرومي، وغيرهم هدفه وضع الأصبع ليس على الجرح انما على النزعة الإنسانية في الدين التي من شأنها أن تلحم الجرح وتداوي آلامه المريرة. ان الاشارة الى المتصوفة لا تعني الالتزام بكل مبادئهم وسلوكياتهم، اذ ان انقاذ النزعة الإنسانية في الدين تتطلب حالة متوازنة تؤسّس على الإنسجام بين متطلبات الجسد وتنمية الروح في آن معاً، وعلى نحو متصالح مع العالم. ان التناغم مع ايقاع الكون والغوص في الانتماء الى الوجود أمران ضروريان للمحافظة على النزعة الإنسانية للدين. فالإنسان في النهاية كائن طبيعي منخرط في العالم ومجبول من عناصره، من دون التغاضي عن بعده الوجودي كما الفكري والروحي.

يبدو انطلاقاً مما سبق مسارُ الرفاعي واضحاً في كتابه هذا: البداية مع الخطوة الاولى في تحديد مفهوم الدين، والنظر في الحاجة اليه من خلال التحدّث عن وظيفته، وابراز قيمته الإنسانية الراقية، وذلك نقضاً ودحضاً لما خلّفه الخطاب السلفيّ من كوارث على الصعيد الاجتماعي كما السياسي والديني والمعنوي، لتأتي الخطوة التالية التي تكمن في التركيز على نماذج من الخطاب العرفاني والاخلاقي الذي أضاء التاريخ بإنتاجه، لكن تمّ تهميشه واستبعاده. الاستنتاج الاساس الذي يمكن الخروج به بعد قراءة الكتاب هو الدعوة الى بناء الهيات جديدة اكثر عقلانية، وانسانية، الهياتٍ متحرّرة من قيود "القراءة الفاشية" وما خلفته من ركام حولها.

نختم بهذه الخلاصة التي ينهي بها الكاتب الفصل الحادي عشر لما فيها من جدية وغنى وعمق في كيفية التعاطي مع مسألة التديّن: " ان السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن انما يتحقق عبر انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، واضاءة أبعاده الاخلاقية والمعنوية والرمزية والجمالية، وتطهير التدين من كافة اشكال الكراهية والاكراهات".(عبد الجبار الرفاعي، المصدر السابق، ص210)

يبقى لنا ان نعمل مع المؤلف في سبيل تعزيز اخلاقيات المحبة، وتدريب المشاعر على القيم النبيلة، والسعي وراء اكتشاف الطاقة الاجابية في العالم والتواصل معها. ولتحقيق كل هذا المشروع الفكري الراقي والنبيل علينا، على حدّ تعبير الرفاعي "استلهام صفات الرحمة والمحبة والسلام ونحوها من الرحمن ".

 

د. نايلة أبي نادر 

أكاديمية وباحثة لبنانية، أستاذة الفلسفة في الجامعة اللبنانية.

.......................

* صدر هذا الكتاب سنة 2010، وتكررت طباعته ثلاث مرات، صدرت الأخيرة عن دار التنوير في بيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، بعنوان: "الدين والنزعة الإنسانية"، وهي معدلة ومزيدة ومنقّحة، سنة 2018. والمعتمدة هنا هي الطبعة الأولى من الكتاب.

 

 

ميثم الجنابيتقديم: إن هذه السلسلة من المقالات، التي بدأتها بالتعريف على شخصية دانيليفسكي وكتابه (روسيا وأروبا) كانت في بداية الأمر مشروعا لأحد فصول كتابي عن أثر فلسفة التاريخ في بلورة العقائد السياسية على ممر التاريخ. ومن خلاله كنت اسعى للكشف عن حقيقة واقعية ورؤية مستقبلية تتعلق بالعالم العربي المعاصر وفكرته السياسية المستقبلية. ومن ثم الكشف عن أن غياب التأسيس الفلسفي للفكرة السياسية كان وما يزال احد الأسباب الجوهرية في خلل النظام السياسي والأحزاب والحركات الاجتماعية. وذلك لأنه ابقى عليها جميعا عميان بتصوراتهم وأحلامهم وأوهامهم الأيديولوجية. ولا يذلل هذا الخلل سوى فلسفة التاريخ النظرية والعملية، أي تلك التي تكتشف "قوانين" التاريخ وتؤسس لكيفية البدائل انطلاقا من تاريخها الذاتي.

فالتاريخ هنا ليس الماضي ولا حتى الحاضر، بل هو مضمون الرؤية المستقبلية. وقد كان ذلك على الدوام الحافر الباطني العميق لفلسفات التاريخ الكبرى. وقد انجزت هذا العمل ودفعته للنشر وسوف يصدر قريبا تحت عنوان (بوابة التاريخ الأبدي).

وقد كانت فلسفة دانيليفسكي احد فصوله الأخيرة. وقبله تناولت بالتحليل والدراسة الخاصة بهذا الجانب كل من فلسفة اوغسطين وابن خلدون وميكيافيلي وهيغل وماركس، واختتمته بفلسفتي عن التاريخ والحضارة والمستقبل كما وضعت صيغتها الأولية المختصرة في كتابي (فلسفة البدائل الثقافية). أما صيغتها الكاملة فسوف تظهر في كتابي (فلسفة البدائل المستقبلية)، الذي يحتوي على عدد من المجلدات. 

لقد كان وما يزال دانيليفسكي شبه مجهول على النطاق العالمي بما في ذلك في روسيا! وهذه من مفارقات التاريخ والفكر والفلسفة أيضا. ولم يكن ذلك معزولا عن تعرج التاريخ السياسي الروسي وحنق التيار الغربي (الأوربي – الليبرالي) الروسي بمختلف فرقه في عدائه الغريزي تجاه ما وضعه دانيليفسكي في كتابه (روسيا وأوربا)، بما في ذلك من جانب التيارات الاجتماعية (الاشتراكية) الديمقراطية الروسية والشيوعية لاحقا.

وقد ادخلته أنا في برنامج المحاضرات الرسمية التي القيها لطلبة الفلسفة حول تاريخ ونظرية الثقافة والحضارات العالمية. إذ لم يسمع الطالب الروسي باسمه. وبعد التعرف عليه يأخذ الحماس الكثير منهم، بما في ذلك في مواقفهم النقدية من بعض أفكاره. بمعنى انه مثير للتفكير الفلسفي والعقل النقدي. وذلك لأن القضايا التي أثارها قبل أكثر من قرن من الزمن مازال الكثير منها فاعلا في الوعي السياسي والثقافي وطبيعة الصراع بين روسيا وأوربا. والآراء التي وضعها دانيليفسكي هنا ذات قيمة عالمية وليس روسية فقط. من هنا ضرورة إطلاع الثقافة العربية المعاصرة عليه. ودفعني ذلك لاحقا، بعد أن كتبت الفصل المتعلق به ضمن كتابي (بوابة التاريخ الأبدي) إلى ترجمة عمله (الأبواب الفلسفية النظرية الأساسية) وتقديم دراسة واسعة عنه وتدقيق ما في الكتاب مع الشروح والتعليقات الوافية. وسوف يصدر هذا الكتاب أيضا قريبا تحت عنوان (روسيا وأوربا. فلسفة الأمة الثقافية).

***

يبدأ دانيليفسكي في الفصل الثاني من كتابه (روسيا وأوربا)، أي في البداية النظرية للكتاب بعبارة أحد الأوربيين الذين خاطبه بما يلي:"انظر إلى الخارطة! هل يمكننا يا ترى أن نشعر بالأمان والاطمئنان مما تشكله روسيا من قوة ضاغطة علينا بحجمها كما لو أنها سحابة فوق رؤوسنا أو كابوس رهيب يجثم علينا؟". وينتهي كتابه بأبيات شعرية من احدى قصائد خومياكوف، التي تصور النهر الفائض وزرقة السماء الصافية والمروج الخضراء وهرولة الناس العطشى، أي الصورة المثالية والحالمة عن الدور التاريخي الثقافي والروحي لروسيا ممثلة الأرثوذوكسية الصادقة و"روما الثالثة" أو فاتيكان الروح النصراني الخالص في سعيه لخلاص البشرية عبر تحويل مجرى روافدها في الصيرورة الثقافية الروحية الجديدة.

غير أن دانيليفسكي حوّل هذه الصورة البلاغية والرمزية وحصرها ضمن مهمة التجميع الثقافي السياسي للشعوب السلافية حول بؤرتها الروسية، بوصفها القوة الصاعدة تاريخيا والمؤهلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا لتأمين الاستقلال الفعلي للجميع في وحدة سلافية متماسكة. ومن خلالها صنع التوازن الضروري سواء في مواجهتها للغرب الأوربي الجرماني- الرومي (اللاتيني) أو توازنها الداخلي.

لقد اكتشف دانيليفسكي ما يمكن دعوته بالحلم التاريخي والمستقبلي لروسيا والعالم السلافي. انه اكتشف إحدى الحقائق الجوهرية في مجرى التطور التاريخي للأمم وحضاراتها من خلال المعرفة العلمية بالظواهر الطبيعية الحية، والمعاينة والمعايشة والدراية السياسية، والحدس المعرفي "لقوانين" الصيرورة التاريخية عما اسماه بالنمط التاريخي الثقافي، أي الحضارة وثقافتها. ولا يغير من هذه الحقيقة شيئا كونه لم يكن واسع المعرفة المعمقة بتاريخ الحضارات وثقافتها.

كان دانيليفسكي واضحا وبسيطا وعميقا بقدر واحد. فمعارفه في مجال التاريخ الثقافي للحضارات والأمم محدودة ومحصورة أساسا بالتاريخ الروسي والسلافي العام وأوربا. بينما العوالم الأخرى كانت أقرب ما تكون إلى صدى الأنغام النائية. من هنا نرى دقة ما يقوله عن العالم الروسي والسلافي والأوربي، لكننا لا نعثر على أي شيء جدي وعميق عن الأنماط التاريخية الثقافية التي يضعها في قائمة الحضارات الكبرى (الصينية والهندية والمصرية والبابلية والعبرية والفارسية واليونانية والرومية والعربية)1، على خلاف ما سنراه لاحقا عند اوسفالد شبنغلر رغم ضعف وعدم دقة الكثير من مقارناته واستنتاجاته ورموزه الثقافية، أو عند ارنولد توينبي. الأمر الذي يشير إلى انه أدرجها ضمن ما هو سائد آنذاك من معرفة عامة وأولية في الثقافة الأوربية والروسية أيضا عن هذه الحضارات.

وفيما لو جرى إهمال الأبعاد الدينية واللاهوتية في هذه المواقف، فإن مضمونها التاريخي الفعلي يقوم في الجهود النظرية لدانيليفسكي لكي تكون مطابقة مع حقيقة المسار العام والخاص للتاريخ الروسي، بوصفه جنين الفتوة الصاعدة للروح السلافي الخالص. بمعنى لعب الدور الذي مثلته العروبة الثقافية في جمع الشعوب والأقوام والأمم الإسلامية. وبغض النظر عن الفارق الجوهري بين جمع قبائل وأقوام من أرومة واحدة، وبين ما قام به العرب من تنشيط الكينونة الثقافية للجميع في كائن إسلامي موحد. بحيث تحول إبداع أقوامه وشعوبه وأممه إلى روافد صبت في بحرها الثقافي الهائج بقدر، والساكن بقدر2.  

إن المأثرة التاريخية والنظرية والسياسية لدانيليفسكي تقوم في تحويله أوهام التيار السلافي والقومي الروسي إلى أحلام اليقظة السياسية. كما انه جعل من التيار السلافي الإثني والهلامي تيارا سلافيا سياسيا ثقافيا. واستطاع تحويل العقيدة الدينية الأيديولوجية إلى عقيدة ثقافية سياسية. ومن ثم نقل التبشيرية الدينية الكاثوليكية – الارثوذكسية - البيزنطية وشعارها "موسكو روما الثالثة" إلى تبشيرية سياسية إثنية ثقافية شعارها "موسكو مركز الإتحاد السلافي" وليس العالمي. ووضع لهذا التحول الكبير والجوهري في الوعي السياسي الروسي ووعيه الذاتي أساسه الفلسفي في فكرة النمط التاريخي الثقافي.

فلسفة النمط التاريخي الثقافي

تعادل فكرة النمط التاريخي الثقافي معنى الرؤية الفلسفية للتاريخ الثقافي والسياسي للأمم في بناء حضاراتها الخاصة. كما أنها مبنية على أساس تأمل التجربة التاريخية السياسية والثقافية لروسيا. ومن خلالها حاول رؤية الاحتمال الواقعي والممكن في بناء هذا النمط بالشكل الذي يدرج فيه كل أقوام العالم السلافي. وقد حدد دانيليفسكي نفسه هذه المهمة من خلال ربط الاستنتاجات العامة أو قوانين التطور التاريخي الناشئة عن تعميم ظواهرها، وفقاً للأنماط التاريخية الثقافية. بمعنى، إن هذه الأنماط وكلّ منها لحاله تشكل مضمون الرؤية العامة والخاصة للتاريخ القومي وفي نفس الوقت هي مرجعية للنظر والعمل. وحصر دانيليفسكي هذه القوانين بخمسة هي على التوالي من حيث التصنيف والأولوية.

القانون الأول: ويؤكد على صيرورة الدولة القومية ووحدتها السياسية والإثنية، والتي تعادل بالمعنى التاريخي الخروج من مرحلة الطفولة. وكتب بهذا الصدد يقول بأن أية مجاميع قبلية أو عائلة من الشعوب تتميز بلغة واحدة أو مجموعة من اللغات المتقاربة، يمكنها أن تكوّن نمطا تاريخيا ثقافيًا متميزًا، خصوصا إذا كانت من حيث أجنتها الروحية قادرة على التطور التاريخي والخروج من مرحلة الطفولة.

القانون الثاني: ويؤكد على ضرورة الاستقلال السياسي. وحدد ذلك بفكرة تقول، بأنه لكي تنشأ وتتطور حضارة متميزة لنمط تاريخي ثقافي، فمن الضروري أن تتمتع الشعوب التي تنتمي لهذه الحضارة بالاستقلال السياسي.

القانون الثالث: إن بداية الوجود الحضاري (الدولتي والسياسي واستكماله الثقافي) لا يمكنها أن تكون نسخة أو نقل تقليدي صرف لمن سبقها أو يعاصرها. وحسب عبارته، ينبغي أن يكون لها طابعها الذاتي والتلقائي الخاص. وأن البدايات المميزة لحضارة من نمط تاريخي ثقافي خاص لا يمكن نقلها إلى شعوب أخرى. وذلك لأن كل نمط منها هو نتاج نفسه، لكنه يتأثر بهذا القدر أو ذاك بالحضارات الغريبة عليه سواء السابقة منها أو المعاصرة لوجوده.

القانون الرابع: إن الحضارة الخاصة لكل نمط تاريخي ثقافي لا تبلغ غايتها وتكاملها ما لم تشكل اتحادا فدراليا لمكوناتها. فالحضارة الخاصة بكل نمط تاريخي ثقافي، كما يقول دانيليفسكي، لا تبلغ حالة الامتلاء والتنوع والغنى من حيث مكوناتها الإثنية إلا حالما تشكل اتحادًا (فيدراليا) أو نظامًا سياسيًا للدولة يحتوي على كيانات سياسية كانت تتمتع بقدر تام من الاستقلال. ذلك يعني إن الثقافة أو الحضارة بالنسبة له هي نتاج مكون إمبراطوري كبير. وأن هذا القانون أقرب ما يكون إلى فكرة سياسية عملية ومستقبلية تتعلق بمشروع بناء الحضارة الخاصة أكثر مما هو قانون بالمعنى الدقيق للكلمة.

القانون الخامس: ويقول، بأن المسار الحضاري للأمم هو مسار طبيعي. البداية طويلة ومعقدة، بينما النهاية مثمرة وسريعة. فمسار التطور الملازم للأنماط التاريخية الثقافية، كما يقول دانيليفسكي، يشبه تطور النباتات المثمرة المعمرّة، التي عادة ما تكون فترة نموها طويلة جدا، بينما فترة الإزهار والإثمار قصيرة نسبيا وتستنفد حيويتها مرة واحدة وإلى الأبد.

