رياضـالسنديتمهيد: في ظهيرة يوم الخميس 14 نيسان من عام 30-33م [1]، قبل 2020 سنة، وفي السنة السابعة من حكم الوالي الروماني على اليهودية بيلاطس البنطي (26-36م) وفي السنة العشرين من حكم القيصر الروماني طيباريوس (13-36م) [2]، الموافق 13 أبيب لسنة 3760 يهودية (حالياً سنة 5780 عبرية) وبعد نشاط تبشيري إستغرق بحدود سنة إلى ثلاث سنوات، إشتهى يسوع الناصري الذي كان يتجول ويتنقل بين مدن وقرى مقاطعة اليهودية، أن يتناول الفصح أو الفطير في عيد الفصح اليهودي الذي يقام سنوياً في بَيْتِ عَنْيَا بقرب المدينة المقدسة أورشليم، قائلاً لِرُسُلِهِ:‏ «اِشْتَهَيْتُ شَهْوَةً أَنْ آكُلَ هٰذَا ٱلْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ».‏‏ (لوقا 22-15)‏.

كانت أورشليم مزدحمة جداً بالحجّاج أثناء موسم الفصح. كان عدد سكان أورشليم 25-30 ألف نسمة تقريباً. بينما يُقدَّر عدد الحجاج أثناء الفصح 85-135 ألف نسمة. لهذا قُدِّر عدد الناس الكلي أثناء موسم الفصح أكثر من 100,000 نسمة. [3]

تقاليد الفصح اليهودي

كما هي العادة في المجتمعات الزراعية، فإن إحتفالاتها تكون في موسم الربيع. ويستغرق الفصح اليهودي سبعة أيام من الإحتفالات تبدأ من يوم 15 نيسان. [4]

الامتناع عن الخمير حيث إن معظم تقاليد العيد مأخوذة من وصفة في التوراة مع التفاسير التي أضيفت إليها عبر العقود. ومن أبرز مميزات العيد هو الامتناع عن أكل الخبز أو أي طعام مصنوع من العجين المختمر، وبدلاً من الخبز يؤكل الفطير غير المختمر المختبز للعيد بشكل خاص، ويسمى هذا الفطير بـ"ماتْساه" (מַצָּה). ويشرح سفر الخروج هذا التقليد كرمز لاستعجال بني إسرائيل عند خروجهم من مصر حيث لم يتمكنوا من الانتظار لانتفاخ العجين عندما أعدوا مؤونتهم.

حسب الشريعة اليهودية المعاصرة على كل يهودي التخلص من كل المأكولات المصنوعة من عجين مختمر قبل حلول العيد وأن يقوم بحرق ما يبقى من هذه المأكولات في طقس يقوم به عشية العيد عبارة عن استعداده لأداء وصايا العيد.

والتقليد الأهم فيه هو عشاء العيد تعرف عشية العيد باسم "ليل هسيدر" (לֵיל הַסֵּדֶר "ليلة المنهاج") وفيه يجتمع أبناء العائلة والأقرباء للعشاء الاحتفالي المرافقة بصلوات وسلسلة من الطقوس الدينية، وتعرض تفاصيل منهاج الصلوات والطقوس في كتاب خاص يسمى ب"هچداه" (הַגָּדָה "سرد"). "كتاب الهجداه" هو من أكثر الكتب التقليدية انتشاراً لدى اليهود، وهو يحتوي على نصوص ذات علاقة بالعيد من التوراة، الميشناه والتلمود كما يحتوي على صلوات العيد والمزامير مع تعليمات عن الوقت الملائم لقراءة كل منها وطريقة أداء الطقوس المرافقة بالقراءة. ويتكون العشاء من: بقدونس – الأعشاب المرة – خليط المكسرات المطحون مع تفاح – بيض مشوي مكسور – ماء بملح – برتقال -مع إضافة عظمة مشوية لخروف في الطبق. وبالطبع مع هذا أربع كؤوس من النبيذ (عصير عنب).

من أهم الطقوس هو شرب أربع كؤوس من خمر العنب خلال قراءة نصوص ال"هجاداه"، كذلك يغني أصغر أبناء العائلة ترنيمة بعنوان "ما نشتانا" (מָה נִשְתָּנָה "كيف تختلف"، أي كيف تختلف هذه الليلة عن باقي الليالي). وتطرح في هذه الليلة أسئلة عن العيد وأجوبة يغنيها جميع أفراد العائلة وهي عبارة عن واجبهم لسرد قصة الخروج لأبناء الأجيال القادمة. في نهاية العشاء يفتح أحد الشيوخ مع أحد الأولاد باب البيت ويدعوان إيليا لينضم إلى العائلة عند شرب الخمر ويبارك أبناء العائلة. وعادة يستحم أفراد العائلة أستعداداً وطهارة للعيد، وعند وجود ضيوف لديهم، يقوم ربُّ العائلة بغسل أقدامهم كنوع من التكريم.

ويقوم صاحب الدار بتكليف أحدهم بتوزيع بعض الأموال على الغرباء -كما هي العادة في الأعياد عند كل الشعوب- ولهذا فقد أرسل يسوع تلميذه يهوذا خازن المال أو أمين الصندوق -والذي غالباً ما أتهم باختلاسه من تلك الأموال- إلى أورشليم لهذا الغرض، وهناك تمكّن الكهنة اليهود من رشوته بمبلغ ثلاثين قطعة من الفضة مقابل أن يدلّهم على معلمه يسوع، في قُبلة هي الإشارة إليه، لكيلا يتم الخلط بينه وبين تلاميذه في ظلام المساء، ولتلافي هروبه منهم.

العشاء الأخير ليسوع

تعني كلمة فصح في العبرية "العبور"، وهي بحسب سفر الخروج الليلة التي تحرر بها بنو إسرائيل من فرعون، بعد أن "عبر" ملاك الله عن البيوت التي عليها دم الحمل بينما قتل الأبكار في البيوت التي لم تكن عليها تلك العلامة. ويدعى اليوم الثاني من تذكار الحدث "يوم الفطير" حيث تجتمع عائلات بنو إسرائيل استذكارًا لخروج أسلافهم من مصر، ويتناولون فطيرًا أي خبزًا غير مخمر، إذ إن أسلافهم عند خروجهم من مصر لم يتسع لهم الوقت ليختمر العجين فخبزوه دون خمير، وفق سفر الخروج أيضًا، كما يتناول حمل الفصح وبعض الأعشاب المرّة في ذلك العشاء. وبهذه المناسبة أمر يسوع بطرس ويوحنا بن زبدي حسب إنجيل لوقا أن يذهبا إلى القدس ويطلبا من أحد الرجال إعداد المكان الذي سيتناول به الفصح مع التلاميذ، وهو مكان قريب من بستان الزيتون حيث يسوع قد انتقل بعد العشاء.

وعَمَلًا بِإِرْشَادَاتِ يَسُوعَ،‏ يَصِلُ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَبْدَآنِ بِإِعْدَادِ تَّرْتِيبَاتِ الْفِصْحِ.‏ وَجَاءَ يَوْمُ الْفَطِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْبَحَ فِيهِ الْفِصْحُ. فَأَرْسَلَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا قَائِلًا: «اذْهَبَا وَأَعِدَّا لَنَا الْفِصْحَ لِنَأْكُلَ» فَقَالاَ لَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ؟». فَقَالَ لَهُمَا: «إِذَا دَخَلْتُمَا الْمَدِينَةَ يَسْتَقْبِلُكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ إِلَى الْبَيْتِ حَيْثُ يَدْخُلُ، وَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: يَقُولُ لَكَ الْمُعَلِّمُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَذَاكَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً. هُنَاكَ أَعِدَّا». فَانْطَلَقَا وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ. وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاثْنَا عَشَرَ رَسُولًا مَعَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، أَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ». ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ». وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». وَكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ. وَلكِنْ هُوَذَا يَدُ الَّذِي يُسَلِّمُنِي هِيَ مَعِي عَلَى الْمَائِدَةِ.

وَسُرْعَانَ مَا يَصِلُ هُوَ وَتَلَامِيذُهُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ.‏ فَيَتَوَجَّهُونَ إِلَى ٱلْبَيْتِ حَيْثُ سَيَأْكُلُونَ ٱلْفِصْحَ،‏ وَيَصْعَدُونَ إِلَى ٱلْعُلِّيَّةِ ٱلْكَبِيرَةِ.‏ فَيَجِدُونَ كُلَّ شَيْءٍ مُعَدًّا لِيَتَنَاوَلُوا هٰذِهِ ٱلْوَجْبَةَ عَلَى ٱنْفِرَادٍ.‏ لَقَدْ كَانَ يَنْتَظِرُ بِشَوْقٍ هٰذِهِ ٱلْمُنَاسَبَةَ.‏ لِذَا يَقُولُ لِرُسُلِهِ:‏ «اِشْتَهَيْتُ شَهْوَةً أَنْ آكُلَ هٰذَا ٱلْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ».‏ ‏[لوقا 15:22‏].‏

وقد دَرَجَتِ ٱلْعَادَةُ أَنْ تُمَرَّرَ عِدَّةُ كُؤُوسٍ مِنَ ٱلْخَمْرِ إِلَى ٱلْمُحْتَفِلِينَ.‏ وَيَأْخُذُ يَسُوعُ وَاحِدَةً مِنْهَا،‏ ثُمَّ يَشْكُرُ وَيَقُولُ:‏ «ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْسًا وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ». وَأَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلًا: «هذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ. اِصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي». َكَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَ الْعَشَاءِ قَائِلًا: «هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ.».‏ [لوقا18:22]

ويعتبر هذا الحدث شديد الأهمية في المسيحية إذ به أسس يسوع، وفق الإيمان المسيحي، القداس الإلهي والقربان الأقدس ويدعى يوم استذكار ذلك سنويًا «خميس الأسرار»، لكونه قد شهد تأسيس سري الكهنوت والأفخارستيا. ويؤمن الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيون والمشرقيون وكذلك أتباع كنيسة المشرق الآشورية وأغلب البروتستانت بأن الخبز والخمر يتحولان فعلاً في جوهرهما إلى جسد يسوع ودمه بينما اكتفت بعض الطوائف البروتستانتية بالمعنى الرمزي للحدث. [5] وهنا ظهر فصح مسيحي إل جانب الفصح اليهودي.

وَبَيْنَمَا هُمْ يَحْتَفِلُونَ،‏ فَإِذَا بِيَسُوعَ يَقُومُ عَنِ ٱلْعَشَاءِ،‏ يَضَعُ رِدَاءَهُ جَانِبًا،‏ وَيَأْخُذُ مِنْشَفَةً.‏ ثُمَّ يَصُبُّ مَاءً فِي طَسْتٍ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُ.‏ فِي ٱلْعَادَةِ،‏ يَحْرِصُ صَاحِبُ ٱلْبَيْتِ أَنْ تُغْسَلَ أَقْدَامُ ضُيُوفِهِ.‏ وَغَالِبًا مَا يَقُومُ بِذٰلِكَ أَحَدُ ٱلْخَدَمِ.‏ (‏لوقا 44:7‏)‏ لٰكِنَّ صَاحِبَ ٱلْبَيْتِ لَيْسَ مَوْجُودًا.‏ لِذَا يَأْخُذُ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلْمُهِمَّةَ عَلَى عَاتِقِهِ.‏ طَبْعًا،‏ كَانَ بِٱسْتِطَاعَةِ أَيٍّ مِنَ ٱلرُّسُلِ أَنْ يَغْسِلَ أَقْدَامَ ٱلْبَاقِينَ.‏ لٰكِنَّ هٰذَا لَمْ يَحْصُلْ.‏ فقد أعطاهم يسوع درساً في التواضع وخدمة الناس.‏

وَعِنْدَمَا يَحِينُ دَوْرُ بُطْرُسَ،‏ يَعْتَرِضُ قَائِلًا:‏ «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ». قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي»‏.‏ يَغْسِلُ يَسُوعُ أَقْدَامَ رُسُلِهِ ٱلِـ‍ 12 جَمِيعًا،‏ حَتَّى قَدَمَيْ يَهُوذَا ٱلْإِسْخَرْيُوطِيِّ.‏ وَبَعْدَمَا يَنْتَهِي وَيَلْبَسُ رِدَاءَهُ،‏ يَتَّكِئُ ثَانِيَةً إِلَى ٱلْمَائِدَةِ." [يوحنا4:13]

إن مشاركة يسوع الناصري وتلاميذه في الفصح اليهودي تدل دلالة قاطعة إن يسوع كان يهودياً وظلّ كذلك، حتى صلبه. ولم يدّع إنه رومانياً، ولو تم ذلك لتعذر صلبه، فالمواطن الروماني لا يعاقب كالمجرمين والخارجين على القانون.

إلقاء القبض على يسوع

يبدو إن يسوع كان يخشى من إلقاء القبض عليه ليلاً، حيث يتعذر على اليهود ذلك نهاراً، لكي لا يسبب ذلك القلاقل لدى الشعب وخاصة من تلاميذه ومحبيه، وقول لوقا يفسر ذلك: وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يَقْتُلُونَهُ، لأَنَّهُمْ خَافُوا الشَّعْبَ. [لوقا2:21] لذا فقد إعتاد على أن يقضي النهار في الهيكل، ويختلي ليلاً في جبل الزيتون. "وَكَانَ فِي النَّهَارِ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ وَيَبِيتُ فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ." [لوقا37:21]

وبعد العشاء، وكما تتفق الأناجيل الإزائية تقدم يهوذا الإسخريوطي يرافقه فرقة من الجند الرومان بقيادة كورنليوس، وهم في الغالب يقيمون منفصلين عن اليهود في محميات خاصة خارج المدن، فلم يكونوا على اختلاط بيسوع وربما استقدموا في إطار حفظ الأمن خلال عيد الفصح لا غير، وقد اتفق مسلموه مع الجند ويهوذا، أن الذي يقبله هو يسوع، فبعد أن قبله قال له يسوع: "يا يهوذا أبقبلة تسلّم ابن الإنسان."[لوقا 48/22]

لا يذكر إنجيل يوحنا شيئاً عن قبلة يهوذا، لكنه يضع التسليم في إطار لاهوتي، فعندما سأل يسوع الجند من تريدون وأجابوه أنهم يريدون يسوع الناصري، قال لهم "أنا هو" [6]، وهو العبارة التقليدية في الديانة اليهودية للإشارة إلى الله فتراجع الجنود بقوة خارجية وسقطوا على الأرض، لكنهم قبضوا عليه بعد ذلك، وبحسب العقائد المسيحية واتفاق الأناجيل الأربعة، فهو من سمح لهم بالقبض عليه. حاول التلاميذ إبداء المقاومة، وقام بطرس بضرب عبد رئيس الكهنة المدعو ملخس فقطع أذنه، لكن يسوع رفض استخدام القوّة وقال: "ردّ سيفك إلى غمده!، فإن الذين يلجأون إلى السيف بالسيف يهلكون. أم تظنّ أني لا أقدر أن أطلب من أبي فيرسل لي اثني عشر جيشًا من الملائكة؟ ولكن كيف يتم الكتاب حيث يقول إن ما يحدث الآن لا بدّ أن يحدث".[متى 52/26-54] وقام بإعادة أذن ملخس إلى مكانها، ثم وجه كلامه للجند ومرافقيهم: "أكما على لص خرجتم بالسيوف والعصي لتقبضوا عليّ؟ كنت كل يوم بينكم أعلم في الهيكل، ولم تقبضوا علي ولكن قد حدث هذا كله لتتم كلمات الأنبياء".[متى 55/26] أما التلاميذ فقد هربوا بعد ذلك جميعًا،[متى 56/26] وتركوه وحيدًا وينقل إنجيل مرقس أن الجند حاولوا اعتقال بعض التلاميذ لكنهم فشلوا.[مرقس 51/14]

التهم الموجهة ليسوع

ويمكن تلخيص التهم الموجهة ليسوع، والتي تقسم إلى ثلاث أنواع مختلفة إلى تهمة دينية، وتهم جنائية وسياسية، وتهمة إقتصادية واحدة، وهي: -

1- التجديف (المساس بالذات الإلهية)، أو إزدراء الدين، أو إهانة الله، أو الادعاء بالألوهية، وإنتحال صفة الله.

2- إفساد الشعب.

3- التحريض على الشغب والثورة.

4- الإمتناع عن دفع الجزية (الضريبة) للحاكم.

5- الإدعاء بالسلطة (المَلَكية).

وقد تغيرت التهم الموجهة ليسوع الناصري من تهم دينية تتمثل في الإدعاء بالألوهية، أو الادعاء بأنه المسيح، والتي لا يعاقب عليها القانون الروماني بإعتبارهم إمبراطورية تتعدد فيها الآلهة، على الرغم من أن الشريعة اليهودية تعاقب عليها بالعقوبة الأشد وهي الرجم، إلى تهم سياسية وهي الإدعاء بالسلطة على مقاطعة اليهودية بإعتباره ملك اليهود وإثارة الشغب والقلاقل بين الشعب والتحريض على الثورة، وهي تهم سياسية مناهضة لسلطة قيصر روما، ويعاقب عليها بالعقوبة الرومانية الأشد وهي الصلب. ولما كانت اليهودية تحت سلطة الاحتلال الروماني قبل 63 سنة من ذلك التاريخ، فإن سلطة إنزال العقوبة القصوى بالموت قد أصبحت محصورة بيد الوالي الروماني وهو بيلاطس آنذاك، وإذا ما إرتكبها رؤساء الكهنة اليهود فإنهم يعاقبون بجريمة القتل العمد.

أما التهمة الاقتصادية والمتمثلة بتخريب إقتصاد الإمبراطورية الرومانية من خلال دعوة يسوع الناصري للشعب إلى عدم دفع الجزية للقيصر، فَلم تثبت، لأن موقف يسوع العلني منها كان واضحاً، وهو ضرورة دفع الجزية للقيصر، بقوله: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ».

" وينقل لنا لوقا في إنجيله ثلاث تهم هي: يفسد الشعب، يمنع دفع الجزية للقيصر، يدعي إنه ملك، فكتب يقول: وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا هذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ، وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ، قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ». [لوقا 2:23] ويبدو أن بيلاطس لم يهتم لها، لعدم إيمانه بها أو قناعته بصحتها، وربما تذكّر الجميع قول يسوع: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ». [مرقس 12:12-17].[7]

ويذكر إنجيل يوحنا إن تهمة يسوع كانت وفقاً للناموس لإدعائه بأنه إبن الله. أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللهِ». [يوحنا 7:4019]

وخشية من إفلات يسوع من العقوبة، فقد إرتأى اليهود تحويل التهمة من تهمة دينية إلى تهمة سياسية، لا بل والأكثر من ذلك، فقد هدوا بيلاطس بتهمة عدم محبته لقيصر روما، "مِنْ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ وَلَكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هَذَا فَلَسْتَ مُحِبّاً لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكاً يُقَاوِمُ قَيْصَرَ». [يوحنا 12:19] وقد نجحوا في ذلك.

وقفة عند فكرة المسيح

فكرة المسيح (المسيّا) هي بدعة يهودية خالصة، تشير إلى مجيء شخص من نسل الملك داود يتمتع بالقوة لإنقاذ اليهود وجمع شتاتهم وردت على لسان إشعيا النبي ووضع له شروط معينة، وهي أن يولد من عذراء بقوله: اسمعوا يا بيت داود هل هو قليل عليكم أن تضجروا الناس حتى تضجروا إلهي أيضا، ولكن يعطيكم السيد نفسه آية ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو إسمه عمانوئيل. [إشعيا 13:7 -14] وكان يسميه زكريا (ربُ الجُنود) أو مرسل من قبله، وهو تعبير يشير إلى القوة العسكرية. ويقول إشعيا "هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبّ ُبِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ. هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ. [إشعيا 10:40] [8] ويذكر إشعياء 53، والمعروف بأنه نبوة "الخادم المتألم"، تفاصيل موت المسيا من أجل خطايا شعبه. ويقدم إشعياء تفاصيل حياة وموت المسيح قبل ميلاده بحوالي 700 عام. سوف يكون المسيا مرفوضاً (إشعياء 53: 3؛ لوقا 13: 34). سوف يقتل المسيا كذبيحة كفارية عن خطايا شعبه (إشعياء 53: 5-9؛ كورنثوس الثانية 5: 21). سوف يكون المسيا صامتاً أمام المشتكين عليه (إشعياء 53: 9؛ متى 27: 57-60). سوف يكون المسيا بين مجرمين عند موته (إشعياء 53: 12؛ مرقس 15: 27).

وقد تكررت هذه الفكرة وتطورت لدى الكثير من أنبياء إسرائيل مثل إرميا ودانيال وملاخي وزكريا وغيرهم، حتى أصبحت فكرة مجيء المسيح المخلص والمنقذ لشعب إسرائيل اليائس والمشتت والضعيف ويعيد بناء الهيكل وإحقاق الحق وبداية العصر المسيّاني فكرة متسلطة على اليهود حتى يومنا هذا، علماً يمكن أن يكون المسيح غريباً مثل الملك الفارسي كورش الثاني الذي أطلق عليه النبي أشعياء لقب المسيح (سفر أشعياء 45:1). كما رأى العديد من يهود العصر الحديث إن "بن غوريون" أول رئيس لدولة إسرائيل قد حقق كل ما أرادت نبوءات العهد القديم من المسيح تحقيقه في جمع شتاتهم وغير ذلك.

"ومع ذلك، تتفق جميع الروايات التوراتية الأربعة على أن قيافا والسنهدرين أدانا يسوع في نهاية المطاف بتهمة التجديف. وتُسجل الأناجيل أنه عندما سأل قيافا يسوع عما إذا كان يدعي أنه المسيح، أجاب: "أنا هو" (مرقس 14: 62) (أو «أَنْتَ قُلْتَ!». (متى 26: 64) أو «إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ». أو فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ». (لوقا 22: 67-8) أو "أنتَ تقول إنني" (يوحنا 19: 7). على الرغم من أن كتاب المِشنا، وهو رمز القانون اليهودي والذي تم تجميعه حوالي 200م، في القسم هاء، يُعرف التجديف بشكل أضيق على أنه المساس بأسم الله المقدس (يهوه)." [9]

جلسات الإستماع ومحاكمة يسوع

عُقِدت ست جلسات للأستماع إلى التهم الموجهة ليسوع الناصري وشهود القضية، ثلاث منها دينية وثلاث الأخرى مدنية، وأمام كل مِنْ:

رئيس المجلس اليهودي الأعلى (السنهدريم) حنانيا.

- كبير الكهنة اليهود قيافا (المُعيّن من قبل الرومان) وهو نسيب حنانيا.

- الوالي الروماني لمقاطعة اليهودية بيلاطس البنطي.

- الحاكم الروماني لمدينة الجليل هيرودس.

أما شهود الإدعاء ضد يسوع فكانوا:

من قبيلة إسرائيل: روان، دانيئيل، رامبينيل، يوناكين، روتيم، يوتافيل وبيريكولان.

من المملكة والولاية الرومانية: لوكيوس، ستيتيليوس وماكسيميليوس.

من الفريسيين: باربوس، سيميون وبونيلي.

من القضاة الأعليين الرومانيين: رابان، ماندانيس وباكارولاس.

مراقب الجرائم اليهودية: بوتان." [10]

وقد وصفهم الإنجيل على أنهم شهود زور. فيقول متى في إنجيله: " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالاَ: «هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» [متى 59:26]

إهانة المتهم وإحتقاره

ويثور التساؤل الآتي: هل إحتقر بيلاطس يسوع وأهانه هو أو جنوده الرومان؟ في الواقع، بخلاف ما يشاع وما توحي به بعض الأناجيل، فإن بيلاطس لم يحتقره أو يهينه، بل إن الذي قام بذلك هو هيرودس أنتيباس حاكم الجليل وشرق الأردن [11] الذي ورث الحكم عن والده هيرودس الكبير في سنة 4 ق.م. وقد تم تقسيم مملكته بين أولاده الأربعة، فكانت الجليل من حصة هيرودس أنتيباس ولهذا كان يسمى برئيس الربع. وكان من المفترض أن يحاكم يسوع أمامه لكونه جليلياً، ولكنه بدهائه تخلص من هذه الورطة، وألقى الكرة في ملعب بيلاطس، ولكنه لم يَدَع الفرصة تَمُر دون أن ينتقم معنوياً من يسوع، وكان يومها قد جاء من الجليل إلى أورشليم ليحضر إحتفالات الفصح، وعندما أحيل يسوع إليه، إستمع إلى التهمة الدينية التي يتهمه به اليهود، وهي الادعاء بأنه المسيح ملك اليهود، ويذكر إنجيل لوقا دور هيرودس بوضوح قائلا: " فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ ذِكْرَ الْجَلِيلِ، سَأَلَ: «هَلِ الرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ؟» وَحِينَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَلْطَنَةِ هِيرُودُسَ، أَرْسَلَهُ إِلَى هِيرُودُسَ، إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْكَ الأَيَّامَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا، لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيل أَنْ يَرَاهُ، لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، وَتَرَجَّى أَنْ يَرَي آيَةً تُصْنَعُ مِنْهُ. وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. وَوَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ، فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ، وَأَلْبَسَهُ لِبَاسًا لاَمِعًا، وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. فَصَارَ بِيلاَطُسُ وَهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ قَبْلُ فِي عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا. [لوقا 11:23] بينما الأناجيل الثلاثة الأخرى لا تتهم هيرودس بالإسم بإحتقار يسوع. فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًّا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلًا مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. ويضيف يوحنا جزئية صغيرة أخرى في ذات السياق وهي إجلاس يسوع على كرسي الولاية بإعتباره ملك إستهزاءً به: فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْبَلاَطُ» وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ «جَبَّاثَا». وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: «هُوَذَا مَلِكُكُمْ!». [يوحنا 13:19]

ويبقى السؤال: لماذا فعل بيلاطس أنتيباس كل ذلك، وكان فرحاً بمصير يسوع، وما هو الدافع لذلك؟

الإجابة على هذا السؤال تتطلب العودة إلى الوراء أكثر من 30 سنة من ذلك التاريخ، وتحديداً في عام 6 ق.م. وعند ولادة يسوع، حيث تنبأ المجوس الذي زاروا هيرودس الأول [12] أو هيرودس الكبير بولادة طفل سيكون ملكاً لليهود وفقاً لنبوءة ميخا (2:5). وخشية على زوال ملكه، فقد أمَر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم بعمر يوم واحد وحتى السنتين. وقد صادفت ولادة يسوع أثناء الإحصائية الأولى عندما كان كيرينيوس والياً على سوريا (لوقا 2: 2)، وينقل لنا إنجيل متى القصة ببعض التفصيل، بقوله: "وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: «أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: «أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: «فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ». حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ: «اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ. وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ." [متى 1:2-15]

وهكذا، فما فشل فيه أبوه هيرودس الأول قبل أكثر من 30 سنة، حققه هو هيرودس انتيباس. وإذا كان يسوع قد إستطاع أن يفلت في المرة الأولى وهو طفلاً، فإنه لم يفلت في المرة الثانية وهو رجلا بعمر الثلاثين. كما تجدر الإشارة إلى إن يسوع كان قد نَعت هيرودس بالثعلب. [لوقا 32:13]

وقد ذهب العديد من المؤرخين القدماء مثل تاسيت إلى إن هيرودس هو الذي أمر بصلب يسوع.[13] إقترحه هيرودس بالذات، حيث يذكر إنجيل بطرس المنحول، وهو أقدم نص منحول بين أيدينا حول آلام المسيح لذا يسمى بإنجيل الآلام، بقوله: إذاك أمر الملك هيرودس بأقتياد الرّب، قائلا: "نفذوا الأوامر كلها التي أعطيتكم إياها في شأنه." [14] أو إقترح هيرودس الصلب، وهو ما نفذه بيلاطس بلا مبالاة.

دفاع يسوع عن نفسه

تكاد كل الأناجيل تعطينا صورة واضحة تبين فيها إن يسوع لم يدافع عن نفسه بل كان دفاعه ضعيفاً، وكانت إجاباته غير منطقية، وبعيدة عن الأسئلة الموجهة إليه، كما إنها كانت فلسفية يصعب على أي حاكم أن يفهمها في سياق محاكمة قضائية. يضاف إلىذلك، إن يسوع لم يُفند شهود الوزر ضدّه. وينقل لنا إنجيل متى ذلك، قائلا: وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُور وَقَالاَ: «هذَا قَالَ: إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ». فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ». فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟» فَأَجَابُوا وَقَالوُا: «إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ». [متى 60:26] وحتى أمام الوالي بيلاطس لم يُجِبْ بكلمة واحدة على الشهود العديدين ضدّه، مما دفع الوالي إلى التعجب من ذلك جداً. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا. [متى 13:27]

وأضعف نقطة في دفاع يسوع هي عندما "وَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلًا: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ»." [متى11:27] وكان على بيلاطس أن يقول له: إن هذا هو سؤال موجّه لك كمتهم وليس رأيي الشخصي فيك. ولكن بيلاطس لم يشأ أن يزيد في معاناة يسوع، وإكتفى بذلك. ويبدو إن يسوع كانت قد تملكته حالة من الذهول المفاجئ والوقتي -وخاصة في حالات تخطيط المشتكي مسبقاً ومفاجأة المتهم بها فيؤخذ على حين غرّة- والتي تجعل منه يبدو كما لو كان أخرساً، وهي حالة تزول بعد فترة قليلة، وهكذا نجد أن يسوع بعد ذلك وهو في طريقه للصلب يعزي بنات ونساء أورشليم ويتحدث مع اللصين الذين صلبا معه على يمينه ويساره، ويوعد أحدهم بالجنة. ومن المستغرب ألا نجد في كل مراحل محاكمة يسوع إدعاءه صراحة بأنه هو (المسيح المنتظر)، رغم تكرار السؤال عليه أكثر من مرة مِنْ قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، كما أسلفنا.

ومن المؤكد إن نفي يسوع للتهمة كانت ستنقذه من الصلب، وكان عليه مناقشه الشهود والإدعاء بإن ما قصده كان أمراً مغايراً، ولكن يبدو إن ذلك كان سيُسقطه في نظر تلاميذه وأتباعه كمعلم ومخلص ولن يعودوا يصدقوا بإدعاءاته لاحقاً، ولما قامت الديانة المسيحية فيما بعد، ولكنه كان سينقذ حياته. وما جرى هو خلاف ذلك كما في السياق. والواقع، إن قضية صلب يسوع إنما تشير بوضوح إلى الفجوة الكبيرة بين مجتمعين هما: المجتمع الروماني المتحرر، والمجتمع اليهودي المنغلق، أو شرخاً كبيراً حضارتين، بين الشرق والغرب. فحكام روما الأشرار والفاسدون والذين لم يتورعوا عن القتل بوحشية وممارسة الزنا حتى بالأقارب، ويعبدون آلهة متعددة، بالتأكيد كانوا يسخرون في سرّهم ويستهزئون من تعقيدات المجتمع اليهودي الشرقي الذي يحاسب على الزنا بالرجم حتى الموت، أو السرقة، أو القتل، أو حتى التجديف "الإستخاف المتعمد بالمقدسات"، ونكران الله أو الشرك به. فهيرودس الذي أصدر حكم صلب يسوع لإنه قال أنا المسيح الموعود، كان قد تزوج أخته هيرودية، وهكذا، يمكن تصور هذا الفرق بينهما. وهذه الفجوة موجودة حتى يومنا هذا.

الباعث الخفي لمحاكمة يسوع

على الرغم من أن يسوع ظَلّ ينتقد رؤساء الكهنة اليهود والفريسيين طيلة نشاطه التبشيري الذي إستمر لسنة أو ثلاث في أكثر تقدير، ويصفهم بأقذع الألفاظ، مثل: أولاد الأفاعي (متى 34:12)، أو (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ)، (متى 14:23) ومع ذلك لم يلتفت اليهود إلى ذلك كثيراً، إلا إن دخول يسوع الهيكل يوم السبت قبل أسبوع عيد الفصح اليهودي، وهو أقدس الأماكن اليهودية، ومجادلته أحد الكهنة حول الطهارة. وقد إستغربوا من محاسبة يسوع لهم، وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ وَيُبَشِّرُ، وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ الشُّيُوخِ، وَكَلَّمُوُه قَائِلِينَ: «قُلْ لَنَا: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ أَوْ مَنْ هُوَ الَّذِي أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟» [لوقا 1:19]

يقول متى الرسول: "وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ داخل الهيكل، مشيراً إلى قول إشعيا النبي: «مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»" (متى 21: 13). كان هذا الإقتحام بمثابة القشّة التي قصَمت ظهر البعير، فقد مسّ بتصرفه هذا الجانب الاقتصادي الهام للمجتمع اليهودي، وهذا الجانب لا يقل أهمية عن الجانب الروحي لكل دين، فالثراء والتجارة في المعابد الدينية أمر جَليّ وواضح في كل الديانات بحيث جرى الإهتمام بتذهيب تلك المعابد مقابل إهمال الاهتمام بحياة الناس ومستوى معيشتهم. وقد كانت عملية إقتحام الهيكل والطعن بتصرفاتهم التجارية-الدينية، واحدة من التهم التي وجِهَت ليسوع أثناء المحاكمة، كما سنرى لاحقاً.

ويقول ليندر: " تصف روايات الإنجيل مشاركة يسوع في احتجاج موجه إلى بعض الممارسات التجارية المرتبطة بالهيكل. وقد أساءت هذه الممارسات إلى العديد من اليهود. وفقاً لمتى، اشتكى يسوع: " بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" (متى 21: 13). ووفقاً لمرقس ويوحنا فإن يسوع قد قَلِب طاولات الصيارفة، وهؤلاء الأشخاص هم الذين يقومون بتحويل القطع النقدية التي تحمل صورا للإمبراطور إلى القطع النقدية الفضية التايريان (شيكل)، وهو الشكل الوحيد للعملة المقبولة للتبرع. كما تصف الأناجيل يسوع وهو يخرج بائعي الحمام (استخدمت الطيور كذبائح من قبل المصلين) من المعبد. إن من الصعب أن نتصور أن مثل هذا العمل الدرامي لم يكن ليجلب ردًا فوريًا من حراس الهيكل المسلحين، لذلك من المرجح أن الأناجيل بالغت في أفعال يسوع. ومهما كانت الطبيعة الدقيقة لأفعاله، فقد كان من شبه المؤكد أنها كانت مصحوبة بأقوال - بما في ذلك التنبؤ بأن المعبد سيسقط ما لم يتم إجراء إصلاحات لإعادة المعبد إلى مهمته الدينية المركزية. في وقت من التوتر الشديد مثل عيد الفصح، فمن المرجح أن أي عمل تخريبي في المعبد - حتى العمل ذو طبيعة رمزية - من شأنه أن يثير ردّة فعل قوية من كبار الكهنة والمسؤولين الرومان. وهذا ما حدث. ولِفهم الجريمة التي أدت على الأرجح إلى اعتقال يسوع، فإن من الضروري أولاً فهم دور الهيكل في الحياة اليهودية في القرن الأول. لقد خدم الهيكل في القدس أغراضا مزدوجة. كان المركز المبجّل للحياة الدينية - مكان للصلاة والتضحيات - وبنك مركزي، ومكان للضرائب والعُشور." [15]

إصدار حكم الصلب

وأخيراً، رضح الوالي الروماني لرغبة اليهود ورؤساء الكهنة وأصدر قراراً بالصلب في الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة، وسيق يسوع للصلب في الساعة العاشرة صباحاً، فوصلوا جميعاً إلى مكان الصلب وهي قمة تلة تدعى «جُلْجُثَةَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ». [مرقس 22:15] حيث كان هناك خشبة عمودية طويلة مغروسة في الأرض، فيما كان المجرم يكلف بحمل خشبة قصيرة تمتد على طول الذراعين والتي كانت تُلف بالحبال ومثقوبة في الوسط لتنزل أفقياً داخل الخشبة العمودية، فيما كانت المسامير الطويلة تُدق على الأرجل فقط خشية عدم السقوط.