وإذا كان القانون الأول والثاني (صيرورة الدولة القومية ووحدتها السياسية والإثنية، وضرورة الاستقلال السياسي) لا يتطلبان تفسيرات كبيرة، كما يقول دانيليفسكي، فلأنه لا مجال للشك فيهما. ومن بين الأنماط التاريخية الثقافية العشرة، التي يشكل تطورها مضمون التاريخ العالمي، حسب نظرته، ثلاثة منها تنتمي إلى قبائل السلالة أو العرق السامي. وكل فرع منها يتميز بإحدى اللغات الثلاث للمجموعة السامية وهي كل من الكلدانية والعبرية والعربية3، ولكل منها حضارته المتميزة. بينما تنقسم مجموعة اللغات الآرية، كما هو معروف، إلى سبع عائلات لغوية رئيسية وهي كل من السنسكريتية، والإيرانية، والهيلينية، واللاتينية، والكلتية، والجرمانية، والسلافية. ومن بين هذه العائلات السبع هناك خمس منها من كانت لها أنماط تاريخية ثقافية ومن ثم حضارتها الخاصة، وهي كل من الهندية والفارسية واليونانية والرومية (الإيطالية) والجرمانية. أما الكلتيون فإنهم الوحيدون الذين لم يصنعوا كيانا مستقلا. وذلك بسبب اختلاطهم مع العناصر المتحللة للحضارة الرومية والجرمانية. حيث تحولت إلى جزء أو إلى مواد إثنية في مكونات النمط التاريخي الثقافي الجرماني الرومي.(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

1- لا توجد في الواقع حضارة عبرية. بل يمكننا الحديث عن ثقافة عبرية يهودية فقط. بمعنى أنها جزئية وضيقة ومحدودة المجالات والميادين. فالحضارة من وجهة نظري تنشأ أولا عند الأمم الكبرى وليس عند الأقوام الصغيرة، أو عند الأقوام "الصغيرة" التي تتحول في مجرى صيرورة الدولة إلى قوة إمبراطورية بالمعنى الدولتي والسياسي والعسكري والثقافي، أي حالما يتحول القوم "الصغير" إلى بؤرة الوجود الإمبراطوري الكبير. وثانيا، حالما تبدع مرجعيات "كونية" أو ماوراطبيعية في تعاملها مع النفس والآخرين. ويستحيل بلوغ هذين الجانبين دون تأسيس وتحقيق مرجعيات ثقافية متسامية وبمبادئ عملية فعالة ومشتركة للجميع. بينما العبرية لا تتمتع بهذا الصفات جميعها. إنها قومية إثنية دينية ضيقة. إنها لم تصنع إمبراطورية، ولا أمة قومية ولا أمة ثقافية، بل قومية اثنية دينية. من هنا محدودية مرجعياتها الثقافية بوصفها نمطا قوميا إثنيا صرف معزولا ذاتيا ومحاصرا خارجيا. والشيء الوحيد الذي أعطى لها قيمة بالمعنى الثقافي هو انتصار وانتشار النصرانية العالمي. وبدونها كان يمكن أن تضمحل وتتلاشى، أو أن تبقى محلية شأن المئات أمثالها أو حتى من هو أكبر منها بما لا يقاس. وينطبق هذا التقييم على عشرات القوميات بما في ذلك تلك التي انتجت إمبراطوريات، لكنها خالية من قوة نموذجها الثقافي بوصفه منظومة مرجعيات متسامية وأصيلة في وحدة مكوناتها وأجزائها، كما هو الحالة بالنسبة للإمبراطورية العثمانية والروسية أيضا. وحتى دانيليفسكي يتحدث ويؤسس في كتابه (روسيا واوربا) عن مشروع انتاج "نمط تاريخي ثقافي سلافي" أي حضارة، تكون روسيا بؤرتها الفاعلة، وليس عن واقع حضارة مستقلة قائمة بالفعل. 

2- إن شيئا من هذا لم يحدث. بل على العكس كما نرى ملامحه الآن. لكن روسيا كانت تفوز دوما حالما تفكر بمنطق الرؤية الثقافية السياسية بتجريدها وتخليصها من الأبعاد الدينية (الارثوذوكسية) والإثنية (السلافية).

3- يعكس هذا التصنيف ما هو مشهور في تقاليد التاريخ والثقافة الأوربية وتصنيفها للحضارات والأمم. والقضية هنا ليس فقط في خطأ مبدأ التقسيم الآري السامي الحامي. لكنه يحتوي على بعد ثقافي صحيح نسبيا في حال الإبقاء عليه ضمن سياق التقسيم اللغوي، ولكن بعد إزالة المضمون الديني اللاهوتي الخرافي. إن عدم دقة ارجاع الثقافة العربية إلى فكرة السامية يقوم أولا وقبل كل شيئ في أن المقصود بها هنا هو الحضارة العربية الإسلامية. وهي حضارة لا علاقة لها بالسامية، وذلك لأنها من حيث مبادئها وعقيدتها الثقافية والكونية تقع خارج اطر التقسيم الإثني الضيق. والأهم من ذلك إنها تحتوي في مجرى صيرورتها وإبداعها الثقافي على مشاركة واشتراك مختلف الشعوب والأقوام التي تنتمي إلى "الآريين" و"الحاميين" أيضا.

 

محمود محمد عليمن خلال المقالات الثلاث السابقة تبين لنا أن صالح الطائي يمثل واحداً من المجددين الكبار، فالرجل استطاع أن يرسم لفلسفته الإصلاحية هدفاً واحدا، وهو إخراج الفكر الإسلامي عامة، والشيعي خاصة من عالم التخلف والانحطاط، والسير به نحو النماء والازدهار، في معترك حضاري وصراع ثقافي بين عالم متخلف فكرياً وحضارياً .

ودعوة صالح الطائي إلى الإصلاح والتجديد ارتبطت بمخطط ارتبط فيه الهدف بالمبادئ والأصول وبالوسائل والمنهج، فكان ذلك عبارة عن استراتيجية تقوم أساساً على فكرة النقد، وفكرة إعادة البناء. أي إعادة بناء الفكر الإسلامي على النقد والتمحيص . فالنزعة الفلسفية والفكرية التي تقوم على النقد والتمحيص قادرة على الإلمام بالحقيقة التي تتطور معالمها وتتغير أوجهها من وقت لآخر، بفعل التفكير الفلسفي النقدي، وعلى ضوء هذا التفكير يمكن بناء فهوم ومواقف جديدة من الأشياء والحياة والوجود، تتجلي فيها الحقيقة، وينبني منها التفكير الإنساني في مرحلة من مراحل تاريخه .

أما ثقافة السكوت والسكون في القديم والتقوقع فيه، والقبوع فيما تركه الأسلاف بحلوه ومره فقط، أو الانغماس في الجديد بحلوه ومره، كل هذا يُفضي إلى الجمود والتحجر في الفكر، والضعف، والانحطاط في الحياة عامة، وتلك هي حال المسلمين في العصر الحديث . وفي جميع الأحيان ثبت المسلمون ما هو في أصله وطبيعته متحرك ومتغير ومتجدد باستمرار، كما عدلوا ما هو في أصله وطبيعته ثابت، وهذا مرده إلى غياب نظره نقدية فاحصة إلى الذات، وإلى الغير وحضارته .

ومن الغير نجد الحضارة الأوربية المعاصرة، والتي أعلن من خلالها "فريدريك نيتشه" عن نظرية موت الإله وموت الأديان، ومن خلال هذه النظرية ذكر صالح الطائي في كتابه ص 46-47، أنه وقع بين أيدينا نص من مداخلة لأحد القراء على مقال الغرباوي، بعنوان "دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء" الذي مر الحديث عنه، أوضح فيه بأنه: (لا يكفي أن تقول داعش وانحراف داعش هي الأعراض الواضحة على مرض الخرف الإسلامي إيذانا بالموت المحتم أسوة بموت المسيحية واليهودية والهندوسية وغيرها من شرائع عصور الإقطاعية . الإسلام بمذاهبه يعاني من مرض تصلب شرايين، وما الإفراط في الطقوس والشعائر إلا دليل استفحال المرض في جسم المريض الذي أدمن فهو يكثر من الطقوس المهدئات دون رصدي أخلاقي حقيقي لهذه الطقوس التي لم تردع سارقا ولا قاتلا ولا مزورا . حين اختفت الحضارة الرومانية كان ثلثا شعوبها قد مات في الحروب وسيختفي الإسلام أيضا بعد ان يأتي على معتنقيه فيمسحهم بحروبه (الهلالية) على وزن (الصليبية) وبعدها فلكل حادث حديث).. ثم يعقب الباحث صالح الطائي فيقول: "إذن يتضح من هذا القول أن هناك من يتنبأ بموت الإسلام إسوة بالأديان التي اعتقد بموتها، وهذا تصور قاصر مبعثه الخلل في بنية العقيدة الإسلامية المتداولة بين الناس، والذي أراه أن هؤلاء واهمون وأن الدين . ليس دين الإسلام وحده – وإنما كافة الأديان، لا زالت تلعب دوراً ملموساً في حياة المجتمعات المعاصرة، ولا زال تأثيرها على القوانين وسلوك الناس وعلاقة أتباع الأديان ببعضهم في أنحاء العالم كله فاعلا ومؤثراَ!

وهنا أحببت إضافة شيء، أن كلام الغرباوي في مقاله: "دعوة لانقاذ الدين من سطوة الفقهاء"، كان يؤكد على قضايا خطيرة ومهمة تهدد مستقبل الدين، وليس شرطا موته. ولا علاقة لماجد الغرباوي بكلام المعلق على مقاله، فعندما راجعت المقال وجدت الغرباوي يؤكد أن: "ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الاسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم .. أزمة حقيقية، تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني، وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتُعيد النظر في ثوابت الشريعة، بعيدا عن سلطة التراث والسلف والتراكمات التأويلية التي تكرّس اللامعقول وتحرّض باستمرار ضد الآخر، حتى صار الدين إما يدفع باتجاه العنف والارهاب، او يستقطب باتجاه الخرافة والسحر والشعوذة وجلد الذات، وتصديق هلوسات وأكاذيب بعض رجال الدين، وتقديس الماضي والتراث، وأسطرة الشخصيات التاريخية، واستبدال العبادة بطقوس فلكلورية، انقلبت معها مفاهيم الخير والعمل الصالح، وبات الارهاب دينا، والخداع دينا، والتبست المفاهيم حد الاحتراب فضلا عن الكراهية والتنابذ والاقتتال".

ويستطرد الغرباوي فيقول: ان مسؤولية التجديد ستخرج من يد الفقهاء، اذا تمادوا في تكاسلهم ولا مبالاتهم تجاه ما يجري. لقد صار الدين مع جمودهم وتخلّف الدعاة شبحا يطارد احلامنا، وباتت شعارات تطبيق الشريعة والاسلام هو الحل والحاكمية الالهية وولاية الفقيه تستفزنا، خاصة مع تمادي بعض الحركات الاسلامية في تطرفها، وارتكابها مجازر يندى لها جبين الانسانية. بل نَسَفَ سلوكهم أغلب ما كتبه المفكرون الاسلاميون عن الاسلام وحضارته ومستقبله في بناء الدولة والمجتمع، وسفّه جميع احلامهم، بل كذّب جميع التأويلات التي اعتادها الكاتب الاسلامي في تبريره لأحكام الاسلام وتشريعاته ونظمه، لكثير من القضايا كـ: المرأة والرق ونظرته للآخر، مما حدا بنا العودة لمراجعة أصل التشريع، واستدعاء ذلك السؤال الخطير، الذي نهرب من مواجهته دائما: (هل الخطأ في التشريع أم في التطبيق؟ أم الخطأ في تعميم الأحكام واطلاقاتها؟.

وهنا يجيبنا الغرباوي فيقول :" للامس القريب كنا نردد ما تردده الحركات الاسلامية وجميع الدعاة المخلصين، حينما نواجه اي خطأ سلوكي: (ان الخطأ في التطبيق)، حتى راحت بعض المذاهب والفرق الاسلامية تعوّل على ظهور (المهدي المنتظر)، لتعذر تطبيقها من قبلنا. ولا ادري ما فائدة تشريعات ودين لا يمكن تطبيقه من قبلنا، حتى يظهر المهدي ويرعى تطبيقه بنفسه!! .. وماذا نفعل اذا لم يظهر او تأجل ظهوره آلاف أخرى من السنين؟ ثم ماذا يريد ان يقدّم المهدي من حلول اسطورية لهذه المشكلة؟ هل سيُشرّع لنا أحكاما جديدة؟ وهذا مستحيل، لتعذّر التشريع بعد الوحي. أم سيوظّف عقله وفقاهته؟، اذاً فلماذا لا نوظّف نحن عقولنا بدلا من انتظاره؟. لا ادري هل نعي شيئا من سلوكنا ام نخدع انفسنا ونحسب اننا على حق وغيرنا على باطل!!!. لا اخفيكم، أجد هروبا في فكرة الانتظار، بل اجد فيها إدانة لنا من حيث لا نشعر، والفقهاء قادرون على فقه الشريعة وتقديم قراءة اخرى للدين. فأرى من الأفضل مقاربة المشكلة في بعدها التشريعي، مع مراجعة مكثّفة لآرائنا وفتاوانا، وفق رؤية علمية، واقعية، ترتكز لمنطق القرآن الكريم في اطار مقاصد الشريعة وغاياتها، سنكتشف حينئذٍ حجم الهوّة بين التشريع والواقع".

إن استعراض مقال الغرباوي كان نافعا، لنعرف عن قرب كيف يفكر؟ وكيف يشخص الإشكاليات الفكرية؟ ففهم الإشكالية أهم من حلها، وطرح السؤال أولى من الإجابة. فالمسألة ليس مسألة موت الدين، بل أن تزوير وعي الناس باسم الدين أخطر بكثير، لأنهم سيعيشون في حالة ضلال. أن الدين، خاصة ما يتمسك به الإرهابيون والتكفيريون، هو الذي جعل المعلق يتنبأ بموت الأديان، ولا تكفي الرهانات على بقائها، الأهم تشخيص المشكلة، وهذا ما فعله الغرباوي في هذا المقال، وكان جريئا جدا، وربما مثيرا، فقد كتب د. صالح الطائي في نفس الصفحة: (بت على قناعة تامة أنه حتى في أسلوبه [أي الغرباوي] الجاف الجريء المشاكس الهجومي الصراعي إنما يعمل على الدفاع عن الدين أمام آراء تسيدت الساحة اليوم). هل حقا هذا هو أسلوب الغرباوي؟. أعتقد أن المنهج العقلي هو الذي يجعل الآخرين يصفونه بهذه الصفات، فإنه يحاصر المقابل بأدلته وتحليلاته، وكشفه للمستور.

***

الكتاب الذي قدمه الدكتور صالح الطائي ملئ بالقضايا والإشكاليات التي لا حصر لها، ولكن في نهاية هذا المقال أود أن أبرز حقيقة هامة هناك اختلاف بين فكر صالح الطائي وفكر ماجد الغرباوي في قضايا مهمة، خاصة القضايا العقدية، ومثاله مناقشة صالح الطائي لقضية "الإمامتين الدينية والسياسية؟ (من ص 48-60)؛ وفي هذه النقطة بالذات كانت النتيجة متوقعة، وهو : اختلاف المنهج يفضي لاختلاف النتائج. غير أن صالح الطائي لم يستعرض كافة أدلة الغرباوي حول الإمامة، كي يقارن القارئ بينهما. فمثلا  يعتبر الغرباوي مفاهيم مثل الإمامة، العصمة الصطفاء، مناصب إلهية. يقول في كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص244: (فنفهم أن الوزارة والإمامة والاصفطاء كلها مناصب مرتبطة بالمشيئة الإلهية، ولم يفوضها لغيره. وبما أنها كذلك فتتوقف على وجود نص قرآني صريح. ولو كانت شأنا نبويا لاتخذ موسى قرارا شخصيا دون الرجوع إلى ربه. لكنه يعلم أن الله لا يشرك بقرارته وأحكامه أحدا: (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). أما لماذا يشترط هذا في هذه العناوين وتضاف لها المعاجز والخوارق فهو يجيب في نفس الكتاب، ص34: (وقد قررت قاعدة في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني. القاعدة تقول: "الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري، أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها، او لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده").

وأما لماذا لا يقدم الروايات والأحاديث، ويشترط وجود آية قرآنية، يقول: (ولا يمكن رفع اليد عن هذه القاعدة لأن أحكام العقل لا تخصص، وبالتالي نشترط وجود نص قرآني، نرفع به اليد عن القاعدة، لنفهم أن المعجزة قد جرت وفقا لقانون آخر نجهله. وأمثلة هذه القاعدة كثيرة خاصة العقيدة الشيعية وأسطرتها لرموزها التاريخية والدينية. نرجئ الحديث عنها).

برأيي كان ينبغي استعراض أدلته العقلية، المطابقة لمنهجه. وعليه نفهم أن الغرباوي لا تعنيه الروايات والأقوال التي سردها الباحث الطائي، مادام موضوعها مناصب إلهية ممتنعة في ذاتها، كما يقول الغرباوي في ص360 من الكتاب: (لأن كل منصب إلهي، هو ممتنع بذاته، ما دام مفارقا للطبيعة البشرية، فيبقى حتى القاعدة العقلية، ولا يمكن رفع اليد عنها إلا بآية صريحة، لا لبس فيها، تورث العلم واليقين، فحينئذٍ، لا نخصص القاعدة العقلية، لأنها لا تخصص، بل نعيد النظر في فهمنا لتلك الظاهرة التي نحسب أنها مخالفة للطبيعة البشرية، وعندما نعيد النظر فيها سنكتشف مدى صدقيتها وحقيقتها ومدى مطابقتها للواقع).

فهناك اختلاف جوهري حول المفردات العقدية. كل منهما له أدلته، لكن النتائج مختلفة بين من يثبت أو ينفي العصمة والإمامة وفقا لأدلته.

وقد أكد الدكتور صالح الطائي في كتابه، ص 49: (وإي إضافة تفتقر لدليل صريح يدل عليها لا قيمة لها يمكن التعويل عليها خارج اتباعها ومعتنقيها). وهذا كلام دقيق وعلمي لكن الأصل عند الغرباوي كما تقدم، عدم ثبوت الإمامة والعصمة ما لم يدل الدليل القرآني عليها. فالاستدلال الصحيح إقامة الحجة على الغرباوي وفقا لمتبنياته كي يصدق النقد. وأما استعراض الروايات لاثبات ضعف رأيه فغير صحيح. وعليه امام الباحث الجليل ان يقدم روايات وفقا لشروط الغرباوي في الرواية.

من الأدلة التي ذكرها الطائي دليلا على العصمة مثلا آية:

1- (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وهذا حقه، ومناسب مع منهجه. لكن كان يفترض أن يذكر للقارئ أن ماجد الغرباوي له رأي آخر في هذه الآية، تجده في كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص244 – 245. فهو لم يفهم العصمة من الآية وفهم منها شيئا آخر.

كما استدل الطائي بروايات على العصمة، ضمن منهجه:

2- قول الإمام علي: " إنّ الله طهّرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا". والروايات بالنسبة للغرباوي لا تكون حجة ما لم تكن صحيحة، والصحيحة تورث اليقين فتخرج جميع روايات الآحاد، يقول في كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص268: (وقد استعانوا لإثبات دعواهم بروايات لا نعرف عن حقيقتها شيئا لكنها تبقى محتملة وفقا للتصنيف الذي اعتمده للتمييز بين الروايات الصحيحة والمحتملة الصدور).

***

وبرغم الاختلاف العقائدي أو الايديولوجي كما أحب أن اسمية بين الطائي والغرباوي، إلا أنهما اتفقا على استعمال العقل وتحكيمه في أمور كثيرة (لا حصر لها)، كما اتفقا على أن المثقف القادر على توليد مقولات ثقافية عقلانية تساهم في تطوير مختلف جوانب المجتمع هو بالضرورة مثقف حر، تزود بثقافة عصرية لا تتعارض مع قيم المجتمع الأصيلة الموروثة بل تحميها من التشويه، فالمثقف الحر في نظرهما لا يتوقف من إنتاج تراث جديد من الثقافة يضاف إلى الماضي الذهبي ويغنيه بثقافة عصرية يحتاج إليها المجتمع في تبدلاته المستمرة في عصر العولمة.

كما اتفقا على أن السياسة وأنماط الحكم والتدبير في المرجعية العربية الإسلامية، لم تكن في يوم من الأيام شأنا دينياً أو شأنا للدين به صلة مباشرة، وإنما هي غرض دنيوي صرف موكل للفرد والجماعة للتفكير فيه، والعمل على إيجاد الصيغ والأشكال والنظريات القمينة بتحقيق الكرامة والسعادة الإنسانيتين للأفراد والجماعات، بناء على الاجتهاد العقلي والاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة في هذا المجال، أخذاً في الحسبان معطي الزمان والمكان واستحضاراً للمصلحة العامة غاية أسمى.

وفي نهاية هذا المقال أقول تحية طيبة للأستاذ الدكتور صالح الطائي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ميثم الجنابيتقديم عام: إن الكتاب الشهير الذي وضعه دانيليفسكي تحت عنوان (روسيا وأوربا) قبل ما يقارب القرن ونصف القرن من الزمن، مازال فاعلا في تاريخ الصراع والمواجهة بين روسيا وأوربا. ومن ثم فيه ظهرت للمرة الأولى معالم الفكرة الفلسفية وتحقيقها لهذا الجانب، التي جعلت من هذا الكتاب احد أهم وأوسع وأعمق ما كتب بهذا الصدد. كما انه يمثل من الناحية المنهجية نموذجا للرؤية القومية  الثقافية المحكومة بفكرة العلم والثبات في الأصالة.

***

ولد نيكولاي ياكوفليفتش دانيلفسكي عام 1822 في عائلة جنرال. وانهى المدرسة عام 1842. وأكمل دراسته الجامعية (1843-1847) في كلية الفيزياء والرياضيات في جامعة سانت بطرسبورغ، حيث حصل على درجة الماجستير في علم النبات. وكان على علاقة بالعديد من الشخصيات التي ستلعب دورا كبير في الحياة الثقافية الروسية مثل الناقد الادبي الشهير بيلينسكي والشاعر الاديب مايكوف. وكان يحضر بصورة فعالة حلقة بتراشيفسكي1. وشارك بصورة جدية في دراسة آراء الفرنسي الطوباوي فورييه، لكنه سعى لتفسيره بطريقة سلفية من خلال الدفاع عن فكرة الملكية والقيصرية. وفي عام 1848 القي القبض عليه وأدين من قبل لجنة قضائية بالسجن لمدة ثلاثة أعوام ثم جرى اطلاق سراحه لعدم وجود أدلة كافية لاتهامه بالعداء للدولة أو السعي لهدمها.

في عام 1850 جرى تسفيره إلى منطقة فولوغدا. وفي عام 1853 شارك في رحلة استكشافية لدراسة حالة الثروة السمكية في نهر الفولغا وبحر قزوين. وأثرت هذه الرحلة فيه وحددت لحد ما مصيره الشخصي. ثم شارك بجولات عديدة إضافية. وأنهمك بشكل كبير في مجال علم النبات وعلم الحيوان والإثنوغرافيا وغيرها. كما لعب دورا كبير وأساسيا في وضع قوانين وقواعد الحفاظ على الثروة السمكية في روسيا.

تم تعيينه رئيسًا للبعثة الاستكشافية لدراسة صيد الأسماك والحيوانات البحرية في البحر الأبيض والمحيط القطبي الشمالي. ولدى عودته إلى بطرسبورغ، حصل دانيلفسكي على الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية الروسية بسبب أنشطته العلمية والإدارية. ثم استتبعت رحلاته الاستكشافية إلى البحر الاسود وبحر آزوف. بل ودرس وبحث جميع مياه الجزء الأوربي من روسيا. وبلغ شأوا بعيدا ونجاحا باهرا في المجال الإداري. وبعد انضمامه إلى مجلس ملكية الدولة في نهاية حياته المهنية، قام بدور نشط في صياغة القوانين التي تنظم حالة التعامل مع الثروة السمكية في البلاد حتى بداية القرن العشرين.

في عام 1864 استقر على الساحل الجنوبي لشبه جزيرة القرم حيث اشترى لنفسه عقارا بالقرب من محطة بيداري، مقابل رسوم رمزية. واحتوى هذا العقار على حديقة كبيرة وأطلال منزل مانور الذي أحرقه الفرنسيون أثناء حرب القرم. ويبدو أن جو هذا المنزل، الذي تحتفظ جدرانه بذكريات الغزو الفرنسي، معينا لنضج كتاب دانيلفسكي. وفي القرم كان معه لفترة طويلة ستراخوف2. وكانت له علاقات حميمة بالشخصيات الفكرية الروسية الكبرى. وتوفي فجأة في تبليسي (تفليس). ونقل جثمانه إلى محل سكنه حيث دفن في حديقة ليست بعيدة عن المنزل الذي عاش فيه السنوات العشرين الأخيرة من حياته المليئة بالصعاب والسعادة.

وإضافة إلى كتابه الشهير (روسيا وأوربا) وضع أحد المؤلفات الكبيرة في نقد الدارونية بمجلدين، والذي أثار بدوره موجة نقد عنيفة من قبل شخصيات فكرية وعلمية كبيرة في روسيا. وينطبق هذا أيضا على كتابة (روسيا وأوربا) الذي انجزه عام 1868. ونشر للمرة الأولى بمساعدة صديقة الشخصي والروحي ستراخوف على شكل مقالات في مجلة (الفجر) على مدار عام كامل. وظهرت طبعته المستقلة الأولى عام 1871. ثم اعيد طبعه ثلاث مرات بعد وفاته. ثم اختفى في المرحلة السوفيتية ليعيد ظهوره بقوة من جديد في روسيا الحالية.

تعرضت شخصية وأفكار دانيليفسكي إلى نفس الحالة التي تعرض لها الكثير من المفكرين والفلاسفة الروس الكبار بعد ثورة اكتوبر عام 1917. والشيئ نفسه يمكن أن قوله عن مصيرهم الزمني. غير أن للتاريخ مساره وأحكامه. وهو الذي يحدد المصير الفعلي لأولئك الذين تركوا بصماتهم في روح الإبداع الحر.

تعرض دانيليفسكي إلى نقد شديد ومعارضة من جانب اغلب التيارات، وبالاخص من التيارات اليسارية والثورية والغربية المنزع. بل ولقي معارضة مصحوبة بنقد شديد من جانب الفلاسفة الأرثوذوكس الروس مثل فلاديمير سولوفيوف وغيره.

وأكثر ما تعرض للنقد من جانب التيارات الغربية هو فكرته عن أن كل حضارة هي كائن مستقل لا يمكن نقله أو استعماله كما هو. وبما أن نقده الثقافي كان موجها ضد الحضارة الأوربية، من هنا انتقاده لفكرة التقدم بالمعنى الأوربي، وكذلك نقد النموذج الأوربي وفكرة كونه الصيغة المثلى والوحيدة للتقدم الحضاري. بينما سعى دانيليفسكي في نقده العميق للبرهنة على أن الثقافة الأوربية ليست نموذجا للاقتداء. وينطبق هذا على كل ثقافة وحضارة أخرى، وذلك لأن كل منها نتاج تفاعل وتداخل مصادر ومقومات خاصة بها. وبالتالي، فإن كل حضارة هي نتاج تلقائية تطورها الذاتي، والتي تلازم، حسب وجهة نظر دانيليفسكي، الانتقال من الحالة الإثنوغرافية إلى الدولة والاستقلال السياسي. من هنا فكرته عن الأصالة والاكتفاء الذاتي لكل نوع تاريخي ثقافي (حضاري). ومن ثم نفي شرعية ومهمة تعليم الغرب لروسيا. وذلك لأن نشوء وتطور وتكامل النمط التاريخي الثقافي السلافي (الحضاري) له فردانيته الخاصة.

اثارت هذه الأفكار وغيرها مما حاول دانيليفسكي تأسيسه انتقاد الفيلسوف الروسي الكبير فلاديمير سولوفيوف، الذي وجد في مواقف وفلسفة دانيليفسكي فكرة معارضة لفكرة التاريخ العالمي والحضارة العالمية. ومن ثم حدد مضمون فلسفة دانيليفسكي عن التاريخ الثقافي للأمم، باعتبارها نموذجا للفكرة القومية المتطرفة. بينما انتقده آخرون على مساعيه الداعية لتأسيس فكرة الجمعية السلافية.

تأثر النقد الذي وجهه سولافيوف ضد دانيليفسكي بالفكرة التي بلورها هو نفسه في بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر عن نصرانية الإله الإنساني، باعتبارها طريق الخلاص المتكامل والعام للبشرية. وبهذا يكون قد ابتعد عن آراء السلافيين التي كان يشاطر فيما مضى الكثير منها.

فقد وضع سولافيوف آراءه الأولية المتعلقة بفلسفته التاريخية في عدد من مقالاته مثل (القوى الثلاث)، التي حاول فيها التأسيس للفكرة القائلة، بأن مصير الحضارة الإنسانية تحدده ثلاث قوى عالمية وهي كل من الشرق والغرب والعالم السلافي (برئاسة روسيا). واعتقد سولافيوف آنذاك (أي في بداية تأسيسه الفكري) بأن القوتان الأولى والثانية، أي "الشرق المسلم" و"الحضارة الغربية" قد استنفدا طاقتهما وسقطتا على التوالي في "معقل الوحدة الميتة" و"الأنانية العالمية والفوضى". أما "القوة الثالثة" فهي روسيا التي ينبغي أن تبث الحياة في هاتين القوتين. وأن "مملكة القوة الثالثة" أمر لا مفر منه. أما حامل هذه القوة فهو كل من السلافية والشعب الروسي. وسوف يجري تطوير هذه الفكرة لاحقا من خلال محورتها حول أبعاد التضحية في الشخصية الروسية ودورها في المصالحة العالمية. ولاحقا يبحث عما يدعوه بمهمة البحث عن "موقف أخلاقي جديد لروسيا" وإلزامها "بواجب أخلاقي تجاه الشرق والغرب والتوفيق بينهما". وهذا يعني بقدر واحد السمو فوق الجميع ومن ثم تحويلها إلى مرجعية خفية للعالم، وكذلك العمل على "إنكار الذات الوطنية". ولاحقا، في مجرى تأسيس فلسفته عن "الوحدة الشاملة" يشدد على الدور الروسي في هذه العملية من خلال توحيد أو اتحاد القيصر الروسي والبابا الكاثوليكي. بل كان يميل في بعض آرائه إلى التخلص من "الارثوذوكسية القومية" الروسية والاندماج في الكاثوليكية. انه أراد إصلاح النصرانية الشامل من خلال ما اسماه بمشروع "الثيوقراطية العالمية" التي تعادل معنى المجتمع الإنساني الموحد سياسياً ودينياً على أساس وحدة النظام الروسي القيصري والروم الكاثوليك (أوروبا الغربية بقيادة البابا) والسلطة النبوية.

لقد وصف الفيلسوف الديني الروسي الكبير فلاديمير سولوفيوف في معرض رده على كتاب دانيليفسكي (روسيا وأوربا) بأنه "قرآن جميع الأوغاد والحمقى الذين يريدون تدمير روسيا ويمهدون الطريق لظهور المسيح الدجال"3 . وقد ظهر هذا "المسيح" المنقذ لروسيا في الاتجاه "الغربي" المطلق لبعض شخصيات البلشفية وتيارها العام بعد ثورة اكتوبر. فهنا ظهرت "الثورة العالمية" و"الوحدة الأممية" ومقارعة كل ما هو روسي "قومي". بل إن أحد القادة الكبار للثورة الروسية وقادة الدولة مثل تروتسكي اعتبر أن روسيا محكوم عليها بالتخلف الدائم، وإنها لم تقدم (ما قبل الثورة) أي شيئ جدي بالنسبة للثقافة العالمية. وإن كل ما فيها هو مجرد تقليد للنماذج الأوربية العليا. وهو نقد سليم الظاهر سيئ الباطن. والقضية ليست فقط في أن تروتسكي كان من حيث تربيته وأصوله يهوديا، ومن ثم يكنّ الكراهية لكل ما هو روسي "قومي" لأسباب تاريخية ثقافية ودينية اجتماعية، بل ولأن ما يقوله يؤيد من حيث الجوهر ما حذر منه دانيليفسكي. فعندما تعرض دانيليفسكي بالنقد لآراء سولوفيوف، اعتبرها مشروعا يتناقض مع الطبيعة والتاريخ. وانه مجرد سقوط بوعي أو دون وعي في طوباوية تخدم الغرب الأوربي وتجعل من روسيا قربان "الوحدة الشاملة".