أما اللافتة الصغيرة التي وضعت أعلى الخشبة العمودية والتي كتب عليها عبارة [يسوع الناصري ملك اليهود] فلم يكن القصد منها السخرية كما صورتها الأناجيل، ولكنها كانت صورة مصغرة جداً لتهمة المصلوب، لكي يطّلع الجمهور ويعرف الشعب سبب عقوبة هذا الشخص، حيث إن القاعدة تقضي بعدم قتل إنسان دون سبب أو جرم. وهذا ما قصده مرقس في إنجيله بقوله: “وكان عنوان علته مكتوبا: ملك اليهود.“ [مرقس 15:36] ويقصد بالعِلّة التهمة الموجهة له. وهي الإدعاء بالملوكية على اليهود خلافاً لإرادة القيصر.

وقد إعترض اليهود على ذلك لعدم إعترافهم بيسوع ملكاً عليهم، ولكن بيلاطس لم يلتفت لهم ورفض تغيير اللافتة، وردّهم بالقول لقد كتبت وانتهى الأمر، في إشارة ضمنية إلى إن هذه هي التهمة السياسية التي إدعيتم بها وحكم عليه بموجبها، ولا يمكن تغييرها. "فَقَرَأَ هَذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوباً بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ. فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: «لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ». أَجَابَ بِيلاَطُسُ: «مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ». [يوحنا 20:19].

وترى الكنيسة إنها إعتراف بملوكية يسوع، "فالعبريّة هي الآراميّة لغة الكتاب المقدّس؛ واللاتينيّة [16] هي لغة السلطة الرومانيّة المحتلّة، أما اليونانيّة، فهي لغة المخاطبات الثقافيّة والتجارية... ويرى يوحنا، في العنوان الممنوح ليسوع، كلامًا نبويّا حقيقيّا، وإعلانا ملوكيّا. ونقول، مع الكاردينال كارلو مارتينيّ: إنّ الحقيقة العميقة التي تنطوي على هذا المشهد هي بالضبط ”الملوكيّة المشيحانيّة للكلمة المتجسّد”. فيسوع هو المسيح الذي كان إسرائيل ينتظره؛ وعلى الصليب، أظهر سيادته، حسب تفسير القديس يوستينس، وقد تبنّته الليترجيّا: ألربّ يملك بالصليب، اعترفت السلطة العليا المعاصرة بهذه السيادة."[17]

وكانت الإجراءات تقضي بإسقاء المصلوب عصارة من الخل ممزوجا بمرارة لتخديره قليلاً وعدم شعوره بالألم، كما يُطعن المصلوب بعد عدة ساعات في قلبه بالرمح للتأكد من موته، وفي حالة يسوع قام جندي روماني إسمه لُوْنْجان بطعنه في جنبه، متناولاً حربة، فخرج دم وماء. وأخيراً تكسر ساقي المصلوب كعقوبة أخيرة، ولكن يبدو إن الرومان قد إستغنوا عن ذلك فيما يخص يسوع فإستثنوه من ذلك الإجراء إعتقاداً منهم إنه قد مات، كما جاء في الإنجيل، وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. (يوحنا 33:19)

وقبل وضع المجرم على الصليب يتم تعرية المصلوب كنوع من الإهانة له أمام الشعب. ويشرح يوحنا في إنجيله ذلك، بقوله: ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هَذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. (يوحنا 23:19) وبهذا الصدد يقول ليندر: "ويبدو إن تجريد السجناء من ملابسهم ومقتنياتهم كانت أيضاً ممارسة رومانية عادية، حيث يتم تقسيم الملابس وغيرها من الممتلكات الصغيرة لضحايا الإعدام بين الجلادين. فالإذلال في الصلب عارياً في مكان بارز يشكل إضافة إلى قيمة الردع المقصود من العقاب." [18] وذهب إنجيل نيقوديموس المنحول غير المعترف به كنسياً، والذي يعود إلى القرن الخامس الميلادي، إستثناءً إلى القول: عرّاه الجنود من ثيابه وزنّروه بقطعة قماش." [19] أي أن الجنود وضعوا في حقويه قطعة قماش.

وجرى الصلب بحضور والدة يسوع مريم وأحد تلاميذه يوحنا، وهو الوحيد من بين تلاميذ يسوع الإثني عشر، فقد هرب الجميع خشية القبض عليهم ومعاقبتهم. وكان من بين الحضور عدد من النسوة اللواتي عَرفن يسوع في حياته ومن بينهم مريم أخت أمه زوجة كلوبا أو مَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ، بالإضافة إلى مريم المجدلية.

وبعد 3 ساعات، وفي تمام الساعة الثالثة بعد الظهر، أسلم يسوع الروح، وكانت إجراءات الصلب تقضي بقاء المصلوب على الصليب لعدة أيام، وهي في الغالب ثلاثة أيام لتنهشه طيور السماء، ولكن يسوع أستثني من ذلك بناءً على طلب أحد أعضاء المجلس اليهودي المكون من 70 عضواً والذي كان بمثابة تلميذ ليسوع خفية كما يذكر يوحنا في إنجيله، وهو يوسف الرامي (من مدينة الرامّة) الذي يصفه مرقس في إنجيله بأنه شخص مشير شريف بقوله: جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوتَ اللهِ، فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. (مرقس 43:15) بينما يذهب يوحنا مجازاً إلى إنه تلميذ يسوع بقوله: "ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ، وَلكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ". (يوحنا 38:19). وقد طلب يوسف من بيلاطس بحكم معرفته به، أن يأمر الجنود الرومان بأن يسلِّموه جسد يسوع ليقوم هو ونيقوديموس، وهو عضو أخر في مجلس السنهدريم إعترض هو الأخر على محاكمة يسوع، بتحنيطه وتعطيره ودفنه في قبر في بستان قريب كان يوسف الرامي قد إشتراه سابقاً. وتجدر الإشارة هنا إلى إن القبر هو أشبه بكهف أو غرفة صغيرة يوضع فيها الميت ملفوفاً بكف من القماش أبيض والقطن، ويمكن دخول شخص أو شخصين إلى الداخل والجلوس إلى جانب الميت. وتغلق هذه الغرفة بلوح خشبي أو بحجر، وفي حادثة يسوع، تم غلق القبر بحجر دحرج أمام الباب. ومن هنا يجب التفريق بين القبر والدفن، فالقبر في تلك الأيام كانت أكثر فسحةً، بينما الدفن هو طمر الإنسان تحت التراب في مساحة ضيقة جداً لا يدخلها أحد، كما يتعذر على المدفون الجلوس لو عادت له الحياة.

وينقل لنا إنجيل يوحنا ذلك بقوله: وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي أَتَى أَوَّلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيباً. وقد وافق بيلاطس على إنزاله بعد موته كما هي العادة، وقد إستغرب كثيراً عندما علم إنه مات بعد الصلب بثلاث ساعات، فسأل قائد المئة المكلف بالصلب، فيما إذا كان قد مات فعلاً. فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟» وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ، وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ. (مرقس 44:15). فيما طارد اليهود يوسف هذا، وسجنوه لاحقاً.

وقد أنزل جسد يسوع في الساعة السادسة مساءً لتلافي حلول الظلام ودخول عشية يوم السبت الذي يُحرّم فيه على أي يهودي القيام بعمل ما.

والأناجيل الأربعة متفقة في تحديد موعد العشاء يوم الخميس والصلب يوم الجمعة والقيامة يوم الأحد.

إن هذه الحقائق لا تنتقص من يسوع الناصري ورسالته الإنسانية، بل هي عرض لبعض الحقائق والوقائع التاريخي بشكل موضوعي ودقيق، والتي غالباً ما يتم تجاهلها تحت التأثير العاطفي أو التعلق الشخصي، أو عدم معرفتها.

هذه هي خلاصة محاكمة يسوع الناصري وصلبه، والتي كانت لها تداعيات كثيرة، سنوردها بالتفصيل في كتابنا القادم حول محاكمة يسوع.

 

د. رياض السندي

خميس الفصح 2020

.........................

[1] تذهب الكنائس الشرقية في معظمها إلى إن سنة الصلب هي 33 ميلادية، في حين تُصِّر الكنائس الغربية على إن سنة الصلب هي 30 ميلادية.

[2] هو ثاني أباطرة روما، واسمه الكامل هو "طيبيريوس كلوديوس نيرون Tiberius Claudius Nero واسمه الرسمي كإمبراطور هو "طيباريوس قيصر أوغسطس" Tiberius Caesar Divi Augusti filius Augustus. ولد في نوفمبر 42 ق. م. وكان أبوه -بنفس الاسم- قائدًا من قواد يوليوس قيصر، ثم إلى جانب أنطونيوس ضد أوكتافيوس (أوغسطس قيصر فيما بعد)، ثم صارت زوجته "ليفيا" زوجة ثالثة لأوغسطس قيصر، وهكذا أصبح طيباريوس -الابن- ابنًا لزوجة أوغسطس قيصر. حكم طيباريوس قيصراً في 13 م. (أو 11 م. في رأي آخر) أصبح طيباريوس بمرسوم إمبراطوري خاص وصيًا على العرش. وعندما مات أوغسطس قيصر في 19 أغسطس 14م، خلفه طيباريوس. وقضي جرمانيكوس (ابن أخته، وابنه بالتبني) على تمرد قوات الراين. وقد سار طيباريوس على هدي وصية أوغسطس، بالحفاظ على الإمبراطورية بحدودها كما هي، فتخلى طيباريوس عن خطة دفع الحدود إلى نهر الألب، ووجه جهوده لتقوية الإمبراطورية والحفاظ على تماسكها. ولكن هذه السياسة الحريصة الجامدة، وجدت لها أعداء، وبخاصة أنه كانت لا تزال هناك قوي داخل مجلس الشيوخ لم تقبل استمرار هذه الأوتوقراطية المستترة. وفي 26 م. اعتكف طيباريوس في كابري حيث لاحقته الشائعات بالإسراف في الفجور. وفي 16 مارس عام 37 مات طيباريوس في مسينا، وخلفه كايوس كاليجولا، الابن الثالث لسيجانوس. ومنالمستبعد أن يكون طييباريوس قد سمع شيئًا عن المسيحية، فقد مات طيباريوس في عام 37 م، ولم تكن المسيحية قد انتشرت في نواحي الإمبراطورية. ويذكر يوستينوس الشهيد ويوسابيوس أن بيلاطس أرسل تقريرًا إلى طيباريوس عن محاكمة يسوع وصلبه، وهو أمر غير مستبعد. ويذكر تقليد أبو كريفي أن طيباريوس استدعى بيلاطس إلى روما لاستجوابه عن صلبه يسوع. ولكن ما حدث في الواقع هو أن حاكم سوريا عزل بيلاطس من ولاية اليهودية وأرسله إلى روما لمحاكمته أمام القيصر على الفظائع التي ارتكبها (انظر مثلا لو 13: 1)، ولكن طيباريوس مات قبل وصول بيلاطس إلى روما. أنظر، طِيباريوس قيصر | تيبيريوس قيصر، موقع الأنبا تكلا هيمانوت. الرابط:

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/16_TAH/TAH_39.html

[3] عدنان طرابلسي، تاريخ الصلب - اليوم والشهر والسنة، موقع شبكة أرثوذكس أونلاين، الرابط: https://www.orthodoxonline.org/theology/biblical-studies/biblical-general-studies/1632-the-date-of-crucifixion-day-month-and-year#gsc.tab=0

[4] في التقويم اليهودي يعتبر شهر نيسان أول أشهر الربيع وعيد الفصح نفسه يسمى أحيانا بـ"عيد الربيع"، ولكن لكون الأشهر اليهودية قمرية، يجب في بعض السنوات مضاعفة الشهر الذي يسبق نيسان، أي شهر آذار، كي لا يتراجع شهر نيسان إلى موسم الشتاء.

[5] العشاء الأخير، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[6] هذه العبارة ترد في مطلع الوصية الأولى من وصايا الله العشر لموسى على لسان الله (إيلوهيم) بقوله: أنا هو الرب إلهك، لا يكون لك إله غيري. والمفترض أن يجيب يسوع على سؤال الحرس بكلمة نعم، ولكنه إستخدم عبارة (أنا هو) التي جاءت على لسان الله في الوصايا، مما عزز الشكوك بادعائه الألوهية.

[7] كانت الحيلة أن الهيرودسيين يتظاهرون بالتديُّن لكي يصطادوا المسيح ويمسكوه بكلمة، فيسلِّموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فتقدموا إليه وتملَّقوه واستشاروه إن كانوا يدفعون الجزية للحكومة الرومانية أو لا يدفعونها، أملًا أن يمسكوه في شبكتهم مهما كانت إجابته، فإن قال بدفع الجزية ينفر الشعب منه، لأنهم ضجروا من هذه الضريبة التي هي علامة استعبادهم للرومان، ولأنهم ينتظرون مجيء المسيح ليحررهم منها. وكانوا يسألون: “كيف يمكن أن يكون المسيح ملك إسرائيل – كما هتف له الشعب بالأمس في الهيكل، ويحكم أن ندفع الجزية لقيصر”؟. وإن أجاب بعدم دفعها كما يرغب الهيرودسيون (وهو ما كانوا يرجّحونه) يحصلون على حجة كافية ليسلموه للحكومة، كمثير للفتنة ضد القيصر الذي وضع هذه الضريبة. أنظر، ما معنى الآية: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؟ موقع أليتيا في سبتمبر 29, 2017.

[8] المسيح الماشيح أو المسيا (بالعبرية: המשיח) (ومعناها المسيح) [1][2][3][4][5]، في الإيمان اليهودي هو إنسان مثالي من نسل الملك داود (النبي داود في الإسلام)، يبشر بنهاية العالم ويخلص الشعب اليهودي من ويلاته. وفي اللغة العبرية تعني "ماشيح - מָשִׁיחַ" من الفعل "مشح" أي "مسح" ومعناها في العهد القديم "الممسوح بالدهن المقدس"، ونقلت كلمة "ماشيح" إلى اللغة اليونانية كما هي ولكن بحروف يونانية " ميسياس -Мεσσίας" ومن ثم ترجمت ترجمة فعلية " خريستوس -Хριστός" من الفعل اليوناني " خريو -chriw" أي يمسح؛ وجاءت في اللاتينية "كريستوس ـ Christos" ومنها في اللغات الأوربية " Christ"؛ كانت عملية المسح تتم في العهد القديم بواسطة الدهن المقدس الذي كان يصنع من زيت الزيتون مضافًا إليه عددًا من الطيوب (سفر الخروج 22:30-31)، وقد ظل هذا التقليد حتى أيامنا هذه في المسيحية في سر الميرون؛ وكان الشخص أو الشيء الذي مسح يصبح مقدساً ومكرساً للرب؛ وحصر استخدامه للكهنة، الملوك والأنبياء (خروج 30:30)؛ ولهذا دعوا بمسحاء الرب (المزامير 15:105)، ومفردها "مسيح الرب" (صموئيل الثاني 1:23)، ويصفهم الله بمسحائي (أخبار الأيام الأول 22:16)؛ لكن الوحي الإلهي في أسفار العهد القديم يؤكد أن هؤلاء "المسحاء" جميعاً؛ كانوا ظلاً ورمزاً للآتي والذي دعي منذ داود فصاعداً بـ "المسيح"، وكانوا جميعاً متعلقين بمسيح المستقبل الذي سيأتي في ملء الزمان ودعاه دانيال النبي المسيح الرئيس (دانيال 24:9)، و"المسيح" و"قدوس القدوسين" (دانيال 25:9)، لأنه سيجمع في شخصه الصفات الثلاث: الكاهن والنبي والملك؛ وهذا الشخص وفق العقيدة المسيحية هو يسوع، بينما لا تزال الديانة اليهودية تنتظر قدومه. أنظر، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[9] Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007.  https://ssrn.com/abstract=1021250

[10] جورج حداد، تقرير بيلاطس البنطي عن قضية صلب السيد المسيح، موقع الحوار المتمدن-العدد: 3583 - 2011 / 12 / 21.

[11] هيردوس أنتيباس ثاني ملوك عائلة هيرودس، تقاسم مع أخويه مملكة أبيه، وكانت حصته حسب القسمة الجليل وشرق الأردن، وهو إحدى الشخصيات الواردة في العهد الجديد وقد دعي في الأناجيل بأمير الربع، أي ملك ربع بلاد فلسطين، وقد ساكن زوجة أخيه فيليبس فكان ذلك سبب كره له في الشارع اليهودي، كذلك فقد تسبب له بتوبيخ يوحنا المعمدان (يحيى)، وكان هو من أصدر الأمر بقتله. نعته يسوع بالثعلب، وخلال محاكمة يسوع مثل أمام أنطيباس إذ كان متواجدًا في أورشليم أيضًا لمناسبة عيد الفصح، وقد ذكر لوقا بأن أنطيباس ازدرى يسوع وألبسه ثوبًا براقًا للهزء والسخرية. أنظر، هيرودس أنتيباس، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة. اسم “هيرودس” معناه بطل، ولكنه كان هشـًّا ضعيفـًا أمام شهواته ونزواته، فانتهى للضياع. ولُـقـِّب بأنتيباس لتمييزه عن الكثيرين في عائلته بذات اسم هيرودس.. وهو ابن هيرودس الكبير الذي قتل كل أطفال بيت لحم ليقضي على الطفل يسوع. أما هيرودس أنتيباس فكان حاكمًا على الجليل وبيريه أيام المسيح، ولُـقـِّب برئيس الرُبع، أي رُبع مملكة اليهود، من عام 4ق.م - 39م. تزوج من ابنه الحارث ملك العربية ثم طلـّقها ليتزوج هيروديا زوجة أخيه. وكانت نهايته أليمه، حيث علم كاليجولا، قيصر روما، بتأمر هيرودس ضده مع ضابط روماني اسمه سيجانوس؛ فاستدعاه كاليجولا للمحاكمة، ونفاه إلى فرنسا، ثم أسبانيا؛ حيث مات هناك. أنظر، هيرودس أنتيباس، الرابط: http://www.nahwalhadaf.com/makala.aspx?mid=255

[12] هوردس أو هِيرُودِسُ (العبرية: הוֹרְדוֹס؛ 73 قبل الميلاد - 4 قبل الميلاد) هو ابن الدبلوماسي انتيباتر الأدومي من زوجته النبطية، عين حاكماً على الجليل ثم أصبح ملك اليهودية. وهو الابن الثاني لأنتيباتر، الأدومي الأصل. وكانت أمه أدومية أيضًا لذلك لم يكن يهوديًا من ناحية الجنس مع أن الأدوميين كانوا قد رضخوا للمذهب اليهودي بالقوة منذ سنة 125 ق.م. وكان قيصر قد عين انتيباتر Antipater the Idumaean حاكمًا على اليهودية سنة 47 ق.م. وقسَّم انتيباتر فلسطين بين أبنائه الخمسة وكان نصيب هيرودس في الجليل. وبعد أربع سنوات قُتِلَ انتيبار. فجاء ماركوس انطونيوس إلى فلسطين وعيَّن الابنين الأكبرين للعاهل المقتول على فلسطين. ثم قَتَلَ أكبرهما نفسه بعد ما أسره الفوتيون الذين هاجموا فلسطين. وهكذا خلا العرش لهيرودس. وفي سنة 37 ق. م. دخل القدس فاتحًا بمعونة الرومان. وقد تزوَّج هيرودس عشر نساء وكان له أبناء كثيرون. ولد يسوع في أواخر أيامه، بعد أن كانت نقمة الشعب عليه، وخوفه من منافسة أعدائه، قد بلغت أشدها. ولذلك أسرع الأمر بقتل جميع الأطفال في بيت لحم، حتى لا ينجو ابن داود، ولا يملك على اليهود ويتربع على عرشه (متى 2). ولكن الوقت لم يمهله كثيرًا. إذ مرض مرضًا خطيرًا، وسافر إلى شرقي الأردن للاستشفاء بحمامتها، ثم عاد إلى أريحا أسوأ مما كان عليه قبلًا. وهناك مات، وهو في السبعين من عمره، بعد ملك أربعًا وثلاثين سنة، وكأنه لم يشأ أن يودع الحياة على عكس ما كان في حياته. فأمر بقتل وجهاء القدس ساعة موته، حتى يعم الحزن المدينة ولا يجد أحد السكان فراغًا ليبتهج بموت ملكه المكروه. ومن بعده جاء ابنه هيرودوس انتيباس فأعدم الرسول يوحنا المعمدان، لأنه عارض الملك معارضة شديدة لعلمه انه تزوج من أخته هيرودية بعد تطليقها من زوجها فعارضه يحيى المغتسل يوحنا المعمدان بقوة وأمره بتطليقها وفي احدى الحفلات التي كان ينظمها هيرودس في قصره طرب لنغمات الموسيقى التي كانت تتراقص عليها بنت أخته هيرودية سلامة أو سالومي كما تذكر في المصادر العبرية فطلبت منه راس يوحنا المعمدان والحت في الطلب حتى قام بتلبية طلبها وهو كره لخشيته من رد فعل الكهان والكتبة اليهود إلا انه نجا بفعلته لكون النبي يوحنا المعمدان يحيى المغتسل يعارض الهيكل كثيرا فلم يعقب أحدا من الكهان أو الكتبة اليهود على ما حدث وقدم لها راس النبي على طبق وذهب. توفي هيرودس عام 4 ق.م. فقسَّم الإمبراطور أغسطس مملكته بين أبنائه الثلاثة حسب وصيته الأخيرة، فعين أرخلاوس Archelaos حاكماً على يهوذا التي تحولت بعد إقصائه عن الحكم عام 6م إلى مقاطعة رومانية، أما فيليب Philippos فحكم المنطقة الشمالية الشرقية (توفي عام 34م)، في حين حصل هيروديس أنتيباس على منطقة الجليل التي حكمها حتى عام 39م، وكان مثل بقية أسرته يهودي في الداخل وهلنستي في الخارج. أنظر، هيرود الكبير، ويكيبيديا-الموسوعة الحرة.

[13] إ. س. سفينسيسكايا، المسيحيون الأوائل والإمبراطورية الرومانية، خفايا القرون، ترجمه عن الروسية د. حسان مخائيل إسحق، ط 2، دمشق 2007، ص 85.

[14] الأناجيل المنحولة، ترجمة اسكندر شديد، تقديم ومراجعة أ. جوزيف قزي - أ. إلياس خليفة، بيروت 2004، ص 130.

[15]  Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007.  https://ssrn.com/abstract=1021250

[16] العنوان اللاتيني INRI وهو اختصار لاتيني لـ Iesus Nazarenus Rex Iudaeorum ، والذي يترجم إلى " يسوع الناصري ملك اليهود .

[17] الكتابة فوق الصليب” يسوع الناصريّ ملكُ اليهود “. هل هي كتابة نصر أم إخفاق؟! موقع زينيت في مارس 27, 2016.

[18] Douglas Linder, The Trial of Jesus: An Account, SSRN, 16 Oct 2007. https://ssrn.com/abstract=1021250

[19] الأناجيل المنحولة، ترجمة اسكندر شديد، وصدر سابق، ص 146.

 

يُنقل عن الغرب حيث معقل المسيحية تتوالى القراءات التي تحط من شأن عيسى المسيح ع وتتبعه تاريخياً عبر مصادر تاريخية مشكوك في مصداقيتها وصحتها.

يمكننا ان نفهم ذلك في خضم الايديولوجيا المعادية للدين التي تتحكم في ذلك المجتمع و ربما يكون نيتشه في كتابه (نقيض المسيح) افضل حالاً من اولئك اذ انه يصب غضبه على بولس ويعتبره محرفاً ولكنه لا يتعرض الى شخصية المسيح الا في القليل كما انه ينقد الاخلاق والقيم المسيحية ويعتبرها تناقض غرائز الانسان .

 ويبدو من العهد الجديد (الانجيل) ان المسيح لم يكن نبياً ومبشراً فقط بل انه كان مصلحاً وقف بوجه الاكليروس الاسرائيلي اليهودي المتزعم للهيكل حيث يقبع علماء بني اسرائيل وقلب منظومتها الدينية.

يقع الهيكل في اورشليم (القدس) و كان الرومان متسلطين على اليهود في ذلك الوقت ومحتلين للمدينة ولكنهم سمحوا لليهود بممارسة عبادتهم ولهم عندهم حضوة كونهم كانوا يمثلون عنصر قلق لحكومة روما بسبب ثوراتهم ومواجهتهم للسلطة الرومانية وكان المجتمع اليهودي منقسماً الى الفريسيين والصدوقيين وهم فئتان تختلفان في فهم الشريعة الموسوية حيث يسيطر الصدوقيين على الهيكل وعلى مجلس العلماء في حين يسيطر الفريسيين على المجامع في المدن .

عاد المسيح من ارض مصر الى الناصرة مدينته الام وتعمد في نهر الاردن على يد يوحنا المعمدان وهو النبي يحيى (ع) وبدأ مشواره الاصلاحي حيث بدأ يحقق المعجزات ويدعو لاتبّاعه فتبعه البعض ومنذ ذلك الحين اخذ المسيح يطوف المدن مع طلبته وحوارييه الاثنا عشر وتابعيه وكان يستغل تطوافه في بث كلماته ومواعظه و يتهجم على عقائد اليهودية و عاداتهم ويزيح الانظار باتجاه ضرورة مراجعتها وبث الحياة فيها.

فيدخل المدينة او القرية ويدعو الناس يكلمهم ويظهر معجزاته لهم حتى بدأ ذكره يسبقه ويطير امامه في المدن التي يُقبل عليها وكان الفريسيون والصديقيون يحاجونه في تلك المدن ويبدو من ردوده انه كان يوجه لهم التهم باستغلال الدين وتفسيره خطئاً ويوبخهم ويوجه انظار الناس الى ضرورة الانقلاب عليهم .

بدأت حركة المسيح تتنامى وحين يقبل على مدينة ما يخرج اليه اهلها ويستقبلونه استقبالا مهيباً في كثير من الاحيان ويرافقونه ففي احد المرات خرج معه خمسة الاف (راجع معجزة اطعامهم في البرية) ومرة اخرى يخرج ومعه حوالي اربعة الاف يبقون معه لمدة ثلاثة ايام وهكذا تبدأ مسيرة أهلية قوامها فقراء المدن التي يمر عليها المسيح تسلمه الجموع من مدينة الى اخرى وكان الفريسيون والصديقيون لا ينون يضعون امامه الاشكالات والاسئلة وهو لا يني عن دحضهم و اجابة اسئلتهم برد فعل اكثر اشكالية .

وهنا يصل المسيح وطلبته وبعض تابعيه (يبدو من بعض الدراسات ان فيهم نساءاً ومنهن مريم المجدلية التي يرد ذكرها في مواضع متعددة من الانجيل) يصلون الى اورشليم حيث قلب اليهودية ومجمع علمائها ويبدو انه ارسل بعض طلبته امامه يبشرون بمجيئه او ان عدد لا بأس به كان مرافقاً له حيث يدخل فيقوم الناس بفرش طريقه بثيابهم وباغصان الاشجار وهو امر له رمزيته الكبيرة وكانت الجموع التي تتقدمه تهتف (المجد لابن داود تبارك الآتي باسم الرب المجد في العلى) فضجت المدينة وبدأت تتزلزل حيث يتساءل ابناء اورشليم من هذا فترد الجموع هذا هو النبي يسوع من ناصرة الجليل .

يدخل الهيكل بجموعه فيطرد الباعة في الهيكل ويقلب مناضدهم ومبائعهم ويطرد باعة الحمام ويقول لهم (جاء في الكتاب بيتي بيت الصلاة وانتم جعلتموه مغارة لصوص) ويبدو انه قلب نظام اورشليم وهيكلها وحطم اسطورتها واثار اليهود الذين لم يستطيعوا مواجهته ذلك اليوم ثم خرج الى بيت عنيا وبات فيها حيث يبدو انها لا تبعد كثيراً عن اورشليم بحسب الخارطة المرفقة ببعض الاناجيل ثم عاد ودخل الهيكل وبدأ يعلم فيها فجاءه شيوخ وعلماء اليهود وقالوا له بأي سلطة تعمل هذه الاعمال فاجابهم جواب مطول افحمهم وحذرهم من اعمالهم ويبدو ان الجموع كانت تحيطه وتحميه ما جعل هؤلاء يتهيبون الاعتداء عليه .

ان هذه الاعمال تكشف عن حركة اصلاحية قادها المسيح خلال حركته المتدرجة من الجليل حتى اورشليم الامر الذي اثار اليهود و لعل ما يثير الانتباه هو ان تعاليم المسيح فيما بعد حادثة الهيكل لم تكن معادية للرومان حكام المدينة بل كانت تتوخى مهادنتهم وتحييدهم ويظهر ذلك في أمرين:

١- وصيته واجابته بضرورة دفع الجزية الى قيصر الروم وعدم الامتناع عنها حيث ترد في الانجيل تلك العبارة المشهورة (ادفعوا اذن الى القيصر ما للقيصر  والى الله ما لله) انجيل متى

٢- غض النظر من بيلاطس الحاكم الروماني عن حركة المسيح حيث كان يتبعه الالاف وهو ما يبدو أنهم كانوا يدركون ان حركته لم تكن سياسية كما انها فيما يبدو ستُضعف الاعداء التقليديين للسلطة الرومانية في اورشليم وباقي المدن.

ويظهر الحاكم الروماني بيلاطس الذي حدث في عهده اعتقال يسوع المسيح وصلبه انه لم يكن يريد قتله فحاول ثني الاكليروس اليهودي عن ذلك وقدم لهم خياراً باطلاق سراحه ويبدو ان ذلك كان تقليداً ان يخير اليهود بين اثنين محكومين بالاعدام فأصروا على اعدامه و ما يثير الانتباه ان المسيح كان صامتاً طيلة فترة استجوابه من قبل بيلاطس و زبانيته فلم يرد على اسئلتهم ويخيل الي انه كان يريد القول ان مشكلته مع الاكليروس اليهودي وليس مع السلطة القائمة انذاك .

ان محاولة بيلاطس يمكن ان يُفهم منها ان حركة المسيح كانت متنامية وقوية وبنفس الوقت لا تمثل تهديداً للسلطة لا في فعالياتها و لا في افكارها وقيمها لذا فمن غير المناسب الاصطدام معها ولذلك حاول ان يتجنب قتل المسيح وصلبه .

ينبغي الاشارة الى دور مهم لعبه النبي يوحنا المعمدان (ع) الذي مارس دوراً تبشيرياً مهماً بمهمة المسيح حتى لحظة اعدامه على يد الحاكم الروماني هيرودس الذي لم يرد اعدامه ايضاً لكونه نال شعبية كبيرة وحباً من جانب الشعب وهذا يؤشر ايضاً قدرته في التأثير والتبشير لحركة المسيح كما ان اليهود لم يرحبوا بالمعمدان و طووا عنه كشحاً و لم يعيروه اهمية.

من كل ذلك يتضح غياب هذه الحركة واهدافها عن مجمل الدين المسيحي اذ يبدو ان اهداف هذه الحركة تمثل خلاصة الدين المسيحي وهي اصلاح رسالة الدين واعادتها الى طريقها القويم وتحرير الانسان من عبادة الطقوس الى عبادة الله وتخليصه من القيود التي اثقله بها الاكليروس الديني و وضع الاثقال التي ارهقوه بها وجعلوا حياته تابوهات ومحرمات وكبتوا رغبته في العيش الكريم واعتبروا الحياة كلها خطيئة و سوءة

تلك هي حركة المسيح التي جرى التركيز فيها على معاجز الشفاء وغيرها من المعاجز و اهمال هذا الدور التاريخي الذي طاف لأجله المسيح مدن فلسطين مبشراً وداعياً للاصلاح وجمع الاتباع حوله حتى ارتقى خشبة خلاصه و أسلم كل ما لديه لبارئه.

 

اياد نجم الجيزاني

 

محمد بنيعيشأولا: التعريف بابن مسكويه:

هو أحمد بن محمد ين يعقوب المعروف بان مسكويه أو مسكويه، هكذا كما ذهب إليه بعض المؤرخين وتبعهم في ذلك بحاث محدثون.

ولد سنة 330 هـ بالري ثم انتقل بعد ذلك إلى بغداد حيث مركز الخلافة ووجود البويهيين آنذاك، والذي صاروا أصحاب النفوذ الحقيقي في الدولة العباسية، التي لم يعد لها دور سوى التمظهر بمراسيم الخلافة والتوحيد الرمزي للأمة، من حيث إقامة الخطبة للخليفة في الجمعة وضرب السكة باسمه، أما التصرف الفعلي في شؤون الدولة فقد كان من اختصاص البويهيين.

وكان ابن مسكويه من بين الذين نالوا الحظوة عندهم بالتقرب من أمرائهم والتعرف عليهم، إذ أمكن له الاتصال بالوزير المهلبي الحسن بن محمد الأزدي ومن ذرية المهلب بن أبي صفرة، وهو وزير معز الدولة بن بويه سنة 348هـ.فعمل له كاتما للسر ثم عاد بعد وفاة الوزير سنة 352هـإلى الري ليحضر لدى الوزير العميد ويصير أمينا لخزانة كتبه ومختصا كما وصفه ياقوت[1]...

وقد ظل ينتقل من خدمة وزير إلى أمير إلى ملك في دولة بني بويه حتى مات بأصبهان عام 421هـ، وهو بذلك يكون قد قضى أكبر مدة من عمره في القرن الرابع الهجري، ومن ثم فقد يعتبر كشخصية من أعلام القرن الخامس وهي مخضرمة بهذا التواجد بين القرنين...

وأهم ما تمكن الإشارة إليه في ترجمته هو شغله كخازن للكتب في الدولة البويهية، وبهذا اللقب ابتدأ القفطي بالترجمة له، إذ ذكر أنه"الخازن من كبار فضلاء العجم وأجلاء فارس، كانت له مشاركة حسنة في العلوم الأدبية والعلوم القديمة، كان خازنا للملك عضد الدولة بن بويه، مأمونا لديه أثيرا عنده وله مناظرات ومحاضرات وتصنيفات في العلوم، فمن تصانيفه: كتاب "أنس الفريد"وهو أحسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف، وكتاب "تجارب الأمم"في التاريخ بلغ فيه إلى بعض سنة اثنين وسبعين وثلاثمائة، وهي السنة التي مات فيها عضد الدولة بن بويه، وهو كتاب جميل كبير يشتمل على كل ما ورد في التاريخ، مما أوجبته التجربة،  وله في أنواع الباجات من الأطعمة أحكمه غاية الإحكام وأتى فيه من أصول علم الطبيعة وفروعه بكل غريب حسن، وعاش زمانا طويلا إلى أن قارب سنة عشرين وأربعمائة "[2].