بينما اعتبره احد ممثلي الفكرة الروسية الكبار ستراخوف من "أولئك الذين يمكن تسميتهم بملح الأرض الروسية" ومن يسعى لإنقاذها. ونفس الشيئ قاله الفيلسوف الروسي روزين، الذي وصفه بعبارة تقول، بأن دانيليفسكي هو من بين "حفنة من المضطَهدين" بقي "وفيا لمفاهيم ومعنى وروح الأرض الروسية". ونفس الشيء قاله تولستوي. فقد جرى بالفعل ما سبق وأن حذر منه وانتقده انتقادا لاذعا على صفحات كتابه الكبير (روسيا وأوربا). لهذا جرى تجاهله في روسيا ما بعد الثورة (البلشفية) ومن ثم دفنه في نسيان الذاكرة التاريخية والفكرية والثقافية. من هنا ضياعها من جديد، لأنها لم تتعامل مع النفس بمعايير وجودها التاريخي الثقافي، أي المفهوم والمقولة الأكثر جوهرية في فلسفة دانيليفسكي، التي وجدت تعبيرها في العبارة التي قال بها مرة الشاعر الروسي الكبير خومياكوف4، بأنه "لا توجد حقيقة إنسانية دون قوم حقيقي". من هنا نبوءته عن كتاب (روسيا وأوربا)، بأنه سوف يكون عاجلاً أم آجلاً "نقطة تحول في تنمية الوعي الذاتي الروسي"، عندما "يصبح الروس أكثر دراية به ويقرروا دراسته دون أي تحيز". وهو تقييم وخاتمة تتصف بقدر كبير من المفارقة. فقد عمل دانيليفسكي من أجل نقد وتنقية الوعي الروسي من شوائب التقليد والغربنة التي جرى غرسها بعمق في كل مسامات وخلايا وجوده منذ زمن بطرس الأول، لكي يصنع وعيا ذاتيا تاريخيا وثقافيا. فالشعوب والأمم لا تتوصل إلى حقيقة إدراك النفس، وتوسيع وتعميق وتدقيق وتجذير وعيها الذاتي، ما لم تمر بمسار التاريخ الطبيعي لكي تبلغ وعيها الثقافي الخاص. وهذا هو في الواقع والحقيقة طريق الآلام والآمال. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

1- إحدى الحلقات التي اشبه ما تكون بمنتدى أو نادي وصالون المثقفين الجدد ذوي الميول الديمقراطية والثورية، التي أسسها بوتاشيفيتش بيتراشيفسكي. وهو أحد النبلاء في سان بطرسبورغ. وهو أيضا مؤلف قاموس الجيب للكلمات الأجنبية الدخيلة في اللغة الروسية ومن خلاله حاول نشر الكثير من المفاهيم الاجتماعية والسياسية والفلسفية. طبع للمرة الأولى عام 1846 ثم طبع مرة ثانية بعد عام. مما اثار مخاوف السلطات القيصرية وبأثر ذلك جرى سحبه من الأسواق ومنعه من الانتشار. وبعد إلقاء القبض عليه جرى نفيه الى سيبيريا. وأمضى بقية حياته هناك حتى وفاته عام 1866. وكان أتباع هذه الحلقة يمثلون الاستمرار الفكري والسياسي والأخلاقي لحركة الديسمبريين النبلاء الذي قادوا معركة الاصلاح الأولى ضد القيصرية. وفي كل يوم جمعة كان بيت بيتراشيفسكي يتحول إلى مقر لاجتماعات هذه القوى الجديدة، حيث كانت تلقى تقارير عن أنشطة المنظمة. وكانت اغلب أيديولوجياتهم وأساليب كفاحهم متأثرة بآراء هيرتسن وبيلينسكي والاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين. ومع حلول عام 1846-1847 بدأت تتغير طبيعة هذه الاجتماعات من تحليل المستجدات الأدبية والعلمية إلى مناقشة المشاكل الاجتماعية والسياسية والمواقف النقدية من القيصرية. وقد كانت قضايا إلغاء القنانة والإصلاح القضائي وحرية الصحافة من بين أكثرها أهمية وإثارة للجدل. ووقف أغلبهم موقف المعارض للدين والكنيسة. واعتبروا الدين والكنسية قوة مناهضة للتقدم والحرية ومرتع للخرافات. وانتمى لهذه الحلقة أو مرّ من خلالها الكثير من الشخصيات الثقافية والأدبية الكبرى لروسيا. ولعل أشهرهم كان كل من سالتكوف-شيدرين ودوستويفسكي والموسيقار غلينكا. كما كان كل من تشيرنيشيفسكي وحتى تولستوي من بين زوار الجمعة. وقد تعرض على سبيل المثال دوستويفسكي من بينهم للحكم بالإعدام من بين العشرين الذين تم اعتقالهم عام 1849. لكن قرار العقف جاء بلحظات قبيل تنفيذ الحكم. كما تعرّض دانيليفسكي إلى الاعتقال بسبب مشاركته أيضا في اجتماعات هذا المنتدى الثقافي السياسي، رغم انه لم يكن ميالا إلى اعتناق الأفكار الثورية والراديكالية.

2- ولد المفكر الروسي نيكولاي نيكولايفتش ستراخوف عام 1828 في بيلغورود  في عائلة ذات أصول اكاديمية وثقافية. درس في البداية في كلية اللاهوت ثم اكمل لاحقا دراسته في جامعة سانت بطرسبورغ  في كلية الرياضيات. اهتم نيكولاي ستراخوف بدراسة الفكر الأوربي والروسي. ومن بين أهم أعماله بهذا الصدد هو كتابه في ثلاثة اجزاء تحت عنوان عام (الصراع ضد الغرب في أدبنا)، والذي يحلل فيه العقلانية الأوروبية، وينتقد آراء ميل وارنست رينان ودافيد شتراوس. كما يؤسس فيه لنقد الدارونية. كما عمل على تفسير وتأويل أعمال المؤلفين الروس بروح النزعة السلافية. ودافع عن فكرة "الأصالة الروسية"، وانتقد الآراء الليبرالية الواسعة الانتشار آنذاك بين المثقفين الروس. وضمن هذا السياق يمكن فهم معارضته للغرب وانتقاده لكثير من الغربيين الروس بما في ذلك تشرنيشفسكي. وبيساريف. كما عمل على تفسير العلم بطريقة لا تتعارض مع الدين بل وتقترب منه. لقد كان نيكولاي ستراخوف احد الأصدقاء المقربين من دوستويفسكي وتولستوي. وهو أول من كتب عنهم في حياتهم. كما انه أول من وضع سيرة دوستوفسكي. توفي في سانت بطرسبورغ عام 1896.

3- كان الأولى به قول "انجيل الأوغاد".

4- أليكسي ستيبانوفيتش خومياكوف(1804-1860). شاعر روسي وفنان وكاتب اجتماعي. أحد أوائل المؤسسين للفكرة السلافية. واتسم فكره بنزعة إنسانية وروحية وأخلاقية رفيعة وعميقة.

 

 

محمود محمد علينواصل قراءة كتاب الدكتور صالح الطائي: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي). بمقدمة تمهيدية:

لقد قطع الفكر الإسلامي المعاصر في إيران شوطاً كبيراً في معالجة قضايا منهجية وأساسية كان لها دور في تجديد الفكر الديني، حيث لعب المفكرون الإصلاحيون هناك دوراً كبيراً في إعادة صياغة العقلية الإسلامية الشيعية، وربما كان زوال الشعور بالأقلية الإسلامية الشيعية في إيران من أكبر أسباب نضح العقلية النقدية في المجتمع الإيراني، حيث يمثل الشيعة أغلب سكان إيران خلافاً للشيعة العرب حيث وجود هذا النقد خوفاً من تفكك الأقلية، الأمر الذي يؤدي إلي بطء مسارات الإصلاح.

ومحاولات إصلاح الفكر الشيعي في إيران أخذت لدى البعض مسار إصلاح أدوات المعرفة الدينية، وطرق الاجتهاد إلي جانب تنقية التراث؛ ومن بين الوجوه الإصلاحية التي ظهرت في تلك الفترة مهدي بازرجان (1905-1995م)، ومرتضى مطهري ( 1920-1979م)، وعلي شريعتي (1933-1979م). ثم جاء من بعدهم عبد الكريم سروش (1945- ....)، مجتهد شبستري، ملكيان وآخرون مازال فكرهم ونظرياتهم تحظى باهتمام كبير.

ومع اختلاف مناهجهم بين العلمي والعرفان والاجتماعي والفلسفي والأصولي إلا أنهم استطاعوا أن يقدموا نهضة فكرية، فالمهندس مهدي بازرجان يعد من أهم المفكرين والمصلحين المعاصرين  في إيران فقد اهتم منذ شبابه بإعادة التفكير في صياغة الفكر الديني وبذل جهداً كبيراً لإظهار جدية الوفاق بين الفكر الإسلامي والمفاهيم العلمية الحديثة.. وأما علي شريعتي فيعد نموذجاً فريداً من مفكري إيران، فعلى الرغم من أنه فارسي العِرق لكنه لا يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى الإيرانيين، كما أنه يعتبر من المفكرين القلائل الذين استطاعوا التجرد من هوى المذاهب والتمذهب فانتقد ما أسماه التشيع الصفوي، والتسنن، ودعا إلى التمسك بما يعرف بالتشيع العلوي والتسنن المحمدي .. كما يعد عبد الكريم سروش الذي ظهر منذ أوائل الثمانينات واحداً من أهم الكتاب البارزين في إيران، حيث عالجت كتاباته النظريات الماركية وموضوعات فلسفة العلم، وأثارت كتاباته وخاصة ما يعرف بنظرية (القبض والبسط للشريعة) جدلاً واسعاً ونقاشاً حاداً بين مؤيد ومعارض لها، كما تميز سروش بجمعه عددا من العلوم حيث درس الكيمياء والصيدلة وأحب الشعر وقرأ كثيراً عن العرفان بالإضافة إلى ذلك هو ناشط ثقافي، وسياسي ومتبحر في علم الكلام .. وأيضا تشهد للشيخ مجتهد شبستري جهوده الفكرية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

وكل هؤلاء وغيرهم من أصحاب المشاريع الفكرية العربية استفاد منهم صالح الطائي ونهل منهم، واتضح ذلك حين رأيناه يتحدث عن فلسفته في التصحيح والإصلاح، حيث يقول صالح الطائي: "ليس من قبيل المصادفة أن تعطي اللغة الإنكليزية لمصطلحات (التصحيح) و(التصليح) و(التعديل) معني مشتركاً واحداً (correction)، وتعطي لمصطلح الإصلاح الذي هو من سنخها معني مغايراَ (repair)، فالتصحيح والتصليح والتعديل تجتمع سوية لتعطي معني : محاولة تقويم حالة دون النظر إلى أصولها، فهو من حيث الشمول يعني تصليح الشئ العاطل، كأن يكون سيارة، أو جهاز كهربائي في المنزل أو أوراق امتحان، وهو يحتاج إلى الخبرة والتخصص والممارسة العملية . على خلاف الإصلاح، الذي يشمل عدة تغييرات وإجراءات وقوانين لإصلاح قطاع معين، أو إصلاح منهج، أو جيل من شئ خطأ ملازم له، بمعني أنه يسعى إلى إعادة الأمور إلى نصابها وأصلها الصحيح، أي التغيير نحو الأحسن والقضاء على المساوئ التي تنشأ نتيجة خلل في أنساق الفهم ومناهج التطبيق، وهو بالتالي يحتاج إلى الفهم، والوصف، والإبداع، والإرادة، واستراتيجيات مبتكرة، وسعة الأفق، والقدرة على اتخاذ القرار الجرئ، والقدرة علي تحمل النقد". الكتاب: ص 23.

ويستطرد صالح الطائي فيقول: .. وهدف الإصلاح هو إحداث تغيير نوعي في نمط الإستجابة للمؤثرات المحيطة بالفرد سواء كانت المؤثرات داخلية أم خارجية، وهذا التغيير النوعي في الإستجابة يتبعه تغيير في نمط سلوك الفرد وتصرفه حيال المثيرات والمحذورات، ويتحدد نوع هذا التغيير في نمط الإستجابة، وفي نوعية السلوك، وفي مقاييس وقواعد الآداب والسلوك المتبعة في المحيط الاجتماعي، فإصلاح سلوك الفرد وتقويمه في نطاق علم الإجرام يتحدد في أحداث تغير يتحول في نمط الإستجابة وبالتالي نوعية السلوك، من السلوك المضاد للمجتمع إلى السلوك المنسجم مع قوانين المجتمع وقواعد السلوك والآداب السائدة فيه". الكتاب: ص23.

والسؤال الذي أود أن أتساءل عنه هنا: هل صحيح كما يقول صالح الطائي ص 20 أن مشروع التنويري عند ماجد الغرباوي، والذي يدعو إلي الإصلاح لا يمكن أن يتحقق على الأرض أو في حياتنا؟: (والمدهش في الأمر أن الباحث الغرباوي كان يتحدث عن فرضيات من وحي الرغبة في الإصلاح، فهو مثلنا على يقين أن ذلك لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع، ويعلم أن ذلك هو المستحيل بعينه مهما كانت مبرراته، لكن الأمل يحدوه عسى أن تتحقق المعجزات، معتقداً أن هذه الاستحالة لا تمنع مقاربة وإعادة النظر في هاتين المسألتين من أجل وضعٍ فكريٍ أفضل لعالمنا الإسلامي). وكان هذا تعقيبا على قوله: (وأنا من خلال تفكيكي لنتاجه [الغرباوي] وجدته يتحرش بالممنوع الحقيقي والأسطوري بشكل لا يصدق، ويقتحم الخطوط الحمراء دون سابق إنذار، ولا يخشى لومة لائم حينما يحمل سيفين واحد باليمين وآخر بالشمال، فيطلب من السنة ـ على سبيل المثال ـ أن يعيدوا النظر بنظرية عدالة الصحابة؛ التي تسببت بالكثير من الشغب التاريخي، ويطلب من الشيعة أن يعيدوا النظر بموضوع عصمة الأئمة؛ الذي سبب الكثير من الخلاف). وهذا مبرر قوله الأول وهو محق كباحث مثابر، يعرف أن هذا مستحيلا، والقضية ليست أماني، خاصة بالنسبة للمذاهب الدينية، لكن الرجل طرحه كمثال. وهنا بودي أن أعقب:

إن المشاريع التنويرية وفقاً لمناهج العلوم الانسانية الحديثة ومعطيات العلوم الأخرى مشاريع جديدة نسبياً على الساحة، خاصة أن بلادنا المسكونة بالغيب والمقدس والدين (كما يؤكد الغرباوي في كتاباته دائما)، تتوجس من كل جديد وتشكك بمعطيات العلوم، ومازال هناك من يعتبر الفلسفة هرطقة، والتنوير جريمة أو خيانة للتاريخ. الناس تخشى مقاربة مقولاتها العقدية والأخلاقية، اعتزازا بدينها وخوفا على عقيدتها. وهذا يشمل جميع المشاريع الفكرية، وآراء الغرباوي تمس المحظور والمقدس، فتارة تجدها مرعبة بالنسبة لبعض الناس، ويتقبلها أخرون، والمسألة عادية. لكن هذا لا يفرض علينا الكف عن مقاربة العقيدة ونقد مقولاتها، والاكتفاء بالاصلاح والتجديد والترميم. وأقصد بالنسبة للغرباوي، الذي بات مشروعه واضحا، وراح صداه يلفت الانتباه. وما تأليف كتاب من قبل باحث بوزن الدكتور صالح الطائي سوى شاهد على ما أقول. وعندما أعلنت مؤسسة المثقف عن صدور طبعة ثانية خلال سنة من الطبعة الاولى لكتاب مدارات عقائدية ساخنة، لفتت انتباهي في حينها، خاصة مع كساد سوق الكتاب وخمود الاقبال على قراءة الكتاب الورقي. فلم أجد ما يفسر هذا سوى تقبل الناس لأفكار الكتاب، وتقبلهم فكرة مناقشة المقدس، وهو تطور. أو وجدوا فيه آراء جديدة جذبتهم. وعليه هذا مؤشر لا على أهمية الكتاب بل مؤشر على وجود تقبل للكتابات النقدية الحديثة، وتقبلهم لتفسير النصوص بمناهج جديدة، وهذا ما أتوقعه لكتاب الدكتور صالح الطائي: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي). من خلال متابعتي أجد هناك تعطش لمعرفة الحقيقة في عصر الانترنيت. بينما كانت مناقشة المقدسات خطا أحمر، فالمراحل القادمة سيتقبلون كل شيء. وعليه ربما يحصل انقلاب جذري في العقائد وفهم الاديان. فالأمر عندي يتوقف على وعي المسؤولية الدينية، ومدى علمية وقوة الطرح البديل. واستشهد هنا بنص في كتاب الفقيه والعقل التراثي، ص199: (.. التحرر العقلي إذاً يتطلب مرانا على النقد والمراجعة وطرح الأسئلة والاستفهامات وتقويض المألوف والمتعارف ومطاردة ألاعيب الخطاب. من هنا ينزعج الناس حينما يستفز الخطاب النقدي عقائدهم ومورثاتهم، ويربك استقرارهم النفسي القائم على تلك الموروثات الدينية. فهي أساس وجوده وكينونته الاجتماعية، يستميت في الدفاع عنها والتضحية في سبيلها، عندما يتعلق الأمر بالهوية والانتماء الذي يزعزع الاستقرار والطمأنينة. فالدفاع عنها دفاع عن وجوده وهويه وانتمائه، فلا يسمح بهدرها ما لم يتولى نقد الذات بنفسه، ويبدأ بمراجعة قبلياته، ويسمح للعقل بالنقد وفقا لمبادئه. أي أنه يرتكز لأنساق عقلية ومعرفية مغايرة تتصدى لنقد مقولاته الأساسية. في هذه الحالة فقط تبدأ عملية التنوير).

لا شك أن الأمر يختلف عندما ادعى الغرباوي استحالة التخلي عن عدالة الصحابة من قبل أهل السنة والتخلي عن العصمة بالنسبة لأهل الشيعة، وهو ما أكده الباحث الطائي أيضا، فلان كلا المذهبين سينهار بانهيارهم، ولا معنى لوجودهما، فهي قضية حياة وموت بالنسبة لهما، وغن كان في الحقيقة ليس كذلك. لكن الأمر بالنسبة لى على الأقل ليس مستحيلا. وأنا مع مواصلة النقد، وإعلان النتائج مهما كانت خطيرة. فليس المهم مشاعر الناس، فإنها مؤقتة وتذوب، وهذا هو العقل الجمعي. المهم نأمل في مشاريع تساهم في تحريك عجلة النهضة التي انتظرناها طويلا. ماجد الغرباوي كتب كثيرا في كتبه القديمة عن الاصلاح والتجديد ككتاب إشكاليات التجديد، لكن وجدناه في حواراته يدعو لرؤية مغايرة للدين. وهو يقصد إعادة النظر بما يسمه: (النسق العقدي المألوف). يقول صريحا في كتاب: الفقيه والعقل التراثي، ص111: (ما لم تجدد عقيدتك باستمرار، سيركنك التاريخ في إحدى زوايا الغلو. وبالتالي ينبغي لنا مغادرة النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق معرفي له قدرة على مواكبة الحياة وفهم الدين وحاجات الإنسان). ويقول أيضا في ص302: (نؤكد لا أمل في الاصلاح للوضع الإسلامي عامة، والوضع الشيعي خاصة سوى إعادة النظر في النسق العقدي المألوف والمتداول، وبناء مبادئ عقدية تنسجم مع فهم متجدد للدين، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ودوره الاستراتيجي في الحياة الدنيا).

ولا يخفى على القارئ اللبييب أن إعادة النظر في النسق العقدي المألوف كما يدعو لذلك الغرباوي، يعني إعادة النظر في العقيدة ذاتها، بدءا من صفات الخالق، وعلاقته بالمخلوق (كما في ص15 من كتاب الفقيه والعقل التراثي)، معنى الوحي والنبوة ووظيفة النبي، وتمتد على الرأي الشيعي للإمامة وأدلتها ودورها ومدى قدسيتها، فمشروع الغرباوي مشروع فكري وعقدي شامل. لا يتوقف على الاصلاح روبما لا يؤمن بالاصلاح، ويطالب بفهم جديد للدين. وهو ما يرددها بكثرة: (فهم جديد للدين يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة)، كما يطالب في مشروعه الفكري بمركزية الإنسان. وهو وإن لم يصرح لكن العبارة واضحة، يريد طرح مركزية الإنسان في مقابل مركزية الله. التي هي أساس الفكر الديني عامة، بلا استثناء. ومن يخرج على هذه الفهم يرمى بالانحراف وربما الكفر. وعليه فمشروع الغرباوي يقع في موازاة المشاريع الاصلاحية والتجديدية، ولا يمثل امتدادا لها. يضع العقل فوق النقد، ويركن للبرهان والدليل، ويحد من دائرة حجية السنة، وغير ذلك كثير بحاجة الى دراسات مفصلة. فمنهجه يختلف جذريا عن منهج الدراسات الدينية والحوزوية التي تتمسك بالنص وحجيته مادامت سند الرواية صحيحا.

ولكي نكون موضوعيين، لا ننفي عن مشروع الغرباوي الاصلاح والتجديد نهائيا، لكنه كما مركوز في ذهني من خلال مطالعاتي يعتقد أن مشاريع الاصلاح والتجديد بات بلا جدوى، ويعتقد بضرورة تقديم فهم جديد للدين والنص الديني ودور الإنسان في الحياة. فهو ليس مع التصليح ولا الإصلاح، وإنما هو مع تقديم فهم مغاير للدين، يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الإرض. ولازمه مركزية الإنسان ومصالحه، لذا طرح الغرباوي اتجاه الخلافة / الإنسان في مقابل اتجاه العبودية، وقد بين معالمه وركائزه في كتاب الفقيه والعقل التراثي، بهذا أخرج الإنسان من كونه كائنا مخلوقا للطاعة والانقياد، يملي عليه الفقيه ما يريد إلى كائن عاقل، يعي ذاته، يشهد لذلك كتاب الله: وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان خليفة في هذه الأرض، لاستخلاف الأرض وإعمارها. فرؤيتته للدين تختلف عن الرؤية المتداولة، التي تختزل الإنسان. وعلى هذا الأساس أصل الغرباوي للاتجاه العقلي. ارجو الاطلاع على نظريته في ص 63 من كتاب الفقيه والعقل التراثي، فيه من المعلومات ما يكفي لبيان كل شيء.

وبالتالي فثمة اختلاف منهجي على جميع الأصعدة بين الرؤيتين وهذا ما أريد قوله والتأكيد عليه من خلال الشواهد والأمثلة. هو ذات الفارق بين التحرر من الأحكام المسبقة والإنقياد المطلق لها. لذا وجدنا الغرباوي قد ناقش مقولات النسق العقدي المتداول كحجية السنة في أكثر من كتاب، خاصة كتاب الفقيه والعقل التراثي. وعدالة الصحابة في كتاب: النص وسؤال الحقيقة. العصمة في كتاب الفقيه والعقل التراثي. الإمامة في كتاب مضمرات العقل الفقهي، والمهدي في كتاب مدارات عقائدية ساخنة، إضافة للشفاعة وغيرها من مفردات عقائد المسلمين. فاكتشف كما يقول الغرباوي بشريتها وتاريخيتها، وتعامل معها على هذا الأساس. وبذلك انهارت أمامه كثير من اليقينيات والمقدسات السابقة. وهذا لا يفعله باحث ديني أو إسلامي ما لم يتسلح بمشروع تنويري متكامل، وقد تستفزه هذه الطريقة جدا. كما أن انهيار تلك اليقيانيا لم يؤثر على تماسك الغرباوي، وهو يطرح بدائل قائمة على الدليل والبرهان والتأمل العقلي، وعدم الانصياع للخرافة والطائفية والبحوث الكلامية القديمة.

***

سجل الباحث الدكتور صالح الطائي ملاحظة منهجية على كتابات الغرباوي، هي صعبة خاصة كما يقول في ص 21 (ونظرا لكثرة نتاج الباحث الغرباوي لا ضير في أن تتكرر الرؤية الواحدة من رؤاه في أكثر من كتاب وبحث ولقاء ودراسة ومقال، ولكن هذا سيزيد من صعوبة تقسيم الكتاب على فصول أو مباحث او الاكتفاء بالعنوانات الرئيسية والفرعية). وهي ملاحظة صحيحة بشكل عام، غير أن الكتب الحديثة باتت لا تعتني كثيراً بالتبويب الأكاديمي رغم أن بعض كتب الغرباوي مبوبة على أبواب وفصول. أو فصول وحدها. ولعل العناوين الرئيسية تكفي لمن يريد الاشتغال في مشروعه الفكري.

ثم ضرب لنا الباحث الطائي مثالا على ذلك من دراسة للغرباوي عن الشيخ محمد حسين النائيني منظر الحركة الدستورية. لم أفهم ما هو الربط بين كلامه والشاهد، لكنها التفاتة ذكية من باحث دقيق لهدف الغرباوي من الكتابة منذ كتاباته الأولى، وهي نقطة يشكر عليها الاستاذ الدكتور صالح الطائي. قال: (للوهلة الأولى وكأن الباحث الغرباوي أراد من خلاله التحدث عن الشيخ النائيني حاله حال المؤلفات الأخرى التي تكتب عادة عن أشخاص أحياء أو متوفين، وعن مشاريعهم ورؤاهم، بينما استغل الباحث الغرباوي الفكرة العامة للكتاب لتمرير الكثير من رؤاه الفكرية وتحليلاته المنطقية والبحثية، وقد أشار في المقدمة إلى ذلك بشكل غير مباشر من خلال قوله: "وفي حياة الشيخ محمد حسين النائيني كثير من المواقف والظواهر المفتوحة على أكثر من تفسير ورأي، ولكن تجد كل باحث يختص برؤية مستقلة. بل هو تحدث صراحة وبوضوح عن الهدف الحقيقي من وراء مثل هذه الكتابات بقوله: "تتلخص فكرة مشروع رواد الإصلاح في تلمس المشروع الإصلاحي لكل رمز من الرموز للتواصل معه، والبحث عن نقاط الضعف لتداركها، وتأسيس وعي جديد يرتكز إلى العقل ضد الخرافة والقداسة، وضد الاستبداد بنوعيه السياسي والديني، فهذا الكتاب في واقعه يمهد للدخول إلى المنهج العام للباحث. والظاهر أن الكتاب صدر ضمن سلسلة (رواد الإصلاح) التي تعنى بدراسة مشاريع الإصلاح التي نهض بها الرواد المسلمون، وتطمع إلى رقي وعي الفرد والأمة إلى مستوى المسؤولية الرسالية، وهذا يدل على وجود فكرة مسبقة هدفها التمهيد لمشروع كبير، لم تكن غايته تمجيد الرواد، وإنما استغلال عملهم للتأسيس لمنهج إصلاحي جديد، وحسنا فعل الباحث، فهو فتح الباب على مصراعيه وسمح لكل من يرغب بالدخول أن يدخل بلا استئذان). (الكتاب: الصفحتان: 20 – 21). إضافة لكلام الباحث الطائي لقد ذكر الغرباوي في مقدمة الطبعة الاخيرة من كتاب النائيني انه كان محاطا بظروف لا تسمح بأي حديث، فكان النائيني وسيلة للحديث عن الاصلاح وضروراته وفضح الاتجاه السلطاني لدى الفقهاء، وما أفرز تعاون الاستبداديين الديني والسياسي.

وهنا ملاحظة قد يواجه القارئ صعوبة في فهم آراء الغرباوي، وهذا واضح، غير أن  كتاباته بشكل عام واضحة، ولغته مشرقة، تنساب على الورق، ويرق لها السمع، غير أن طبيعة الأفكار تفرض مصطلحاتها ومفاهيمها فتتطلب خلفية تساعد على فهمها. كما أنه طرح افكار جديدة، تحتاج لتأن في فهمها وإدراك مقاصدها. وأما الجرأة فتتسم بها جميع كتاباته وفقا لمبدئه: الحقيقة تستدعي النقد الجريئ.

***

ملاحظة أخرى سجلها د. صالح الطائي في ص 41: حيث قال:

السؤال المهم: اين نضع المفكر ماجد الغرباوي وتجربته في نقد الفكر الديني في هذه المعادلة الصعبة جدا؟ والجواب على هذا السؤال يدفعنا للبحث في مشروعه والتنقيب في رؤاه، طالما أنه يعتقد أن ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الإسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم، أزمة حقيقية تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتعيد النظر في ثوابت الشريعة أي أنه يريد التعامل مع الثوابت، والثوابت تُقَرُ بنص، وقاعدة الفقه المتفق عليها بين المدارس الإسلامية تقول: "لا اجتهاد قبالة النص". وهو في نيته هذه يسعى إلى التحرش بالحافات الخطيرة جدا). وأضاف: (وأؤكد هنا أن غايتي القصوى هي الإيضاح والنقد البناء لبعض جزئيات مشروعه، وليس التخريب والهدم، فما قدمه الغرباوي للدين وللأمة كثير جدا ولا يمكن انكاره تحت أي تعليل، بل هو قد يفوق كثيرا ما قدمه رجال يرتدون الزي الديني، وينهجون نهج الدعاة للدين. والجزئيات التي سننقدها قد يكون هو الذي أثارها، أو أن ما طرحه شجع الآخرين على إثارتها، أو أن هناك من استغل إثارته لها ليدخل من خلالها ويدلي برأيه الذي قد يكون في منتهى الغرابة). بهذا النص يوضح الباحث صالح الطائي منطلقه في تفكيك وفهم مشروع الغرباوي الفكري. وهي نقطة مهمة تبعد عن الناقد الشك والتأويل البعيد، فالأمر بات واضحا، وقد بين رأيه عندما قال: (أي أنه [الغرباوي] يريد التعامل مع الثوابت، والثوابت تُقَرُ بنص، وقاعدة الفقه المتفق عليها بين المدارس الإسلامية تقول: "لا اجتهاد قبالة النص").

بما أن الحديث عن الشريعة فيقصد الباحث الطائي من الثوابت ثوابتها. وهي: النسق العقدي، إضافة إلى النص المقدس، الآيات والروايات، وعند الشيعة روايات أئمة أهل البيت أيضا. فهل الغرباوي مؤهل لهذا العمل؟ يقول د. صالح الطائي في بداية الكتاب، كما أشرت له سابقا: (نقف اليوم أمام شخص رسم لنفسه منهجاً نقدياً إصلاحياً، تبنى فيه نقد الفكر الديني تحت شعار الإصلاح الجريء؛ بعد أن درس الدين وأصوله وفروعه ومناهجه على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وكوَّن رؤية أصيلة عما يريد التحدث عنه، إنه الباحث والمفكر العراقي المقيم في أستراليا الأستاذ ماجد الغرباوي، الذي سنتولى نقد تجربته بعلمية وحياد). إضافة لما هو مدون في سيرته العلمية، فهو إذا يمتلك الأدوات اللازمة لاستنباط الأحكام الشرعية، وتقديم أدلة تدعم آرائه. وما دونه من آراء تكشف عن آراء اجتهادية واضحة، وهو يناقش الأصوليين مثلا. فالرجل مؤهل لهذا. بقي ما هو منهجه؟

يخالف الغرباوي الفقهاء حول مفردات العقيدة. يقدم القرآن على الروايات. الصحيح من الرويات بالنسبة له كما ذكر في كتاب الفقيه والعقل التراثي، شروطها صعبة. وتاتي في طول القرآن، وليس في عرضه. كما يقدم العقل في فهم النصوص الدينية، وهم يتعبدون بها مطلقا. له رأي مخالف في حجية السنة والعصمة والإمامة وغير ذلك. وعليه هو يختلف معهم في الاصول والمتبنيات. ويتحفظ على مقولة لا اجتهاد مقابل النص للاسباب التي ذكرتها سابقا. وهو يفهم القداسة بشكل مختلف عما هو متعارف. ويرفض الاحتجاج بالنصوص بعيدا عن تاريخها وفلسفة صدورها. ودأب منهجه على تقديم الدليل العقلي ثم القرآني. او القرآني بجانب الدليل العقلي. فهو لا يجتهد أمام النص بمعنى رفض النص، ولكن يناقش في حجيته وفهمه في ضوء الظروف المحيطة به والإطار العام لرؤيته ونظريته. وهذا مرفوض بالنسبة للاتجاهات التقليدية، فنعود ونقول ان الخلاف سببه المنهج والمباني التي يؤمن بها كل طرف. وأقول وهذا رأيي الشخصي ان: لا اجتهاد مقابل النص، كانت عبارة صلبة لا يمكن مخالفتها، لكن فهمت من تفاصي لمشروع لغرباوي ان فعلية كل حكم منصوص تتوقف على فعلية موضوعه. لا اعيد ما تقدم.

وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي حيدر الحساني لمناسبة صدور كتاب الناقد التشكيلي الفنان الأستاذ محمد لقمان الخواجه .

يجد المتتبع والدّارس لتاريخ الزخرفة انّها تعود للإنسان القديم الذي رسم على جدران الكهوف و صوّر أشكال الطيور والحيوانات التي تعيش في محيطه والتي كان يصطادها ورسم الأشكال وزيّن بها الجدران والأواني والأدوات والآلات الحربية و وشم جسمه كل ذلك عبر خطوط بسيطة تتناسب ومستوى ادراكه في حينها، ان اندفاع الانسان الى التأمل في محيطه و ما حوله من عناصر الطبيعة تدعوه أن يترجم ذلك الشغف ويصوّره ويحاكيه ويدرك الجماليات من حوله، فكانت الزخرفة لغته التي يعبر بها، واستمرت رحلة البحث والتطور ففي كل عصر كان للزخرفة ميّزات ذلك العصر كما هو الحال في المجالات الحياتية المختلفة فهي تكشف لنا حصيلة التطور الفكري والمادي والازدهار الاقتصادي والتطور العمراني لكل حقبة زمنية وشاهد عصر لذلك .