والملاحظ على هذه النبذة من ترجمة ابن مسكويه هو غياب ذكر أهم كتبه التي كانت وراء شهرته العلمية ك"تهذيب الأخلاق "و"ترتيب السعادات"، وهي كتب فلسفية بمعنى الكلمة .وغيابها، خاصة تهذيب الأخلاق، من هذه القائمة التي أوردها القفطي ليس بغريب على الباحث، إذ أن كثيرا من المترجمين يهملون ذكر أكثر كتب الأعلام المترجم لهم، وذلك بحسب الاتجاه العلمي الذي قد يتبناه المترجم، لأنه إذا كان فقيها غلب عليه ذكر كتب العلوم الفقهية، وإذا كان فيلسوفا حدث نفس الشيء، وهكذا ...

غير أن سبب إثارة هذا التساؤل أو الملاحظة هو أنه قد يوجد في كتاب "كشف الظنون" لحاجي خليفة تعريف لكتاب عنوانه: "أخلاق الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا"المتوفى سنة سبع وعشرين وأربعمائة، قال عنه بأنه "مختصر مرتب على ست مقالات، أوله: "اللهم إنا نتوجه إليك...، ويقال له "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "وفي الموضوعات أنه كتاب البر والإثم "[3]. وعند مطالعتنا لكتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" المنسوب إلى ابن مسكويه، والمتداول عند القراء والباحثين، وجدنا بأنه يحمل نفس العنوان الذي أشار إليه حاجي خليفة، كما أن مقدمته تبتدئ بنفس الجملة التي ذكرها النص السابق ! فهل معنى هذا أن الكتاب لابن سينا وليس لابن مسكويه.

إن هذا التشكيك قد يتضاءل أمام الرأي الذي يكاد يجمع عليه كل الباحثين في نسبة كتاب "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق "لابن مسكويه، بحيث لا يكاد يذكر هذا الأخير إلا ويذكر معه كتاب التهذيب، ومن البديهي والموضوعية إضافة الخطأ إلى رواية الآحاد إذا عارضتها رواية التواتر، تماما كما هو عليه حال منهج المحدثين.

بالإضافة إلى هذا فقد عرف عن ابن مسكويه اشتغاله بالأخلاقيات أكثر من اشتغاله بالمنطقيات والفلسفيات، ويحكى: "أن ابن سينا عابه في بعض كتبه بأنه شرح له مسألة فلسفية ثم أعادها عليه فلم يفهمها ودفع إليه مرة جوزة كانت في يده وقال له: امسح هذه-أي أخرج مساحتها- .فألقى إليه مسكويه أوراقا وقال له: أصلح بهذه أخلاقك"، مما يدل على أنه قد كان متجها إلى الناحية الخلقية في تخصصه العلمي [4]، كما جرت له مناظرات مع ابن سينا نفسه حول مسائل تتعلق بالنفس [5]، وهو دليل أيضا على أنه قد كان ذا توجه نفسي وأخلاقي في دراسته .

ومما يزيد في تزكية هذا الطرح القائل بالتخصص الكلي في المجال النفسي والأخلاقي عنده هو هذا العهد الذي خطه بنفسه، والذي يبرز فيه غايته العلمية، مطلعه كالتالي:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا عهد عاهد عليه الله فلان بن فلان وهو يومئذ آمن في سربه معافى في جسمه وعنده قوت يومه، لا تدعوه إلى هذه المعاهدة ضرورة نفس ولا بدن، فلا يوالي مخلوقا ولا يستجلب منفعة من الناس ولا يستدفع مضرتهم.

عاهده على أن يجاهد نفسه ويتفقد أمره ما استطاع فيعف ويشجع ويحكم، وعلامة عفته أن يقتصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته، وعلامة شجاعته أن يحارب دواعي نفسه الذميمة حتى لا تقهره شهوة قبيحة ولا غضب في غير موقعه، وعلامة حكمته أن يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم والمعارف الصالحة ليصلح أولا نفسه ويهذبها ويحصل له من هذه المجادة ثمرتها التي هي العدالة، وعلى أن يتمسك بهذه التذكرة، ويجتهد في القيام بها والعمل بموجبها"[6].

من هنا فقد أمكن لنا الجزم بأن كتاب: "تهذيب الأخلاق"، لا ريب في نسبته إليه لأنه قد يتطابق مع ترجمته وما تضمنه الكتاب، وأيضا ما لخصته هذه المعاهدة الجميلة والرصينة في فقراتها وغاياتها.

ثانيا: المنهج العلمي في التأليف الأخلاقي عند ابن مسكويه

مبدئيا، يمكن لنا تحديد أهم عناصر المنهج المتبع لديه في دراسته الأخلاقية على المحاور التالية:

أ - النزعة الفلسفية والنظرية عند ابن مسكويه

حينما ألف كتابه "تهذيب الأخلاق" فقد قدم له بتحديد الاتجاه الذي الذي يتبناه في دراسته ومنهجها، كما أنه قد أعلن صراحة ومن دون تلميح بأنه يسير على نمط مناهج الفلاسفة الإغريق في بحوثه الأخلاقية، وفي هذا يقول: "ولما كان غرضنا في هذا الكتاب السعادة الخلقية وأن تصدر عنا الأفعال كلها جميلة كما رسمنا في صدر الكتاب وعملناه لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام، وكان النظر يتقدم العمل وجب أن نذكر الخير المطلق والسعادة الإنسانية لتلحظ الغاية الأخيرة ثم تطلب بالأفعال الإرادية التي ذكرنا جملها في المقابلة الأولى، و أرسطوطاليس إنما بدأ كتابه بهذا الموضوع وافتتحه بذكر الخير المطلق ليعرف ويتشوق، ونحن نذكر ما قاله ونتبعه بما أخذناه عن مفسري كتبه المقتبسين لحكمته نحو استطاعتنا"[7].

من خلال هذا النص يتبين لنا أنه لم يكن هدفه الإصلاح العام أو التوجيه الكلي للمجتمع وإنما كان يقصد إلى إصلاح البنية الفوقية أو الخواص، والذين هم في نظره كمحرك أساسي لما دونهم من المستويات أو الطبقات . وبحسب هذه الطبقة الخاصة ونسبتها من الوعي الأخلاقي والعلمي تكون نسبة الوسط العام للمجتمع، ولهذا فسيحاول التركيز على الجانب النظري أكثر من التطبيقي العملي، وسيسعى إلى إقامة صرح للأبنية العقلية التي قد تتحدد من خلالها المبادئ النفسية والأخلاقية، ولا يمكن للإنسان أن يترقى في الفضائل وتحصيل السعادات كما يرى: "إلا بعد أن يعلم أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا ويستوفيها أولا كما رأيناها في كتابنا المسمى بترتيب السعادات، ومن ظن أنه يحصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذك المنهج فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا، وليتذكر في هذا الموضع الخطأ العظيم الذي وقع فيه قوم ظنوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وإهمالها وبترك النظر الخاص بالعقل واكتفائهم بأعمال ليست مدنية، وبحسب ما يسقطه التمييز والعقل، وقد سماهم قوم العاملة والناجية، ولذلك رتبنا هذا الكتاب عقب ذلك الكتاب ليلحظ منهما السعادة الأخيرة المطلوبة بالحكمة البالغة، وتتهذب لها النفوس وتتهيأ لقبولها غسلا وتنقية من الأمور الطبيعية وشهوات الأبدان، ولذلك سميته أيضا بكتاب "طهارة الأعراق".

بحسب معطيات هذا النص فإن ابن مسكويه قد كان لديه مشروع أخلاقي أخرجه على صورة سلسلة علمية تتحكم فيها منهجية خاصة في البحث، متأثرة بشتى المشارب الثقافية، وخاصة اليونانية.

بالإضافة إلى هذا فلا شك في أنه: "قد اطلع على فلسفة الكندي والفارابي، ففلسف الأخلاق بعد أن كانت حكما وعنى بمعرفة النفس وقرأ فيها كثيرا، وبنى فلسفته الأخلاقية على العلم بالأمور النفسية" على حد قول أحمد أمين[8].

ومن ثم فلا غرابة إذا رأيناه يسير على منهج الفلاسفة المسلمين من تبني تلك النزعة التوفيقية التي أوغلت بجذورها في مباحثهم لحد التطرف.غير أن محاولته التوفيقية هاته لم تكن بالقوة التي كانت عند أولئك الفلاسفة الإشراقيين الذين سبقوه أو قد كانوا معاصرين له .

فهو رجل يبحث عن الفضيلة، وبتعهد كما سبق ورأينا، وهذا ما يقتضي منه الاعتدال في الأمور، وإن كان قد أخذ من الفلاسفة الإغراق فإن اغترافه هذا لم يكن على مستوى التقليد الأعمى أو التلفيق الأهوج، بل سيضع محصلاته العلمية على محك النظر الموضوعي ثم بعد ذلك سيقرر أو ينتقد ما لديه من أفكار والرد عليها أيا كان مصدرها، وذلك بحسب ما توصل إليه من دراسة وبحث .

فنراه يرد على أهم شخصية يونانية معتمدة لديه، وهو أرسطو، حول موضوع السعادة، فيصف بعض أقواله بأنها في "غاية الشناعة" ثم يبدي بعد ذلك اعتراضه ووجهة نظره في المسالة: "فكيف تقول ليت شعري في الإنسان إذا مات سعيدا ثم لحقه من شقي بعض أولاده أو سوء سيرة من يحيى من نسله ما يكون ضد سيرته وهو حي؟ فإنه إن غيرت سعادته كان هنا شنيعا وإن لم يلحقه أيضا شيء من ذلك كان أيضا أشنع"[9].

ب) الاستنباط الرياضي في التوظيف الأخلاقي

فبما أن ابن مسكويه قد كان يصبو إلى إقامة البرهان على آرائه الأخلاقية فسيحاول أن يعرضها بشكل شبه رياضي مع استعمال الرمزيات والحروف لتحديد التسلسل المنطقي، أو بعبارة أخرى فقد وظف بشكل وجيز المنطق الرياضي في علم النفس والأخلاق.

إذ في إثبات فضيلة العدالة قد ذهب إلى أنها: "في الأفعال مشتقة من معنى المساواة، والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي، ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة، فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها، وذلك أنا حينئذ نضطر على أن نقول نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا، ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة بتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية تسمى متصلة.

ومثال الأولى: أ ب ج، فنقول: نسبة أ إلى ب كنسبة ج إلى د.

ومثال الثانية: أنا نأخذ الباء مشتركا فنقول: نسبة أ إلى ب كنسبة ب إلى ج، وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء، وهي: النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية، وجميع ذلك مبين مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد، وأما سائر النسب فراجعة إليها، ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الحية الشريفة . ولما كانت نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخرى في الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها"[10].

بهذا التحليل للأوساط الخلقية وإقامة دعائمها على نسبية المساواة يكون قد مزج بين المفهوم الأفلاطوني والمفهوم الأرسطوطاليسي، وأيضا قد انصب التوفيق لديه على الجمع بين الفلاسفة أنفسهم، مما يعني أن منهجه قد كان ائتلافيا توفيقيا إلى حد ما، ويمتاز بالحرية وجلب المعرفة من أي مصدر أراد.

ج) آليات التوفيق بين الشريعة والفلسفة وخصائصها:

فيما يخص التوفيق بين آراء الفلاسفة وأحكام الشريعة الإسلامية في مسائل النفس والأخلاق فإنه يبدو واضحا في كتابه تهذيب الأخلاق هذا، لكنه مع ذلك غير متكلف أو محمل الكلام على غير صورته ومعناه، بل إنه قد يستعمل البرهان العقلي، كما أنه في إقامة وجه هذه العلاقة التوفيقية سيركز على ا لجانب العملي في الشريعة الإسلامية أكثر من الجانب المتعلق بالتصور والاعتقاد، ولهذا فقد يلاحظ على تهذيب الأخلاق ندرة النصوص الدينية التي استشهد بها كمحاولة توفيقية . حتى إن الإنسان قد يطالع شطرا كبيرا من الكتاب فلا يكاد يعثر على نص قرآني أو حديث نبوي يدعم به آراءه النفسية أو الخلقية، وليس ذلك إلا لأنه قد تقيد بالمنهج الذي رسمه لنفسه في البداية والمتمثل في أن الكتاب خاص بأهل الفلسفة . لهذا فقد حاول أن يقيم بناءه على دعائم عقلية محضة ومن دون أي مؤثر خارجي كيفما كان نوعه.

غير أن هذا قد لا يعني ابتعاده عن الشريعة في روحها ومقاصدها، بل قد كان يورد بين فينة وأخرى صورا من الأحكام الشرعية بالمعنى وليس بالحرف، ولا تفوته الإشارة إلى المنهج الشرعي في إرساء دعائم الخلق الفاضل، وذلك في المواضيع التي قد تمس الحياة العملية في أغلب الأحيان .

فعند التدليل على إثبات غريزة المحبة والأنس سيهرع إلى اعتماد أسلوب الشريعة في هذه القضية حيث يقول: "وإنما وضع للناس بالشريعة وبالعبادة الجميلة اتخاذ الدعوات والاجتماع في المآدب ليحصل لهم هذا الأنس الطبيعي الذي هو فيهم بالقوة حتى يخرج إلى الفعل"[11].

بالرغم من وجود هذه النزعة التوفيقية عند ابن مسكويه فإنها قد تختلف نسبيا عن التي كانت سائدة عند الفلاسفة المسلمين قبله، وكذلك الذي جاؤوا من بعده . بحيث إن الذين قبله قد كانوا يحاولون التوفيق بشكل مفتعل ومقصود، ولكن من دون الاستشهاد بالنصوص الدينية، فلا تكاد تعثر لدى البعض منهم ولو على نص واحد أو إشارة ولو بصورة مجملة إلى وجه العلاقة بينه وبين فكرة فلسفية قد تتطابق معه في الغاية والوظيفة، ككتاب "الحيلة في دفع الأحزان "للكندي و"تهذيب الأخلاق "لابن عدي "...أما الذين جاؤوا من بعده أو الذين عاصروه كابن سينا فقد كان استشهادهم نوعا ما أقرب نسبيا إلى ما ذهب إليه ابن مسكويه، غير أن النموذج الأكثر استشهادا بالنصوص مع الحضور العقلي المكثف هو ما ستعرفه كتب الغزالي خصوصا، وذلك في كتبه النفسية أو الأخلاقية المحضة.

بهذا فيمكن القول بأنه قد كان ذا موقف وسط في هذا الاتجاه التوفيقي، وذلك لأنه وإن لم يكن يستشهد كثيرا بالنصوص فقد حاول جهده أن لا يخرج عن روحها، بل قد وظف كل طاقاته الفكرية للوقوف عند حدودها والدعوة بالرجوع إليها في كل حال "فهو يأخذ عن جالينوس وعن أفلاطون وعن غير هؤلاء جميعا ويضم هذا الرأي لذاك وتلك النظرية لأخرى ويمزج ذلك كله بما يأخذه من الشريعة مزجا لا تضيع به سمات تلك المذاهب"[12].

هذه القدرة على التوفيق مع التدقيق عنده قد كانت نتيجة عوامل عدة منها: الثقافية والبيئية الاجتماعية، سيحددها أحمد أمين في العناصر التالية:

- الفلسفة اليونانية

- الكتاب والسنة

- تعاليم الفرس وحكمهم

- تجاربه الشخصية

وقد يستدل على حضور هذا العامل الأخير بأنه عمر طويلا وكان في شبابه منغمسا في الحياة مستمتعا بها، ثم كان صديقا للوزير المهلب ومن جلسائه، والوزير المهلبي هو ما هو في ترفه ونعيمه ينفق ما يشاء على الثلج والورد والشراب، ثم كان من أتباع عضد الدولة ومصاحبا له في سفره وإقامته، ومشتغلا بالكيمياء يخالط المشتغلين بها من صادقين ودجالين، ثم عمر طويلا حتى بلغ نحو المائة، كل هذا مزجه مزجا غريبا، وأخرج من هذا المزيج كتبه في الأخلاق"[13]. ومما يدل على كثرة تجاربه الخاصة والعامة أو بعبارة أخرى الفردية والجماعية، أنه في الفردية ألف كتاب"تهذيب الأخلاق"وفي الجماعية ألف كتاب "تجارب الأمم"[14].

على ذكر هذا الترتيب للعوامل المكونة للثقافة النفسية والأخلاقية عنده يمكن القول بأن العامل الرئيسي وراء ثقافته قد كان هو الكتاب والسنة، وإذا سلمنا بأنه قد كان حديث العهد بالإسلام، وهذا غير مؤكد تاريخيا، فإن الثقافة الفارسية قد كانت هي التي ستحل محل الصدارة في تكوينه الثقافي والفكري وليست اليونانية، إذ أن هذه الأخيرة لم يمارس النظر فيها إلا بعد نضجه وكبر سنه، بل إن صح القول، لم يتصل بها مباشرة إلا بعد أن صار خازنا للمكتبة البويهية...

د – التوفيق بين النفسي والحسي في البعد الفلسفي:

إن هذه النزعة التوفيقية البارزة في كتاباته سوف لن تقتصر على هذا المستوى العام، الذي له علاقة وطيدة بالمذهبية العقدية فقط، وإنما سيسعى إلى تطبيقها أكثر في إطارات ومواضيع خاصة بعلم النفس والأخلاق، وبالأخص في تحديد علاقة النفس بالجسد.

فبما أنه كانت له صلة بميدان الطب ومزاولته والذي كان قد ألف فيه بعض الكتب ك"الأدوية المفردة"، فسيحاول قياس أحوال النفس على أحوال الجسد بدعوى أن الأمراض النفسية مشابهة للأمراض الجسدية، ومن ثم فسيعمل على تطبيق منهج الأطباء في العلاج الجسدي بكل مراحله . بحيث سيذهب إلى أنه "لما كان طب الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين: أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة والآخر ردها إليها إذا كانت غائبة وجب أن نقسم طب النفوس هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ونتقدم في حفظ صحتها إذا كانت حاضرة "[15].

وتظهر بعض تطبيقاته لهذا المنهج عند الحديث عن الصداقة والصديق بقوله: "فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة، فإن الطبيب الرفيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما لا يبلغه غيره بالشق والقطع والكي، بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء"[16].

ولم يكن ابن مسكويه أول من اتخذ هذا المنهج في دراسته النفسية والأخلاقية وذلك لوجود شبه اتفاق لدى جمهرة المفكرين المسلمين على اعتبار أن الرذائل أمراض نفسية تتطلب العلاج بواسطة الأخلاق ذي البعد التطبيبي، تماما كما هو الشأن في الطب البدني[17]. لكن يبدو أنه قد أوغل في هذا الجانب أكثر من سابقيه، وذلك لسعيه إلى إبراز هذا الجانب بقوة علمية وتطبيقه على الجزئيات النفسية الأخلاقية وقياسها على الجزئيات الجسدية الطبية.

ولهذا فإن فكره الأخلاقي سوف لن يتميز بالفصل بين الجانب النفسي والشطر الجسدي كما هو الشأن عند أبي بكر محمد بن زكريا الرازي، الطبيب العربي، الذي ألف كتابه "الطب الروحاني"بعدما كان قد ألف كتاب "المنصوري"في الطب الجسماني، وذلك بتطبيق كل منهج على حدة في الكتابين على سبيل الفصل الكلي فيما يبدو من العنوان، حتى إننا قد لا نلمس وجود رابطة بين العملية العلاجية في الطب الجسماني وبين وسائل العلاج في الطب الروحاني . والسبب في هذا هو أن كتاب الطب الروحاني قد غلب عليه الطابع الفلسفي القائم على النظر فقط وانحصر في تقليد أفلاطون الذي يرى"أن يجتهد الإنسان بالطب الجسداني وهو الطب المعروف والطب الروحاني وهو الإقناع بالحجج والبراهين في تعديل أفعال هذه النفوس لئلا تقصر عما أريد بها ولئلا تجاوزه"[18].

عند هذا الرأي يبدو واضحا وجود الفصل عند الرازي بين مجال الطب الجسماني وأساليبه وبين الطب الروحاني، الذي يرى أنه قد يقوم على الإقناع النظري والتفلسف فقط . بينما على العكس من هذا فسيذهب ابن مسكويه إلى القول بالعلاج النفسي والأخلاقي عن طريق إحداث التطبيقات العملية التجريبية المطابقة لعملية الطب الجسماني مطابقة شبه كلية من حيث المنهج والأساليب[19].

هذا الاتجاه قد اكتسبه من خلال اهتماماته بالميدانين الطبي والكيميائي، الذين نهلهما عن كتب الرازي نفسه كما يذكر أبو حيان التوحيدي بأنه قد كان له اهتمام بها[20]، وهذا يدفع إلى القول بأنه لا بد وأن يكون قد اطلع على كتاب الطب الروحاني، ثم تولدت لديه الفكرة بمحاولة تقنين الجانب النفسي في القوالب الخاصة بالجانب الجسدي على الوجه الذي أورده في كتاباته النفسية والأخلاقية وخاصة "تهذيب الأخلاق".

ومما يبعث على نوع من الاستغراب حول هذا المنهج هو أنه قد رفض، مع هذا القول، وجود اتصال أو شبهه بين الجوهر الروحاني أو الجوهر النفسي وبين الجوهر الجسماني البدني، فالنفس عنده "ليست جسما ولا جزء من جسم ولا عرض، وأيضا فإن الطول والعرض والعمق الذي به صار الجسم جسما يحصل في النفس في قوتها الوهمية من غير أن تصير به طويلة عريضة عميقة ثم تزداد فيها هذه المعاني أبدا بلا نهاية فلا تصير بها أطول ولا أعرض ولا أعمق، بل لا تصير بها جسما ألبتة"[21].

فإذا كانت هذه المفارقات أو المخالفات موجودة بين النفس والجسد فكيف إذن سيتسنى لابن مسكويه وغيره أن يطبق قواعد الطب الجسماني على ميدان الطب الروحاني، خاصة إذا علمنا أنه قد يسعى إلى البرهان في إثبات مذهبه كما سبق ورأينا؟.

لا شك أنه هنا قد استعمل قياس الغائب على الشاهد، لكن قد يبدو فيه نوع قصور، خاصة إذا حاولنا قياس المجال النفسي الفسيح على المجال الجسمي الضيق والمحصور نسبيا في الظواهر المتداولة والمتعود عليها حسا ومشاهدة . بحيث كم من مريض نفسيا أو أخلاقيا قد لا يزيده الدواء إلا نفورا ولا ينفع معه تدرج ولا تلطف ولا شدة في هذه  الأحوال...

استنتاج واستخلاص

إن اعتماد الأساليب العقلية والطرق التجريبية، بالمنهج الطبي العادي، في الدراسات النفسية والأخلاقية قد تكون نتيجته نوعا ما ضئيلة وهشة، وناذرا ما يأتي الإصلاح عن طريق هذاته الأدوات، ولئن تحقق بعض النجاح فإنه قد لا يمس علاجيا إلا الطبقة جد واعية في مجتمع ما، أو التي تكون بارزة كبروز جلد الإنسان من كل بدنه، سرعان ما يتعرض للتغيرات بفعل المناخ وتعرضه للحرارة والبرودة ولفح الشمس.. وهذا الحصيلة لا تمكنها من إحداث تغيير أو تقدم ملموس يعتد به، مما سيجعل هذا الاتجاه الفلسفي في الدراسات النفسية والأخلاقية لا يمثل بعدا اجتماعيا وإنما سيبقى في الأغلب حبيس الاستجابة لنزعات شخصية وفئوية جد محدودة . ولهذا فقد كان هذا الاتجاه وما يزال لا يمثل الأصالة الإسلامية في أهدافها وغاياتها الشاملة بالرغم من أنه لم يخرج عنها روحا وقواعد من حيث احتواؤه للجانب المعرفي ووقوفه عند ما تحتمله النصوص من مفاهيم.

 

(تأليف وتوفيق)

الدكتور محمد بنعيش

جامعة محمد الأول بوجدة

...............................

[1] أحمد أمين: ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الخامسة ج2ص 177

[2] الدكتور يوسف موسى، فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلتها بالفلسفة الإغريقية، الطبعة الثالثة، مؤسسة الخانجي القاهرة ص 75

[3] حاجي خليفة: كشف الظنون، منشورات مكتبة المثنى ببغداد ج21ص37

[4] أحمد أمين: ظهر الإسلام  ج2 ص 177

[5] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، إصدار دار الفكر 1377-1959ج3ص28 وتاريخ الحكماء للقفطي ص332

[6] محمد يوسف موسى: فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلتها بالفلسفة الإغريقية، الطبعة الثالثة، مؤسسة الخانجي، القاهرة ص 78

[7] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق ص76

[8] أحمد أمين: ظهر الإسلام  ج2 ص178

[9] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص 99-100

[10] نفس ص115

[11] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص143

[12] محمد يوسف موسى: فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية ص 106

[13] أحمد أمين: ظهر الإسلام ج2 ص 177

[14] نفس ج2 ص 179

[15] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص180

[16] نفس  ص 169

[17] الدكتور توفيق الطويل، فلسفة الأخلاق: نشاتها وتطورها، ط3 – 1976 ص138

[18] ابو بكر الرازي: الطب الروحاني، نقلا عن كتاب الفكر الأخلاقي العربي ج2 ص35

[19] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق  ص 178-179

[20] أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ج1 ص 35 نقلا عن الفلسفة الأخلاقية الأفلاطونية عند مفكري الإسلام ص 164

[21] ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق ص 6

 

محمد بنيعيشأولا: الوظيفة الحمائية لعلم الكلام وخصوصيته العلاجية

من مواكبة الدور الطلائعي الذي يقوم به حاليا رجال الصحة وأطقمها الأبطال، أطباء وممرضين ومساعدين ومنظفين وإداريين مغاربة وغيرهم عبر العالم، من سهر على صحة المرضى ووقاية الأصحاء، ارتأينا أن نعالج موضوع "وباء كورونا" من زاوية ثقافية للتذكير بلزوم جدية التناول، ورفض التطاول والتسيب الذي أصبح يسود عقلية المتطفلين على مواقع التواصل والإعلام الخسيس، حيث يعشش الوهم والإشاعة المغرضة وتحين فرص الإخلال بالأمن العام والصحي والاجتماعي والعقدي النفسي خصوصا.

وموضوع الكلام قديم في مصطلحه لكنه بصفته الإنسانية ملازم لكل عصر وكل ظرف، ومطلب اجتماعي ونفسي أساسي لكل أمة كي تحمي حدودها واستقرارها العقدي، الذي هو أهم نقطة مؤسسة للوحدة الاجتماعية وتماسكها والتفافها حول قائدها ومرتكزات وطنها.

وتبعا للاختلاف حول طريقة التأويل في المدرسة الغزالية، مدرسة التشكيك والتمحيص قبل الحكم والجزم، والمدرسة التيمية التي تجزم ثم تحسم،  فإنه لابد وأن يظهر أثر هذا الاختلاف على المواقف من بعض العلوم دون البعض الآخر، وقد يحدث العكس أيضا في بعض النقاط حيث يتم الاتفاق في المفاهيم والتصورات .

فعن مواقف الغزالي من علم الكلام ووظيفته الرئيسية ذات البعد النفسي والاجتماعي يقول:

"اعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو من فروض الكفايات، فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد اتضح لك برهانه من التمهيد الثاني- من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد- إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجازم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان، وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك "[1]ويقول في ديباجة الاقتصاد في الاعتقاد" وإن من تغلغل من الفلاسفة وغلاة المعتزلة في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر. فميل أولئك إلى التفريط وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط. بل الواجب المحتوم في قواعد الاعتقاد ملازمة الاقتصاد والاعتماد على الصراط المستقيم؛ فكلا طرفي قصد الأمور ذميم".

لهذا فعلماء الكلام عند الغزالي بمثابة حراس البذرقة في طريقها إلى الحج أي رجال أمن خاص وحماة صحة : "فإذن علم الكلم صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدع ... فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج... فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج "[2].

وعلى هذا فعلم الكلام، أو الجدل والمناظرة والإعلام، سمه كيف شئت، قد يعتبر ضرورة مؤقتة تستدعيها الظروف التي تمر بها الأمة نظرا لما يقع عليها من غزو فكري وإعلامي وتشويش عقدي يستدعي الأشخاص المتحملين لمسئولية الأمة الذب عن العقيدة والمذهب أولا وبيان تهافت هذا الغزو الثقافي، وذلك بعقد المناظرات الجادة واستعمال مناهج جديدة للتعليم والإعلام ولتفسير النصوص الدينية الثابتة دون تخط لمحكمها ودون تعسف في تأويل متشابهها.

هذا هو إذن موقف الغزالي الرسمي من علم الكلام، وهو قد كان ملازمه في بداية حياته العلمية، لكنه أدرك بعد ذلك أنه ليس غاية في حد ذاته وإنما هو وسيلة للاستقرار لدى بعض الناس، وذلك حسب الأمراض التي قد يصاب بها البعض دون البعض الآخر، قد يكونون من العامة أو من شبه الخاصة.ومن هنا أضاف مدعما آخر طبيا بامتياز ألا وهو التصوف السلوكي بالدرجة الأولى.

ثانيا:علم الكلام وصلته الوظيفية بالفقه والطب

فعلماء الكلام في نظره موقوفون ما بين العوام والخواص، قد يحتاج العوام إليهم في بعض الأحيان وقد لا يحتاجون إليهم نظرا لاطمئنانهم على معتقدهم ونظرا لعدم قدرتهم على استيعاب أقوالهم في تشعبها وتعقيدها. وفي هذه النقطة يضع دائما مقارنة بين الأطباء والفقهاء والمتكلمين." اعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج ﺑﻬا مرض القلوب. والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقًا ثاقب العقل رصين الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه""فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل ﺑﻬذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة. فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة، كما لو خلا عن الطبيب والفقيه."، " ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لا يستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه لحياته الباقية وشتان بين الحالتين !!!"[3].

أما الخواص فمنهم من يبقى له استفادة من علم الكلام، نظرا لتوقف مستواهم النظري عند هذا الحد، ومنهم من يرى قصوره عن إثراء إدراكه الواعي لعقيدته أو لتعطشه إلى توظيف أداة معرفية فوق التي يعتمد عليها المتكلمون، كما يقول عن نفسه :

"ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين منهم وصنفت ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة . . .فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي أشكوه شافيا..."[4].

من أجل هذا يقسم الناس في فهمهم للتوحيد إلى أربعة أقسام ويمثل له باللوز:"له لب ثم الدهن لب لبه والقشرة العليا قشر قشره "، ويجعل مرتبة المتكلمين تمثل القشرة ما تحت العليا، والتي هي الاعتقاد بالقلب جزما وهو درجة عوام الخلق ودرجة المتكلمين "إذ لا يتميزون عن العوام إلا بمعرفة الجملة في دفع تشويش المبتدعة عن هذه الاعتقادات "[5].

إن هذا الموقف الصريح من المتكلمين سينحصر في أن الخوض في علم الكلام ضروري ولكن في حالات استثنائية وهي إذا ما تعرضت عقائد العامة للتشويش، وذلك من أجل الحفاظ على النظام العام للأمة والاستقرار الاجتماعي.

لهذا فعلم الكلام يهم بالأساس الأوضاع الاجتماعية أكثر مما يهم الدين، لأن الدين فيه من الحق والحجج الكفاية ولا يحتاج إلى تقوية أو تعضيد، إذ شمل العقيدة كلها وقررها بأسلوب معجز يقتنع به كل ذي لب سليم .

من أجل هذا فعلم الكلام هو من باب تحقيق المصالح الدنيوية ويقارن بعلم الفقه الذي يمثل العمدة الأساسية لانتظام الحياة الاجتماعية العملية، فنراه يقارن بين الفقيه والمتكلم قائلا:

"... ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة لكن الحاجة إلى الفقيه أعم وإلى المتكلم أشد وأشد، ويحتاج إلى كلاهما لمصالح الدنيا، أما الفقيه فلحفظ أحكام الاختصاصات بالمآكل والمناكح، وأما المتكلم فلدفع ضرر المبتدعة بالمحاجة والمجادلة كيلا يستطير شررهم ولا يعم ضررهم "[6].

فمعلوم أن اختلال المعتقد عند الناس وتشتته بالتشويش قد يخرم انتظام البنية الاجتماعية وتلاحمها، وستتولد لدى البعض آراء متعارضة حول النظام الاجتماعي نفسه مخالفة لآراء البعض الآخر، وبهذا قد تتفتت وحدة الأمة ويطغى الفجور وانتهاك حرمات الشريعة، نظرا لفقد الوازع الباطني المستقر على عقيدة تمثل المحدد الأول لانتظام المجتمع واستقراره.

ثالثا: الكلام بين الرفض أو الإخضاع لشروط التعميم

إن هذه الضرورة التي صرح بها الغزالي للخوض في علم الكلام ودوره في إقرار النظام العام في المجتمع الإسلامي لم تكن لازمة عند ابن تيمية بمثل هذا الإلحاح. ولئن كان يجيز الخوض في علم الكلام لكن مع جعله مرهونا بشروط لا مفر منها تعد هي الأساس في تقرير مذهب المتكلمين ألا وهي: إثبات الصفات على حسب تصوره و مفهومه، مع زعم موافقة أهل السنة والجماعة والقيام بالدفاع عنهم، والمتمثلين بالدرجة الأولى في الحنابلة، يقول عنهم : "وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلاَّبية والكرَّامية والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوه من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة. فحسناتهم نوعان : إما موافقة أهل السنة والحديث وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم"[7].

فلهذا قد يجعل موقفه من علم الكلم محصورا في تبني أصحابه لمذهبية معينة وهي :السلفية التاريخية الحنبلية، وأن قبوله محدود ينحصر في الدفاع الذي يهدف إلى بيان تناقض حجج الخصوم والدخلاء على المجتمع الإسلامي.

هذا الدفاع ليس سوى الوقوف عندما درج عليه السلف - حسب تصوره لهم- في تحليلهم للنصوص والتزامهم حرفيتها، أما إذا تعدى الحد إلى الغوص في تفسير ما يبدو فيه التشابه أو تأويله بالطريقة التي مرت بنا فهذا قد يذم ويدخل في حيز البدعة .

فإذا كان يلتقي والغزالي في إسناد وظيفة الدفاع إلى المتكلمين إلا أنه يجعلها من باب المباحات أو المندوبات وليس من باب فروض الكفاية، إذ لا ينتظر من علم الكلام جواب شافي أو توسعة فهم للعقيدة عند الناس، بل ينبغي أن يبقى في إطار التقليد كما هو المفهوم عند العامة.

أما وقد حاول المتكلم التوسع في الفكر وإعطائه مدى عميقا في تحليل النصوص والاستنباط منها عقيدة يستدل عليها العقل ويبرهن، من بيان الوجوب والإمكان والاستحالة كتأويل وتدقيق فيه، فهذا مالا ينبغي أن يكون؛بل هذا في نظره تقليد محض لهوى، وذلك بحجة أن السلف لم يدرجوا على هذا النهج وأن أيا كان قد خالف طريقتهم في الاستنباط أو الاستدلال فهو مبتدع ومتبع لهوى لا غير، كما يصفهم:

"غاية ما يقوله أحدهم – أي المتكلمين-إنهم جزموا بغير دليل و صمموا بغير حجة وإنما معهم التقليد وهذا القدر قد يكون في كثير من العامة لكن جزم العلم غير جزم الهوى، فالجازم بغير علم يجد من نفسه أنه عالم، إذ كون الإنسان عالما وغير عالم مثل كونه سامعا ومبصرا وغير سامع ومبصر"[8].