لقد عدّت الزخرفة أحد الفنون التي تهدف إلى البحث في فلسفة النسبة والتناسب والتجريد والكتلة والفراغ والتكوين والخط واللون، وهي إما أن تكون وحدات طبيعيّة آدميّة، أو نباتيّة، أو حيوانيّة أو وحداتٍ هندسيّة تحوّلت إلى أشكالٍ تجريديّة، وتركت فيها المجال لخيال الفنان وإبداعه وقد تمّ وضع الأصول والقواعد لها، فعني الفنان بالزخرفة عناية تتجلى في آثاره وما تركه من أعمال حتى عدّت من الفنون التشكيلية الرائعة، فشكّلت جزء مهم من فن العمارة فنجدها تحوّل الكتل البنائية المعمارية من الرتابة والجمود الى متعة بصرية تجذب المتلقي لما فيها من السحر والجمال الأخآذ، فاستخدمت لتزيين الكنائس والجوامع والمباني وكان للزخرفة في الريازة الإسلامية الدور البارز لما تتمع فيه من سمات جمالية وإبداعية غاية في الروعة والإتقان تتجلى عبر القباب والمآذن والأواوين والمحاريب تظهر عبر العمليات الفنية التي منها الترصيع، التكفيت، التلبيس، التعشيق، التطعيم، التجصيص، القرنصة، التزويق، التصفيح، التوشيع، وقد أستخدمت فيها أبرز المواد كالرخام، الجصُّ، الخشب، المعادن، الآجُرّ، الفسيفساء، القاشاني، الخزف.

2242 الزخرفة

لقد كان لفنّ الزخرفة تلازماً واضحاً مع فنّ الخطّ العربي فنرى ذلك جلياً في تزيين وتزويق المخطوطات والمصاحف وإظهارها بأبهى حللها وأرقى صورها وأستخدم فيها الذهب والفضة والألوان التي استخلصت من الأحجار الكريمة .

وعن فنِّ الزخرفة وبيان غايته وخصائصه يقول روجيه جارودي: "إنَّ فنَّ الزخرفة العربي يتطلَّع إلى أن يكون إعرابًا نمطيًّا عن مفهوم زخرفي، يَجْمَعُ بآنٍ واحد بين التجريد والوزن، وإن معنى الطبيعة الموسيقي، ومعنى الهندسة العقلي، يُؤَلِّفَان دومًا العناصر المقوّمَة في هذا الفنِّ".

ولقد كان الناقد الفرنسي هنري فوسيون دقيق التعبير وعميق الملاحظة حينما قال: "ما أخال شيئًا يمكنه أن يجرِّد الحياة من ثوبها الظاهر، وينقلنا إلى مضمونها الدفين مثل التشكيلات الهندسية للزخارف الإسلامية؛ فليست هذه التشكيلات سوى ثمرة لتفكير قائم على الحساب الدقيق، قد يتحول إلى نوع من الرسوم البيانية لأفكار فلسفية ومعانٍ رُوحية ؛ غير أنه ينبغي ألاَّ يفوتنا أنه خلال هذا الإطار التجريدي تنطلق حياةٌ متدفِّقة عَبْرَ الخطوط، فتؤلّف بينها تكوينات تتكاثر وتتزايد، متفرِّقة مَرَّة ومجتمعة مَرَّات، وكأن هناك رُوحًا هائمة هي التي تمزج تلك التكوينات وتُبَاعِدُ بينها، ثم تُجَمِّعُهَا من جديد، فكلُّ تكوين منها يَصْلُح لأكثرَ من تأويل، يتوقَّفُ على ما يُصَوِّبُ عليه المَرْءُ نظرَه ويتأَمَّلُه منها، وجميعها تُخْفِي وتكشف في آنٍ واحد عن سِرِّ ما تَتَضَمَّنُه من إمكانات وطاقات بلا حدود".

لقد عرفت مؤلف الكتاب الماثل أمامنا: (الزخرفة إرث وأسلوب) أعني به الفنّان التشكيلي الأستاذ محمد لقمان الخواجه باحثاً في أغلب ميادين الفنون والأدب وقارئاً نهماً وفناناً مبدعاً لا يهنأ له بال حينما يلج فرعاً من الفنون فيخرج لنا بحصيلة وجهد طيب سواء أكان على المستوى البحث أو التجريب، فكان لفنّ الزخرفة حصة الأسد فقد قضى من عمره شطراً غير يسير في البحث والتجريب فعرف الزخرفة كإرث ضخم تحفل فيه ميادين المعرفة وعرفها كأسلوب فالنماذج المشفوعة في هذا الكتاب القيّم خير شاهد على جهده الطيب وتعمقه في نشأة وتطور هذا الفن الجميل، فالفنّ الزخرفي يخضع لمبادئ يمكن تعلمها والاستناد إليها في عملية التأليف الزخرفي، فمن الخطوط غير المنتظمة تولد خطوط منتظمة بمعنى إذا كانت تحت وصاية التماثل والتناظر والتكرار فمن هذا الحوار ينطلق الباحث مجرباً ليكشف لنا ما في الزخرفة من انفتاح و تأمل وهو باب من اجمل اشتغالاته في المستوى الشخصي وشغفه بها فقد وفّق لإيجاد طريقة غير التي عهدناها من الدراسة وهي رسم أساس للزخرفة ثم البناء الزخرفي ليشكّل الأساس الهيكل العظمي لها فتدرّج من البسيط الى الصعب نباتية وهندسية وحيوانية، ثمّ خصص زخارف لأشكال غير منتظمة بمثل ما فعل للزخارف النباتية والحيوانية والهندسية .

نأمل أن يسهم هذا الكتاب في تعزيز الإرث الحضاري الزخرفي وتوثيقه، ويرسخ في تنمية الوعي الفني لدى المزخرفين المحترفين والهواة، ويفتح الآفاق المعرفية للدّارسين في هذا الحقل والمؤسسات ذات العلاقة، ليستمر هذا الفنّ المدهش في إرتقاء الذوق وإرهاف الحس ويذكّي في النفس حب الجمال .

 

علي حيدر الحسّاني

النّجف الأشرف

 

 

محمود محمد عليكلما سُئلت عن أهم كتاب قرأته حتى الآن تكون إجابتي كتاب "الفقيه والعقل التراثي" للأستاذ "ماجد الغرباوي". ثمة أسباب كثيرة تقف وراء تلك الإجابة. أو بالأحرى، وراء الحضور الدائم للكتاب في الذاكرة كأنه يتحين الفرص المناسبة للبزوغ أو الطفو على سطحها، إنه كتاب ضد النسيان، وبعيداً عن التفصيلات الشخصية، يمكننا تقصي عدة أسباب موضوعية تجعل من "الفقيه والعقل التراثي" واحداً من أهم الكتب "الفكرية" في العقود الأخيرة.

في هذا الكتاب طرح المؤلف اتجاه الخلافة / الإنسان في مقابل اتجاه العبودية، كإطار لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. يقوم على مركزية الإنسان ومصالحه، ويساهم في تجديد منهج استنباط الأحكام الشرعية. وتقديم رؤية كونية وفق أفق جديد لمفهوم الإله. كما قدم الكتاب تعريفا جديدا للسنُة النبوية وحدود حجيتها وفق ضابطة قرآنية، ودور الواقع في تشريع الأحكام. كما طرح المؤلف ماجد الغرباوي اتجاه التأصيل العقلي بديلا عن الاتجاهات المتداولة، والتي فشلت في تحقيق نقلة نوعية لفهم الدين، ودور التشريع. وأيضا طرح ما أسماه "مقاصد الجعل الشرعي" لتحديد ملاكات الأحكام والتعرف على مدى فعلية الأحكام الشرعية من خلال "مرتكزات مبادئ الحكم". وهو طرح غير مسبوق نظّر له الكاتب عبر منظومة مفاهيم جديدة، وإعاد النظر بمفاهيم النسق العقدي المألوف، فكانت نتائج البحث انقلابا في فهم الدين ومقاصد التشريع، ونظرة جديدة للإنسان ودوره في الحياة، وأثر الواقع في تحديد فعلية الأحكام. وقد أسس ماجد الغرباوي في كتابه الفقيه والعقل التراثي لمجموعة مفاهيم استدعتها فلسفة الدين وفقا لرؤيته الفكرية.

هذا الكتاب هو التجلي الأمثل للطريقة التي يمكن للفقيه من خلالها مواجهة العقل التراثي المستبد، وهو في نفس الوقت تحليل فذ للعلاقة بين الفكر والسياسة. وكتاب "الفقيه والعقل التراثي" هو درس في الاستقلالية، استقلالية المفكر وانحيازه للمعرفي على حساب الإيديولوجي وممارسته للفاعلية النقدية بلا توفيق أو تلفيق، أو تطويع الفاعلية في خدمة أي اتجاه من اتجاهات الخطاب الديني، سواء كان رسمياً أو معارضاً، يمينياً أو يسارياً، سلفياً أو تجديدياً.

وأسوأ قراءة ممكنة لكتاب "الفقيه والعقل التراثي"، ولمنجز "ماجد الغرباوي" عموماً، هي قراءته بوصفه " مانفيتسو"، نوع من القراءة الأيديولوجية المباشرة بهدف توظيفها في السجال المحتدم مع الخصوم الفكريين.

قد تشجع طبيعة الكتاب السجالية مقترنة بكتب أخرى لماجد الغرباوي، مثل تلك القراءة في هذا المقال، لكن تحويل الكتاب إلى "مانفيستو"، أو بيان، أو إنجيل شخصي، عملية لم يسع إليها ماجد الغرباوي بكل تأكيد. فالغرباوي هو الساعي إلى تحقيق وعي تاريخي بالعقل التراثي وتقديم نوع من القراءة العلمية للتراث دون اختزال أو تلفيق. تحليل ونقد الخطابين التنويري والديني، ودراسة الدينية في ضوء مستجدات الواقع المعاصر.

إن ما يعزز قيمة وأهمية كتاب " الفقيه والعقل التراثي"، هي الدراسة التي نشرت في الأيام الماضية للدكتور صالح عب حسن الطائي، وذلك في كتابه: "الإلهي والبشري والدين والتراث قراءة نقدية في مشروع ماجد الغرباوي" والذي صدر عن مؤسسة المثقف العربي، في سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة، في دمشق – سوريا.

تأتي أهمية القراءة التي قدمها الدكتور صالح الطائي لكتاب الإلهي والبشري والدين والتراث في مشروع ماجد الغرباوي في سعيها إلى احتلال مكانة خاصة، تميزها عن القراءات الحديثة الأخرى في الفكر العربي المعاصر، وذلك عبر اختزالها الإشكالية المطروحة ذات الصلة بنقد العقل الإسلامي. فمحور المشروع الغرباوي يتبنى العقل الإسلامي وكيفية تشكله، وهو يخترق كل المتن الغرباوية، ولا ينحصر في واحد من مؤلفاته كما يرى صالح الطائي (مع حفظ الألقاب) بهدف نقده، أي نقد ذلك الفهم الديني الجامد للنصوص الدينية التي لا تزال تسيطر على الفكر الإسلامي، والتي عادت اليوم بقوة لتشغل حيزاً مهماً من النقاش الفكري في الساحة العربية.

و"صالح الطائي" باحث وكاتب في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، حيث نجد أن له في مجال تخصصه (57) كتاباً ورقياً مطبوعاً ومنشوراً، تولت طباعتها دور نشر عراقية وعربية، فضلا عن عدة كتب إلكترونية. ولديه مؤلفات مخطوطة.. اعتمدت بعض مؤلفاته مناهج مساعدة في الجامعات.. له اهتمامات أدبية ونقدية، وأصدر في المحور الأدبي عدة مؤلفات منها مجموعة شعرية.. له اهتمام في المناهج التربوية، وصدر له في هذا المجال كتاب إليك فقط just for you موجه إلى الشباب من الجنسين.. اشترك في العديد من المؤتمرات العلمية والتخصصية والفكرية والدينية داخل العراق وخارجه. ونشرت بحوثه ومقالاته في المجلات المحكمة والمجلات التخصصية والمجلات والصحف الورقية والمواقع الإلكترونية داخل العراق وخارجه. وله آلاف المقالات الدينية والتربوية والسياسية المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية والمواقع الإلكترونية.. كتبت عن تجربته البحثية والأدبية عدة دراسات تخصصية، منها: البحث الموسوم “صالح الطائي وآثاره في الفكر الإسلامي” مشروع تخرج الباحث سجاد ماجد، وإشراف الدكتور فوزي خيري التدريسي في كلية الإمام الكاظم الجامعة/ أقسام واسط، ونشر بتاريخ 1 نيسان/ 2018 في الجزء الثاني من العدد التاسع والعشرين من مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية المحكمة، التي تصدرها كلية الآداب في جامعة واسط. والبحث الموسوم “دراسة سوسيولوجية في مجموعة نوبات شعرية للدكتور صالح الطائي” للدكتور رسول بلاوي التدريسي في جامعة خليج فارس/ بوشهر/ إيران، ونشرت الدراسة في مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية ـ العدد الثاني والثلاثون / الجزء الأول ـ 28 تشرين الثاني 2018. ورسالة ماجستير للطالب جمال غافلي مقدمة لجامعة إيلام في إيران، ورسالة ماجستير للطالبة مينا غانمي مقدمة إلى جامعة خليج فارس في الأهواز ـ إيران.. حاز الكثير من الجوائز الدولية، وكرم من قبل جامعات ومؤسسات ووزارات وهيئات داخل العراق وخارجه.. ترجمت الكثير من دراساته ومقالاته إلى اللغات الأخرى مثل اللغة الإنجليزية، والفرنسية، والصينية، والفارسية.. ناشط في تحليل وحل النزاعات، واشترك في المؤتمر الذي نظمه معهد السلام الدولي الأمريكي في إسطنبول.

و"صالح الطائي" من الباحثين الإسلاميين الذين انطلقوا، من الإسلام؛ وخصوصاً المذهب الشيعي في رؤيته الكونية، وتفسيره للتاريخ والظواهر الاجتماعية. يدعو للوحدة والتسامح الشكلي، يدافع عن العقائد الشيعية كالعصمة والامامة والمهدي. ينتقد مواقف وسلوك الخط المعادي لأهل البيت، وكل من سلبهم حقهم في الخلافة..  تعرض للسجن في زمن صدام حسين بسبب تدينه كما تقرأ في أرشيفه. وتم اختطافه من قبل المليشيات المسلحة.. لا أدري إذا أي مليشيات في توجهها، هل سنية أم شيعية. ونجى من الموت بأعجوبة. وعيه جيد جداً.. توجد مقالات كثيرة في ارشيفه بإمكان معرفة توجهه الفكري.

94 salehaltaie600

ويعد كتاب (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي) لمؤلفه: "صالح الطائي" من أهم وأشهر الكتب المعاصرة في مجال نقد نقد العقل المستنير من وجهة نظر باحث  معروف بانتمائه الإسلامي، وذلك لأهمية موضوع الكتاب وجدته من جهة، وسعة اطلاع باحثه على الفكر والعلوم الإنسانية والقضايا المعاصرة من جهة أخري.

يقع الكتاب في 254 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم دار أمل، وقد اشتمل على مقدمة وهي ست مباحث، هي: محاولة فتح الأبواب، جزئيات مشروع الغرباوي الإصلاحي، صفحات مشروع ساخن، التعميم والوعي التراث، مراجعة ثوابت الدين، خواتيم الكلام.

يلخص "صالح الطائي" مشروعه في هذا الكتاب، قائلا: نقف اليوم أمام شخص رسم لنفسه منهجاً نقدياً إصلاحياً، تبنى فيه نقد الفكر الديني تحت شعار الإصلاح الجريء؛ بعد أن درس الدين وأصوله وفروعه ومناهجه على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وكوَّن رؤية أصيلة عما يريد التحدث عنه، إنه الباحث والمفكر العراقي المقيم في أستراليا الأستاذ ماجد الغرباوي، الذي سنتولى نقد تجربته بعلمية وحياد.

والمؤلف لم ير ضيراً في ذلك طالما أن العالم بدأ يتقبل النقد بفعل التغيرات التي طرأت على الحياة، بما فيها العقائد والسلوكيات، فالمجتمعات كما يرى الطائي لم تعد كما كانت عليه من قبل، وقد انفتح الإنسان المعاصر على واقع جديد فيه الكثير من الغرابة، فلغاية عشرين عاماً قبل هذا التاريخ كان المجتمع العراقي على سبيل المثال ينبذ الشاذ جنسياً ويحتقره، والشاذ نفسه كان يغطي على سوء فعله، ولا يظهره للعلن أو يتفاخر به، أما المجتمع فكان يستقذر هذا العمل ويعده منقصة في السلوك والتهذيب والأخلاق.

ثم يؤكد "صالح الطائي" بأن وصول التبدل إلى هذه المرحلة، يعنى أن على الجميع الإصغاء للجميع، وعدم الاستهانة بأي طرح يدخل في باب النقد، سواء كان تحت مسمى الإصلاح أو تحت أي مسمي آخر، فالمهم أن لا تكون هناك قطيعة حتى مع وجود التقاطع بالأفكار، ولا أظن أننا سنتقاطع في الأفكار، فما طرحه ماجد الغرباوي من أفكار جاء منسجماً مع منهجه ومتبنياته الفكرية، التي أشار لها في أكثر من موضع، لكنه تحدث عن منهجه في كتاب الفقيه والعقل التراثي كثيراً، لا سيما موضوع التأصيل العقلي أو المنهج في تصحيح الروايات وتبني الفهم بدلا من التفسير في فهم النص الديني، وتوظيف الفلسفة ومعطيات العلوم الإنسانية الحديثة كالتفكيك، والإركيولوجيا، والأنثربولوجيا، وعلم النفس، والهرمنيوطيقا.

وفائدة هذه الملاحظة كما يري صالح الطائي هي لمعرفة أسباب اختلاف وجهات نظرينا حول المسألة الواحدة، رغم انتماء كلينا. هو وأنا. للفكر الإسلامي أو الديني العقلاني، فإن مناهج العلوم الدينية المتعارف لم تعد تشبع فضولنا المعرفي، للبحث عن الحقيقة وتقديم فهم جديد للدين، لا يصادر العقل ويساعد على تعزيز قيم الفضيلة.. لكن الاختلاف في المنهج يفضي إلى اختلاف الآراء والاختلاف لا يعني التهور أو التعميم غير المحسوب وهدم القداسة، أو الاعراض عن الدين. لكن طبيعة هذه العلوم منفتحة لا تقف عند أفق محدد، ولذا تثير بعض الحساسيات لدى التقليديين عادة. ونأمل كلينا، أنا لكوني باحث في الفكر الإسلامي، ولي أكثر من خمسن كتاباً في هذا التخصص، والأستاذ ماجد الغرباوي الذي يمتلك الأدوات اللازمة للبحث العلمي والتأمل الفلسفي بحكم دراسته، ومارسته الطويلة في هذا الاختصاص.

وبعد أن فرغ "صالح الطائي" من مقدمته للكتاب نراه في بداية الفصل المبحث الأول والذي عنوانه " محاولة فتح الأبواب، يعلن عن موقفه النقدي من مشروع ماجد الغرباوي فيقول: كنت قد عرفت الأستاذ ماجد الغرباوي منذ أقل من عقدين من الزمان، ولطالما تابعت طروحاته وآرائه ورؤاه التي تناول من خلالها نقد الفكر الديني، لأن موضوع الفكر الديني ونقده يشغلني بالذات، وهو من أكبر اهتماماتي البحثية، أمارسه من خلال مؤلفاتي، فاتفقت مع بعض ما تحدث عنه، وسكت عن بعضه، واعترضت بشدة على بعضه، وتغافلت عن بعضه، وكل ذلك لم يخدش علاقتي الأخوية به، وقد حاولت الكتابة عن هذا الموضوع، وهذا الاتجاه في البحث والأسلوب في العمل أكثر من مرة، وفي كل مرة كان هناك عارض طارئ يعرقل مشروعي، لكن لما تجمعت لدي أغلب مؤلفات الغرباوي، فضلاً عن مسلسل الحوار الطويل المفتوح معه على صحيفة المثقف، وجدت الفرصة سانحة لأمارس (نقد النقد) على ما بين يدي من عصارة فكره وأصول منهجه، طالما أنه منهج مثير للاهتمام والجدل.

ثم يؤكد "صالح الطائي" أن منهج نقد النقد الذي سيتبعه في تقييم مشروع ماجد الغرباوي يعتمد على مراجعة بعدية، وتحول معرفي لمفهوم قديم جعل من النقد نفسه موضوعاً للتفكير والتحليل، والتفكير، والمراجعة، أي جعله موضوعاً للنقد هو الآخر النقد. وهو يتقاطع في مباحثه مع جملة من السياقات المتصلة بالبحث في ميدان الإبداع بصورة عامة، مثل النظرية والتنظير النقدي. هدفه مراجعة القول النقدي ذاته، وفحصه...

وللحديث بقية...

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليمن الواضح جدا الجهد الفكري للدكتور صالح الطائي في كتابه: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي)، وقد تناول بالنقد مجموعة آراء لماجد الغرباوي، كما قارن بين رؤيتيهما حول جملة موضوعات. وسلط الضوء على أبعاد مجموعة ثالثة، إضافة لمقدمة وافية عن نقد الفكر الديني وتاريخيه وأهميته. ولا يخفي المؤلف مشاعره واحترامه وتقديره لجهد الغرباوي، يقول في ص19 من الكتاب: (أما من حيث العموم فيبدو أن الأستاذ الباحث ماجد الغرباوي يحمل مشروعا لا يتبناه سوى من يحمل صليبه على ظهره ويجول بين صحارى الفكر يبحث عمن يُعلقه عليه، وهو لا يملك سوى إيمانه بنفسه ومشروعه، فالرجل رفع شعار إسقاط الساتر الفاصل بين الأمة ووقائع التاريخ ونقوله، ودعا إلى تحطيم أسطورة المعبد ليكتشف الناس وجه الله ويهتدوا إلى طريق الصواب). لهذه الأسباب وغيرها، استحق الكتاب الإشادة والمراجعة والنقد. فالطائي كما تقدم باحث قدير في مجال تخصصه، وجاء كتابه بالمستوى المطلوب. ويمكن الإشارة لجهد الكتاب بمايلي:

- قدم المؤلف استعراضا لمساحة واسعة من أفكار ماجد الغرباوي، وهو أمر يتطلب جهدا ومتابعة، لكثرة كتاباته وتعدد موضوعاتها. وبات لدينا الآن كتاب يعرف بمشروع الغرباوي، ووجهات نظره، قد يكتف به القارئ. وهذه مهمة بحثية يشكر عليها المؤلف، أكيد كلفته جهدا كبيرا لمراجعة كتبه وحواراته ومن ثم استعراض آرائه ونقدها.

- قدم لنا الكتاب وجهتي نظر حول بعض الموضوعات، وباتت لدينا أكثر من زاوية نظر، نستطيع بهما تقييم الآراء المطروحة. وإذا كان كل من الطائي والغرباوي ينتمي للفكر الإسلامي فتزداد أهمية الكتاب. فقد يعتقد البعض أن الانتماء الواحد ينتهي إلى نتائج واحدة. لكن بعد مراجعة الكتاب يجد القارئ اختلافا حول بعض الموضوعات.

- سلط الدكتور صالح الطائي في كتابه: (الإلهي والبشري والدين التراثي.. رؤية نقدية في مشروع ماجد الغرباوي)، الضوء على قضايا مهمة في مشروع ماجد الغرباوي، وبين مدى عمقها وقوتها، ولولا هذا الجهد قد تفوتنا ونحن نتابع ما يطرحه الغرباوي من أفكار. فنجده يتوقف عندها ويتأملها.

- استطاع المؤلف المحترم لملمة جهد الغرباوي بعد اتساعه، وقد اتضح من الكتاب سعة مشروع الغرباوي على مستوى الاصلاح والتجديد والتسامح، إضافة لمشروعه الفكري العميق في موسوعة متاهات الحقيقية. وهذا بحد ذاته جهد مهم يشكر عليه، وعملية ليست سهلة لولا أنه باحث ممارس.

- فتح الدكتور صالح الطائي آفاقا واسعة لنقد المشروع الفكري لماجد الغرباوي من خلال تسليطه الضوء على آرائه. وباتت لدى الباحثين فرص جديدة لمتابعة النقد والقراءة. وهذا يدل لا على سعة الباحث فقط بل على قدراته في البحث والنقد.

أعود لمتابعة قراءتي للكتاب، وهو الأهم في هذه المقالات، والغاية منها التكامل والإثراء، وبيان أسباب الاختلاف والتباين بين الآراء، في ضوء خبرتي واطلاعي على المشروع الفكري لماجد الغرباوي، وما هي أهدافه. وكيف يمكن لنا مقاربتها من خلال متبنياته النظرية. فهو يسر وفق رؤية متكاملة، وإطار نظري يحكم آراءه.

ما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضى بأن السلطة السياسية تلعب الدور الأساس في إطلاق أي مشروع نهضوي؛ إذ لم يسجل التاريخ الحديث ولمعاصر ولادة حركة تحديثة ناجحة في أي من المجتمعات البشرية لا تنسب إلى شخصيات سياسية متنورة شكلت مركز استقطاب للغالبية الساحقة من المثقفين المبدعين الذين وضعوا عصارة أبحاثهم؛ ولا تستقيم إشكالية الحرية والإبداع في علاقاتها المتشابكة والمعقدة بالدولة والمجتمع إلا عن طريق مؤسسات ثقافية عصرية أو مناخ ثقافي حر يساعد على الإبداع بمختلف أشكاله، ويقيم تواصلاً ما بين الثقافة والمثقفين المبدعين من جهة، ومع الدولة العصرية الديمقراطية والعادلة من جهة أخرى.

انطلاقاً من هذه الرؤية المنهجية يمكن القول بأن القراءة التي أقدمها لكتاب صالح الطائي (السالف الذكر) لا تدعي الشمولية، ولا الإحاطة، بل هي قراءة اجتزائية، وربما كانت أحياناً مبتسرة، لكن الغاية المتوخاة منها هي إثارة الفضول لدى قراءنا الأعزاء في الشرق والغرب، واقتراح أرضية للنقاش علي هامش هذا المؤلف الهام؛ شعارة "الاختلاف لا يفسد للود قضية" .

وهنا أستطيع أن أقول (كما تبين لي من قراءتي العميقة للكتاب) أن ما فعله "صالح الطائي" في كتابه، إضافة لما تقدم من نقاط مهمة، أنه دافع عن معتقداته من جهة، وهذا حق مشروع، ومكفول لكل شخص، وكان ينبغي له أن يفعل ذلك. وأكد في ذات الوقت أنه في ذات المسار الفكري للغرباوي، ولهما  نفس التطلعات، وهذا أيضا سيدلنا على نقاط الالتقاء والافتراق، يدلنا عليها نفس الكتاب.

بيد أن الحقيقة كما ذكرنا في المقال السابق بأن الدكتور صالح الطائي باحث إسلامي، كما هو مثبت في سيرته، وأكده في هذا الكتاب ص13. ولكل باحث متبنياته العقدية ومنهجه العلمي. ولا ريب أن اختلاف المنهج قد يفضي لاختلاف النتائج.. كما أن الأطر الفكرية، وأفق المعرفة، وطبيعة الوعي تفرض محدداتها. واعتقد أن قراءة الباحث الإسلامي، أياً كان،  منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه، والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات.

من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدّس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدّس وقوة سلطته المعرفية، فهو مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة. وعندما يعلن أي باحث اتجاهه الفكري، يمكننا فروا التعرف على منهجيته، بل وربما نتائج مقارباته، لأنه سيكون محكوما لانتمائه. وهذا لا يعني التشكيك، والكلام حول سعة الأفق ومددات القراءة، التي ستكون خارج محكومة لخلفياته، خاصة النص المقدس. فتارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فَيُؤثر الباحث التمادي بالتبرير على خدش حصانة النص. ويغفل أن النصوص جاءت لمعالجة الواقع، وفعليتها ترتبط بفعلية ظروفه، وليست أحكاماً مطلقة تتعالى على شروطها التاريخية وفلسفة تشريعها. (أنظر: كتاب النص وسؤال الحقيقة لماجد الغرباوي، ص33 – 34). لا يمكنه مغادرة منظومته العقدية فضلاً عن نقدها. وهذا ما أكده صالح الطائي: أن ما طرحه ماجد الغرباوي من أفكار جاء منسجماً مع منهجه ومتبنياته الفكرية والعقدية، التي أشار لها في أكثر من موضع، لكنه تحدث عن منهجه في كتاب الفقيه والعقل التراثي كثيراً، ولاسيما موضوع التأصيل العقلي. أو المنهج في تصحيح الروايات وتبني الفهم بدلاً من التفسير في فهم النص الديني، وتوظيف الفلسفة ومعطيات العلوم الإنسانية الحديثة كالتفكيك، الإركيولوجيا، الأنثربولويجا، السيسيولوجيا، وعلم النفس، والأهم الهرمنيوطيقيا، (كتاب: الإلهي والبشري والعقل التراثي للدكتور صالح الطائي: ص13. فثمة اختلاف جوهري في المنهج. وهذا يعني أن كل باحث أيديولوجي يبقى سجينا داخلها، إلا إذا تحلل من قيودها وسلطتها. فالباحث الديني محكوم لقدسية النص مثلا، ولعقيدته. وهذا حقه خاصة عنما يبنعي على عقيدته على الدليل والبرهان. وكلامنا عن الفارق بين الباحث المتحرر، بلا قيود، وكل شيء أمامه قابل للنقد والمراجعة دائما، وبين باحث ملتزم بيقينياته. فالمسألة في دائرة المعرفة، وحدودها وآفاقها.

وفي اعتقادي أن ماجد الغرباوي (كما أعرفه شخصياً وعشته فكرياً) يشعر بحرية تامة بلا أي تحيز في قراءته للنص، والنص المقدس خاصة، لأن مفهوم القداسة عنده يختلف في معناها: القداسة تعني عنده، صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وقد ذكر تفاصيل، كيف يمكن تحديد الملاك من خلال مبادئ الجعل، والقضية تخصصية، والتفصيل في محله. فالقداسة عنده ثراء النص وتعاليه، وهذا يختلف عن معنى هدر القداسة (أنظر الحلقة 154 من الحوار المفتوح). وهذا يعني كما أفهم من منهجية الغرباوي في قراءة النص المقدس، حرية النقد والمراجعة، بمعنى فهم كل الظروف المحيطة بصدور النص، مهما كان مقدسا، وسياقاته الفكرية والثقافية والاجتماعية المحيطة به. فيكون الواقع شريكا في فهمه، لذا يختلف فهم النص باختلاف الواقع، وهذا ما أشار له مرات عدة، خلال كتاباته. فهو يشترط في استباط الحكم الشرعي دراسة تاريخ الحكم وفلسفة صدوره، كما في تعريفه لمفهوم الفقه: (هو إدراك فلسفة التشريع في ضوء فهم متجدد لدور الدين والإنسان في الحياة، وتحري مقاصد التشريع، وغايات الشريعة خلال عملية استنباط الحكم الشرعي). (كتاب: الفقيه والعقل التراثي: ص79) لتحديد مدى فعلية الحكم الشرعي، حينما يفقد الموضوع صدقيته أو بعض شروطه. لأنه يؤمن بقاعدة أصولية: أن فعلية الحكم الشرعي ترتهن لفعلية موضوعه، التي تتوقف على تمام شروطه وقيوده، ومع عدم فعليتها، فلا فعلية للحكم الشرعي. وهذا ليس خروجا على قدسية النص، قدر فهمه واستنباط رؤى جديدة. (وهذه القاعدة طالما ارتكز لها الباحث، أنظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ص113). مما يعني، مهما كانت قداسة النص لا يمنع من مقاربتها بمناهج علمية حديثة، حينما اعتبر اشترط على الفقيه فهم تاريخ الحكم وفلسفة صدوره، وتاريخ الحكم يتطلب تقصي سياقاته التاريخية.

بينما القداسة في المفهوم المتداول، دوغمائية، وجمود على حرفية النص، تقتصر مهمة الباحث اتجاهها على الشرح والتبرير. فالمنهج النقدي بالنسبة للغرباوي منهج موضوعي يأخذ بالدليل والبرهان، ومناقشة الأفكار بعيداً عن قدسيتها، وطالما صرح الغرباوي أن العقل فوق النص. فكيف نفهم كلام صالح الطائي في الصفحة 13 من الكتاب: (وهذا لا يعني أننا نجتهد قبالة النص المقدس بقدر كوننا نريد لهذا النص أن يحافظ على قدسيته بعد أن تعرض للتشويش بسبب الآراء الجامدة والفهم الأسطوري التراثي)؟. شخصيا ومن خلال متابعتي لكتابات الغرباوي، لا يتفق مع هذا الكلام، كليا، رغم اتفاقهما حول قدسية النص، لكن كما تقدم يختلفان حول مفهوم القدسية، والغرباوي يذهب بعيدا، عندما يضع العقل فوق النص، ويظهر بنتائج مختلفة وفقا لما حدده من شروط استنباط الأحكام الشرعية، والتي بناها وفقا لمنطق الخلافة في مقابل منطق العبودية، والذي فصله كثيرا في كتاب الفقيه والعقل التراثي.