ثم يمضي في بيان تهافت المتكلمين في نظره ولا يترك لهم وليجة إلى الصواب وإن هم التزموا أقوال السلف ابتداء، لكن بمجرد ما يضاف تفسير جديد لمنهجهم فهم يخرجون من صفهم وتلزمهم المذهبية التي أخذوا عنها هذا الأسلوب في البحث وذلك تمشيا مع مبدأ "لازم المذهب مذهب" كما يقول:

"وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني وأبى حامد الغزالي والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك، وهذه عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة ..."[9].

وعلى هذا فأي مسلك من هذين أولى باتباعه وتطويره في زمن" كورونا "وسيطرة سيكولوجية الأراجيف والإشاعات والتطاول على الخبر والمعلومة ونشرها بغير حجة ودليل وتشكيك ؟ للمفكرين حرية القرار والتمييز، وبالله التوفيق.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

[1] الغزالي:الاقتصاد في الاعتقاد   ص19

[2] الغزالي:إحياء علوم الدين  ج1ص23

[3] الغزالي :الإقتصاد في الاعتقاد ص5

[4] الغزالي:المنقذ من الضلال   ص14

[5] الغزالي:الأربعين في أصول الدين، دار الآفاق الجديدة ط1-1978ص181

[6] الغزالي: جواهر القرآن   ص23

[7] ابن تيمية:مجموع فتاوى، مفصل الاعتقاد ص12

[8] نفس   ص30

[9] نفس  ص157

 

 

جواد بشارةمقدمة نظرية:

"ليس هناك ما هو أكثر أناقة وفعالية من فن تم تصميمه على شكل فن آخر".. روبرت بريسون

عند الحديث عن الماضي سينمائياً: بحث مقدم لأستاذ مادة الإخراج في كلية السينما في جامعة السوربون المخرج الراحل إريك رومير مترجم عن الفرنسية.

إن صنع فيلم يقع في فترة تاريخية معينة يفترض مسبقًا خطابًا واعيًا حول الماضي. نظرًا لتدخل صانعي الأفلام في مجال المؤرخ، وغالباً ما يتم الحكم على هذا النوع من الأفلام من حيث الدقة في إعادة البناء بصورة تفصيلية للحقائق والجوانب التاريخية. حيث يُنظر إلى الفيلم على أنه وثيقة أكثر من كونه عملًا خياليًا. إلى جانب حقيقة أن رؤية التاريخ تتطور مع التغيرات التأريخية، فمن غير المناسب إلى حد كبير الحكم على عالم خيالي بأدوات العلوم. إذ سيكون التحليل مشوه، سواء فيما يتعلق باستدعاء الماضي، والذي سيكون دائمًا غير مرضٍ لهذا المتخصص أو ذاك، أو كما هو الحال فيما يتعلق بنوايا المخرجين. سيكون من العدل تحليل دوافع صانعي الأفلام ووجهة النظر المعتمدة لتفسير العمل الفني السينمائي المنجز.

وبالتالي نترك البحث عن التاريخية المميزة للموضوع، أو محاولة العثور على أمانة خيالية للماضي، لأصالة تبدل عالم ما وتاريخه أو حكايته، مما يشير أيضًا إلى أن عمل الخيال يمكن أن ينتج خطابًا "حقيقيًا" عن الماضي، وأحيانًا الابتعاد عن الحقيقة التاريخية المناسبة. يوضح فرانسوا جيري أن "الوصول إلى التاريخ في السينما يتطلب تجاوزًا جدليًا للفيلم أو لما هو قابل للأفلمة عن طريق الإخراج". من خلال عمل التحول، إذ يتجنب المبدع الطبيعية والمحاكاة المرجعية لما نظهره، أي الذي يصبح "جزءًا أو عنصراً من خطاب حول الماضي".

باستخدام الماضي، يجلب صانعو الأفلام أنماطًا أخرى من التمثيل والتجسيد البصري والسردي في بيانات الفيلم، مما يؤكد على مكان السينما في تاريخ الفن وتاريخ التمثلات والتجسيدات. إن استخدام مصادر الإلهام من الفنون الأخرى والعصور الأخرى يتحدى اللغة السينمائية، وفي نفس الوقت يثريها. كيف يتم بناء هذا العالم الآخر، أي العالم السينمائي، وبأي وسيلة؟ ما هي المعايير التي يحتفظ بها المخرج من القصة وتاريخ حدوثها؟ ماهي المراجع الجديدة التي يخترعها أو يبتكرها؟ ما يظهر دائمًا هو الحاجة إلى تعديل الواقع، و "العمل" عليه، وإعادة تكوين الماضي إلى الأبد، والذي لا يُعرف إلا بتمثيلاته. تتطلب المعرفة اللجوء إلى وساطة، تلك المتعلقة بالماضي التاريخي، وساطة أخرى للعيش كخيال أو رؤية روائية.

وبما أننا نتحدث عن مفهوم الزمن في السينما فإن العصور الوسطى تمثل مصدرًا مهمًا للإلهام في السينما منذ بداياتها، مع أفلام تتعلق بالبعد الفني، والأدوات الإيديولوجية أو ببساطة بالترفيه. العصور الوسطى يمكن الوصول إليها اليوم من خلال تمثيلاتها وإسقاطاتها الصورية فقط، بطرق نصية أو بصرية (إضاءة، نحت، زجاج ملون، هندسة معمارية). ومن هذه الأشكال رسمت السينما وغذت رؤيتها للعصور الوسطى، بدءًا من اقتباس التأثير البسيط إلى التحول الجذري للعالم البصري. في هذه الدراسة، سنحاول أن نرى ما يدور حول الأفلام التي تسعى إلى أن تكون أقرب ما يمكن، ليس إلى واقع ملموس من القرون الوسطى فحسب، بل وإلى جماليات القرون الوسطى. فعلى سبيل المثال، إريك رومير، مع فيلم بيرسيفال لو غالوا، يطرح بشكل مباشر ومكثف مشكلة نقل صور القرون الوسطى إلى شاشة السينما. لذلك، من هذا المثال، الذي غالبًا ما يعتبر متطرفًا من وجهة النظر السينمائية الكلاسيكية، سنبدأ في تفحص عملًا سينمائياً سبق تحفة رومير السينمائية المشار إليها أ‘لاه، ألا وهو فيلم هنري الخامس، إخراج لورانس أوليفييه، وهو عبارة عن إعداد لمسرحية شكسبير للشاشة. هنا يثار السؤال عن طرائق تحويل العالم المرئي لإضاءة القرون الوسطى إلى صور خاصة بالسينما. للحصول على فكرة أفضل عن نتيجة كل خطوة، يتعلق الأمر أولاً بمعرفة الخيارات المتاحة لكل مخرج وما هي التحيزات الجمالية التي تحكم إنتاج أعمالهم. وأخيرًا، ستتيح لنا مقارنة الأعمال التمييز بشكل أفضل بين المسارات المختلفة التي اتخذناها وتقدير إنجاز كل مشروع.

الخيط المشترك في بحثنا هو الفضاء أو المكان المتعلقة بحقة زمنية محددة ومعروفة، مع الطرق المختلفة لتمثيل وتجسيد المكان والعلاقات التي يتم إنشاؤها بين الوسائط المختلفة، فهناك مساحة مصورة، خاصة بالقرون الوسطى على وجه الخصوص. بالإضافة إلى الأسئلة الأكثر عمومية حول تحولات المكان التصويري وعلاقاته بالشاشة التي تكمن وراء هذه الدراسة، سنشير هنا بشكل أكثر تحديدًا إلى مساحة صورة القرون الوسطى.

في العصور الوسطى، تم تجاهل بناء المكان وفقًا لقواعد المنظور؛ من ناحية أخرى، يتم استخدام الصفائح المتراكبة انطلاقاً من مساحة وصفية. نلاحظ أيضًا التسلسل الهرمي للوجوه والصور، الذي اقترحه الحجم والتناوب الإيقاعي للألوان والشفرة الرمزية للإيماءات والمواقف. سوف نتذكر أيضًا بنية الفضاء في الأماكن، المقابلة للمفهوم العام للفضاء أو المكان في العصور الوسطى. هناك خاصية أساسية أخرى: يتم التعبير عن الوقت أو الزمن عن طريق الفضاء أو المكان، من خلال تجاور أماكن مختلفة تشكل العديد من اللحظات المختلفة للتاريخ وللحكاية المروية في سياقها التاريخي، مما يسمح بتقارب أولي بين فن العصور الوسطى والسينما. فيما يتعلق بالمساحة السينمائية أو المكان السينمائي، سنحتفظ بتعريف جان رينيه ديبريكس، المناسب جدًا للأعمال التي تمت دراستها هنا: بيئة ذاتية مستقلة، وتقليدية تمامًا، تحافظ مع تلك الطبيعة على تقارير التشابه فقط، والتي يلتزم مخرج الفيلم بإعادة إنشائها بالكامل، والتي يعترف بها المشاهد فقط على أنها حقيقية من خلال بعض القطع الأثرية الدالة على تلك الحقبة الزمنية.

من الموارد الأساسية للسينما كفن هناك علاقة الفضاء أو المكان بالزمن وتأثيرهما المشترك على الخيال أو المخيلة الشخصية لمخرج الفيلم؛ إنها سلسلة الزمكان التي تخلق السرد. يتم إنشاء الفضاء المسرحي "من الهندسة المعمارية، أو من وجهة نظر العالم (المصور أو الصوري)، أو من الفضاء المنحوت بشكل أساسي من قبل أو بواسطة أجساد الممثلين". سواء كان معماريًا أم لا، فإن المكان المحدد على هذا النحو ضروري لمفهوم المسرح؛ حيث تتميز الأماكن باستخراجها من الحياة اليومية، في تكوين مساحة اللعب ذات الحدين: منصة العرض/ المتفرج. لكنه مكان مغلق ومحدود، على عكس شاشة السينما التي تفتح على مساحة قد تكون غير محدودة. هذا هو الاختلاف الأساسي الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار من قبل أولئك الذين يحاولون الانتقال من نص من المسرح إلى السينما، أي في عملية الإعداد السينمائي لنص مسرحي.

بالنسبة إلى إريك رومير، كان نقل رواية كريتيان دي تروا إلى الشاشة مصدر قلق طويل الأمد لديه كما أخبرنا في محاضراته في الإخراج. وقد تم إثبات ذلك من خلال محاولة أولى قام بها في عام 1964 على شكل فيلم تعليمي للتلفزيون المدرسي، بيرسيفال أو حكاية الكأس المقدس. عندئذ تكونت لديه رؤية المواد اللازمة لفيلم سينمائي، إذ سيطور المشروع على مر السنين بعد توفر المادة الأساسية لعمل فيلم للسينما ؛ وكما سنرى، يجمع هذا الفيلم بين العديد من العناصر العزيزة على مؤلفه. جاء الدافع الأول من شغفه بالرواية، وللنص نفسه، وهو انعكاس للتدريب الأدبي للمخرج ونشاطه التدريسي. ولكن من حيث الإبداع السينمائي وعلى صعيد العمل السينمائي المحض، فإنه يشهد على التفكير في المساحة الخاصة بالسينما وفي المكان السينمائي تحديداً، وارتباطه بالمساحة التصويرية أو بالمكان الصوري، وكذلك الرغبة في استكشاف فترة من الماضي من خلال مخيلته الخاصة، والجماليات التي تميزها.

يستنسخ الفيلم بأمانة إلى حد ما رواية كريتيان دي تروا "قصة الكأس المقدس"، التي كتبت في نهاية القرن الثاني عشر. يتبع شخصية بيرسيفال في تعلمه للفروسية، مستوحى من لقاءه مع فارس يأخذه من أجل تقديمه لفرسان الطاولة المستديرة ؛ ثم سيذهب بعد ذلك إلى محكمة الملك آرثر، وسيتعرف بلانسلو، وسيلتقي بالملك فيشرمان وسيذهب للبحث عن الكأس المقدسة، ليطلب في النهاية نصيحة من ناسك. ثم يغير الفيلم التركيز ويتبع شخصية Gauvain  غوفان، كما هو الحال في الرواية، لكن رومير  Rohmer يحتفظ فقط بالجزء الأول من مغامراته، قبل أن يعود نهائيًا إلى تلك المغامرة الخاصة ببيرسيفال  Perceval.   في هذا المستوى، يسمح رومير لنفسه بأكبر قدر من الحرية مقابل النص: إذا، في الرواية، الناسك يذكّر بيرسيفال فقط أنه يوم الجمعة العظيمة، يتخيل رومير لعبة الشغف، مع بيرسيفال (الذي يؤدي دوره الممثل المبدع فابريس لوتشيني) في حين يلعب دور المسيح والممثلين الآخرين في أدوار تكشف عن شخصيتهم. يتم حل الصراع الداخلي للشخصية التي ارتكبت خطأ ترك والدته في الوهم، يجيب جزئياً على الأسئلة التي تركت دون إجابة من قبل النص غير المكتمل لكريتيان. يتبع ذلك نهاية مفتوحة، مع "الصورة الكهنوتية للبطل وهو يمشي بعيدًا على الطريق الرئيسي" ، يشكل ذلك مرجعاً سينمائياً في عالم من القواعد المتفق عليها.

إذا لم يكن بيرسيفال يشبه رسمياً أي فيلم آخر من أفلام رومير ، فإن ثيمة هذا الفيلم تقع من وجهة نظر مواضيعية، في استمرار الحكايات الأخلاقية التي دأب رومير على تقديمها من خلال أفلامه الأخرى، وتستكشف الطريقة التي تتطور بها الشخصية التي تتمتع بوعي ذاتي قوي في بيئة بها شفرات أخلاقية دقيقة وصافية. على النقيض من الأبطال المعاصرين، يعرض بيرسيفال سذاجة كبيرة، "براءة مميتة" التي تهرب من علم النفس الحديث. لكنه بطل روماني من حيث أنه في نفس الوقت بريء ومذنب، مذنب لأنه لم يطلب سر الكأس ولكن قبل كل شيء أنه تخلى عن والدته التي ستموت من الحزن دون أن تتمكن من رؤيته مرة أخرى. في النهاية، إنها رواية تعلمية، و "البحث الحقيقي هو عن وجه الله"  حيث الكأس ليست سوى خطوة واحدة لذلك المسعى الروحي. يمكن بالتالي وضع بيرسيفال رومير في سلسلة طويلة من إعادة تفسير واستمرارية الرواية لكريتين دي تروا، كما يقترح جيرارد جينيت.

كان نهج رومير الأولي هو عرض النص بدقة وبأكبر قدر ممكن. كان قصده هو جعل النص في متناول جمهور أوسع من النخبة المثقفة فقط، من خلال ترجمة كانت حرفية ومفهومة. وهكذا، ينتقل أولاً إلى "تحديث" نص القرون الوسطى، مع الحفاظ على البساطة النحوية، وتوسع الآيات في المقاطع الصوتية والأسلوب غير المباشر للراوي الذي يتناوب مع الحوار المباشر.

يملي النص نفسه، بروح الإخلاص التي دعا إليها رومير. يختار تمثيل العصر من خلال فنه وجمالياته، ولا سيما من خلال الرسم أو الفن التشكيلي والمسرح، من أجل جعل القصة أكثر مصداقية. هذا الاختيار أكسب بيرسيفال تسمية الفيلم "الأثري"  - لا شيء أبعد عن الحقيقة. قام رومير بعمل عميق في نحت المكان السينمائي للفيلم، وهو في صميم تصميم مشروعه، لأنه يؤكد بنفسه أن "الخطوة الأولى للتكيف والإعداد هي اختيار المكان وخصوصياته"  . المرجع الأساسي هو أن الفن الروماني. يذكر رومير أنه سعى إلى "استحضار الفضاء الروماني" الذي يتميز "بهذا الجانب المغلق الدائري المستدير بالكامل". تم بناء جميع الديكورات في الاستوديو، في مكان فريد يصبح بذلك مكانًا مغلقًا كما هو الحال في العديد من أفلام  رومير الأخرى.

يتضمن مساحة مركزية وقائمة للقتال وحركة الرجال والخيول. يصفه رومير بأنه شبه منحرف بزوايا مستديرة ويقارنه بطبلة الأذن في الكنيسة. حول هذا المجال المغلق، تم بناء التصميمات الداخلية والخارجية اللازمة للعمل، مثل العديد من القصور في مشهد القرون الوسطى. يستخدم البعض منها لتعني أماكن مختلفة؛ لذلك هناك غابة واحدة فقط، غرفة واحدة، مرج واحد. تعمل القلعة المبنية على تمثيل جميع القلاع التي تظهر في التاريخ: إنها تغير فقط شعارها. مستوحاة من الهندسة المعمارية للكنائس الرومانية، "جميع التصميمات الداخلية لها شكل حنية". وهكذا يصبح قوس الدائرة العنصر الأساسي في التكوين؛ تم العثور عليه في الديكور، ولكن أيضًا، أكثر أهمية بالنسبة لرومير، في المسارات المنحنية للشخصيات، والتي تحددها الهياكل الدائرية، والتي تصبح مسارات رمزية. من المفترض أن يعكس كل شيء حقيقة أنه "في العصر الروماني لم نكن نمثل كل المساحة"، ولكن فقط بعض العناصر المهمة منها. توفر الزخارف المرجع الرئيسي الآخر للديكور. يأخذ رومير في الاعتبار حقيقة أنه في صور القرون الوسطى "لا يوجد تمثيل يري المرء المقياس ويغدو بمثابة المعيار" - فكرة تنعكس في عدم تناسب الزخارف. باختصار، نلاحظ البحث عما يعادل صورة القرون الوسطى: غياب أو تقليل منظور اللقطات، الألوان المشبعة (الأزرق السماوي، الأحمر، الأخضر الفاتح، الذهبي)، الزخارف على شكل قصور، كما في مسرح الألغاز. سنعود لاحقًا إلى الخيارات والآثار الناتجة عن هذا التفسير للمكان. في هذا الديكور الوهمي، تشكل الأزياء والأسلحة عنصرًا واقعيًا. يتم تطويرها مع الاهتمام بشكل خاص بالتفاصيل، حتى إذا كانت هناك "أخطاء مقصودة في الأزياء وتسريحات الشعر". يتم تمييز هذه الكائنات من خلال الصور أو اللقطات المقربة التي تترجم النص بشكل حرفي تقريبًا: إذا تمت تسمية كائن، فإنه يظهر في الصورة في وقت واحد، مما يجعل من الممكن شرح الآثار المحفوظة في النص. هذه التفاصيل لها أيضًا وظيفة إنشاء الخيال التاريخي، لاستعادة الخيال الإقطاعي من خلال اقتراح واقع ملموس بفضل تأثير الواقع السينمائي، والذي من خلاله يستعيد تصور المشاهد الأجسام والمساحات ثلاثية الأبعاد حيث يتأثر تمثيل الممثلين دائمًا، خاصة فيما يتعلق بالإيماءات والمواقف، من خلال مصادر بصرية من العصور الوسطى. استنادًا إلى فكرة أن هذه الأشياء دائمًا ما تكون منمقة في فن العصور الوسطى، إذ يتخيل رومير نظامًا عالميًا للإيماءات. على سبيل المثال، يمكننا أن نرى بشكل خاص مسرحية أم بيرسيفال أو لعبة بعض أعضاء الجوقة: المرفقين الضيقين، والأيدي الممدودة قليلاً، في الاستلقاء، واليدين على الصدر، وإيماءات التظلم أو اليأس. وهذا يخلق لعبة منمقة غير طبيعية، من المفترض أن "تعيد إيماءة النعمة الطفولية على المنمنمات من القرنين الثاني عشر والثالث عشر". بالنسبة لرومير، فإن الممثلين هم أول "قراء" للنص الذين ينتهي بهم من خلال اللعب والتمثيل، بهدف جعل المتفرج ينسى تقاليد الديكور، في توازن بين المواقف المسرحية والإيماءات الطبيعية. كان يمكن تفسير النتيجة على أنها مسرحية معروضة على مسرح دائري أو منصة دائرية، وهذا ما أراده رومير إلى حد ما، مخلصًا للروح التي ميزت عمله بالفعل، ولكن مع مرحلة أرادها هنا مستوحاة من مسرح العصور الوسطى والمسرح المستدير الحديث.   العناصر الأخرى للمرحلة تضيف مسافة بين المتفرجين والفيلم، أي حالة التغريب أو التبعيد البريشتية. أولاً هناك الكلام غير المباشر للشخصيات. حافظ رومير على النص كما هو، بما في ذلك المراجع غير المباشرة للراوي، لذلك تشير الشخصيات إلى نفسها بالكلام بصيغة الشخص الثالث، بالتناوب مع الحوار المباشر. كلاهما الراوي والممثل / الشخصية. هناك اختلاف حول دور الراوي في أفلام رومير - وهي عملية موجودة بالفعل في القصص الأخلاقية التي تشكل مواضيع ومضامين أفلامه الأخرى. عنصر آخر للمسافة هو وجود الجوقة في الإطار. كما يلعب دور الراوي، وهو الراوي المرئي الموجود في الإطار، إلى جانب الشخصيات في القصة. يفكر المرء على الفور في الراوي الفاعل للعروض الشفوية لأعمال العصور الوسطى، التي كان من المفترض أن ترتدي صفتها ويتم تحديثها عن طريق الصوت. لكن عملية رومير تذكرنا بقائد لعبة الألغاز التي وقفت على مساحة اللعب، مع وجود ملخص - يمكن للمرء أن يقول إن كل ممثل هو شخصيته، ومرافقة موسيقى القرون الوسطى الكثير من السرد. يتم إنتاجه في الإطار من قبل أعضاء الكورال، على أنغام من القرنين الثاني عشر والثالث عشر. هذا هو عنصر آخر من أصالة يريده رومير في مشروعه. من خلال كل عمليات الإبعاد هذه، يبرز المخرج الغرابة ويؤكد على الطابع الآخر للشخصيات والقصة، إذ يتعمد الآن فتح "المساحة التي تفصلنا عنها، مع السماح بالقراءة . كاميرا رومير سرية للغاية ؛ إنه يصور بطريقة كلاسيكية، مع بنى تركيب غير مرئية للغاية، وبالتالي يترك مساحة للديكور والشخصيات لرواية القصة ووصف هذا العالم باعتباره مختلفًا جدًا عن الحياة اليومية. يعزز هذا التقدير للكاميرا البعد المسرحي والاصطناعي للفيلم؛ كان انحياز رومير هو عرض القصة بتغير كلي، ولكن لتصويرها مثل أي فيلم آخر من أفلامه التي تجري أحداثها في الوقت الحاضر. بمجرد إنشاء هذا العالم بخلاف عالمنا، بخلاف الواقع، يرغب رومير منا كمتفرجين جهداً لاستيعابه، والالتزام به طوال مدة الفيلم: "سيكون الأمر المثالي هو أن ينظر المشاهد إلى هذه العناصر البلاستيكية على أنها تنطلق من نفسه، أنه ينسيهم أو بالأحرى يشعرهم كرموز ”. في عمل رومير، يتناسب استخدام هذا التظاهر والخدعة مع مفهوم أكثر عمومية للصورة السينمائية على أنها خاطئة من الناحية الوجودية، وهي سمة يجب استكشافها ودفعها إلى حدودها.

يستجيب المشروع بأكمله لرغبة رومير في التقاط "هذا الجمال الطازج والبسيط والمفيد الذي هو فن القرون الوسطى" - وسنحاول لاحقًا معرفة مدى تحقيقه. يترجم رومير المكان، تمامًا كما يترجم النص، لجعله أكثر سهولة. يعترف بأنه قام بترجمة مزدوجة، أولاً النص إلى آية، ثم النص إلى فيلم، باستخدام السينما لوضعه في خدمة الأدب. يسعى إلى حل من المعادلات؛ يمكن القول إنه يستخدم نفس الأسلوب، مقتنعًا بقوة اللغة. من خلال جميع عناصر مرحلته، "يكسر الوحدة الوهمية لأي تمثيل مأخوذ لجميع الواقعيين" وبهذه الطريقة يحاول أن يجعل كونه أكثر مصداقية وأكثر "واقعية". في محاولة العودة إلى المصادر التي ألهمت رومير، أكد بعض النقاد على المفارقات التي تتسلل إلى خياراته. من المؤكد أن رومير لا يستخدم فقط إشارات إلى فن القرن الثاني عشر. مسرح الألغاز، مع منطقة اللعب المركزية والقصور لمختلف الأماكن، حتى لو كان قد ظهر حوالي عام 1200، يميز حقبة لاحقة، من القرن الرابع عشر. فيما يتعلق بالمصادر التصويرية، لاحظنا على وجه الخصوص تأثير المنمنمات في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، مما يوجه الفيلم بصريًا نحو العصر القوطي. يحقق جاك لي جوف الديكور بدلاً من "رافائيل ايت"، مما يشير إلى أن هذه طريقة مؤرخة إلى حد ما لتفسير العصور الوسطى. الأمر الأكثر إثارة للدهشة، والذي يتعارض مع النمط العام للديكور، هو مناظر المدن المرسومة على اللوحات، والتي تظهر في خلفية بعض اللقطات. المقارنة التي قمنا بها مع فن عصر النهضة هي فقط؛ هذه الآراء التي تكسر وحدة نمط الديكور. لكن هذه "المفارقات" لا يمكن إدانتها بالضرورة، خاصة إذا تذكر القاريء أن رومير لا يسعى إلى إعادة بناء دقيقة للمرجع التاريخي ؛ فهو يدرك أن فكرة الفضاء ـ المكان هي تفسير شخصي، يدعي هو نفسه أنه "ربما يتعارض مع متطلبات معينة للرومانسية". بدلاً من ذلك، يجب أن ننظر إلى المنطق الداخلي للفيلم، والعلاقات بين المساحات التي تم إنشاؤها - وبالتالي الحكم على الفيلم على أنه خيال، حتى لو كان متنكراً في شكل "وثيقة" تاريخية. يشكك الفيلم في توضيح المساحة التصويرية والفضاء السينمائي، التي يضيف إليها رومير مساحة مسرحية، تنبع من السياق الفني نفسه للعصور الوسطى. لذلك سنلقي نظرة على القوانين الداخلية التي تحكم الهياكل والمساحات والحركات. يهدف العمل على المكان أولاً إلى تقليل البعد الثالث وبناءه، وفقًا لنموذج المنمنمات، مساحات ذات مستويات متراكبة، دون منظور واضح. مسار المخرج مُحوّل تمامًا: "جعل غياب البعد الثالث مبالغة من نفس البعد" من خلال إنشاء هذه المساحة المغلقة والمستديرة في الاستوديو. سحق الزخرفة له تأثير مزدوج، وفقًا لزمثور ـ Zumthor، "تقدير البادرة البشرية الوحيدة، وتضييق وجهات النظر إلى حد استبعاد أي اقتراح ملحمي" ، والذي يعطي جانبًا هرميًا للشخصيات. ويشير المخرج ـ المؤلف إلى "الإلغاء التام تقريباً للبعد الثالث"، ولكن هذا "تقريباً" هو بالضبط ما يزعج تصميم رومير. في السينما، لا يمكنه محو المنظور. فبين المساحات المسطحة والأسطح والأشياء والخلفيات يمتد الفضاء الذي يبرزه التصوير الفوتوغرافي. تضيف الظلال التي ألقتها الشخصيات طبقة أخرى على هذا الشعور، وهذه إحدى المشاكل التي يعترف رومير بأنه لا يستطيع حلها، على الرغم من جهود مدير التصوير المجدد والمصور السينمائي نيستور ألمندروس، الذي يستخدم الضوء المنتشر لهذا الغرض. يضاف إلى ذلك الأبعاد الثلاثة للكائنات والأشياء التي يرنو إلى تشريدها، لأنها تحتل مساحة، تشير إلى فكرة المنظور. في المشاهد الداخلية، لا يزال المنظور يكتسب حضورًا بفضل الأشكال المعمارية للديكور. حركات الكاميرا تزيد فقط من هذا الشعور؛ وهي حركة بانورامية، يفترض السفر بحكم تعريفه حركة في المكان ــ الديكور، في العمق. يربطون مساحات مختلفة على طول المحور نفسه، تمامًا كما فعل المنظور، من المحاولات الأولى لألبيرتي  Alberti  وبالتالي، حدد رومير هدفًا غير قابل للتحقيق، لأنه على الرغم من الأبعاد الثنائية للشاشة، لن تكون المساحة السينمائية مستوية أبدًا. إشارة رومير إلى المسرح المستدير واضحة مع بناء المساحة المركزية الدائرية، محاطة بالقصور. وهو بذلك يرغب في إعادة اكتشاف الفضاء الكلي والمتقطع للألغاز: منطقة اللعب التي تمثل العالم بأكمله، منظمة من قبل أماكن مختلفة حيث تقع الأحداث وتحدث الإجراءات، في بعض الأحيان في وقت واحد. لكن هذا النهج يضيع تقريبًا تمامًا بالنسبة لمشاهد الفيلم الذي لا يمكنه إدراك المكان بأكمله. على الأغلب، وبفضل الصور البانورامية الأطول، يرى مسافتين مرتبطتين بمسار. فعلى الشاشة، يمكن للمشاهد دائمًا رؤية أماكن مختلفة يمكن أن تكون موجودة في أماكن بعيدة - إنها الشخصية الكلية للزخرفة التي فقدت. بالطبع، لا ينخدع رومير بهذه النتيجة؛ إن إصراره على المرجع المسرحي يلبي دائمًا رغبته في إعادة اكتشاف العالم من خلال خياله. لا شك في أن المجموعة التي تم بناؤها بالفعل بهذه الطريقة خدمته بشكل جيد في عمل عرض النص والتحضير للتصوير. إريك رومير هو تلميذ أندريه بازان Bazin الذي رأى السينما كنافذة مفتوحة على العالم، والإطار يعمل كذاكرة تخزين مؤقت تسمح لك فقط برؤية جزء منه في وقت واحد. ولكن إذا كانت تعمل بشكل عام لمساحة طبيعية، فهي ليست هي نفسها بالنسبة لهذه الزخرفة المستديرة، التي لا يعرفها المشاهد على الفور. وبالتالي، لن يرى المشاهد المساحة بأكملها مصممة أبدًا، ولكن فقط الموقع المختلف. يتوافق هذا التأثير بالتأكيد مع قناعة رومير بأنه في العصر الروماني "لم نمثل المساحة بأكملها"، ولكنه لا ينصف الفضاء المسرحي الذي يصبح عديم الفائدة. أخيرًا، المساحة التي تم إنشاؤها هي مختلطة: لا المسرحية ولا السينمائية في هيكلها، فهي قبل كل شيء تبرز على الشاشة المرجع المصور. وهكذا يصبح هذا هو العلامة الرئيسية لمرجع العصور الوسطى، السمة المميزة للفيلم، للمرحلة التاريخية المقصودة، بمجرد محو المرجع المسرحي. إن دهشة المشاهد خلال الدقائق الأولى من الفيلم أمر أساسي. كل شيء مختلف: الديكور واللغة وطريقة التحدث والحركة. يجب أن نتبع فرانسوا جيري ونؤكد له أنه بهذه الصدمة التي تمس "عادات احتمالنا"، فإن المتفرج عالق في اللعبة. وبمجرد أن تبدد الانطباع الأول، اعتدنا على هذا العالم البصري ولدينا يكون الوقت قد حان لاستكشافه وتحليله. ثم نلاحظ التهجير الرمزي من خلال الغابة والمروج، وكذلك تكرار عناصر الزخرفة التي تكتسب بالتالي بُعدًا رمزيًا أكبر. ومع ذلك، نحن لسنا حقًا "في" هذا العالم - وليس بسبب التمثيل. تأتي المسافة على وجه الخصوص من الطريقة الكلاسيكية للتصوير التي تصف هذا الإعداد المنمق كإعداد طبيعي - وهذا التأثير الغريب يؤسس مسافة أكبر بين المتفرج وعالم الفيلم. لكن هذه المسافة ليست مطلوبة من قبل رومير، لأنها تمنعه من الانضمام إلى هذا العالم. يمكننا أيضًا ملاحظة التأطير السينمائي الذي لا يتوافق مع مساحة صورة القرون الوسطى، فيما يتعلق بجسم الإنسان (لقطة مقربة، لقطة متوسطة، لقطة أمريكية). هذا يقدم تجزئة الجسم التي لا تتوافق مع جماليات القرون الوسطى. يستخدم رومير هنا حتى العدسات المقربة الزوم والصور المقربة أكثر من أفلامه الأخرى، ويستخدم في الغالب العدسة 50 مم. لقد ذكرنا بالفعل حركات الكاميرا: العديد من الصور البانورامية ولقطات السفر تنكسر مع المقدمة ولكنها موجودة في العديد من الإطارات والكادرات الأخرى، مما يشير إلى منظور وعمق الفضاء السينمائي. وهكذا تصبح السينما نوعًا من القفص الزجاجي الذي يحتوي على هذا العالم الغريب، والذي يظهر كفضول، ديوراما غريبة. بدون الانضمام إلى المؤلفين الذين يرون في بيرسيفال لوغالوا فقط بناء كائن متحفي، فضول للمتخصصين، سنحتفظ من هذه المرحلة الأولى بمراقبة الفاصل بين الفضاء السينمائي والمساحة التصويرية والمسرحية من الديكور.