والنتيجة هل الغرباوي يجتهد قبال النص، الذي نفاه عنه الطائي؟. الاجابة ليست جاهزة، وصريحة، وتتطلب فهم منهج النقد واستنطاق الحقيقة عند الغرباوي، وقراءة كتاب الفقيه والعقل التراقي بإمعان وتدبر. فالنص عندما يفقد الموضوع فعليته، بناء على رأيه، ستنتفي فعلية الحكم الشرعي. فكم من حكم شرعي سيفقد فعليته وفقا لرأي الغرباوي؟ وهل هذا اجتهاد مقابل النص أم لا؟. الباحث أكد على نقطة مهمة. ان عدم فعلية الحكم لا تعني إلغاءه. وهي نقطة مهمة في نظري، لنفهم نحن أمام اجتهاد جديد، ورؤى عميقة تتطلب التاني والتأمل في قراءتها. فأتحفظ على التعميم في كلام الاستاذ صالح الطائي ليشمل رؤية الغرباوي حول قدسية النص للأسباب المتقدمة. لكن أيضا يجب التأكيد على موقفهما الموحد من النص المقدس.

لقد استطاع الغرباوي  التحرر من قبلياته وأحكامه المسبقة والتحرر من كل سلطة فوقية تتحكم بتفكيره، وهو يقارب النص الديني، وهو واضح للجميع، وهذا سر ما توصل له من نتائج خاصة على صعيد العقيدة، يشهد لذلك كتابه: "مدارات عقائدية ساخنة"، وكتابه "الفقيه والعقل التراثي"، وكتابه "مضمرات العقل الفقهي". حيث قارب قضايا تعد محرمة، واخترق مقولات على درجة عالية من القداسة، ليكشف لنا عن بشرية مجموعة مقدسات عقدية. بينما لا يمكن التحرر من النسق العقدي المتداول، ولا يمكن للباحث الإسلامي أن يخرج بذات النتائج. فالاختلاف في المنهج وزاوية النظر، وهذا يضع مسافة بين الرؤيتين.

المسألة ليست صوابا وخطأ بقدر ما هو اختلاف في المنهج والمتبنيات العقدية والفكرية. وعندما ينقد صالح الطائي آراء  ماجد الغرباوي وفقا لمتبنياته، فهو يعرض وجهة نظر مقابل وجهة نظر أخرى، ولا يصدق حينئذ مفهوم النقد. وهو حق مكفول له. النقد أن يشترط مناقشة الكاتب وفقا لمتبنياته، واثبات خطئها أو خطأ الاستنتاجات وفقها. وأما استعراض الأفكار فهو مقارنة بين رؤيتين حول موضوع واحد من زاويتين ومنهجين مختلفين. للأسف لم أجد في كتاب صالح الطائي أية مقاربة نقدية بهذه المواصفات؛ فأغلب الكتاب هي دفاعاً عن متبيناته العقدية والفكرية والإيمانية، وهذا حقه، ومقارنته بين فكرين.. إن ما يوجه عقيدة الغرباوي تمثل موقف الباحث المتأمل لمعرفة الحقيقية، بينما صالح الطائي ينبري لا شعورياً للدفاع عن عقيدته ومتبنياته فلا يصدق النقد، ويبقى محكوما لمنهجة وزاوية نظره.

ثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة وهي تتعلق بما ذكره صالح الطائي في كتابه (ص 16) من أنه تابع أحد المواضيع التي نشرها ماجد الغرباوي حول مفهوم النقد الثقافي في مشروع المفكر العراقي، فوجد أنه يبيح له ولغيره من الباحثين مهمة دراسة وتفكيك ونقد فكره؛ خاصة عندما رأى الغرباوي أن النص الديني ليس بريئاً، واتهمه بالمراوغة، وأنه يخفي أكثر مما يُظهر، ويضمر أكثر. كما استشهد صالح الطائي بمقطع من المقال: "القراءات التأويلية تطورت مستفيدة من التراكم الدلالي للنصوص خلال تفكيكها وفقاً لمنهج التفكيك الذي يحفر داخل طبقات النص ومخاتلاته في رحلة لاستكشاف أنساقه التي تتداخل تارة وتتعارض تارة أخري أو تتكامل وقد تشكل دوائر داخلية فنتنج معرفة جديدة حتي باتت المعرفة التأويلية واستنطاق النصوص أهم حينما تكشف مرجعياتها وطريقة أدائها داخل النص".

وأظن أن هذه حقيقة يعتقد بها الغرباوي، وبالضرورة ستشمل نصوصه.  وهي خاصية النصوص (ونحن خبراء بذلك تماما)؛ لكن ينبغي بيان نقطة مهمة وهي: أن تحيز الباحث لقبلياته تارة تحيز تفرضه قوانين المعرفة البشرية، وقوانين اللغة، وهذا لا جدال حوله، مادام يتوقف عليه ذات الفهم- (أقصد فهم النص)؛ أي نص كان يتوقف على قبليات المتلقي والقارئ. بل لولا هذه القبليات لا يمكن التفاهم بين بني البشر، فهذه قبليات تفرضه ضرورة الفهم.

وأما الانحياز المفروض أو الذي يقلب البحث إلى بحث أيديولوجي ممالئ، فهو الانحياز لقبلياته العقدية والفكرية التي يعتبرها نهائيات لا يطالها النقد والمراجعة؛ وقد ذكر ماجد الغرباوي في حواراته: "ثمة تأويل متاح شريطة أن يكون تأويلاً موضوعياً، غير متحيز، رغم استحالة عدم التحيز، وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة، وكيفية إنتاج المعرفة، وكل إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته. وما قصدته بالموضوعية هنا هو التأويل الناتج عن تدبّر وتأمل في أعماق النص، وتحري أنساقه وامتداداته ومضمراته، بعيداً عن أي اسقاطات عقدية أو فكرية. فيكون الفرق بين التأويل الموضوعي والأيديولوجي" (أنظر الحوار المفتوح للغرباوي الحلقة: 156).

وأنتقل إلي نقطة أخرى ذكرها صالح الطائي في كتابه (ص 19)، وهي أنه من خلال تفكيكه لمشروع ماجد الغرباوي أكتشف أن هذا المشروع يتحرش بالممنوع الحقيقي والأسطوري بشكل لا يصدق، ويقتحم الخطوط الحمراء دون سابق انذار، ولا تخشي لومة لائم، (خاصة) حينما يحمل سيفين واحد باليمين وآخر بالشمال، فيطلب من أهل السنة أن يعيدوا النظر بنظرية عدالة الصحابة، ويطلب من الشيعة كذلك أن يعيدوا النظر في عصمة الأئمة!

وهنا أقول عندما يمارس "ماجد الغرباوي" النقد على النص، فهو لا يتوقف عند حدود المقدس، بناء على مفهومه الذي تقدم بيانه، ويغور عميقا في أعمقه.. هو يدرس تاريخه ومبررات صدوره، وما يظهر ويخفي، وما هي مضمراته بالتحليل، والتفكيك، والحفر الإركيولوجي، والفهم الهرمنيوطيي.. ولا شك أنه عرف بكثرة استفزازاته للمتلقي؛ خاصة حينما يتوغل في أعماق المقولات العقدية، لاكتشاف بشريتها، مهما كانت مقدسة.. ولديه قناعة تامة ذكرها الغرباوي في موارد عدة من كتاباته وحواراته، بأنه :" لا تجديد ولا اصلاح ما لم نخرج من النسق العقدي المألوف، وذلك من خلال نقد مقولاته، وبيان بشريتها وحقيقتها ومدى قدسيتها".. وهذا أحد أسباب تخلفنا (كما يقول الغرباوي)، فهو يريد "النهوض حضارياً دون المساس بيقينياتنا ومقدساتنا، بينما ثمة تخلف خفي سببته تلك اليقينيات؛ فمثلا عدالة الصحابة عند السنة، وعصمة الائمة عند الشيعة كم أرهقت المسلمين ومازالت"، وحينما ينقد (الغرباوي) مقولاتهما فإنه يكتشف بشريتها، ومن ثم فإنه ( كثيراً ما يقول) بأنه "سيقوم بمراجعة شاملة لكل المقولات والآراء والأفكار والعقائد القائمة على هاتين المقدمتين. فالنقد العقائدي يوفر رؤية جديدة، تستمد شرعيتها من الأدلة والبراهين العقلية" ... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

صالح الطائيقراءة في إصداري الجديد "الإسلام ومحنة افتراق الطرق"

بعد أن الفت عددا كبيرا من الكتب في حقل الدراسات الدينية والفكر الديني، وجدت ان نمطية التعامل مع الأحداث الجليلة لم تنفع في تنمية قدراتنا على فهم الواقع والتماهي معه، لأنها كانت في الغالب منحازة بشكل أو بآخر لتحقيق مكاسب فرقية على حساب الكلية الجمعية، وربما لم تخرج تلك الكتابات من أجواء الشائع في التأليف، وفق النمط المتوارث إلا في حدود ضيقة.

لكني بعد أن تعرضت للاختطاف على يد إرهابيين راديكاليين إسلاميين متطرفين في عام 2006، ولبثت لديهم أسيرا مدة ثلاثة عشر يوما، ومن خلال حوارهم وتحقيقهم معي، وهو عادة كان مقرونا بالتعذيب والتهديد والتكفير والتعميم؛ اكتشفت أن هناك هوة سحيقة تفصل بين كيانات أمتنا، حولت كل واحدة منها إلى كلية قائمة ومبنية على مناهج طائفية تتكلم باسم الدين وتتحرك تحت شعاراته ولكنها أبعد ما تكون عن الدين وحقيقته التسامحية، واكتشفت أن جل هؤلاء بما فيهم من حصل على فرصة تعليم جيدة تم خداعهم، والضحك على ذقونهم، وتمت أدلجتهم وفق ثقافة القطعنة ونبذ الآخر وتكفيره، وبالتالي هم ضحايا مثلي لتلك الثقافة الكريهة، وهذا يعني أن الأكاديميين والباحثين والكتاب والمؤلفين ورجال الدين لم يؤدوا دورهم البنائي الحقيقي وما يطلبه الإسلام منهم، وانهم هم من أذكى ثقافة التباعد وروح العدوان لدى هؤلاء الشباب، وان علينا أن نعيد النظر في أساليب تعاملنا مع الموروث الديني بما يؤسس لثقافة مقابلة تدعو إلى الخير والصلاح والوحدة والتقارب، والخروج من تحت عباءة الموروث إلى فضاء الحرية الأوسع، وان نتعامل مع النقول بنوع من الريبة والشك طالما أننا نعرف مقدار الضغط والتحريف والتغيير الذي تعرضت له خلال حقب تاريخية مختلفة، أبعدها عن حقيقتها وعن مقاصدها، فالشك ربما يوصلنا إلى يقين يختلف كثيرا عما اعتقد به أسلافنا.

2223 الاسلام ومحنة الافتراق

بعد ان تحررت من قبضتهم منتصراً، آليت على نفسي أن أترك منهجي القديم وأبدأ في العمل وفق الرؤية التي خرجت بها، وكان أول كتاب ألفته برؤية أخرى هم كتاب "نحن والآخر والهوية" الذي طبع عدة مرات منها طبعة قناة العراقية الفضائية.

ومنذ عام 2010 ومن خلال كتابي الموسوم "نظرية فارسية التشيع بين الخديعة والخلط التاريخي والمؤامرة" نجحت في تجاوز مرحلة التأطير بشكل شبه كامل على أمل الوصول إلى فهم معمق لواقعنا الإسلامي العام، بعد ان ايقنت أن النجاح لا يتحقق من خلال الانحياز القطيعي للجماعة، بل من خلال العمل على فهم الآخر وفق معايير علمية غايتها فتح أبواب الحوار المنطقي الشفاف دون تجريح او تحيز، والتنازل عن كثير من القناعات التراثية، والتحرر من الخوف.

وقد نجحت في هذا المسعى بدليل أن الكتاب نجح في كسب هوية إسلامية عامة يستحيل معها ان ينسب إلى جهة ما أو فئة او جماعة.

وكان النجاح الذي حققته من خلال هذا الكتاب كاسحا إلى درجة أنه لا زال يتصدر قوائم  المبيعات في معارض الكتب الدولية، ويجلب الاهتمام الكبير، وفي ذات الوقت كان حافزا لي لكي أتبنى هذه المنهجية الجديدة بعد أن أيقنت أن العلاج يجب أن يتم من خلال تشخيص دقيق لا من خلال رؤية سطحية.

بعد هذا التاريخ أنجزت أكثر من 30 مؤلفا كلها تقريبا اتبعت فيها المنهجية ذاتها والأسلوب ذاته، وقد لقيت استحسانا وقبولا لدى الفرق الإسلامية، طالما أنها تسعى إلى تشخيص العلة الأصلية، بحثا عن حل يرضي الأطراف، بدل أن تنخدع بالشكل النمطي العام، فالصداع مثلا لا يعالج بحبة أسبرين، بل يجب البحث عن مسبباته الأصلية، طالما أن هناك أكثر من مائتي نوع منه تصيب الإنسان مثلما يرى العلماء، ولكل نوع منها أسبابه وطرائق تشخيصه ومعالجته، ومتى ما تمت معرفة السبب الحقيقي للصداع وشخصت العلة الحقيقية، يتم وصف العلاج الذي سيكون ناجحا بالتأكيد.

وفق هذه المنهجية أصدرت مجموعة مؤلفات جوبهت بعضها بمعارضة من قبل القريب، كانت أشد وأقسى من معارضة الآخر المتشدد، ولكنها لقيت القبول والاستحسان من المعتدلين في الفرق الإسلامية، بما يؤكد ان الاعتدال وحده ممكن أن يوصلنا إلى فهم أنفسنا قبل محاولة فهم الغير، لكن بشرط أن يتعامل الإنسان من وحي الضمير وروح الإنسانية والوازع الأخلاقي النبيل، وأن يؤمن أن كل فئة وكل فرقة وكل مذهب وكل دين يعتز بموروثه ويقدسه غالبا، ومهمة الباحث الحقيقي تنحصر في أن يبحث عن المناطق الرخوة في هذا الموروث ويعمل على تفكيكها وربطها بكل المناطق الأخرى، وسيحصل حتما على الكثير من الإجابات لأسئلته المحيرة، وهذه الإجابات هي التي يجب أن يعول عليها في بناء منظومة البحث لينال قبول الجميع حتى ولو بمستويات مختلفة. فحينما تتفتح أبواب التسامح والقبول في مجتمع ما تتهدم السدود والحدود الوهمية.

وفق هذه المنهجية أصدرت مؤخرا كتابا بعنوان "الإسلام ومحنة افتراق الطرق" تحدثت فيه عن التآلف والخلاف والفراق، والدعوة إلى التوحد، وحديث اختلاف أمتي رحمة، ودور اللغة في بلورة المفاهيم، ثم الحديث عن حديث تفترق أمتي ورأي المدارس الفقهية فيه؛ تلك المدارس التي اختلفت حول كل شيء باستثناء ما تدعم به مناهجها، وبينت أن الحديث يجب أن لا يعامل كنبوءة جامدة غير قصدية وجبرية الحدوث، بل كان يجب على الأوائل مثلما يجب علينا الآن أن نتعامل معه وكأنه تحذير نبوي بخطورة ما سيصيب الأمة إذا افترقت؛ وان هذا الافتراق والاختلاف سيحصل للأسف، وأن على الأمة كل الأمة أن تستعد للعمل على مجابهة الافتراق، وتعمل جاهدة على عدم تحققه من خلال تكاتفها وتعايشها وتعاونها، لكن مع ذلك ومع خطورة التحذير، لم يسعَ أي طرف من الأطراف الأولى على كثرتها إلى العمل على تجنب الافتراق، والانسياق خلف التحذير النبوي كوصية تحذير موجهة لكل مسلم تؤكد له أن عليه أن يعمل جاهدا من أجل أن لا يحدث الافتراق وتختلف الأمة فيما بينها.

الآن وبعد ان تحول الافتراق إلى عسكرة حقيقية تحمل شعارات التكفير والقتل والتهجير، ومع وجود هجمة شرسة تهدد وجود الإسلام في الصميم، في وقت تحول الكهنة إلى أبالسة، وانتقلوا من دعاة للتمسك بالدين وفق خطابات أغلبها لا تملك أصلا ثابتا في الشريعة؛ إلى معاول هدم تزرع الفرقة والبغضاء بين أفراد الأمة، وتحولت وصاياهم التي كان يجب أن تزرع روح المحبة في الإنسان إلى نيران تحرق الأخضر واليابس، وتستثير الجهلة والأميين وتدفعهم للبحث عن الجنان وحور العين من خلال قتل الآخر وسلب أمواله وهتك عرضه، كل ذلك باسم الدين وتحت راية الله أكبر، بات لزاما على كل حريص أن يبدا بالعمل على تهديم تلك الثقافات التراثية البالية واعتماد مناهج علمية في الحوار والبحث والكتابة، وهذا ما سعيت إليه من خلال هذا الكتاب.

صدر الكتاب بواقع 151 صفحة وبغلاف جميل تزينه لوحة للفنان العالمي الجزائري طيب لعيدي أهداها لي شخصيا لتزين غلاف هذا الكتاب عن دار ليندا للطباعة والنشر في سوريا بداية هذا العام.

 

الدكتور صالح الطائي