العصور الوسطى في رؤية لورنس أوليفييه:

في عام 1943، اتصلت وزارة الدفاع البريطانية بلورانس أوليفييه لتعديل مسرحية شكسبير هنري الخامس وإعداده سينمائياً، كجزء من دعاية الحرب. والنتيجة فيلم يطرح أسئلة معقدة حول طبيعة السينما والمسرح والصورة، وكذلك طبيعة التمثيل بشكل عام. من خلال تكييف وإعداد مسرحية شكسبير، اختار Laurence Olivier نهجًا مزدوجًا. قام أولاً بقص النص الأصلي، مع التركيز على تكيفه مع شخصية الملك ووطنيته وبره. لكن أهم عمل هو تكييف الوسط المسرحي مع الوسط السينمائي، مما يعطي أكبر قيمة لفيلمه. والنتيجة هيكل على عدة مستويات. يبدأ الفيلم بمنظر جوي للندن عام 1600. تأخذنا سلسلة من اللقطات إلى مسرح غلوب، حيث سيبدأ عرض مسرحية شكسبير هنري الخامس. يبدأ العرض، الذي قدمته جوقة، شخصية تقليدية من المسرح الإليزابيثي. يقدم لنا القانون الأول كمشهد على المسرح الإليزابيثي؛ هذا هو المستوى الأول من الفيلم. ثم، أثناء المرور إلى الفصل الثاني من المسرحية التي أدخلتها الجوقة مرة أخرى، ننتقل إلى المستوى الثاني. نحن لم نعد على مسرح الكرة الأرضية، ولكننا بعيدون عن كوننا في عالم "واقعي": تتطور الشخصيات في بيئة مستوحاة من المنمنمات في العصور الوسطى. هذا المستوى الثاني من الفيلم سوف يفسح المجال لوجهة أخرى أكثر "واقعية" من وجهة نظر سينمائية، والتي سوف تتعلق بالمشاهد الليلية في المعسكر الإنجليزي وخاصة معركة أجينكورت، أعلى نقطة في الفيلم. ثم يحدث المسار العكسي: المرور إلى مكان "القرون الوسطى" لعواقب الحرب ومشهد إغواء هنري لكاترين. ثم نعود إلى مسرح الكرة الأرضية، لنهاية المسرحية، بتدخل أخير من الجوقة. تعرض نهاية الفيلم مرة أخرى المنظر البانورامي للندن، كما في البداية. الأسباب التي أثرت على أوليفييه متنوعة وتستحق التحديد. كان همه الرئيسي هو تقديم عرض لجمهوره يكون محبوكاً وممتعًا. ركز عمل أوليفييه وفريقه أولاً على اكتشاف "أسلوب" مرئي يناسب الفيلم ويهيمن عليه. كان لا بد من تمرير حوار شكسبير "المسرحي" القديم عبر البيئة الطبيعية للسينما، التي من المفترض أن تمثل العالم الحقيقي. لكن بذور التكيف السينمائي موجودة بالفعل في شكسبير، ولا سيما في هيكل المسرحية: "إن تقسيمه للعمل إلى العديد من المشاهد الصغيرة يكاد يكون توقعًا لتقنية الفيلم". فمسرحيته وريثة مسرح العصور الوسطى، وشكسبير لا يتبع القواعد الكلاسيكية لأنه يلعب بحرية مع الزمان والمكان؛ لا شك أن السينما ستفعل ذلك بعد عدة قرون، لكن العملية كان لها بالفعل تقليد طويل مع مسرح الألغاز. في مقدمة شكسبير وفي الإطار السردي الذي أنشأته الجوقة، تم بالفعل تضمين قضايا استخدام وتمثيل التاريخ في المسرح، من "القوة الخيالية" للعرض المسرحي. هذه هي نقاط البداية التي وجهت الإخراج.  مساحة الفيلم، من حيث الإعداد ومن حيث اللقطات وتسلسلها، هي العنصر الرئيسي في العمل، الذي يصبح نقطة محورية بين الوسائط المختلفة. المستوى الأول للفيلم، وهو "فيلم تاريخي على المسرح الإليزابيثي"، بعيد عن إعادة البناء الواقعي. علاوة على ذلك، تم الكشف عن لهجة الفيلم من خلال المقدمة، المنظر الجوي البانورامي للندن، رؤية مثالية ممثلة بنموذج مستوحى من خريطة فيشر المرتفعة التي تبدو وكأنها دمية. تقترب الكاميرا (مع الرافعة) من نموذج الكرة الأرضية، عن طريق مونتاج اللقطات البانورامية، تقودنا داخل الكرة الأرضية، بين المتفرجين الذين يأخذون أماكنهم. ما يقدم لنا هو المسرح، مع عدة طوابق من صالات العرض للمشاهدين. في الأسفل، الطابق الذي يشغله الجمهور دائمًا، حيث تتقدم الكنيسة. يمتد إلى الخلف بمساحة مخصصة للمشاهد الداخلية، يحيط بها بابان ويطل عليها معرض تم استخدامه أيضًا لمشاهد معينة. يُدعى عارض الفيلم إلى مساحة خيالية، غير واقعية بشكل واضح، حيث سيتكشف كل شيء - وهي فكرة معززة بالنهاية الدورية للفيلم التي تأخذ المشهد الجوي من البداية. إنها مساحة تقع بدقة في الزمان والمكان والتاريخ. في الواقع، يخبرنا النقش على الورقة التي تحملها الرياح في مقدمة الفيلم أن العرض سيقام في 1 مايو 1600. ثم تضع الكاميرا نظرتها بين الجمهور. لكن عارض الفيلم يعرف أنه يواجه بناء وهمي. بعد ذلك، ستعزز اللقطات التي تظهر النشاط وراء الكواليس هذا التمييز مع المتفرج الذي يأخذ مكانه في العالم المعاد تكوينه.

تحتوي بداية العرض في الفيلم أيضًا على سلسلة من العناصر فائقة المسرحة metatheatral  و metacinematographic. والفائقة السينماتوغرافية، يحافظ أوليفييه على المقدمة مع الجوقة التي تتحدث إلى المتفرجين وتجعل Capevio benevolentiae المعتاد بأسلوب مسرحي علني. ولكن في منتصف نصه يتقدم نحو الكاميرا، في إطار يستبعد الجمهور، ويخاطبه مباشرة، على الكلمات: "في عمل قواتك الخيالية" - دعوة المتفرج لتكملة عمله في تخيل الثغرات وحدود الفضاء المسرحي والممثلين. تتميز هذه الخطة أيضًا بالملاحظات الأولى للموسيقى الأصلية للفيلم - مصدر خارج عن القانون، لأنه حتى ذلك الحين سمعنا فقط أوركسترا غلوب. وهكذا تصبح اللحظة لحظة للسينما النقية، تصبح المساحة المسرحية حتى الآن، مطواعة إذا كانت فقط لمساحة سينمائية فورية.

بعد ذلك، يبدأ المشهد الأول للمسرحية بالحوار بين رئيس أساقفة كانتربري وأسقف إيلي: تحول مسرحية الممثلين النقاش حول قانون ساليك إلى لحظة كوميدية. يتفاعل جمهور المسرح وفقًا لذلك؛ طوال الأداء، يضحك أو يضحك أو يوافق أو يرفض، باختصار، هو جمهور مطلع للغاية ويدرك الطبيعة الوهمية لما يظهر على المسرح. يستثمر أوليفييه آليات تحديث الوهم المسرحي الفريد لشكسبير، من أجل جلب الجمهور المعاصر إلى تصور أفضل للتاريخ وتمثيله. تتضاعف التفاصيل التي تشير إلى فن المسرح، بدءًا من ستارة المسرح، التي تعمل كإشارة مرئية وكعنصر يذكر بالوسيط المسرحي. تظهر الستارة مرة أخرى في النهاية بمناسبة الانتهاء من الأداء. يحدث أول ظهور للملك خلف الكواليس: بعد مقلاة تصف النشاط الفوار للممثلين والفنيين، يتم إصلاح الكاميرا، ويأتي الممثل الذي يلعب هنري إلى الإطار من اليسار. يتوقف ويسعل حتى يخرج حلقه قبل دخوله المسرح، وهي فرصة لنا لاكتشاف قلقه. يحدد هذا المظهر بالفعل المستويات الثلاثة للشخصية في الفيلم: فهو يمثل شخصية الملك، والممثل "التاريخي" الذي يجسده (جيمس برباج) وأيضاً لورانس أوليفييه نفسه. ثم يتم تنفيذ المشاهد التي تقرر فيها الغزو بطريقة مسرحية. ومع ذلك، يظهر هنا لأول مرة أحد الاكتشافات السينمائية البحتة لأوليفييه: خلال خطبته ردا على السفير الفرنسي، تحولت الكاميرا من لقطة مقربة على وجه الملك إلى لقطة واسعة، كما ترتفع نغمة صوت الملك. تلعب هذه الحركة على الفضاء أو المكان السينمائي، كما يوضح غراهام هولدينس: "إنها تزيد من حجم وتضاعف محتوى الإطار". حتى عند التصوير والأداء المسرحي، يستخدم الفيلم بشكل كامل الوسائل الخاصة بالسينما في هذا القسم الأول - نحن بعيدون عن المسرح المصور. تعمل المسرحية في الإطار (وليس الإطار) كنقطة مقابل للواقعية المرغوبة لتسلسل المعركة. اللقطات طويلة بما يكفي لتناسب أجزاء كبيرة من الحوار. لا يتبع منطق التحرير هنا تقنية هوليوود البديلة الحقل/ والحقل المقابل أو اللقطة واللقطة المقابلة لها، ولكنه يتوافق مع معايير السينما البريطانية الكلاسيكية - التي تؤكد على الممثل وصوته والحوار، مما يسمح بالتواصل الواضح والفعال بين الشخصيات. يتم الانتقال إلى المستوى التالي من الفيلم (، مع ديكور الإلهام التصويري، من خلال سلسلة من المشاهد التي تكون فيها القطعة أكثر وضوحًا، وبالتالي تحديد مسافة تكسر الوهم المرجعي. يتم تقديمها من قبل الجوقة، والتي تكشف الحلقة التالية خلف ستارة المسرح: إن صعود القوات والملك في ساوثامبتون لديه بالفعل جودة بصرية للنسيج في العصور الوسطى. ثم، تشير المناظر الطبيعية للريف الفرنسي على الفور إلى النموذج: الزخارف من مخطوطة الساعات الغنية للغاية لدوق بيري. هذا المرجع أكثر وضوحًا في المشهد الداخلي الأول في قصر ملك فرنسا: دوق بيري موجود كشخصية؛ علاوة على ذلك، نراه يتصفح خلال كتاب وضع على منبر - إشارة مباشرة إلى المصدر المرئي للفيلم. وبالتالي فإننا نوضع في نفس الوقت في الكتاب، من خلال النمط المرئي للفيلم على هذا المستوى وخارجه، لأننا نراه ككائن مميز في الصورة. يلعب الممثلون ويتطورون إما أمام خلفيات مطلية، من منظور غير خيالي، أو في زخارف ثلاثية الأبعاد تحاكي نفس النوع من الفضاء: "تم التخطيط للفيلم على أنه" رؤية عين الرسام للأحداث المتحركة. هذا المستوى من الفيلم هو الأكثر أصالة، ويمكن مقارنته بالمثال الأول الذي تم التعليق عليه أعلاه. يبرر أوليفييه مرة أخرى هذا الاختيار من خلال متطلبات تعديل نص شكسبير: "ما كان على العين رؤيته لتعزيز الواقع الظاهري للغة". لذلك كان بحاجة إلى وسيط بين مساحة النص ومساحة الشاشة؛ لذلك يسعى من خلال الديكور إلى معادل بصري لنص الزمن. ومثل رومير، يستخلص أوليفييه من الخلفية المرئية للزمن: ما هي أفضل طريقة لتوضيح عالم 1415 من مخطوطة إخوان ليمبورغ، التي تم إنتاجها بين 1411 و 1416؟ في هذه الإعدادات غير الواقعية تتطور الجهات الفاعلة التي ترتدي أزياء من القرن الخامس عشر وتتعامل مع الأشياء "الواقعية" الواقعية. اللقطات ليست قريبة جدًا من بعضها البعض وغالباً ما تبقى في حدود اللقطة المتوسطة، مما يسمح بوضع الشخصية في ديكوره؛ هذا يساهم في حقيقة أن الكاميرا توضع بشكل متكرر على مستوى الممثل: "[الفضاء] مصطنعة واعية ذاتياً وثابتة ومصورة، [مما يقود المتفرج] إلى معالجة الفيلم كسلسلة من اللقطات، للعودة لصور القرون الوسطى التي ألهمته”. لكن أندرو ديفيز يلاحظ تعديلًا لمنطق الفضاء الواقعي الذي يتأثر بالخروج من الزمن التاريخي المناسب: "تمامًا كما تصبح الشخصيات نموذجية، لذلك يصبح الفضاء مثاليًا"؛ يسمح هذا التعديل للمساحة المنمقة للزخارف والديكورات الداخلية بأن تصبح مساحة سينمائية. المستوى الثالث، والذي يمكن اعتباره سينمائيًا بحتًا، يتواجد في قلبه معركة أجينكورت. يبدو أن الفيلم يشير إلى أننا لم نعد في رواية مسرحية شكسبير، ولكن "حقًا" في يوم سانت كريبين في Azincourt.  آزينكورت حيث يحدث الانتقال التدريجي؛ أما الفضاء أو المكان، فقد تم تحضيره بالفعل بأكبر حرية من المستوى الثاني: هنا لم يعد هناك قيود على المساحة الخلابة. يظهر هنري على ظهور الخيل قبل حصار Harfleur هارفلور، مما يزيد من واقعية الإطار؛ الليلة السابقة للمعركة هي خطوة أخرى نحو الواقعية. ولكن خلال معركة أجينكورت تم نشر جميع وسائل السينما. المشهد يحدث في بيئة طبيعية. تم إنشاؤه للشاشة، وبينما لا يجد ما يعادله في نص شكسبير، إلا أنه يشغل جزءًا مهمًا من الفيلم. هنا، الحوار غير موجود ويتم ترجمة كل شيء بصريًا، مع موارد خاصة بالسينما في إشارة إلى أفلام المغامرات، بالإضافة إلى الأفلام التاريخية. تعمل الصور والموسيقى معًا لفرض إيقاعهما على التسلسل والانتقالات، وقد تمت مقارنة دور موسيقى ويليام والتون مع دور موسيقى بروكوفييف في فيلم ألكسندر نيفسكي  لآيزنشتاين. لكن المرجع الذي كان ملاحظًا ومناقشًا أكثر من غيره هو ذلك الذي تم تقديمه إلى الغرب، وهو النوع السينمائي المثالي وجوهر فيلم الحركة. تحرير الآثار يخلق جمالية خاصة بالسينما. تستخدم هذه الحلقة جزئياً المونتاج التحليلي لأفلام مغامرات هوليوود، دون نسخها إلى الرسالة. يؤدي تراكم الإشارات إلى السينما إلى جعل المتفرج على دراية بالوسيط المستخدم. تصبح هذه الحلقة نوعًا من "الفيلم داخل الفيلم"، وهو مركز لوسائل التعبير عن المغامرة وسينما الحرب. ولكن الحلقة لها روابط مع بقية اللغات المستخدمة في الفيلم؛ تم تصوير خطاب هنري الشهير في يوم سانت كريبين بطريقة تذكرنا بخطبته أمام السفير الفرنسي على مسرح الكرة الأرضية - تتحول الكاميرا من لقطة قريبة إلى لقطة واسعة، حيث أن خطابه يشعل المشاعر. تشير الإيماءات التي استخدمها أوليفييه إلى هذه اللحظة نفسها، وبالتالي نسج صلة داخلية بين "المسرح" و "السينما" كأنماط لتمثيل التاريخ والشخصية نفسها. تجد خطط المعارك البانورامية إشارات مصورة، ولا سيما إلى باولو أوتشيللو Paolo Uccello.   تجدر الإشارة أيضًا إلى استخدام علامات الشعار: علم fleur-de-lis   للمعسكر الفرنسي، العلم الأبيض مع الصليب الأحمر للغة الإنجليزية؛ وهكذا، يعيد أوليفييه إحياء التقليد الأيقوني في العصور الوسطى. إلى جانب الواقعية الواضحة للصورة السينمائية، حيث نجد التحفة التي تهيمن على الفيلم: على هذا المستوى، تتداخل المراجع التصويرية والمسرحية والسينمائية وتتحول بشكل مستمر، مما يجعل هذا التسلسل مزيجًا من العناصر المختلفة للفيلم. يتم إنشاء مستوى متوسط بعد المعركة، وهو ما يعادل المستوى الثاني من الفيلم. نجد الخلفيات من منظور مشوه وزخارف مستوحاة من الزخارف. تصبح اللعبة أيضًا أكثر "مسرحية". وتستمر هذه الحلقة حتى غزو كاترين وبدء حفل الزفاف. ثم نقطع وجه الزوجين الملكيين، نعود، كما لو كان الأمر على حين غرة، على المسرح، المستوى الأول من الفيلم. المقطع مفاجئ بشكل متعمد: نلاحظ التركيبة الواضحة للممثل الذي يلعب دور هنري، وحقيقة أنه الآن صبي يلعب دور كاترين. في اللقطة الواسعة، نتعرف بسرعة على مشهد الكرة الأرضية: الدائرة مغلقة، بالإضافة إلى إطار السرد المضاف إلى المسرحية. كما يشير كينيث روثويل، فإن الهيكل متعدد المستويات للفيلم يجعله مفضلاً للتفسير، تمامًا مثل نص القرون الوسطى. وبالتالي يميل المسرح إلى ملء الفراغ بين الوسطين، وليس محوهما - فهو فيلم عن السينما والمسرح. لكن أسئلة التكيف والإعداد تمتد أيضًا إلى الفضاء المصور: إنه النظام الثالث من العلامات التي تؤخذ في الاعتبار. أصبح هنري الخامس بطريقة ما رمزا في تاريخ الإعلام. تركز الأهمية التي يوليها أوليفييه للأسلوب على الخيارات الإيديولوجية والجمالية للفيلم، وتلقي خطابًا حول مفهوم التمثيل في الفنون. إذا كان عمل شكسبير يبدو جذابًا للسينما بطابعها المرئي وانفجار الزمان والمكان، فإن تكيفها البسيط مع السينما لا يضمن النجاح السينمائي. تمكن أوليفييه من إكمال الاقتراح الأصلي للمسرحية في عملية التكيف مع السينما، ويتم تحقيق هذه الإضافة على وجه الخصوص من خلال تطوير البعد الانعكاسي الذاتي للفيلم. ما نراه في الفيلم هو بالضبط ما تطالب به الجوقة: القوى الخيالية، "القوى الخيالية"، التي تعمل، في التقدم بين المسرح والسينما والرسم، ودعوة المشاهد إلى إطالة التفكير بشكل جيد ما وراء التصور البسيط للتاريخ.32 قبل وضع الفيلمين في علاقة ومناقشة نهجهما الخاص لصورة القرون الوسطى ومساحة التمثيل، من المهم إدراك ما يفصل بينهما لأول وهلة، لأن العديد من الجوانب تميز الفيلمين. تلاحظ فيرونيكا أورتنبرغ أنه لا يمكن تضمين تكيفات شكسبير في الأفلام عن العصور الوسطى، لأنها تحتوي بالفعل على مستويين من التفسير: الكتابة المسرحية لشكسبير ومستوى المخرج. في الواقع، النص الأصلي ليس من القرون الوسطى بل من العصر الإليزابيثي - من ناحية أخرى، فإن الواقع الذي يصفه هو العصور الوسطى. شكسبير، فيما يتعلق بفنه، هو وريث مسرح العصور الوسطى. هذا واضح في شكل مسرحياته (عدم وحدة المكان والزمان، مزيج من الكوميديا والمأساة)، ولكن أيضًا في مفهوميهما، وبالتالي يقع في استمرار الألغاز والأخلاق، مما يبرر الجمع بينهما وهو الأمر الذي يحدث هنا. فيما يتعلق بشخصية النص الأصلي للفيلمين، من المثير للاهتمام ملاحظة أن كلاهما يبدأ من نصوص مرتبطة بالأداء الشفوي: نص Chrétien de Troyes كنص من العصور الوسطى، ونص شكسبير بطبيعته المسرحية والخصائص الموسوم بها من فنه. يمكننا بعد ذلك أن نلاحظ أنه عند لورنس أوليفييه، يكون مصدر الإلهام البصري هو القوطي وليس الرومانسيك، كما هو الحال في رومير. ويستوحى أوليفييه من إضاءة بداية القرن الخامس عشر، المعاصر تمامًا مع القصة التي تم سردها. من بين الإخوة ليمبورغ، نلاحظ بالفعل تأثير الفن الإيطالي، من خلال البحث في المنظور والعديد من المناظر الطبيعية التي تجد مكافئها في فيلم أوليفييه. وبالتالي يمكن القول إن هذا النوع من الصور يتم تكييفه بسهولة أكبر مع الشاشة، والتي تحكمها أيضًا قوانين المنظور. لقد رأينا ذلك، في أعمال رومير التي يظهر فيها طابع القوطية أيضًا، بأشكال تعود إلى القرن الرابع عشر. لكن النهج الأساسي لكل مخرج، الذي يهدف إلى تكييف الفضاء المصور ومساحة العصور الوسطى على وجه الخصوص، ما يسمح بالتقارب. بالإضافة إلى ذلك، يستغل الفيلمان التوتر بين النص والصورة، وهو جوهر التكيف والإعداد مع أي عمل أدبي إلى الشاشة. وبالتالي، وراء هذه الاختلافات، فإن الأمر يتعلق بمشاهدة ارتباط أنماط التعبير الثلاثة والروابط المعقدة بين العناصر المختلفة: الإضاءة والسينما. شكسبير ومسرح القرون الوسطى؛ مساحة العصور الوسطى والمساحة المسرحية، إلخ. نعود الآن إلى السؤال الأولي: ما هي طرق ترجمة صور القرون الوسطى إلى صور سينمائية؟  إن استخدام الفن، وخاصة الرسم، هو عملية تستخدم غالبًا في السينما. تصفها Angela Dalle Vacche أنجيلا دال فاتش بأنها علاقة حب - كراهية، مع تذبذب بين حالتين: إما أن السينما معقدة - على أنها فن "أدنى" - وتحاول استخدام الرسم كمبرر، كشرعية لوضعها، أو أنها تحرر نفسها وتفترض أشكالها بالكامل عن طريق إعادة تعريف وتحويل تاريخ الفن، حيث يمكن تسجيله على أنه حق من حقوقها وملكيتها ولغتها. يصف رومير، الذي يفكر في مشاكل المكان في السينما في دراسة مخصصة لفيلم فاوست لـ Faust من إخراج مورنو FW Murnau ( وهي أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في السينما )، يصف ثلاثة عناصر: المساحة التصويرية التي يمثلها مستطيل الشاشة، الفضاء المعماري (الأشكال الموضوعة أمام الكاميرا) والمساحة السينمائية التي يشاهدها المشاهد، أي "مساحة افتراضية أعيد تشكيلها في أذهانهم، باستخدام العناصر المجزأة التي يوفرها لهم الفيلم". يقترح هذا الجانب الأخير أهمية، بالنسبة لرومير، للعنصرين الأولين في دستور العنصر الأخير – وذلك بلا شك أفضل جانب تم إبرازه في بيرسيفال. لكن يجب أن يكون استخدام الفن مبتكرًا، وليس فقط مقلدًا. وفقا لرومير حول أسلوبه في تحقيق بيرسيفال، "لم يكن الأمر يتعلق بتقليد الأعمال الفنية السابقة بطريقة عبودية، بل كان وسيلة للوصول إلى نوع جديد من التعبير". في عمله، يشير روميرإلى عدة إشارات إلى الرسم: إلى لوحات فوسلي في فيلم لاماركيز دو لـ La Marquise d'O ...، وإلى ماتيس في فيلم بولين على البلاج Matisse in Pauline à la Plage، ومؤخرًا في الانجليزية والدوق  L’Anglaise et le Duc ؛ وهذا يكشف أحد هواجسه: "جعل سر (...) الحياة الداخلية معبراً عنه بالوسائل الخارجية للسينما". بعد أن فكر أولاً في تصوير فيلمه في إعدادات حقيقية، سرعان ما أدرك أوليفييه أن التباين بين واقع الإعداد وحيلة اللغة كان يمكن اعتباره مزعجًا. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن رومير كان يفكر أيضًا في صنع فيلم بيرسيفال في بيئاته الطبيعية، "ولكن بدا لي أنه من المستحيل بالنسبة لي أن أمثل فارسًا أمام شجرة"، لأن "خليط الرؤية الفوتوغرافية والرؤية لمخرج في متوسط العمر مثلي صدمتني"  وهكذا يصبح استخدام الفن وسيلة للهروب من الواقعية المتأصلة في السينما، لخلق حالة أخرى تعكس نصًا بعيدًا في الوقت والشكل. السينما لديها إمكانية استيعاب الفضاء الطبيعي مع الفضاء التصويري، وتسليط الضوء على الطبيعة التعسفية في الأساس لمفهوم الفضاء أو المكان. السينما من الناحية الفنية والجمالية مشتقة، من تطور التصوير الفوتوغرافي. الذي يربطها بقوة بصور القرن التاسع عشر، من حيث تكوين الصورة، وبالتالي التأكيد على المنظور. إنها في الأصل تمثل وجهة نظر فريدة للمتفرج المتميز، وهو تأثير تمكنت السينما من تعويضه في كل مكان، مع تعدد وجهات النظر، التي يتم التعبير عنها بواسطة المونتاج. فيما يتعلق بالمحتوى والقصص ولكن أيضًا طريقة الإخبار، تعتمد السينما مرة أخرى على القرن التاسع عشر. تعود العصور الوسطى السينمائية على وجه الخصوص إلى حد كبير للرسم والأدب في هذه الفترة التي، كما نعلم، بعيدة عن إعطاء صورة تتوافق مع واقع الزمن، حيث وجدت الرؤية الرومانسية للعصور الوسطى أرضية خصبة جيدة، خاصة في سينما هوليوود. وهكذا، فإن جماليات التصوير الفوتوغرافي والمفهوم الرومانسي للعصور الوسطى غالبًا ما يجتمعان لتقديم منتجات غير مرضية تمامًا، للمؤرخ بالطبع، ولكن أيضًا للمشاهد المستنير. تكمن المشكلة التي تنشأ في استنساخ النموذج، وهي أكثر صعوبة في العصور الوسطى، مع مساحتها التي تفتقر إلى المنظور. يخبرنا رومير نفسه: "لا يمكننا الوصول إلى إعادة بناء العصور الوسطى، لأن السينما من ناحية ليست لوحة، ولكن التصوير الفوتوغرافي ...". يسجل الفيلم والأشياء الموضوعة أمام الكاميرا. كما يوضح تاشيرو  C. S. Tashiro: "إذا كانت العناصر التي تم تصويرها ليس لها منظور واقعي، فإن العدسة ستقوم فقط بإعادة إنتاج تشوهات الجسم ...". تسجل الكاميرا بشكل واقعي إعدادًا غير واقعي، ولكن التأثير ليس هو المطلوب فقط، حتى إذا كان عمق الإطار أو عمق المجال يعتمد أيضًا على هيكل الإعداد والعدسة المستخدمة. إن التكيف البسيط للديكور مع القوانين التصويرية لعصر لا يضمن النقل الدقيق لهذه المساحة على الشاشة، على العكس. للنجاح، من الضروري توضيح الفراغين، أي وضعي الإدراك. هنا يبرز العملان البارزان. ما يمكن أن نلومه أو نأخذه على فيلم أوليفييه، بمناظره الطبيعية المرسومة في منظور مشوه، هو ما أراد رومير تجنبه، لأن الديكور بالنسبة له يجب أن يعطي انطباعًا عن صورة من القرون الوسطى. فهم رومير هذه الحاجة. لم أكن أرغب في الرسم، بل بالأحرى الهندسة المعمارية، وهذا يعني تصوير نمط تمثيل كما كان يمكننا أن نتخيله في ذلك الوقت، إذا احتفظنا بشيء من ألغازه. تُظهر هذه الجملة بوضوح مزيج المساحات الثلاثة التصويرية والمسرحية والسينمائية. كما يشير إلى المشكلة الرئيسية للفيلم: "تصوير" كل شيء مثل أي فيلم آخر. وينطبق الشيء نفسه على القيمة التي يعلقها رومير على الصورة التي "لم يتم إنشاؤها للدلالة، ولكن لإظهار (ما يدعو)، للدلالة، هناك أداة ممتازة، وهي اللغة المنطوقة"، مشيرًا إلى حقيقة أن ما يظهر موجود دون شك، وذلك لدعم الكلام. هذه بالتأكيد واحدة من التناقضات الرئيسية مع مفهوم القرون الوسطى، حيث لم تكن الصورة أبداً التوضيح البسيط للنص، والعناصر التي جعلته يلعب دور القرائن لواقع غير حسي. يظهر المسرح في الفيلمين كوسيط بين الواقع التاريخي والسينما، بين الفضاء "الحقيقي" والفضاء السينمائي. إنها تفي بالحاجة إلى "تبرير" السينما، من وجهة نظر بصرية، ولكن أيضًا فيما يتعلق بالأخرى (التاريخ، الموضوع، المكان، إلخ). تنتج المسرحية المستخدمة في السينما تأثيرًا بعيدًا، وتشير على الفور إلى تصورات بريخت. لكن هذه الفكرة موجودة بالفعل في مسرح العصور الوسطى حيث، من خلال اللعب وهيكلة الفضاء، تم إنتاج نفس التأثير غير الخيالي. يجد مسرح القرن العشرين شيئًا من جماليات العصور الوسطى، وليس عن طريق الصدفة، دائمًا من خلال الفضاء وعلاقة المشهد مع المتفرجين (في ماكس رينهاردت، برتولت بريخت). يمكن أن يرتبط هذا، من ناحية، بحساسية جديدة للمساحة المجزأة والمتقطعة لفن القرون الوسطى، ومن ناحية أخرى، إلى ظهور السينما في القرن العشرين. يعتمد كلا الفيلمين على نصوص تدعو إلى التأمل الذاتي، وربما هذا هو أفضل ما يسمح بمزيج من أشكال مختلفة من الفضاء. يحتوي عمل شكسبير نفسه على إشارات لوسائل الإعلام التي تنشره: مخطوطة، مطبوعة، وبالتالي فإنه يشجع أولئك الذين يسعون إلى فك رموزه وتحويله لإطالة تفكيره. هيكل قطعه ليس خطيًا، ولكنه يتبع أنماطًا محددة للأداء السمعي البصري، مع التدريبات، والنقاشات والروابط المواضيعية. هذه السمات شائعة في الأشكال الفنية الأخرى مثل أدب العصور الوسطى (بوكاتشيو، تشوسر)، الرسم في العصور الوسطى أو اللوحات الحية. مسرح أوليفييه موجود في النص، لكن استخدامه كمرجع مرئي ليس إلزاميًا على الإطلاق - كان بإمكان أوليفييه نقل المسرحية مباشرة، عن طريق تجنب البيئة المسرحية، مثل العديد من التعديلات الأخرى. ولكن، إذا عكس النص مشاكل الفن المسرحي التي شاهدها شكسبير، فإن الفيلم يتضمن أيضًا انعكاسًا على السينما والفنون التشكيلية بشكل عام. بين الفضاء المسرحي الموجود كإطار سردي والفضاء السينمائي الذي يتضمن كل شيء ولكن يتم التعبير عنه بشكل كامل في التسلسل المركزي (المعركة)، يقطع أوليفيه المساحة التصويرية لإضاءة القرون الوسطى. إنه أيضًا مرجعي ذاتي، إذا فكرنا في صورة دوق بيري الذي ينظر إلى الكتاب الذي يلهم العالم البصري للفيلم أو اللوحات التي تعيد إضاءة تقويم الساعات الغنية جدًا، خاصة في المناظر الطبيعية الشتوية. الذي يستأنف أداء ديسمبر. إنها شفاعة، وساطة في الصورة التصويرية التي تدير المقطع وتمكن من التعبير عن الإعلامين والسينما والمسرح. من الممكن بفضل قدرة السينما "إنشاء صور من الدرجة الثانية حيث (...) صور الحواس وصور مزيج الخيال". لكن الفضاء السينمائي يشمل كل شيء، لأنه فيلم، وبطريقة أو بأخرى، كل ما نراه هو مساحة سينمائية. تظهر المراجع التصويرية أيضًا في لندن عام 1600 (خطة جوية، رؤية مثالية للمدينة والمسرح) وفي تسلسل المعركة. وأخيرًا، المسرح موجود في كل مكان، لأن إطار الفيلم مسرحية، ونحن نتذكر ذلك في عدة مناسبات (الجمهور، الكواليس، الكورال، نص "المسرحية"). نصل إلى نمط دائري لتوضيح المساحات، مع تبادلات دائمة بين العناصر. يمكن تمثيل العلاقة بين الأنماط الثلاثة لتمثيل الفضاء على النحو التالي كما رسمه رومير: 

تتغذى الفراغات الثلاثة على بعضها البعض من خلال تداول العلامات؛ هذا ممكن بفضل نفاذية وسائل الإعلام الثلاثة، التي أثبتت حقيقة أن الوهم لم يكن مطلقًا. وهكذا نصل إلى مسامية مساحة التمثيل المشبعة بعلامات الفضاء المجاور. إن ما يجعل كل هذا ممكنًا، كما سنقول مرة أخرى، هو الابتعاد عن طريق الانعكاسية الذاتية لكل وسط. عند رومير، يأتي البعد الانعكاسي الذاتي من المواد الرومانسية. تم العثور على هذا البعد في الفيلم بفضل الحفاظ على صوت الراوي، ودمجه في حوار الشخصيات. الإشارة إلى المسرح هي اكتشاف رومير؛ يبدو من الطبيعي أنه في ذلك الوقت كان كل النص اقتراحًا لأداء شفهي. يتم تضمين المسرح كطريقة للتمثيل أولاً في المفهوم العام، مع المسرحية التي يفترضها العرض. يظهر المرجع أيضًا في لعبة شغفية Passion والتي تقدم نفسها على أنها تمثيل، ولكنها أيضًا جزء من مصير الشخصية. المسافة التي تؤدي إلى الانعكاس الذاتي تأتي بشكل رئيسي من غرابة الديكور المستوحى من الزخارف. وبالتالي لدينا مساحة سينمائية تتضمن مساحة تصويرية ومسرحية مجتمعة، وفقًا لنوايا رومير. ولكن إذا كان المرجع المصور حاضر دائمًا، فإن ذلك في المسرح يكون جزئيًا فقط، ويتم ذلك علانية في النهاية فقط. بينما يعامل رومير ديكوره المسرحي المصور بموضوعية و "سذاجة" كما هو الحال بالنسبة لعملية التمثيل (لا توجد إشارات أو قليلة إلى الوسط الشامل، أي السينما)، يصل المرء بدلاً منه إلى مكانه في أماكن متشابكة من المساحات: مساحة الرسوم السينمائية (محايد وموضوعي) الذي يحتوي على مساحة مصورة (واضحة جدا) والتي بدورها لها نموذج مسرحي عند رومير، هناك إذن ارتباط بين المساحات الثلاثة، ولكن لا يوجد أي اتصال بينهما. كل منهم يعبر عن طبيعته ووجود الآخرين يشكل عنصرًا غريبًا متباينًا، يشعر به المتفرج على هذا النحو. نحن نفهم المرجع (المصور، المسرحي)، لكننا نجد صعوبة في تصديق كل شيء. الاختيار له ما يبرره فكريًا، ولكنه يواجه صعوبة في إدراكه ككل ومساحة سينمائية. يحاول رومير مزج الأيقونات في السينما، لكن النتيجة تعمل بشكل جزئي فقط. ويرجع ذلك أولاً إلى التعارض المباشر بين المساحات والمنظور والمشاهد "الفريد" المتميز الذي هو الكاميرا. أيضا، استخدام الينابيع المسرحية (المساحة المستديرة، القصور) قابل للقراءة ويكون مفهوماً إلى حد ما على الشاشة؛ ويستمد نوعه من الزخارف على نحو فريد وطريقته في التصوير أيضًا. متفرج السينما لا يمكن أن يجد محامله ومرجعياته. لا يزال هناك خبراء في العصور الوسطى الذين، الذين تجذبهم لعبة اكتشاف الإشارات والمراجع، سيشعرون بالقلق أيضًا من عدم كفاية المساحات التي تلتقي: الفضاء بدون عمق صورة القرون الوسطى ومساحة منظور السينما. وبالتالي، فإن الفشل، إن وجد، يأتي من عدم كفاية وسائل التعبير؛ يمكن العثور على تفسير في الشخصية الأدبية والنصية التي تدور حول سينما رومير. حتى أنه مفتون بالعصور الوسطى وعالمه المرئي، لا يمكنه أن يغيرها / يترجمها بالكامل، والتي يتمكن من القيام بها، بمزيد من النجاح، فيما يتعلق بالنص الذي كتبه كريتيان دي تروا. وينبع هذا أيضًا من صعوبة مشروعه، وهو يجرؤ على صرامته، في طابعه الاستثنائي الذي يتعهد باستجواب العناصر الأساسية للسينما. يمكننا القول إن رومير لم يقطع الطريق بالكامل؛ إن مفهومها العام منزعج من تقسيم المساحات، والمعارضة بين ابتكار الشكل وكلاسيكية اللغة السينمائية، بحيث تكون "الترجمة" جزئية فقط.

عند لورنس أوليفييه، يتم تصوير هذا المزيج من المساحات المتداخلة التي تشير إلى بعضها البعض، في تأثير متداخل، بكاميرا تعمل دائمًا على تغيير الزاوية ووجهة النظر. أحيانًا تكون ذاتية، وأحيانًا موضوعية - مما يزيد من اختيار الرؤية وفقًا لجماليات الوقت. يؤدي هذا أيضًا إلى استخدام مفردات بصرية أكثر تنوعًا واستدعاء مصادرها باستمرار. تتكامل الإشارات إلى العصور الوسطى بسهولة أكبر، ويقبلها المشاهد بسهولة أكبر، لأنها تقترن بتقنيات خاصة بالسينما.  استخدام المسرح ميزة في كلتا الحالتين: الابتعاد عن الفترة، من السرد، ولكن أيضًا من إجراءات التكيف. التأثير هو تقليل التغريب، الاصطناعي الذي يظهر من خلال عرض صور مصورة في السينما التي تستخدم عادة الإطار الطبيعي. الحل العازل هنا هو المسرح وبيئته. نعتمد على تجربة الجمهور في المسرح التي يمتلكها جمهور الفيلم، وبالتالي تهدف إلى تخفيف غرابة تجربة الحدود. فيما يتعلق بتكييف العصور الوسطى وخيالها على الشاشة، يمكننا القول إن استخدام الجماليات المسرحية هو حل أنيق لاستيعاب المشاهد وتمرير القصة (في كليهما معنى المصطلح) على الشاشة. إن المرجع المسرحي، وبشكل خاص على مسرح العصور الوسطى، غير الخيالي بطبيعته، يجلب معه مساحة (موضع)، وأسلوب لعب وطريقة تمثيل، ورؤية للعالم. تثبت إمكانية تجميع عدة أنماط للتمثيل بهذه الطريقة مرة أخرى أن "الواقع السينمائي ليس سوى حقيقة جمالية". إذا كان وسيط الفيلم معاداً للمسرحية وطبيعياً، تاركاً مساحة صغيرة للمشاهد للتفكير في طبيعة الوسط في حد ذاته، من خلال الكشف عن نوابضه، وكسر وهم "الواقع"، فإننا ندعو المتفرج ليصبح واعياً وحرجاً. تمكن أوليفييه من الحفاظ على هذا المستوى طوال الفيلم، على عكس رومير. هذا هو المكان الذي ربما يكمن فيه التمييز الأكثر أهمية. عروض السينما في كل لحظة، بحكم طبيعتها، وعلاقاتها بالتصوير والمسرح. من خلال إدراك هذه الصفات، وعن طريق استخدامها عن قصد وعن عمد، يمكنه التغلب عليها، وتحرير نفسه منها ويصبح ما يقدمه فنًا في حد ذاته، أي السينما العظيمة.

العصور الوسطى السينمائية

جمالية القرون الوسطى لا تقترح فنًا للفن، ولكن أولاً أخلاقًا، وهي مسيحية. لها هدف، وهو هدف التنوير، ومن هنا مبادئها الأساسية، تبررها اللاهوتية والفلسفية والأخلاقية. للعثور على مكافئ في شكل آخر، من الضروري اعتماد نفس المبادئ الأساسية (وليس الإعلان، فيما يتعلق بعقائد الإيمان، ولكن في جوهرها، كنهج)؛ يصبح التقارب أكبر عندما لا يكون الشكل هو الطاغي ولكن وجهة نظر الزمن المطلوب. إنه نفس نظام القيم الممثلة، ولكن بوسائل مختلفة (فيما يتعلق بالشكل) وعلى مسافة طويلة من الزمن.

هل يجب أن نستنتج أن السينما فشلت في ترجمة / تبديل خيال القرون الوسطى مباشرة؟ والنتيجة مقنعة بشكل خاص عندما تستفيد السينما بشكل كامل من وسائلها المحددة، وترجمة جمالية الماضي مع ما هو أكثر أهمية وخصوصية. وهكذا يمكننا أن نرى أن جلب العصور الوسطى إلى الشاشة هو أكثر بكثير من نسخ مظهر. بما أن العناصر المحددة يمكن العثور عليها في مكان آخر، فمن الممكن العثور على روح العصور الوسطى حتى في الأفلام التي يقع تاريخها أحداثها في الوقت الحاضر، أو في الآونة الأخيرة. بعيدًا عن المظهر، ننتقل إلى رؤية للعالم تنطبق على أي حالة وفي أي وقت. ماذا سيكون فيلم القرون الوسطى بعد ذلك؟ ربما أيضًا فيلمًا يتم التعبير عن روحه من خلال عمل معين في المكان والزمان، من خلال بنية نموذجية، تهدف إلى نهج أخلاقي، في معادلة القيم الروحية والجمالية التي هي أساس ما يتم تعريفها عادة على أنها العصور الوسطى. ففيلم من القرون الوسطى هو رؤية للعالم.

 

د. جواد بشارة ـــ باريس

................................

 مراجع ومصادر البحث:

فيلم برسفال لوغالوا سيناريو وإخراج إريك رومير

Perceval le Gallois d’Éric Rohmer © 1978/Les Films du Losange.

فيلم هنري الخامس تأليف وليم شكسبير سيناريو وإخراج لورنس أوليفييه Laurence Olivier

Henry V (The Chronicle History of Henry Henry the Fift with His Battell  بريطانيا العظمى، 1944، 137 دقيقة، ملون (تكنيكولور).

ولورنس أوليفييه ممثل ومخرج سينمائي ومسرحي بريطاني وعالمي مشهور جداً ومتخصص بمسرح شكسبير. مثل وأخرج مئات  الأدوار وعشرات الأفلام والمسرحيات .

إريك رومير الغائب الحاضر:

رحل أحد عمالقة الفن السابع وفقدت السينما الفرنسية برحيله أحد أعمدتها وأحد أركان الموجة الجديدة الفرنسية ألا وهو المخرج المبدع إريك رومير عن عمر ناهز التسعة وثمانون عاماً. وكان من حسن حظي أنني درست على يديه مادة الإخراج السينمائي في كلية السينما في جامعة السوربون الأولى لمدة ثلاث سنوات وعرفته عن قرب وأجريت معه عدة مقابلات وحضرت شخصياً تصوير عدد من أفلامه كمتدرب. وكان رومير في الأصل أستاذاً للأدب وكاتب وصحفي وناقد ورئيس تحرير سابق لمجلة كاييه دي سينما أو كراسات السينما الرصينة والمتخصصة التي كتب فيها عدد كبير من المقالات وكان منظراً للغة السينمائية إلى جانب كونه مخرجاً ومنتجاً سينمائياً. ولد في 21 آذار 1920 وكان إسمه الحقيقي هو موريس شرير Maurice Schérer وقد لجأ إلى إسم مستعار لكي يخفي عن عائلته مهنته الحقيقية أي إخراج الأفلام السينمائية. أصبح ريئس تحرير مجلة كراسات السينما سنة 1957 وعمل ناقداً سينمائياً وألف مع كلود شابرول كتاباً رائعاً عن هيتشكوك وكان أول فيلم أخرجه هو علامة الأسد سنة 1959 الذي لم يتمكن من عرضه إلا بعد ثلاث سنوات من إخراجه سنة 1962 وعرف أول نجاح تجاري له مع فيلم ليلتي عند مود سنة 1969 ونال عنه جائزة الأسد الذهبي لمهرجان فينيسا ـ البندقية في إيطاليا وكان هذا هو أول فيلم شاهدته له في المركز الثقافي الفرنسي في بغداد في أوائل السبعينات من القرن الماضي أي ليلتي عند مود الذي أخرجه سنة 1969 وفرض من خلاله أسلوبه وعالمه السينمائي وما عرف حينذاك بالحكايات الأخلاقية حيث تنتصر الفضيلة رغم المغريات وعبر معالجاته ألقى رومير نظرة جادة وحادة على الأخلاق المعاصرة السائدة آنذاك وما رافقها من تحولات إجتماعية وأخلاقية في العالم المديني وخاصة في المدن الجديدة وقد عرف عنه أنه سينمائي محافظ بل وشاع عنه أنه مخرج متدين وسينمائي أو مخرج مسيحي أثرت عليه اضطرابات العصر وتعقيدات الحضارة والحداثة وهو مخرج أسلوبي يسكنه هاجس المكان والفضاء السينمائي وفي نفس الوقت هو كاتب حوار مرهف وعاشق للغة الفرنسية الأنيقة ومعجون بالخصوصية الثقافية الفرنسية المشرعة على الحداثة والمتمسكة بالتراث في آن واحد وقد استخدم اللغة السينمائية كأداة للتعبير عن الواقع الفرنسي ورسم صورة دقيقة عن الشبيبة الفرنسية المتفجرة حيوية والمتعلقة بكل جديد . دافع عن الثقافة الفرنسية والخصوصية الثقافية الفرنسية حيث كرس عدة أفلام عن التراث التاريخي الفرنسي مثل برسيفال لو غالوا، وغراميات آستريه وسيلادون . وكان أول من لجأ إلى استخدام التقنية الرقمية في السينما. وهو من الجيل الأول، جيل الرواد، الذي أسس مدرسة الموجة الجديدة في السينما الفرنسية برفقة جان لوك غودار وفرانسوا تروفو وجاك ريفيت وكلود شابرول وغيرهم، ترك خلفه أثراً سينمائياً يقدم رؤية لفرنسا منظور إليها بعمق العينين أي بتركيز وجعلها ممثلة لبلده وقابلة للتصدير للخارج لمن يحب فرنسا ويريد التعرف عليها عن قرب عبر الصورة والحكاية الرومانتيكية. وكان يتملكه هاجس الاستقلالية والموضوعية والجرأة في طرح المسائل الشائكة والموضوعات الحساسة رغم فقر أفلامه وتواضع ميزانياتها كثمن للمحافظة على تلك الاستقلالية فقام بإنتاج أفلامه بنفسه بواسطة شركته الانتاجية المتواضعة أفلام لوزانغ وكان أول من استخدم تقنية الميكرفون الصغير والخفي المعلق بربطة العنق لتسجيل المشاهد الحوارية بحرية وقد تمكن من تسجيل أربعين عاماً من الحياة الفرنسية التقليدية بلغته الجمالية الخاصة والشخصية مستخدماً مفردات اللغة المحكية والموضة والملابس وطريقة الغزل وزخرفة البيوت وديكورات الأماكن الداخلية والخارجية الطبيعية حيث لم يتردد في تصوير أفلامه في المدن الجديدة والكئيبة الباعثة على الملل والمصنوعة من الاسمنت الجاهز. لم يتجرأ أحد أن يطلب من رومير كيف يعمل وكيف يصور أفلامه ويدير مشاريعه السينمائية وهو مدافع شديد عن المرأة. ظهر أول أفلامه علامة الأسد سنة 1959 مع بدايات وازدهار الموجة الجديدة وهي التسمية التي اقترحتها الكاتبة والصحفية فرانسواز جيرو وكباقي زملائه في هذه المدرسة السينمائية ـ غودار وتروفو وشابرول ورينيه وريفيت وروزيه وروش وموليه وغرييه وغيرهم كثيرون ـ لم يحاول رومير أن يضع نظرية إخراجية وجمالية محكمة ومقيدة للتعبير عن لغة وخصوصية وجماليات هذه المدرسة إنما بنى نظامه الخاص لبنة بعد أخرى بفعل التجربة والممارسة والتجريب خطوة بعد أخرى ومكرراً التجارب والمحاولات ليشكل أثره السينمائي الذي يحمل بصماته وسمته الروميريه. أخرج إريك رومير ما يربو على الخمسة وعشرين فيلماً خلال نصف قرن من الانتاج والعمل والابداع والنشاط الفني والتربوي وقد تميز بقلة المعدات المستخدمة في التصوير وقلة عدد طاقمه أو فريق العمل المرافق له في تصوير أفلامه حتى أنه كان يبدو وكأنه من هواة السينما كل ذلك من أجل الحفاظ على استقلاليته في الانتاج والتمويل وعدم الاعتماد على المنتجين والوقوع تحت رحمتهم فكان يكتفي بدعم الدولة لمشاريعه من خلال مساهمة المركز الوطني للسينما في جميع أفلامه تقريباً حيث استمر بإنتاج الأفلام بانتظام بواقع فيلم كل عامين رغم الأزمات التي واجهت السينما الفرنسية ولم يحد قيد أنملة عن خطه وأسلوبه وطريقة عمله بفضل شركته لوزانغ للإنتاج السينمائي التي أسسها مع المخرج باريست شرودير سنة 1962 وقد جرب كل التقنيات الحديثة خاصة التقنية الرقمية وتعاون مع أقسام الانتاج في القنوات التلفزيونية خاصة قناة + المتخصصة في السينما وكان أول مخرج سينمائي يعرض فيلمه الشعاع الأخضر على هذه القناة قبل عرضه في صالات السينما التجارية العادية وهو فيلم مستوحى من مقطع من قصيدة للشاعر آرثر رامبو كما استخدم الكاميرا الصغيرة المحملوة كآلة تصوير رئيسية وكذلك استخدم كاميرا الفيديو ويدرس جيداً مواقع التصوير ويدقق بكل مفردات وأدوات العمل السينمائي خاصة نوع العدسات وزوايا التصوير ولا يترك شيئاً للارتجال المكلف مادياً في أغلب الأحيان إلا مع غودار الذي يشكل استثناءاً في هذا المجال، فيحدد رومير مسبقاً نوع العدسات وحركات الكاميرا وزوايا التصوير وطبيعة الحركة وأماكن التصوير. وكان مشهوراً خارج حدود بلده أكثر من شهرته في فرنسا ذاتها وبالذات في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يوجد لديه معجبين مخلصين ومتابعين لأفلامه لأنه يجسد صورة معينة عن فرنسا وسينماها تتوائم مع أذواق تلك الفئة من الجمهور الأمريكي حيث اعتبروه مبدعاً حقيقياً قادراً على انتاج تحف سينمائية بالرغم من التقشف المادي وقلة أو فقر الإمكانيات والظروف الإنتاجية الصعبة فميزانية فيلم أمريكي كبير واحد تنتجه هوليوود تعادل عشرة أضعاف ميزانيات جميع أفلام رومير قاطبة أو ربما أكثر. فهو معروف بجديته وصرامته في العمل وكرهه للتبذير وتضييع الوقت ويبتعد عن الفخفخة والبهرجة والانتاج الضخم والضجيج الإعلامي ويكتفي بالقصص الغرامية والحكايات التي تعكس إيقاع الحياة اليومية حتى عبر مواضيع تاريخية مستمدة من التراث التاريخي الفرنسي. كان متعلماً ومثقفاً وعاشقاً للسينما. نشر أول رواية له سنة 1946 بعنوان إليزابيت ولكن تحت إسم مستعار أيضاً هو جلبرت كورديه ويرتاد بانتظام نادي السينما في الحي اللاتيني حيث التقى بزملائه كهواة سينما آنذاك ثم تحولوا للنقد ومن ثم للإخراج وكان يحب التحليل رغم تحفظه على الكثير من اساليب أقرانه وكان معجباً بهوارد هاوكس وهتشكوك وجان رينوار وربيرتو روسيليني وكان من أوائل المدافعين عن سينما المؤلف. لقد غاب الجسد وبقي الأثر والاسم والبصمات التي ستترك اثراً على طلابه وتلاميذه والأجيال الجديدة من السينمائيين الشباب.

1  Notes sur le cinématographe, Paris, Gallimard, 1995, p. 66.

2  Cf. Gil Bartholeyns, « Ce que le cinéma fait à l’histoire, et ce que l’histoire fait au cinéma », à paraître 2007. Toujours à ce propos, Robert Bresson affirme que, dans son Procès de Jeanne d’Arc (1962), entièrement inspiré de documents authentiques, il a essayé « de trouver avec des mots historiques une vérité non historique » (Robert Bresson, Notes…, cit., p. 128).

3  Gil Bartholeyns, « Représentation du passé au cinéma. Entre historicité et authenticité », Diogène, n° 189, printemps 2000, p. 60-61.

4  François Géré, « La reconstitution n’aura pas lieu », dans Claude Beylie, Philippe Carcassonne (dir.), Le Cinéma, Paris, Bordas, 1983, p. 182.

5  Ibid.

6  François Amy de la Bretèque, « Le regard du cinéma sur le Moyen Âge », dans Jacques Le Goff, Guy Lobrichon (dir.), Le Moyen Âge aujourd’hui. Trois regards contemporains sur le Moyen Âge : histoire, théologie, cinéma, Paris, Le Léopard d’or, 1998, spéc. p. 286-292. Voir aussi son ouvrage de synthèse : L’Imaginaire médiéval dans le cinéma occidental, Paris, Champion, 2004.

7  Cf. Bretèque, L’Imaginaire…, cit., p. 1009-1017.

8  Ibid., p. 317.

9  Cf. Jean-Claude Schmitt, « Images », dans Jacques Le Goff, Jean-Claude Schmitt (dir.), Dictionnaire raisonné de l’Occident médiéval, Paris, Fayard, 1999, p. 497-511, spéc. p. 500-505.

10  Cf. Jérôme Baschet, La Civilisation féodale. De l’an mil à la colonisation de l’Amérique, Paris, Aubier, 2004, p. 319.

11  Schmitt, « Images », cit., p. 500-501.

12  Jean-René Debrix, Les Fondements de l’art cinématographique : I, Art et réalité au cinéma, Paris, Cerf, 1960, p. 61.

13  Anne Ubersfeld, citée dans Patrice Pavis, « Espace (au théâtre) », dans Dictionnaire du théâtre, Paris, Armand Colin, 2004, p. 118.

14  André Bazin, Qu’est-ce que le cinéma ?, Paris, Cerf, 1981 (édition définitive), p. 158, 160.

15  Dans ce film Rohmer utilise des images de deux mss du Conte du Graal, les BnF fr. 12576 et 12577. Le concept du film est de montrer le texte dans une écriture qui imite l’original, tandis que le texte est récité en voix-off ; ce texte est ensuite traduit et explicité pour le spectateur. Cf. Maria Tortajada, « L’Exception médiévale : Perceval le Gallois d’Éric Rohmer », dans Alain Corbellari, Christopher Lucken (éds), Lire le Moyen Âge ?, Lausanne, Association Arches, 1996, p. 117, n. 6.

16  Cette mise en scène prend des libertés vis-à-vis de la réalité archéologique du jeu de la Passion, tout comme le décor ne reflète pas exactement l’enluminure du XIIe siècle, même pas celle plus tardive. Ce n’est pas notre but ici de discuter les anachronismes, ou plutôt les libertés prises par Rohmer vis-à-vis de la matière de base. Seul compte le résultat sur l’écran. D’ailleurs, cet anachronisme est assumé par Rohmer, de même que les références à l’art roman, comme en témoigne son entretien avec Jaques le Goff. Cf. « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer et Jacques Le Goff », entretien réalisé par Philippe Blon et Philippe Venault, Ça cinéma 17, mai 1979, p. 3-25.

17  François Géré, « Poor and lonesome… », Cahiers du cinéma n° 299, avril 1979, p. 46.

18  Éric Rohmer, « Note sur la traduction et la mise en scène de Perceval », L’Avant scène 221, 1er février 1979, p. 7.

19  Plus récemment, Rohmer a renoué avec l’idée d’utiliser l’esthétique d’une époque de l’histoire comme source d’inspiration pour les décors. Dans son film intitulé L’Anglaise et le Duc (2001), les personnages sont incrustés grâce à la technique numérique dans des peintures réalisées sous sa direction à la manière de l’art du temps. Son but est de montrer « la Révolution comme la voyaient ceux qui l’ont vécue ». Cf. Aurélien Ferenzi, « Entretien avec Éric Rohmer », http://www.sensesofcinema.com/contents/01/16/rohmer_french.html.

20  Annette Insdorf, « France and the New York Film Festival », dans The French Review 52.6, mai 1979, p. 955.

21  Jacques Fieschi, « Une innocence mortelle », L’Avant scène 221, 1er février 1979, p. 5.

22  Géré, « Poor… », cit., p. 46.

23  Rohmer, « Note… », cit., p. 7.

24  Genette discute le film dans le contexte des œuvres qui opèrent la christianisation du Graal et de la chevalerie Arthurienne, de Robert de Boron à Wagner. Le seul mérite du film de Rohmer, d’après Genette, est d’avoir ignoré les diverses continuations en se référant seulement au roman de base ; mais le mérite est largement contrecarré par l’ajout de l’épisode de la Passion, inadéquat et ridicule. Cf. Genette, Palimpsests: Literature in The Second Degree, Lincoln/ London, University of Nebraska Press, 1997, p. 195. Sur les thèmes et les motifs chrétiens dans le Perceval de Rohmer, voir Joseph Marty, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer : un itinéraire roman », Les cahiers de la Cinémathèque 42/43, été 1985, p. 114-120 et ibid., « Perceval le Gallois : une symbolique de l’alliance chrétienne », dans Michel Estève (éd.), Éric Rohmer 2, Paris, Lettres modernes, Minard, 1986, p. 27-53.

25  Fieschi, « Une innocence… », cit., p. 4.

26  Rohmer, « Note… », cit., p. 6.

27  « …to rediscover the vision of the medieval period as it saw itself… »; « …the period is better described by an idealized image than by a ‘truthful’ one… »; « So this film will be the Middle Ages seen through the thinking of the Middle Ages, mystified and not demystified… ». Cf. interview avec E. Rohmer, Film Comment, sept.-oct. 1978, p. 50-56, cité dans Raymond J. Cormier, « Rohmer’s Grail Story: Anatomy of a French Flop », Stanford French Review 5.3, 1981, p. 392.

28  Gérard Chaudès, « La société de communication et ses Graals : panorama », dans Yolande de Pontfarcy, Charles Ridoux, Jacques Ribard (éds), Graal et modernité. Actes du Colloque du Centre culturel international, Cerisy, 24-31 juillet 1995, Paris, Dervy, p. 157.

29  Rohmer, L’Organisation de l’espace dans le Faust de Murnau, Paris, Union Générale d’Éditions, 1977, p. 59.

30  Rohmer dans « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 10.

31  Fieschi, « Une innocence… », cit., p. 5.

32  Éric Rohmer, entretien dans « En répétant Perceval », émission de Jean Douchet, 1978.

33  Élément du décor simultané du théâtre médiéval où se déroule une scène, parfois synonyme de lieu ou logis. Cf. Gustave Cohen, « Le vocabulaire de la scénologie médiévale », Zeitschrift für Französische Sprache und Literatur 66, 1956, p. 18 ; Élie Konigson, L’Espace théâtral médiéval, Paris, CNRS, 1975 ; Graham A. Runnalls, « Mansion and lieu : two technical terms in Medieval French staging ? », French Studies 35, 1981, p. 385-393.

34  Rohmer, « Note… », cit., p. 7.

35  Rohmer dans « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 11.

36  Ibid., p. 12.

37  Ibid.

38  Ibid., p. 20.

39  Rohmer, « Note… », cit., p. 6.

40  Géré, « Poor… », cit., p. 44.

41  C’était aussi la démarche de Dreyer pour son film La Passion de Jeanne d’Arc (1928) : introduire des éléments concrets et des détails naturalistes dans un décor minimaliste, dépouillé. Ce film était un des modèles de Rohmer : « …je suis disciple de Bazin qui faisait observer que dans ‘La Passion de Jeanne d’Arc’, on voyait un morceau de terre dans un décor totalement abstrait. C’est la terre, disait Bazin, qui fait que cela devient du cinéma ». Cité dans Marty, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer… », cit., p. 117.

42  Gilbert Adair, « Rohmer’s Perceval », Sight and Sound 47, automne 1978, p. 231.

43  Rohmer, « Note… », cit., p. 7.

44  Ibid.

45  Michel Mourier, « Moyen Âge et cinéma : solutions françaises », dans Michel Perrin (éd.), Dire le Moyen Âge hier et aujourd’hui : Actes du colloque, Laon 1987, Paris, PUF, p. 250.

46  Coll., « The Arthurian Legend », dans Cinema Arthuriana, p. 154.

47  Rohmer, « Note… », cit., p. 7.

48  Manuscrit contenant seulement les premiers et derniers vers des répliques de chaque personnage, ainsi qu’un appareil didascalique considérable concernant les mouvements des personnages, les actions, les effets de scène, etc. Il permet-tait au meneur du jeu, qui se déplaçait librement sur l’espace de jeu, de coordonner le déroulement du spectacle.

49  Rohmer, « Note… », cit., p. 7.

50  Paul Zumthor, « Le Perceval d’Éric Rohmer : note pour une lecture », Revue des sciences humaines XLIX, n° 177, janv.-mars 1980, p. 124.

51  « Once the set had been constructed, we shot it as we might have shot a modern one. » E. Rohmer dans Adair, « Rohmer’s Perceval », cit., p. 234.

52  « Entretien avec Éric Rohmer », Cinéma 79, 242, cité dans Tortajada, « L’exception médiévale… », cit., p. 129, n. 43.

53  Marie-Claude Tigoulet, « Note sur Perceval le Gallois », dans Estève (éd.), Éric Rohmer 2, cit., p. 22.

54  Rohmer, « Note… », cit., p. 6.

55  Le projet de Rohmer mériterait la comparaison avec au moins deux autres œuvres majeures : Lancelot du Lac (1975) de Robert Bresson et Excalibur (1981) de John Boorman ; l’étendue du présent article ne le permet pas. Mentionnons toutefois que dans le cas de Bresson le style s’accorde bien avec l’esthétique médiévale : fragmentation de l’espace, aplatissement du cadre, jeu hiératique et vision symbolique. Chez Boorman, la vision mythique et légendaire prime ; aucune volonté de recomposer l’espace médiéval, mais une conception qui privilégie le spectaculaire, le fantastique et le détail significatif.

56  Adair, « Rohmer’s Perceval », cit., p. 231.

57  Rohmer affirme : « Un bon film ne me paraît pas parler un autre dialecte que ma mère Littérature. » cité dans Thomas Jefferson Kline, Screening the Text : Intertextuality in New Wave French Cinema, Baltimore/London, Johns Hopkins University Press, 1992, p. 1. Mais cela peut s’interpréter aussi dans le sens que le langage cinématographique « peut être aussi nuancé, aussi subtil que le langage parlé ». Cf. E. Rohmer, « Le cinéma, art de l’espace », dans Le goût de la beauté, Paris, Cahiers du cinéma, 2004, p. 54.

58  Marty, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer… », cit., p. 118.

59  Toujours constant dans ses convictions, Rohmer affirmait encore récemment aimer « montrer le décor tel qu’il est », car « le recours à un artifice extrêmement visible me donne de la vérité » (Ferenzi, « Entretien avec Éric Rohmer », cit.).

60  C’est le début de la grande époque des mystères ; cependant les premiers dispositifs scéniques en rond, pour le théâtre non religieux, sont apparus vers 1200, comme l’a montré Henri Rey-Flaud. Cf. Tortajada, « L’Exception médiévale… », cit., p. 120, n. 15.

61  Giovanna Angeli, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer et ses sources », dans Le Moyen Âge dans le théâtre et le cinéma français, Cahiers de l’Association internationale des études françaises 47, mai 1995, p. 46-47. L’auteur fait même des parallèles plus précis, en partant de l’analyse des « arbres-champignons » du décor. Elle y voit l’influence du Maître du Remède de Fortune ou du Maître de la Bible de Jean de Sy, éléments caractéristiques de l’art du troisième quart du XIVe siècle. Même stimulant en tant qu’exercice intellectuel, ce genre de démarche ne mène pas très loin dans l’interprétation de l’œuvre de Rohmer ; la création scénographique est soumise aux mêmes lois de l’art qui ne copie pas, ne reproduit pas, mais transforme et interprète ses sources. Voir aussi Cormier, « Rohmer’s Grail Story… », cit., p. 392-393. L’auteur note que ce sont les formes du gothique tardif qui dominent dans le film ; il conclut que les décors ne suggèrent finalement ni les mystères, ni les enluminures, et pêchent en ne s’inspirant pas directement de l’architecture du temps… Rohmer justifie ce choix en évoquant le fait que les premières enluminures dans des manuscrits de Perceval sont du XIIIe siècle. Cf. « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 21.

62  Ibid., p. 5.

63  Angeli, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer… », cit., p. 4. L’auteur cite Alberti et Bramante ; elle interprète cette mise en parallèle de l’espace renaissant défini par la courbe avec un espace expressionniste de lignes obliques comme une référence ou une critique de Rohmer sur l’expressionnisme cinématographique.

64  Rohmer dans « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 23-24.

65  Adair, « Rohmer’s Perceval », cit., p. 234.

66  Paul Zumthor, « Le Perceval d’Éric Rohmer … », cit., p. 123.

67  Ibid.

68  Rohmer dans « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 9.

69  Hubert Damisch a montré que les premières expériences sur la perspective au XVe siècle se placent en continuation de la logique médiévale de l’espace ; loin de créer un espace homogène et unifié, elles servent plutôt à articuler d’une manière nouvelle la structure des loci médiévaux. Baschet, La Civilisation féodale…, cit., p. 498-500. Cf. H. Damisch, L’Origine de la perspective, Paris, Flammarion, 1987.

70  Par sa nature, « ce que le film donne à voir ce sont des lieux et non l’espace ». Cf. André Gardies, Jean Bessalel, « Lieux », dans 200 mots-clés de la théorie du cinéma, Paris, Cerf, 1992, p. 32.

71  « Nouvel entretien avec Éric Rohmer », par Pascal Bonitzer, Jean-Louis Comolli, Serge Daney et Jean Narboni, Cahiers du cinéma n° 219, avril 1970. Cet aspect du cinéma le sépare aussi du concept de base des enluminures, comme Rohmer le remarque dans un entretien. Cf. « En répétant Perceval », émission de Jean Douchet, 1978.

72  Angeli, « Perceval le Gallois d’Éric Rohmer… », cit., p. 38.

73  Géré, « Poor… », cit., p. 44.

74  Même s’il n’a pas été financé directement par le gouvernement, le film a bénéficié de son support, et Olivier a été déchargé de son service dans l’Aviation à la demande du Ministère de la Propagande. Cf. Emma Smith, « Introduction », dans William Shakespeare, King Henry V, E. Smith (éd.), Cambridge, Cambridge University Press, 2002, p. 56. Le film est dédié aux « Commandos and airborne troops of Great Britain ».

75  L’adaptation du texte a été faite par Olivier en collaboration avec le critique Alan Dent. Il s’agit d’environ 1500 vers qui restent sur 3000 dans le texte de la pièce. Cf. Laurence Olivier, Confessions of an Actor, London, Weidenfeld and Nicolson, 1982, p. 136.

76  Olivier raconte que les premières esquisses du décor (celui de Harfleur) respectaient la convention réaliste du cinéma, avec une perspective forcée. Sur sa suggestion, les scénographes ont trouvé la solution d’employer une perspective faussée, comme dans les images médiévales. Cf. Olivier, Confessions…, cit., p. 131-132.

77  Laurence Olivier, cité dans James N. Loehlin, Henry V, Oxford/New York, Manchester University Press, p. 26.

78  Graham Holderness, Shakespeare: the Histories, Basingstoke, MacMillan Press, 2000, p. 136.

79  Ibid., p. 137.

80  Bazin, Qu’est-ce que…, cit., p 141.

81  Olivier, Confessions…, cit., p. 140.

82  L’image qu’on s’en fait est influencée par les dessins du théâtre Swan, un peu postérieur, car aucune image du Globe ne subsiste. Pour ces aspects, et aussi sur le fonctionnement des divers espaces, voir Jean Jacquot, « Les types de lieu théâtral et leurs transformations, de la fin du Moyen Âge au milieu du XVIIe siècle », dans Jean Jacquot, Élie Konigson, Marcel Oddon (éds), Le Lieu théâtral à la Renaissance : colloque tenu à Royaumont, 22-27 mars 1963, Paris, CNRS, 1964, p. 491-496 ; John R. Elliott « Medieval Rounds and Wooden O’s : The Medieval Heritage of the Elisabethan Theatre », dans Sandro Sticca (éd.), The Medieval Drama, Albany, State University of New York Press, 1973, p. 223-246.

83  Loehlin, Henry V, cit., p. 30.

84  Ibid.

85  Ce choix a été longuement discuté par la critique qui a notamment reproché au metteur en scène de vouloir minimiser ou distraire l’attention des raisons peu fondées de la succession pour justifier l’invasion de la France par Henry. Mais il s’agit aussi d’un commentaire sur les différences entre le médium théâtral opposé au médium cinématographique. Cf. Loehlin, Henry V, cit., p. 31.

86  Ace G. Pilkington, Screening Shakespeare from Richard II to Henry V, Cranbury (New Jersey)/London/Mississauga (Canada), Associated University Presses, 1997, p. 109.

87  Selon Martin Butler, le rideau, c’est un signe d’hybridation du théâtre élisabéthain avec des formes plus tardives, car cette pratique n’est pas contemporaine de Shakespeare. L’auteur fait aussi d’autres critiques, en particulier en ce qui concerne l’usage de la scène interne et du balcon pour des scènes d’intérieur, selon un modèle d’espace intérieur mimétique. Cf. Martin Butler, « Translating the Elisabethan Theatre: the Politics of Nostalgia in Olivier’s Henry V », dans Alistair Stead, Shirley Chew (éds), Translating Life: Studies in Transpositional Aesthetics, Liverpool, University Press, p. 81-82.

88  Graham Holderness, Shakespeare Recycled: The Making of Historical Drama, New York/London/Toronto/Sydney/Tokyo/Singapore, Harvester Wheatsheaf, p. 188.

89  Charles Shiro Tashiro, Pretty Pictures: Production Design and the History Film, Austin, University of Texas Press, p. 115-117.

90  Gilles Menegaldo, « Shakespeare au cinéma : quelques repères », dans Le Moyen Âge vu par le cinéma européen. Les cahiers de Conques 3, 2001, p. 133.

91  Les interventions du Chœur sont multipliées par Olivier – elles passent de six dans la pièce à dix dans le film – et deviennent de plus en plus courtes et « cinématographiques », jusqu’à la voix-off, signe qu’on est passé dans un autre niveau de représentation et d’imagination, où sa présence est superflue. Ici, le cinéma prend le devant ; on a moins besoin de lui pour stimuler nos « forces de l’imagination ». Cf. Loehlin, Henry V, cit., p. 37.

92  Kenneth Rothwell, A History of Shakespeare on Screen, Cambridge, Cambridge University Press, 2004, p. 53.

93  Cette référence, relevée par la plupart des critiques, est mentionnée aussi par Olivier dans son autobiographie ; ce serait lui qui, pendant le travail sur la conception des décors, se serait souvenu du prestigieux manuscrit. Cf. Olivier, Confessions…, cit., p. 132-133.

94  Anthony Slide, Fifty Classic British Films, 1932-1982: A Pictorial Record, New York, Dover Publications, 1985, p. 52.

95  Cité dans Tashiro, Pretty Pictures…, cit., p. 111.

96  Les costumes des personnages sont ici adaptés à l’époque – début du XVe siècle – et s’opposent aux costumes des personnages-acteurs qui sont contemporains de la représentation, selon les coutumes du temps. Cela ne rend pas les costumes de la deuxième section « réalistes » ; ils sont tout autant inspirés par les sources visuelles que les décors eux-mêmes.

97  Le chef opérateur Robert Krasker n’a apparemment jamais adhéré au « style » conçu par Olivier, réagissant à chaque nouveau décor de la même manière : « Looks terribly phoney ». Cf. Olivier, Confessions…, cit., p. 133.

98  Tashiro, Pretty Pictures…, cit., p. 117.

99  Andrew Davies, Filming Shakespeare’s Plays: the Adaptations of Laurence Olivier, Orson Welles, Peter Brook and Akira Kurosawa, Cambridge, Cambridge University Press, p. 29.

100  Extérieurs tournés en Irlande, pays neutre durant la guerre, où il n’y avait ni couvre-feu ni pénurie de figurants. Cf. Smith, King Henry V, cit., p. 56.

101  Elle occupe 17 minutes sur une durée totale de 137 minutes.

102  Andrew Gurr remarque l’influence de Griffiths dans la charge de la cavalerie française, d’Eisenstein dans le nuage de flèches dans le ciel et de Robin Hood d’Errol Flynn dans l’embuscade des chevaliers français par les anglais juchés dans les arbres. Cf. Andrew Gurr, « Introduction », dans William Shakespeare, King Henry V, A. Gurr (éd.), Cambridge, Cambridge University Press, p. 49. Olivier confirme le fait que sa source majeure d’inspiration pour la séquence de bataille a été Eisenstein, « our Master of All ». Cf. Olivier, Confessions…, cit., p. 209.

103  Rothwell, A History of Shakespeare…, cit., p. 53.

104  Davies, Filming Shakespeare’s Plays…, cit., p. 136-137. L’auteur fonde son analyse sur les éléments narratifs du western identifiés par André Bazin et, en ce qui concerne l’espace, sur la relation des hommes (et chevaux) avec l’espace ouvert. Le parallèle est justifié aussi par le fait que le film d’Olivier et le western trouvent tous les deux leurs racines dans le roman médiéval.

105  Bretèque, L’Imaginaire…, cit., p. 744-745.

106  Bretèque, « Filmographie sélective des représentations du Moyen Âge au cinéma », dans Le Goff, Lobrichon (dir.), Le Moyen Âge aujourd’hui…, cit., p. 309.

107  Bretèque, L’Imaginaire…, cit., p. 744.

108  Rothwell, A History of Shakespeare…, cit., p. 50.

109  Peter S. Donaldson, « Game Space/Tragic Space: Julie Taymor’s Titus », dans Barbara Hodgdon, William B. Worthen (éds), A Companion to Shakespeare and Performance, Malden (Mass.), Blackwell, p. 458.

110  La stylisation plus poussée des scènes de la cour française a été interprétée politiquement : les mouvements figés des personnages et les compositions bidimensionnelles soulignent le manque de profondeur et de réalité d’un monde hyper-esthétisé. Cf. Smith, King Henry V, cit., p. 128.

111  Menegaldo, « Shakespeare au cinéma … », cit., p. 142.

112  Ibid., p. 121-122.

113  Veronica Ortenberg, « Camelot Goes Celluloid », in ibid., In Search of the Holy Grail: The Quest for the Middle Ages, London/New York, Hambledon Continuum, 2006, p. 193.

114  Voir à ce sujet Martin Lings, The Sacred Art of Shakespeare: To take Upon Us the Mystery of Things, Rochester, Vermont, Inner Traditions, 1998; David Wiles, « Shakespeare and the Medieval Idea of the Play », in François Laroque (éd.), The Show Within: Dramatic and Other Insets. English Renaissance Drama (1550-1642), Montpellier, Publications de l’Université Paul Valéry, 1992 t. 1, p. 65-74 ; Jean-Paul Debax, « Vices and Doubledeckers. Birth and Survival of the Vice Drama Pattern », ibid., t. 1, p. 75-87.

115  Angela Dalle Vacche, Cinema and Painting: How Art is Used in Film, Austin, University of Texas Press, 1996, p. 1-3.

116  Rohmer, L’Organisation de l’espace…, cit., p. 11. Rohmer explore, dans le chapitre dédié à l’espace pictural, les rapprochements entre l’œuvre de Murnau et les tableaux de Rembrandt, du Caravage, de Georges de La Tour ou de Vermeer. Il ne s’agit pas de donner l’illusion de la peinture au cinéma, mais plutôt de montrer que « l’univers, notre monde quotidien, est pictural » (p. 17).

117  Adair, « Rohmer’s Perceval », cit., p. 234.

118  Bonitzer, Éric Rohmer, Paris, Éd. de l’Étoile/Cahiers du cinéma, 1999, p. 85.

119  Peter Holland, « King Lear on Film », dans Anthony Davies, Stanley Wells (éds), Shakespeare and the Moving Image, Cambridge, Cambridge University Press, p. 55.

120  Rohmer dans « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 22.

121  Debrix, Les Fondements de l’art cinématographique…, cit., p. 59.

122  André Gaudreault, François Jost, Cinéma et récit II : Le récit cinématographique, Paris, Nathan, 1995, p. 89.

123  Il est peut-être utile de mentionner l’opinion d’un cinéaste sans concessions, Michael Haneke : « …le cinéma, produit industriel dont l’esthétique prétend que nous vivions encore au XIXe siècle, relève bien de l’industrie culturelle et n’a pas grand-chose en commun avec ce qui se comprend comme ‘art’, concept autrement plus radical ». Michael Haneke, « Le Vrai, le Juste, le Beau selon Michael Haneke », Ligne 8 8, jan.-fév. 2006, p. 14.

124  « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 9.

125  Tashiro, Pretty Pictures…, cit., p. 112.

126  « Perceval le Gallois. Rencontre avec Éric Rohmer… », cit., p. 9-10.

127  Cité dans Bonitzer, Éric Rohmer, cit., p. 18.

128  Schmitt, « Images », cit., p. 500-501.

129  Cf. Martin Stevens, « Illusion and Reality in the Medieval Drama », College English 32.4, janv. 1971, p. 448-464 ; Wayne Narey, « Metatheatricality on the Medieval Stage », Mediaevalia 18, 1995, p. 387-406 ; Jean-Pierre Bordier, « Art du faux, miroir du vrai : les Mystères de la Passion (XVe siècle) », dans André Lascombes (éd.), Spectacle and Image in Renaissance Europe : Selected Papers of the 32nd Conference of the Centre d’Études Supérieures de la Renaissance de Tours (29 June-8 July 1989), Leyde, Brill, 1993, p. 60-79.

130  Donaldson, « Game Space/Tragic Space… », cit., p. 458.

131  Holderness, Shakespeare: the Histories, cit., p. 10.

132  Ibid., p. 10-11.

133  Debrix, Les Fondements de l’art cinématographique…, cit., p. 184.

134  Même si, comme on l’a vu plus haut, la reprise de l’espace totalisant des mystères ne passe pas vraiment à l’écran, puisqu’il est éclaté par l’espace cinématographique (les plans).

135  Debrix, Les Fondements de l’art cinématographique…, cit., p. 187.

136  Holderness, Shakespeare Recycled…, cit., p. 199-200.

              

 

محمد بنيعيشتكسيرا للروتين والرتابة التي فرضتها علينا أزمة الوافدة غير المرغوب بها "كورونا العنيدة"، وللخروج من هذه الفوضى في الدراسة والتحليل، ارتأيت بأن نتناول الموضوع من رؤية علمية ثابتة وجادة، ربما تبدو بطابعها التراثي بعيدة عن الواقع المستجد والراهن المؤرق، ولكنها عند التأمل والتفكر قد تصب في صلب المسألة وتصحح المفاهيم والعقليات، المرتجلة والبراقة، والتي قد جنت على البشرية بأوهام في التجديد وحسن التغيير، إلى أن وصلنا إلى هذا المأزق المحرج حضاريا قد أدت ثمنه البشرية غاليا ومن غير تعويض.

فمسألة وباء "كورونا" ربما يكون قد حسم أمره وانحصر علميا وعمليا، ما بين الحجر الصحي المنزلي وتطهير الجسم والمحيط بالماء غسلا واستنشاقا، وذلك لتحجيم انتشاره لا غير، أما علاجه فهو بين بين، لأن الأمر فيه إن ولعل وأخواتها على جميع المستويات وبين كل الدول والمؤسسات، وما خفي كان أعظم.والله على كل شيء رقيب، ومن زرع الشوك فلن يجني العنب.

وحينما نتأمل هذه التوصيات والنصائح الطبية والسياسية والاجتماعية والتكافلية المحمودة ظاهريا، نجد أن جل قواعدها مطابقة لما هو منصوص عليه في القرآن الكريم والسنة النبوية، من عزل والتزام للمكوث في الدار أو غسل لليدين قبل إدخالهما في الإناء أو استعمال اليد اليسرى فيما ليس بطاهر والاحتفاظ باليمنى للأعمال الطاهرة، كعنصر إيجابي في مقاومة السلبي، أو التمييز بين ما هو نظيف وما هو طاهر، إذ كل طاهر نظيف وليس كل نظيف طاهر، وكذلك المبادرة بصب الطاهر على النجس لدفعه وإضعافه وتحييده، وتحديد نسبة الماء الواجب لتحصيل الطهارة، ثم طريقة الدلك والفور والموالاة ومسالك التمرير في الجسد والمكان لصحة الطهارة وتحصيلها مائة بالمائة، وما إلى ذلك مما يقتضي تفصيلا وتوقفا جديا عنده لاستنباط الأحكام الظاهرية والباطنية للطهارة وشروطها، حيث يتكامل الفقه والتصوف والطب على مائدة واحدة.

ونحن في هذا المبحث سنتناول بعض أوجه العملية النقدية عند الغزالي وابن تيمية من دون تتبع لكل مواطنها، إذ أن هذا القصد سينحصر في تبيين الترتيبات المنهجية التي قام بها كل من الرجلين قبل أن يشرعا في النقد المباشر لمخالفيهما .وذلك لتبيين أن المقاومة أية مقاومة، فكرية كانت أو فيروسية أو عسكرية، قد تخضع بشكل أو بآخر لنفس المقاييس والترتيبات والاستراتيجيات، لكن الفكرية قد يكون لها السبق والفضل لأنها من خصوصية الإنسان وعليها يتم كل البنيان.

أولا) الاستدراج والإلمام مع الإلزام عند الغزالي

1) فبخصوص الغزالي قد يبدو أنه سلك منهجا واضحا في نقده لكل من الفلاسفة والباطنية . إذ فيما يخص الفلاسفة فقد أبدى منهجية متميزة في نقده لهم، تتلخص في عرض المذاهب الفلسفية وتعريفها دون أي تدخل من الكاتب حتى يكون القارئ على بينة من أسسها ويرتاح نفسيا لتقبل الانتقادات عليها، فتكون بمثابة مرجع للتأكد من صحة النقد الموجه إليها. وهذا يؤسس لمبدأ ضرورة الإلمام بكل خصوصيات العدو أو الخصم قبل الشروع في مقاومته ومواجهته.

وعن هذا يقول في كتابه "مقاصد الفلاسفة ": "أما بعد، فإني التمست كلاما شافيا في الكشف عن تهافت الفلاسفة وتناقض آرائهم ومكامن تلبيسهم وإغوائهم ولا مطمع في إسعافك إلا بعد تعريفك مذهبهم وإعلامك معتقدهم، فإن الوقوف على فساد المذاهب قبل الإحاطة بمداركها محال و رمي في العماية والضلال "[1].

ثم إنه بعد تقديم هذا الكتاب وتوضيح مقاصد الفلاسفة، وذلك بإيجاز مع تفادي الحشو والانسياب وراء الحيثيات سيذيله بقوله:"ولنفتتح بعد هذا بكتاب تهافت الفلاسفة حتى يتضح بطلان ما هو باطل من هذه الآراء"[2].

وحينما يتعرض للنقد المباشر لهم فإنه لا يهتم بالأشخاص المهملين ولا بالمواضيع الهامشية في الفلسفة، وإنما ينقض على الرؤوس، لأن "الخوض في حكاية اختلاف الفلاسفة تطويل فإن خطبهم طويل ونزاعهم كثير وآراءهم منتشرة وطرقهم متباعدة متدابرة، فلنقتصر على إظهار التناقض في رأي مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول؟ فإنه رتب علومهم وهذبها بزعمهم وحذف الحشو من آرائهم وانتقى ما هو الأقرب إلى أصول أهوائهم، وهو رسطاليس، وقد رد على كل من قبله حتى على أستاذه الملقب عندهم بأفلاطون الإلهي، ثم اعتذر عن مخالفته أستاذه بأن قال : أفلاطون صديق والحق صديق ولكن الحق أصدق منه"[3].

بعد ذلك سيشرع في النقد المباشر للفلاسفة، مركزا القول على أن التأثر بالانحرافات الفلسفية ليس له عامل علمي صحيح وإنما هو مجرد حرب نفسية يغتر بها الدهماء من الناس وذلك بواسطة الهالة التي يضفيها الفلاسفة على محصلاتهم العلمية مما قد يقعد الأغبياء عن التحدي لتمويههم ويشل فكرهم عن تمييز الحق من الباطل، و بهذا يكون الفلاسفة قد قاموا باستدراج الأغمار بهذه الحيل حتى أوقعوهم في التبعية[4].

فكل هذه العمليات التي قام بها قد كانت تهدف إلى رفع الحجب النفسية التي تحول دون الوعي الكامل بالمسائل المموهة، وبالسعي إلى تقوية الإرادة العلمية والهروب من الانهزام والتصحر الفكري .

ونظرا لأن كتابه "تهافت الفلاسفة"مخصص لنقدهم، فهو سيعمل كل الوسائل لتحقيق هدفه تاركا مجال إثبات مذهبه لكتب خاصة كي لا يختلط على القارئ ما هو المذهب الرسمي عند الرجل وما هي الآراء المتروكة والمهملة[5].

حتى إذا أراد المطلع على هذه الكتب أن يبني عليها نسقه المذهبي فإنه سيجد الوضوح في العرض دون التشويش بسبب الاعتراضات والمجادلات التي يتطلبها الميدان النقدي.

2) فإذا نظرنا في نقده أيضا للباطنية فإننا نراه يسلك نفس المسلك التمهيدي وذلك بالقيام بعرض أفكارهم بأمانة، بل إنه سعى في تنظيمها رغم تبعثرها كما يقول:

"وكان قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر لا على المنهاج المعهود من سلفهم، فجمعت تلك الكلمات ورتبتا ترتيبا محكما مقارنا التحقيق واستوفيت الجواب عنها حتى أنكر علي بعض أهل الحق مني مبالغتي في تحرير حجتهم وقال : هذا سعى لهم، فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها وترتيبك إياها.

وهذا الإنكار من وجه حق ... ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، فأما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية ... والمقصود أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان"[6].

هذه المنهجية في التمهيد لنقد الباطنية قد كانت بمثابة استدراج لهم وإلزامهم بالاعتراف بأن هذه هي آراؤهم وذلك بعد استحسانهم لها، وتوهمهم متانتها وحجيتها، حتى إذا وقع الاعتراف بها جاء الرد عليها بالبرهان الواضح، فتكون ضربة قاصمة لمذهبهم بالكلية.

فلقد كان الدافع إلى سلوك هذا المنهج هو ما وصل سمعه من أن الباطنية كانوا يضحكون على المؤلفات المنتقدة لهم، متهمين أصحابها بعدم الفهم لحججهم فكان الرد كما يقول :

"فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن أصل حجتهم فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني وإن سمعتها لم أفهمها فلذلك قررتها"[7].

ثانيا) التركيم النقدي والذاتية مع الانفعال عند ابن تيمية

1) إن هذه الترتيبات المنهجية التي قام بها الغزالي سواء في نقد الفلاسفة أو الباطنية قد لا نجدها عند ابن تيمية، وذلك لأنه لم يقدم كتابا مثل"مقاصد الفلاسفة" يبين فيه اطلاعه الواسع على الفلسفة كما أنه في كتابه "الرد على المنطقيين "لم يمهد فيه لنقدهم بمنهجية خاصة ينوي سلوكها معهم رغم أنه كان منهجيا في مناقشتهم وتقديم البديل لمنطقهم فيما لخصه علي سامي النشار في كتابه "مناهج البحث عند مفكري الإسلام"، وإنما شرع مباشرة في نقد المنطق والمناطقة ولم يذكر موضوعا إلا وكان له تدخل فيه ينتقده أو يعلق عليه، وكذلك الأمر في باقي كتبه النقدية ومن أهمها كتابه "درء تعارض العقل والنقل".

فلقد تميزت المنهجية النقدية لديه بعرض كل الأقوال حول موضوع ما ثم بعد ذلك يعطف عليها بالنقد، وذلك بتجزئته وتعيين الخائضين فيه، إذ أن كتبه النقدية تتضمن حشدا كبيرا من أسماء الأشخاص يجمع فيها بين الفلاسفة والمتكلمين والصوفية [8]. . .

فكأنه هنا يريد أن يجمع الأخطاء الفكرية من كل جوانبها ويرد عليها في كل نقاطها كبيرها وصغيرها لا يكاد يترك من الخطأ ولو لِماماً.

لكن الملاحظ في نقده للمخالفين أنه لا يسلك فيه مبدأ العشوائية وإنما يذهب في بعض الأحيان مذهب الغزالي، إذ أنه يفرق بين ما يتوجب نقده عند الفلاسفة وما لا مبرر له إلا بقدر عدم استيفائهم لشروط البحث العلمي، بل إنه رغم تشدده مع الفلاسفة يقر لهم في بعض علومهم بالمصداقية ولا ينكرها، بل قد يفضل أقوالهم على أقواك المتكلين، وخاصة في العلوم الطبيعية والرياضية كما يقول :

"والخطأ يقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين، وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام فإن أكثر كلام أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع.

ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكنا ذكرنا أن ما يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع"[9].

وإذا بحثنا في مستويات نقده للغزالي خصوصا فسنجد أن الرجل يكن له احتراما مترددا فيه، قد يتجلى من اختلاف مواقفه من بعض آرائه بين القبول والرفض بل، إننا سنجده يعترض على من ينتقده، فيقول:

" وقد أنكر عليه طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من الحق، وزعموا أن طريقة الرياضة و تصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم وأخطئوا أيضا في هذا النفي، بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم "[10].

لكن حينما يدافع عنه في هذا النص نجده في مواقف أخرى يتهمه بالتلبيس على المسلمين أمرهم وإلباس التصوف لباس الفلسفة حتى يتسنى له إدخالها إلى الأوساط العامة من المسلمين .

وهذا اضطراب واضح في موقفه منه، إذ كيف يجمع القول بالصفاء وحسن القصد والنية الحسنة بالتلبيس والتمويه عشية، وهي فضائل ورذائل لا تجتمع معا في شخص واحد بعينه[11].

2) فلقد كان السب أكثر وضوحا في كتاباته النقدية الخاصة بالرد على المخالفين، وأذكر من أهمها كتابه "منهاج السنة "حيث يقول في إحدى فقراته ردا على ابن المطهر الحلى:

"وهذا المصنف سمى كتابه منهاج الكرامة في معرفة الإمامة وهو خليق بأن يسمى منهاج الندامة كما أن من ادعى الطهارة وهو من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، بل من أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير أولى من وصفه بالتطهير"[12].

هذا المسلك الذي سلكه في النقد كان الغزالي قد حذر منه وجعله مدعاة إلى التعصب والتشبث بالباطل من طرف المخالفين، ورأى أن هذا فيه هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس، ولو كان الداعية المتعصب يدعي أن هذا يعتبر ذبا عن الدين ونضالا عن المسلمين![13].

وباختصار فإن الغزالي وابن تيمية قد كان لهما دافع قوي لسلوك منهج خاص بكل واحد منهما، إلا أنه يبدو بوضوح تام أن مسلك الغزالي النقدي قد كان أكثر أكاديمية وجودة وانتظاما علميا من ابن تيمية، وذلك من خلال العرض الذي مر بنا، وكذلك إذا رأينا وقع نقد كليهما على المنتقدين، بحيث سنجد أن الغزالي قد ترك استياء واضحا لدى الباطنية وفضحا منهجيا لترهاتهم، وخاصة عند الفلاسفة، إذ أنه كان -إن صح القول وبدون تحيز- المفكر المسلم الوحيد في تاريخ الفكر الإسلامي الذي استطاع أن يصرعهم بمصطلح "تهافت الفلاسفة"منذ زمانه حتى يومنا هذا، بحيث مازال يشتكي منه موالوهم و يسعون للثأر منه[14]!.

وأخيرا، أوليس هذا المنهج ونماذج مثله أولى بتوظيفها لمقاومة كورونا وأخواتها وإخوانها وقرابتها الحسية والمعنوية في الحال وبعد وفاتها، وذلك كدعوة إلى إعادة النظر في مناهجنا العلمية المستقبلية وطرق التحصيل والنقد والإحاطة بالقضية من كل وجوهها واحتمالاتها، حتى لا نصبح مرة أخرى، علماء وعامة وساسة ومسوسين، وأطباء ومرضى وأصحاء، فريسة للأكاذيب والألاعيب والاستغفال والاستبلاد، مما قد يشكل خطرا على العباد أو يشل البلاد ويجعل المرض في واد والعلاج في واد؟." وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ "." وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ".

 

الدكتور محمد بنيعيش - المغرب

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] الغزالي:مقاصد الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف بمصر ط1961ص31

[2] نفس ص385

[3] الغزالي :تهافت الفلاسفة ص76

[4] نفس ص84

[5] نفس ص123

[6] الغزالي:المنقذ من الضلال ص34

[7] نفس  ص35

[8] ابن تيمية:الرد على المنطقيين ص148-149

[9] نفس  ص31

[10] نفس  ص11

[11] ابن تيمية:مجموع فتاوى، كتاب علم السلوك ص551

[12] ابن تيمية :منهاج السنة ج1ص5

[13] الغزالي:إحياء علوم الدين ج1ص40

[14] الجابري:نقد العقل العربي1تكوين العقل العربي ص290

 

 

بليغ حمدي اسماعيلمقدمة: وجب علي قبل الخوض في تحليل أبرز الوقائع في السيرة النبوية لصاحبها رسول الله(ص) أن أشير اختصاراً إلى هبة الله (سبحانه وتعالى) للأمة العربية وللمسلمين الأوائل ألا وهي الذاكرة الحافظة، والتي لولاها لما وصل إلينا خبر واحد من سيرة المصطفى (ص)، فهذه الذاكرة التي تمتع بها الصالحون من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن لحقهم هي التي مكنتنا من معرفة الأحداث والوقائع التي جرت لرسول الله (ص)، لذا كان من الأحرى أن نقدم للقارئ المسلم نبذة علمية مختصرة عن الذاكرة والعمليات الذهنية التي تنظمها، إعلاء لجهود الأوائل وحمداً لنعم الله على أمة الإسلام .

طاقة اسمها الذاكرة:

الذاكرة، هي مركز العمليات المعرفية ومحورها التي تؤثر على كل ما هو معرفي، وعلى كافة الأنشطة العقلية، وعلى كافة مكونات نظام تجهيز ومعالجة المعلومات. ولقد بحث كثير من علماء النفس في عملية الاسترجاع، التي ترادف أحياناً التذكر، وانتهى الكثير منهم إلى القول بإن هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا إذا افترضنا أن التجارب والخبرات التي مر بها الفرد تترك أثراً ما في جهازه العصبي، أو بعبارة أخرى تترك نوعاً من الصور الذهنية التي تطبع على المخ بطريقة معينة.

وهناك أربعة نماذج للذاكرة يحاول كل منها أن يفسر كيف تعمل الذاكرة من حيث المكونات والوظائف . النموذج الأول ينسب لكل من أتكنسون وشفرن (1968م)، ويركزان على التمييز بين الذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى، ودور كل منهما في تجهيز ومعالجة المعلومات، ويقوم على افتراض أن الذاكرة تتكون من ثلاثة أنماط هي:

ـ الذاكرة الحسية أو المخزون الحسي.

ـ الذاكرة قصيرة المدى.

ـ الذاكرة طويلة المدى.

كما يشتمل على عمليات الضبط والتحكم، مثل تكرار أو ترديد المعلومات للاحتفاظ بها في الذاكرة، والتي يستخدمها الناس كاستراتيجيات لتجهيز ومعالجة المعلومات.

أما النموذج الثاني، فهو نموذج تولفنج (1984م)، ويقوم على افتراض وجود مخازن لذاكرة الأحداث لتخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث والوقائع، ومخازن لذاكرة المعاني لتخزين المعرفة المنظمة المتعلقة بالعالم من حولنا، والذاكرة الإجرائية التي تتعلق بكيفية إجراء أو عمل معالجة للأشياء.

بينما يسمى النمط الثالث من أنماط الذاكرة مدخل مستويات التجهيز والمعالجة، ويقترح هذا المدخل أن الطريقة أو الأسلوب الذي من خلاله تجهز أو تعالج المادة موضوع التعلم يؤثر على الاسترجاع اللاحق لها. والنموذج الرابع والأخير هو مدخل التجهيز الموزع الموازي، ويفترض أن ينظر إليها باعتبارها شبكة من الترابطات والوصلات عبر النيرونات العصبية التي تشكل وحدة عمل الذاكرة.

وتبدو قيمة هذه النماذج السابقة التي عرضناها في أنها تحاول تبسيط وتبسيط وتنظيم نمذجة ذلك المفهوم المحير البالغ الأهمية المسمى بالذاكرة، وأن هذه الأطر التي تقدمها تلك النماذج النظرية تكون موجهة للبحوث والدراسات التي يمكن إجراؤها في هذا المجال.

وللذاكرة ثلاثة أنواع، النوع الأول منها يسمى الذاكرة الحاسبة، ومهمتها استقبال المعلومات وتحملها في صيغة خام، أو غير معالجة نسبياً أي دون إخضاعها للتجهيز أو المعالجة، وتشمل الذاكرة الحسية البصرية، كما تسمى الذاكرة التصويرية، وتحمل المادة أو المثير أو المعلومة بعد اختفاء المثير لجزء من الثانية أو للزمن الذي يسمح بتجهيز ومعالجة تلك المعلومة بعد اختفاء المثير الخاص بها.

أما الذاكرة الحسية السمعية، وتسمى الذاكرة السمعية، وتحمل المادة أو المثير أو المعلومة لمدة 2 على 3 من الثانية بعد اختفائها، ولذا فهي تمثل أهمية خاصة عندما تقوم بتجهيز المعلومة المنطوقة والمسموعة. وتعرف الذاكرة الحسية أيضاً بالمسجل الحسي.

و من أنواع الذاكرة القصيرة، والتي سبق أن أشرنا إليها، وهي ذاكرة تفقد المعلومات وتخفو ويحدث لها نسيان سريع ربما بعد ثوان قليلة من استقبالها، ما لم يتم تسميعها أو تسجيلها أو معالجتها، وحجمها وفقاً لرؤية علماء النفس المعرفي تتحدد سعتها بـ 7 + 2 من وحدات المعلومات. ويرى بعض علماء النفس أن هذا الحجم يرتبط تماماً بزمن النطق وطول الكلمات، وطبيعة المادة التعليمية، ومدى قابليتها للتذكر، بالإضافة إلى أنها تتأثر بعدة عوامل منها مستوى قلق الفرد ومستوى ذكائه. وبالنسبة للذاكرة طويلة المدى، فإنها تعد أهم مصادر المعرفة المشتقة، وأنماط التعلم والتفكير المعاد صياغته وتجهيزه ومعالجته، وهي تقف خلف كافة عمليات الحفظ والتذكر والتفكير، والاستراتيجيات المعرفية وحل المشكلات.

وأهم ما يعنينا ونحن بصدد الحديث عن كتابة السيرة النبوية ومحاولات المتقدمين في تسجيلها وتدوينها سواء من السماع أو الرواية أو النقل ـ أن الذاكرة طويلة المدى تمثل ذات الإنسان وماضيه وسيرته الذاتية، وتؤثر في حاضره ومستقبله، وإدراكه واستقباله للعالم من حوله. ولو فطن كتاب السيرة وحفظتها أن دور الذاكرة طويلة المدى مهم جداً في استيعاب المعلومات وتخزينها بالسرعة والدقة لتغير الكثير مما جاءنا في ثنايا كتبهم وأوراقهم.

وقد يجد القارئ نوعاً من الملل وهو يطالع السطور السابقة التي تتحدث عن الذاكرة وأنماطها وأنواعها، ولعله فطن قليلاً أننا نتحدث في صلب دراستنا عن السيرة النبوية وقصة تدوينها، وهي الإشادة والإشارة إلى ملكة الحفظ وقوة الذاكرة التي تمتعت بعا العقلية العربية الصافية الخالية من كل شوائب المادية،، لا سيما أن الخطوب والأحداث التي عصفت بدولة الإسلام منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان لم تكن تسمح بالتدوين والجلوس في استقرار وسكينة لكتابة جميع التفاصيل المتعلقة بالسيرة النبوية العطرة لصاحبها (ص)، ورغم تلك الخطوب استطاع الثقات أن يقوموا بعمل عظيم وهو حفظ وتسجيل أحداث السيرة النبوة المطهرة لتصير بين أيدينا سائغة سهلة يسيرة.

ولكن لم تلتفت هذه النظريات الغربية التي عصفت بالعقول إلى الهبة والمنحة الإلهية التي وهبها الله (سبحانه وتعالى) والتي استطاعت أن تحتفظ بكل صغيرة وكبيرة مما سمعت أو رأت من أحداث ووقائع وربما كانت الذاكرة الشفاهية أكثر ثقة وثبتاً وثباتاً عند آبائنا العرب الذين بفضل ذاكرتهم الحافظة البعيدة عن شوائب المادية استطعنا أن نتعرف على الكثير والكثير من أيام العرب ووقائعهم السابقة .

استراتيجيات تحسين الذاكرة:

1 ـ استراتيجية التصور العقلي: وتشير إلى التمثيلات العقلية للأشياء، والأحداث والمواقف التي ليس لها وجود فيزيقي، وهي استراتيجية قوية لرفع كفاءة الذاكرة، وزيادة فعاليتها.

2 ـ استراتيجية مفاتيح الكلمات: وتشير إلى الربط بين الكلمات غير المألوفة المراد تعلمها، وتفيد الدراسات إلى أن الطلاب الذين استخدموا هذه الاستراتيجية في تعلم اللغات استرجعوا مفردات اللغة بمعدلات تفوق أقرانهم الذين استخدموا استراتيجية التسميع أو التكرار عدة مرات.

3 ـ استراتيجية إحلال الأماكن: وتقوم على محاولة ربط الفقرات المراد تعلمها بسلسلة من الأماكن و المواقع الطبيعية، وهي تجمع بين التصور العقلي والمعينات والمنشطات الأخرى، وهي من أقدم الاستراتيجيات لتنشيط الذاكرة.وتقوم هذه الاستراتيجية على القواعد الأساسية التالية:

* تصور سلسلة من الأماكن الطبيعية التي تتعاقب مكانياً.

* اشتقاق صورة بصرية أو تخيلية تمثل كل فقرة من الفقرات المراد حفظها وتذكرها.

* ربط الفقرات بالأماكن المختلفة بها في الذاكرة.

4 ـ استراتيجية التنظيم: وهي محاولة إيجاد أو اشتقاق تنظيم أو ترتيب للمادة المتعلمة، وهي تقوم على تنظيم وحدات المادة أو الوحدات المعرفية الأقل عمومية (النوعية) داخل مفاهيم أو أطر مفاهيمية أكثر عمومية أو ذات رتب أعلى.

5 ـ استراتيجية التوليف القصصي: وتقوم على محاولة توليف قصة تربط بين مجموعة من الكلمات أو المفاهيم المراد حفظها، وتذكرها بحيث تؤلف هذه الكلمات معه بعضها البعض قصة ذات معنى.

وقد أنعم الله على الإنسان بذاكرة قوية وقدرة خارقة على الحفظ، ووهبه عقلاً لم يتمكن العلماء حتى الآن من معرفة أسراره . للعقل سعه محدد لا تتسع ومع تزاحم المعلومات وتكدس الاحداث بداخله وعند اضافة معلومة جديدة للعقل يبدء تلقائياً بمحو اول معلومةولكن أولئك الحفظة الكرام منَّ الله عليهم بذاكرة قوية استطاعت أن تلتقط كل التفاصيل التي سمعوها أو قرأوها بفضل ترك المعاصي أولاً، كما أن حفظ القرآن الكريم مكنهم من قوة الحفظ والإدراك وسعة البصيرة.

وقدكشفت دراسة علمية حديثة عن أن حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة يقوي الذاكرة وينمي مدارك الأطفال واستيعابهم لحفظ وإمكانية استرجاع المعلومات بصورة أكثر من غيرهم ممن لا يحفظون القرآن، بالإضافة إلى تمتعهم بقدر كبير من الاتزان النفسي والاجتماعي وقدرة كبيرة على تنظيم الوقت والاستفادة منه.

وأشارت الدراسة التي أجرتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الى أهمية دفع الأطفال والشباب في سن مبكرة الى حلقات ومدارس تحفيظ القرآن الكريم نظراً لسهولة الحفظ في هذه السن والقدرة على الاستيعاب السريع والاسترجاع.

وأكدت الدراسة على أهمية دور الأسرة في تحفيز أبنائها وبناتها على حفظ القرآن الكريم وتشجيع التنافس بين الأبناء والبنات داخل الأسرة الواحدة في حفظ أكبر قدر من آيات وسور وأجزاء القرآن الكريم، حيث أثبتت الدراسة أن أكثر من ثمانين في المائة من حفظة القرآن الكريم من البنين والبنات عرفوا طريقهم إلى حلقات التحفيظ والمدارس القرآنية بتشجيع من الآباء والأمهات وأن أكثر من خمسين في المائة منهم لهم أشقاء وشقيقات يحفظون القرآن الكريم أو أجزاء منه.

والآن أيها المسلم، أنا معك قلباً وقالباً في شعورك النفسي بكثرة وطول ما أورته من معلومات قد تراها لأول وهلة بعيدة الصلة عن موضوعات السيرة السهلة اليسيرة والممتعة أيضاً، فمالك أنت وهذه الاستراتيجيات المعرفية الضيقة التي تضفي نوعاً من التوتر والضيق والسأم، وربما الضجر على النفس الساكنة، وما استطعت أن أتوصل إليه هو هدف محاولة إعادة تجهيز الذهنية التاريخية للعقل العربي تلك التي اعتادت ألا ترهق نفسها بالتأويلات والتنظيرات، وكيف كتب هذا، ولماذا دون ذلك، إلى آخره.

ولكن رأينا أنه من الواجب العلمي أن نضع هذه الصورة العلمية لعمل وأداء الذاكرة، وأنواعها، وأنماطها المسلكية، لتتعرف كيف كتبت السيرة النبوية، ومنهجيتها، فهل يمكنك الآن وقد قرأت الكثير عن سيرة الرسول (ص) أن تدرك عظمة العقل والذاكرة التي وهبها الله تعالى لعقول صافية ولقلوب مطمئنة استطاعت أن تعي ثم تحفظ ما وصل إلى آذانها شفاهة من قصص نبوية وأحداث تاريخية عن حوادث شتى، ورغم ذلك استطاعت تلك العقول الصالحة أن تنقل لنا ما روي وشوهد مع ضبطه ضبطاً دقيقاً دونما لغط أو تشويه .

ولكن كان علينا أن نخاطب الغرب وأنصاره من العلمانيين وأتباعهم بلغتهم التي يعرفونها وهي لغة النظريات المجردة ولنشير إليهم بأن الله (تبارك وتعالى) منح كل قوم نعمة اختص بها، ومن نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى على العرب الذاكرة الحافظة واللغة الفصيحة المبينة .

دوافع الاهتمام بسيرة الرسول (ص):

بين الخصومة والكراهية والحقد الدفين ومشاعر أخرى سوداء، وبين محبة وشوق وحنين وإخلاص وشعور بالعظمة وإحساس بعبقرية الشخصية استقرت دوافع الاهتمام عن سيرة الرسول الأكرم(ص) حسبما أننا من المشتاقين إليه محبة وشوقاً وغراماً وشفاعة.

ولا أدري ما فائدة عمل خصوم الإسلام عموماً، والرسول الأكرم (ص) واتهاماتهم الزائفة القذرة إلى رسول رب العالمين. ولقد طالعت ما كتبه محررو دائرة المعارف الفرنسية لاروس La(ص)ousse عن أشرف الخلق أجمعين بقولهم المغلوط: "بقي محمد مع ذلك ساحراً ممعناً في فساد الخلق لص نياق، كردينالاً، لم ينجح في الوصول إلى كرسي البابوية فاخترع دينا جديداً لينتقم من زملائه".

وسأترك للقارئ سهولة تأويل ما قرأه، وكأن محمداً (ص) طالب في مدرسة يغار من زملائه فأراد الانتقام منهم، منتهى السفه، ويكفينا شرف ومنعة أننا وإخواننا من الباحثين الجادين لا ولن نهتم بالرد على مثل هذه الأمور التي يريد الغرب وأعداء الإسلام والحاقدون عليه أن يجرونا إلى هاوية الجدل والعبث الفكري واللغط التاريخي بالرد والمناظرة واستخدام آليات حوار فاشلة سلفاً، لقد اخترتنا لأنفسنا دوراً نراه عظيماً وحسبنا، وهو أننا لا نكتب إلا للقارئ العربي، وعن سيرة المعصوم محمد (ص) ومن أراد أن يعرف سيرته فعليه بمعرفة لغتنا وقبول منطقنا، ومن هنا نبدأ.

فلقد قدمنا الكثير من التنازلات الفكرية والتاريخية للغرب بدعوى حوار الحضارات، وحوار الثقافات، ودعوى الحريات ومزاعم تعرف الغرب،ومالنا وهذا، من يرد أن يعرفنا فليقبل هويتنا الفكرية وآلياتها، والمناحي المميزة لمنطلقاتنا الفكرية.ولقد أشرت إلى هذا في مقالي بجريدة اليوم السابع القاهرية في أغسطس 2009 م "ما لا يعرفه أوباما عن الإسلام". ومن الدوافع التي تدفع كثير من الباحثين إلى كتابة السيرة النبوية أن هذه السيرة وهذه الحياة مثالية في كل جوانبها على الإطلاق، ففيها القدوة الحسنة، والمثل الأعلى، يقول الله تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) ((سورة الأحزاب / 21) .

كما أنه الأعظم والأبلغ تأثيراً في حياة التاريخ البشري،فلقد تحقق له النجاح الكامل على المستويين الديني والدنيوي، وليس موضوعنا الآن أن نذكر كتابات المستشرقين وعلماء ما بعد البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادي أمثال وليام ماكنيل وجون ماسرمان، ومايكل هارت، وغيرهم ممن اسردوا ضرورة الحديث عن سيرة الرسول(ص) الذي أثر في الدنيا والتاريخ والأخلاق والبشرية جميعها.

كتاب السيرة النبوية:

يجمع المؤرخون على أهمية الذاكرة الحافظة التي امتاز بها العرب، دون السند والدليل والمنهج العلمي الدقيق الذي يعتمد على الأدوات والمعايير، إلا أننا لا نستطيع أن نختلف في فترة صدر الإسلام وعهود الخلفاء الراشدين، فلا شك أن رجال هذه الفترة هم شهود وحفاظ السيرة، وأعتقد أنه لم تكن هناك حاجة ضرورية تدعوهم لتدوين أحداث ووقائع سيرة الرسول (ص) لاستغنائهم بالمشاهدة والحفظ، وانشغالهم بالغزوات و الفتوحات الإسلامية.

وقد بدأت حركة التدوين والتسجيل للسيرة النبوية بدأت مبكراً على يد "أبان بن عثمان" وهو نفسه ابن الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" وهو من أعلام السيرة النبوية ورواية الحديث الشريف، وقد تتلمذ على يديه كثيرون من كبار المحدثين والفقهاء من أمثال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري،وكذلك محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، ولكن للأسف قد ضاعت مؤلفاته كما ضاع تراث الإسلام من قبل.

ومن رجال التأليف أيضاً " عروة بن الزبير " وهو من رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير، وأبوه هو "الزبير بن العوام بن خويلد"، ولقد شهد عروة الفتنة الكبرى التي عصفت بالمسلمين، وهي فتنة خلافة عثمان بن عفان وما بعدها. واشتهر أيضاً بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار، وكان قد شغلته السياسة كثيراً عن طلب العلم أيضاً، وهو كسابقه لم تصلنا مؤلفاته أيضاً.

ومنهم أيضاً " شرحبيل بن سعد" وهو من كتاب المغازي. ووهب بن منبه وهو من مواليد اليمن وليس المدينة، لذلك فهو مختلف عن الثلاثة السابقين، وكان ثقة واسع العلم، ويعتبر من العلماء الموسوعيين الذين تناولوا موضوعات شتى. ويوجد مجلد في مجموعة البرديات الموجودة بمدينة " هيدلبرج " الألمانية، ويقول عنه المستشرق الألماني " بيكر ": إنه يرجع أنه يحتوي على قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه.

ومن رجال التأليف في المغازي والسير الأوائل " محمد بن مسلم بن شهاب الزهري"، وهو من كبار التابعين وأعلامهم، ويعتبره المؤرخون من أعظم مؤرخي المغازي والسير وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدرسة المدينة التاريخية، وقد امتاز محمد بن شهاب الزهري عن معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين واقتناء الكتب، ولقد ضاع ما كتبه ودونه الزهري بنفسه، وإلى ابن إسحاق يرجع الفضل الأكبر في حفظ علم أستاذه الزهري.

وينبغي علينا أن نشير إلى أن الزهري قام ببحث واسع لجمع تراث الرسول (ص) من أفواه شهوده، ومن هنا تأتي أهمية الزهري من أنه أول من دون الحديث، فهو إذن يمثل مرحلة فارقة حاسمة، وهي مرحلة الانتقال من التراث الشفوي إلى التراث المكتوب بالنسبة للتاريخ الإسلامي. ولكن الذي ينبغي ملاحظته أن هذا الانتقال قد تم داخل ارتباط السياسة والسلطان، فالزهري كان ذا علاقة وثيقة بخليفتين أمويين هما عبد الملك وابنه هشام قد قاموا برعاية عمل الزهري .

محمد بن إسحاق المطلبي:

ومن الضروري أن نعرف سيرة ابن إسحاق لأنها المصدر الرئيس للسيرة النبوية بصورتها التأريخية، وكل من كتب في السيرة في السيرة النبوية نقل عنه، لكننا سنعرضه من زاويتين اثنتين؛ الزاوية الأولى هي سيرة الرجل وما كتبه عنه أفاضل شيوخنا السابقين من مآثره ومناقبه. والزاوية الثانية هي تناوله من ناحية المنهج العلمي وفنياته وأدواته التنظيرية والتطبيقية.

فمن الزاوية الأولى نجد من يطالعنا بأن محمد بن إسحاق هو إمام الأئمة والعمدة في ميدانه، وأكبر علماء السير والمغازي على إطلاقهم . وأقوال العلماء فيه ـ حقاً ـ مستفيضة، فهو ـ كما يذكرون ـ أحد أوعية العلم، وحبر في معرفة المغازي والسير.

ومحمد بن إسحاق ـ كما يسرد الدكتور عبد الشافي محمد ـ هو محمد بن إسحاق ابن يسار بن خيار، وقيل يسار بن كوتان المطلبي بالولاء، المديني، نسبة إلى مدينة رسول الله(ص)، وكان جده يسار من أهل قرية عين التمر بالعراق، وقد وقع في أسر المسلمين عندما قام خالد بن الوليد بفتح عين التمر، وأرسل يسار بن خيار مع غيره من الأسرى إلى المدينة المنورة.

الأمر المهم الذي نريد أن ندركه هو معرفة أن ابن إسحاق أدرك بعض الصحابة ممن طالت أعمارهم، فالكتب تقول أنه " رأى " أنس بن مالك خادم رسول الله (ص)، وكذلك تتلمذ على يد كبار التابعين وعلماء المدينة المنورة، ومنهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبان بن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أكرم الله وجهه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ونافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري، وغيرهم.

ورحلة ابن إسحاق العلمية معروفة ومنظورة للرائي، فقد رحل إلى مصر والعراق، وما إن سقطت دولة بني أمية سنة 132هجرية، وقامت دولة بني العباس، حتى رأينا ابن إسحاق يرحل مغادراً مدينة رسول الله (ص) إلى العراق حتى استقر في مدينة بغداد، أو كما قيل عنها المدينة المدورة أو مدينة السلام، أو مدينة المنصور. تلك المدينة التي خلبت الألباب وخطفت من العلماء الأبصار، فهي حاضرة الإسلام ومقر العلماء والشعراء وأهل الأدب.

والمشهود لنا أن ابن إسحاق اتصل برأس السلطة ببغداد، ومؤسسها أبي جعفر المنصور، حتى عرف أن كتاب المغازي أو ما شاع ذكره بـ "سيرة ابن إسحاق " قد وضعه استجابة لرغبة المنصور وطلبه لابنه محمد الذي عرف بعد ذلك بالخليفة المهدي.

هذا من حيث الجانب الأول من حياة ابن إسحاق، أما الجانب الثاني فمجمله اتهامات وربما افتراءات كاذبة، وشكول صراعات مضطرمة،ولأننا نستهدف الحق معرفة ويقيناً كان علينا أن نسرد بشكل مقتصد عن هذي الشكول المتسارعة حوله. فهو يؤكد عند كل نازلة وفاصلة فساد العهد الأموي برمته، ونحن ندحض قوله باستحالة وجوب العيوب والنقائص وحدها في حياة الأمم والعهود دونما إيجابيات وإصلاحات لعل أبرزها سعة الفتوحات الإسلامية، حيث إن الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي أبقى الفتوحات، وإذا قبلنا الرأي بفساد كل خلفاء بني أمية كما زعم ابن إسحاق ومن ورائه ابن هشام، فهذا استخفاف بعقولنا واحتقار وإهانة لأنفسنا.

كما أن محنة التاريخ الشفاهي فكرة سيطرت على ابن إسحاق، فقصد في مجمل سيرته إلى البنى الحكائية للقص النبوي دون بعض التكليف بمعرفة تفاصيلها وأخبار أصحابها ومناسبة القول بخلاف الواقدي الذي سيأتي ذكره بعد قليل. بالإضافة إلى ما عاب السيرة من عدم توثيق الأشعار بها.

الواقدي:

كان علينا واجب الإشارة إلى أحد أعلام السيرة النبوية، والذي لم يلق نصيباً من الشهرة التي لقيها محمد بن إسحاق، وهو محمد بن عمر بن واقد، الملقب بالواقدي، وهو مولى من الموالي.         ويعتبر الواقدي من أبرز رجال السير والمغازي، ولقد ولد الواقدي بالمدينة المنورة سنة 130 هـ، وتوفى ببغداد سنة 207 هـ، ودفن ـ كما يروي تلميذه محمد بن سعد ـ في مقابر الخيزران، ومن أشهر من لقيه الواقدي في رحلته طلباً للعلم مالك بن أنس، وسفيان الثوري.

واتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بداية من الخليفة هارون الرشيد وتذكر القصة سبب تعارف كل منهما على الآخر، والتي أوردها الدكتور عبد الشافي محمد في كتابه الماتع " أوائل المؤلفين في السيرة النبوية " أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حج في أو عام من خلافته سنة 170 هـ، قال ليحيى بن خالد البرمكي: ارتد لي رجلاً عارفاً بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل (عليه السلام) على النبي (ص)، ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء، فطفق حيى يسأل عن الرجل الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها وحددها هارون الرشيد، فدله الناس على الواقدي.

والواقدي ـ نفسه ـ يروي ذلك الحدث، فقال: " كلهم دله علي، فبعث إلي فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي: يا شيخ، إن أمير المؤمنين ـ أعزه الله ـ يريد أن تصلي العشاء في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها ففعلت، ولم أدع موضعاً من المواضع، ولا مشهداً من المشاهد إلا مررت بهما عليه". ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي، ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر الهدى، وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته.

وكان الواقدي غزير الإنتاج، كثير التأليف، فله أكثر من أربعين كتاباً في المغازي والسير والتاريخ، وهو الأمر الذي يزيدنا غموضاً في عدم ذيوع شهرته كسابقه ابن إسحاق. وربما اتصاله بالبرامكة هو الذي جعل شهرته ومكانته في العصور التي تليه تقل وتخفت، لكننا نرى أن الواقدي أكثر دقة من الناحية المنهجية والعلمية في تناول الأحداث التاريخية عن ابن إسحاق، وابن هشام، فهو يحاول أن يتحرى الدقة في المعلومات التي يوردها في نصه، عن طريق أقارب وأصحاب وأتباع وتلاميذ الشخصيات الواردة بكل حادثة يذكرها.

وهو ـ نفسه ـ يحدث ذلك قائلاً: " ما أدركت رجلاً من أبناء الصحابة، وأبناء الشهداء ولا مولى لهم إلا سألته، هل سمعت أحداً من أهلك يخبرك عن مشهده، وأين قتل ؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فأعاينه، ولقد مضيت إلى المريسيع فنظرت إليها، وما علمت غزاة إلا مضيت إلى الموضع فأعاينه". وكانت كتب الواقدي مصدراً أصيلاً لكل المؤرخين الذين جاءوا بعده، فما من مؤرخ إلا واقتبس من كتبه، ولكن لسوء الحظ ضاعت معظم هذه المؤلفات العلمية العظيمة التي خلفها، ولم يبق من كتبه سوى كتابي فتوح الشام، والمغازي. ومع الواقدي أصبح الاعتماد أساساً على المكتوب، وهذا ما يؤكده مترجموه من أنه كان يمتلك مكتبة بها ألاف الكتب وغلامين يكتبان الليل والنهار.

ولعلنا أكثر تحمساً للواقدي عن ابن إسحاق رغم شهرة الأخير بين العامة والعموم والسواد، لأنه أكثر إخباراً عن سيرة الرسول (ص) في المدينة، وهو أميل في إخباره إلى الفقه والحديث من ابن إسحاق، وهو ـ أحياناً ـ يرجع إلى مادة علمية مكتوبة في صحف رآها واعتمد عليها، كما أنه يمتاز عن سابقيه بالدقة في تعيين تاريخ الحوادث . ويكفي الواقدي فخراً وشرفاً أن الإمام مالك بن أنس كان يثق في رواياته، بينما كان لا يثق في روايات ابن إسحاق، وقد لقبه الفقيه محمد بن الحسين الشيباني (من فقهاء الحنفية) بأمير المؤمنين في الحديث.

السيرة النبوية والخطاب التاريخي:

لابد من التمييز بين نوعين من الخطاب؛ خطاب يحمل أمراً شرعياً مقدساً أو خبراً من السماء، وكما يقول ابن خلدون هذا واجب تصديقه. وخطاب يحمل واقعات من عالم الطبيعة، ولكل من الخطابين مقياس للصدق. وابن خلدون في مقدمته يحيل الصدق إلى العالم الذي يتبع كل خطاب، فالعالم القدسي حق، وهو منهج مشروع واضح مثبت بصحته من داخله، فهو من عند رب العالمين، إذن فهو خطاب مقدس أمين لا يتغير يظل كما هو، فهو خطاب فوق الزمان، وهو في طبيعته حدث في الزمان.

والخطاب المقدس تحمله لغة، وهو ما ينطوي في حد ذاته على استلاب بالنسبة لحال الصفاء، وحين يقول مسلم إن القرآن لا يحاكى، فهو يعني أن علاماته تأتلف ائتلافاً خاصاً يرتفع فيها الدال ليتحد بالمدلول المقدس.

وبقي لنا أن نشير إلى دور القصص الشعبي في صياغة بعض كتب السيرة النبوية، ولاشك في أن الخيال الشعبي الذي صاحب الكثير من المذاهب والفرق الإسلامية صاغ العديد من القصص التي لم نرها في الكتب الصحيحة للسيرة النبوية والتي أراد بها أعداء الإسلام النيل منه ومن نبينا الكريم (ص) ولكن هيهات.

والدور الشعبي الذي لعبه هؤلاء المؤلفون هو تأييد لوجهة نظربعض الفرق الدينية والفكرية، وهو مشهد متصل للصراع الفكري والديني بين هذه الفرق، وأكاد أجزم بأن ما جاء إلينا من أخبار غريبة غير متواترة وأخبار صراعية هي لا شك من رحم الصراع المأساوي بين بعض الفرق والتيارات وكذلك المحاولات المشبوهة التي قام بها المستشرقون.

وكما يؤكد المؤرخ سيد خميس في أن الخليفة معاوية أدرك مبكراً السحر الإعلامي للقص الديني، وقوة تأثيره في نفوس العامة، فبعث في طلب القصاص وجمعهم إليه، وبالطبع أجرى عليهم الرواتب من بيت المال، ثم أوعز إليهم بالدعاء إليه على المنابر وأداء بعض القصص والروايات التي تعضد ملكه وسلطانه.

وفي العصر العباسي كانت الفتنة أشد وأعظم خطراً، لاسيما مع ظهور الصراع العربي الفارسي، فقد أضاف الرواة الفارسيون القصص العجيبة التي لا وجود لها في كتابنا هذا، وكان من البدهي أن يستجيب العامة لهذه القصص الخيالية وان يشغلوا بها انشغالاً عظيماً. ويضرب الدكتور محمد النجار مثلاً على ما جاء به القصاص في ذلك العصر في موضوعين كانا أثيرين عندهم، هما قصة الإسراء والمعراج، ومرويات الشيعة عن آل البيت، وخاصة فيما يتصل بمقتل الإمام الحسين، فقد لعب بالعاطفة دوراً عظيماً وخطيراً في التأليف القصصي على حساب الوقائع التاريخية.

وإذا دققنا النظر لاستقرأنا الخلط بين الحقائق التاريخية والقصص الخيالي والخرافات، وتسرب الخيال الشعبي الطائفي إلى كثير من أحداث ووقائع السيرة النبوية فمالت هذه الوقائع إلى الأساطير والمبالغات اللامعقولة. ومن هنا أصبح من الصعب إيجاد وسيلة منهجية دقيقة ترجح ما هو تاريخي على ما هو خرافي إلا ما رحم ربي . وعلى هذا نجد الكثير من القصص التي تحتاج إلى ضبط تاريخي بالمعنى العلمي في بعض الكتب التي تناولت سيرة رسول الله (ص)، ولقد اجتهدنا جهد مشقة وضعف في نقل الأحداث التاريخية من مصادرها الصحيحة مع تحقيق تواترها وإثبات صحة ناقلها أيضاً.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م ) .

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

بليغ حمدي اسماعيلالتَّصَوُّفُ الإسْلامِيُّ فِي سُلْطَةِ مَجَازِهِ: يعد القرنان الرابع والخامس الهجريان عصر المصنفات الصوفية الكبرى والتي استطاعت أن ترسم طريق التصوف الإسلامي لعصور قادمة، وربما هذا العصر الذي يمكن توصيفه بالعصر الذهبي للتصوف في الإسلام قد واكب التفكك السياسي للدولة العباسية حتى أقر المؤرخون بأن سلطة الخليفة العباسي لم تتجاوز حكم وولاية بغداد، وهذا التفكك السياسي هو الذي أفقدها القدرة على السيطرة والتحكم في البلاد مما استحال الأمر عقب ذلك إلى تحول تلك البلدان إلى إمارات سياسية مستقلة عنها وبعيدة تمام البعد عن سيطرتها السياسية والعسكرية . ورغم هذا التفكك السلطوي للخلافة العباسية وانهيار الأنظمة السيادية آنذاك بفعل عوامل مختلفة منها ضعف الخلفاء العباسيين، وبزوغ الدولة الفاطمية، والهجمات الخارجية التي تعرضت لها الخلافة العباسية مثل الحملات الصليبية المتواترة، ومن بعدها الغارات المغولية لم تفقد الثقافة الإسلامية تماسكها المعرفي أو بريقها الاستثنائي، واستطاعت فتوحات الدولة العباسية رغم انهيارها بعد ذلك أن تفتح آفاقا جديدة للحراك الثقافي والشراك المعرفية مع ثقافات أخرى غير متماثلة، وفي ظل هذه الثورة الثقافية استطاع التصوف الإسلامي أن ينتقل من مرحلة الشيخ الصوفي الذي يهتم المريدون والمعارضون بأخباره وحكاياه وبعض قطوفه اللغوية القصيرة ومواقفه الشخصية مع العامة والأمراء على السواء، إلى مرحلة جديدة وفارقة في تاريخ التصوف وهي مرحلة تصنيف المؤلفات الكبيرة ذات التخصص، مما أمكن المتخصصون أن يطلقوا على هذين القرنين علم التصوف لكثرة التصنيفات والمؤلفات، ورأينا المصنفات الصوفية التي تجري في موضوع واحد وتقتصر على قضية واحدة بعينها بخلاف ما سبق من تصنيفات كانت تتناول موضوعات وقضايا شتى .

ويمكن توصيف هذه الحقبة الزمنية بأنها ثمة انتقال التصوف من مرحلة إبداع الكلمة والجملة والعبارة إلى مرحلة الخبرة الصوفية الواسعة والشاملة، وربما اتساع دائرة العلوم الإسلامية آنذاك وظهور عواصم عديدة للثقافة الإسلامية وانتشار العلوم الإسلامية وشيوع المدارس الدينية وفتح أبواب الاجتهاد الفقهي مع دعوات تجديد الفكر الديني هو الذي ساعد على ظهور علم التصوف في سلطة مجازه اللغوي . ومن أبرز هذه المصنفات التي راجت في عصر التصوف الذهبي معتمدة على سلطة المجاز كتاب (اللمع في التصوف) لأبي نصر السراج الطوسي، وكتاب (قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد) لأبي طالب المكي، وكتاب (الرسالة في علم التصوف) لأبي القاسم عبد الكريم القشيري، وكتاب (ختم الأولياء) للحكيم الترمزي، وأخيرا كتاب (المواقف والمخاطبات) لعبد الجبار النفري .

اِنْفِرَادُ المَشْهَدِ:

مِنْ جَمَالِيَّاتِ المواقف والمخاطبات لمحمد بن عبد الجبار النفري انتفاء سيرة ذاتية لشخصه وحياته وقلة الاهتمام التاريخي بتكوينه الصوفي وانعدام وجود ترجمة ذاتية تسطر حكايته وحكاياه، مما جعل كتابه المواقف والمخاطبات إرثا شرعيا لقارئه، ووطنا مشاعا للراغبين في النهل والاستئناس، وهذا ما جعل كتاب النفري سفرا استثنائيا مدهشا بخلاف كافة مصنفات المتصوفة، لأنه بلا سيرة ذاتية تقتنص فيمكن للقارئ والمريد والكاره أيضا أن يستقرئ المواقف والمخاطبات في ضوء هذه الإشارات المتضمنة بسيرته وحياته، وكم من مؤرخ وناقد ومتتبع لسير أقطاب التصوف في الإسلام استعان بسيرهم من أجل تفسير مضمون العاقبة لمصنفاتهم وسطورهم التي لا تزال خالدة الذكر والتداول .

ولحظات الاقتناص تلك تضطر القارئ دوما إلى التماس فرضيات القراءة، ومعالجة النص التراثي بآليات ومناهج نقدية معاصرة غير تاريخية، وعدم الاعتماد على أطر منهجية معتادة من أجل تحقيق الوصول إلى المنطق الداخلي الذي يحكم هذه النصوص الصوفية التي تكترث كثيرا بالترميز اللغوي والإشارات صعبة المراس والتأويل النقدي المباشر لها، وهذا يجعلنا نشير إلى السؤال المكرور حول النصوص التراثية الدينية وهو هل من منهج واحد لقراءة النص التراثي الديني؟ الإجابة بالقطعية تفي وتشي بأن المنهج التاريخي النقدي هو الأقرب لتناول جملة كبيرة وعريضة من نصوص التراث، لكن في حالة المشهد الصوفي يبدو الأمر مغايرا، لجملة من الأسباب أيضا أبرزها طبيعة النص الصوفي الذي يتسم بالعمق الذي يبعده كثيرا عن التناول التاريخي القريب لشخصية الشيخ الصوفي وللعصر الذي يمثله أيضا، علاوة على أن النص الصوفي الواحد متعدد الشكل متنوع المضمون وهذا التنوع يجعله محصنا وبمنأى عن التناول النقدي المعتاد، بل يمكننا أن نرصد حالة نقدية صوب النصوص الصوفية، وهي أنه بقدر ما يحاول المؤرج أو الناقد لتحليل وتأويل النص الصوفي ساعيا في ذلك إلى خلق مساحات أوسع من الفهم والتلقي، بقدر ما يزيد هذا التناول غموضا عليه، فهو يضئ مساحات ويترك مساحات أخرى معتمة .

الملمح الآخر الذي يمكن رصده ونحن بصدد اقتناص المشهد الصوفي هو تحولات المعرفة داخل النص وتطورها، فبرغم أن النص الصوفي يبدو تراثيا بحكم موقعه الزمني، إلا أن المعاصرة والجدة والحداثة من أبرز سماته مما يجعل تداخلا بين موقفي الاتصال التراثي والمعاصر وهذا التداخل يشكل صعوبة لدى الناقد وهو يتناول نصا صوفيا بالغ الترميز . ولعل سمة التداخل هذه امتزجت فيها البلاغة التخييلية بالغاية التواصلية التداولية وهو الملمح الأكثر بروزا في المواقف والمخاطبات لاسيما المواقف التي تمثل مشهدا افتراضيا، يقول النفري: " يا عبد، اخرج من همك تخرج من حدك "، ويقول أيضا: " يا عبد، الوجد بما دوني سترة عن الوجد بي، وبحسب السترة عن الوجد عن الوجد بي تأخذ منك البدايات، كنت من أهلها أم لم تكن من أهلها " .

البَحْثُ عَنْ لَحْظَةِ اقْتِنَاصٍ:

أما إمامنا وشيخنا القطب عبد الجبار النفري يمثل صندوقا أسود لا يمكن العثور على حقيقة تاريخية بشأنه إنما بشأن سفره العظيم المواقف والمخاطبات، وكم من مستشرق أجنبي أرهق لهثا وبحثا وتنقيبا عن مَعْلَمٍ يمكن من خلاله العبور إلى وقفات النفري ومخاطباته، وجلَّ ما استطاعوا تسطيره عنه مثل ما أورده جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام) أنه من مدينة (نَفَّر) وهي مدينة بابلية قديمة بالقرب من الكوفة، اسمها الأصلي (نيبور)، وكان فيها معبد (آكور) الذي عُبِدَ به الرب إنليل المعروف بسيد الهواء، واستحالت المدينة بعد ذلك مركزاً للديانة المانوية، ثم المسيحية في القرن السابع الميلادي. وكل ما وصل إلينا من حكايته شيئان فحسب، ما رواه الصوفي الكبير عفيف الدين التلمساني في شرحه للمواقف والمخطابات بأنه كان كثير السفر كثير الترحال في البراري، لا يسكن إلى إنسان، ولا يستوطن بمكان،مستوحشا المكان وربما الزمان أيضا، وهو شخصية تعتاد التخفي عن قصد، والابتعاد عن الأنظار متعمدا ذلك، ويروي عفيف الدين التلمساني أنه توفي بمصر المحروسة . أما الشئ الثاني الذي وصل إلينا واضحا جليا هو كتابه المواقف والمخطبات وهو رؤية للكون والأشياء من زوايا استثنائية تفوق كل المعارف الصوفية وكل البيان البلاغي البشري، والنفري هو صاحب المقولة الأشهر في تاريخ التصوف والتي رددها بعده مئات مئات المتصوفة وهي مقولة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

واجتهد المؤرخون العرب والمستشرقون على السواء في تحديد جملة من الأسباب التي أدت إلى غموض شخصية النفري، وغموض توقيت تصنيفه لكتاب المواقف والمخاطبات والذي اكتشفه المستشرق آرثر جون آربري في عام 1934 ميلادية، ومن هذه الأسباب أن عبد الجبار النفري عاصر محنة الحسين بن منصور الحلاج، تلك المحنة التي انتهت بقتله حتى صارت شخصيته بعد ذلك مصدرا أصيلا للإبداع الشعري والمسرحي واستحال هو نفسه أيقونة لحرية التعبير والإبداع، ويشير كثير من نقاد الأدب إلى أن نصوص الحلاج الصوفية هي المصدر الأصيل لما يعرف بقصيدة النثر المعاصرة، ولعل محنة الحلاج أجبرت كثيرين على الجنوح بعيدا عن المشهد الاجتماعي وحراكه خوفه من سوء الفهم وغضب الحكام ورجال الشريعة والخوف من تكفير الفقهاء . لاسيما وأن بعضا من مواقف النفري تجعله ينال نفس مصير الحلاج إذ يقول في مواقفه: " وقال لي في خلافية التعرف، فوقفت فرأيته جهلا، ثم عرفت فرأيت الجهل في معرفته ولم أر المعرفة في الجهل به "، ويقول أيضا: " من علامات اليقين الثبات، ومن علامات الثبات الأمن في الروع " .

والسبب الثاني الذي دفع النفري إلى الاحتجاب وانعدام الظهور المجتمعي هو ما ذكره بعض المؤرخين عنه بأنه شيعي المذهب؛ وهو ما يبدو من خلال نصِّه الأخير في المواقف والمخاطبات الذي يشير فيه إلى الإمام المنتظر الذي يظهر وأصحابَه في آخر الزمان، بحسب الرواية الشيعية، والاعتقاد الشيعي بخصوص الإمام المنتظر متطابق مع مفردات النص النفَّري. لكنني حينما عدت إلى الموقف الأخير من مواقفه وجدته يتحدث عن (الكنف) وفيه تناول موضوعات سريعة كالقوة والوسائط، العلم والعمل، ولا توجد أية إشارة للتشيع حسبما وصف بذلك، أما في المخاطبة الأخيرة وهي بعنوان (مخاطبة وبشارة وإيذان الوقت) وفيها يقول : " أوقفني وقال لي قل لليل ألا أصبح لن تعود من بعد لأنني أطلع الشمس من لدن غابت عن الأرض وأحبسها أن تسير وتحرق ماكان يستظل بك وينبت نباتا ماء فيه وأبدو من كل ناحية فأرعى البهائم نبتك ويطول نبتي ويحس وتتفتح عيونه ويروني واحتج فيكتبون حجتي بإيمانهم ويفرق الجبل الشاهق من قعره بعد أن كانت المياه في أعلاه وهو لايشرب وأخفض قعر الماء وامد الهاجرة ولا أعقبها بالزوال هنالك يجتمعون وأكفئ الأواني كلها وتري الطائر يسرح في وكره وترى المستريح يشتري السهر بالنوم ويفتدي الحرب بالدعة " . والحقيقة أن التشيع بغير ملمح واضح في كتاب المواقف والمخاطبات سوى أنها غارقة في العرفانية والذهنية المحضة . 

المَوَاقِفُ والمُخَاطَبَاتُ:

كما ذكرنا من قبل أن مصنف عبد الجبار النفري (المواقف والمخطابات) يستمد قوته ومكانته المعرفية والصوفية كون صاحبة بغير سيرة ذاتية كافية وشافية للمريد والمهموم بتاريخ التصوف في الإسلام، مما يجعل الكتاب نفسه هو الملمح الأهم والأبرز في حياة صاحبه، و هو ـ أي الكتاب ـ يعتبر بمثابة دليل ثقافي للتصوف ونموذج معرفي شديد الخصوصية الذهنية إذ يتطلب قدرا عاليا من التأويل ومن قبله رصد المشاهد المعرفية المتضمنة في المواقف، وربما أشار كثير من مؤرخي حركة التصوف إلى أن المواقف والمخاطبات مشروع جديد في التصوف الإسلامي قائم على المنحى الذهني المعرفي، وحاول كثيرون أن يربوا بين كتاب عبد الجبار النفري وبين كتاب الاعترافات لأوجستين واضع أول سيرة ذاتية في التاريخ .

وتبلغ ذروة بلاغة كتاب النفري في اختزال المشاهد والمواقف الإنسانية في أقوال وحكم، وهي بالقطعية تشاكل الضوء المضغوط المكثف الذي يستدعي نوعا خاصا من المراقبة دون غمض العين عنه . ومن أجمل التوصيف لمشاهدات النفري ومخاطباته الذهنية ما ذكره سكاتولين بأنه " كان صوفيا عميقا، بل عبقريا، مما يجعلنا نعتبره من أعمق المفكرين في الإسلام "، ولاشك أن القارئ للمواقف والمخاطبات يقف على ثمة حقائق بعينها يمكن رصدها الآن في ملامح، مثل المصالحة الرائعة مع ذاكرتي القلب والعقل معًا، ومحاولته البديعة في كسر الصمت الصوفي الطويل الذي لازم كثيرا من الصوفية، وربما استطاع النفري أن يرهقنا ذهنيا بمواقفه من خلال طرحنا نحن لأنفسنا عدة أمثلة لا تزال راهنة إلى يومنا الآني من مثل: هل امتلك النفري المعرفة وكنهها ؟، وهل كتاب المواقف واقع يقر بألا نخاف من انفتاح القلب صوب العقل ؟، وهل ما طرحه النفري في كتابه مجرد تساؤلات استنفارية للعقل البشري أم هو تقرير لحالة البوح الصوفي؟ .

وفي كتاب المواقف والمخاطبات نجد النفري قسم مصنفه إلى موضوعات هي أشبه بالمحاورة وإن كانت أقرب إلى وضع تصور معرفي لبعض القضايا الإنسانية وقضايا أخرى تتعلق بغيب لا يقتنص، ومواضعات المواقف نفسها تشير بقوة إلى حضور الجانب المعرفي والمنحى العرفاني مثل مواقف " أنت معنى الكون "، " معرفة المعارف"، " الدلالة "، "البصيرة"، " وراء المواقف"، ونسرد موقف (أنت معنى الكون) الذي يقول فيه:

" أوقفني وقال لي أنت ثابت ومثبت فلا تنظر إلى ثبتك فمن نظرك إليك أتيت وقال لي أنظر إلى مثبتي ومثبتك تسلم لأنك تراني وتراك وإذا كنت في شيء غلبت.

وقال لي متى رأيت نفسك ثبتاً أو ثابتاً ولم ترني في الرؤية مثبتاً حجبت وجهي وأسفر لك وجهك فانظر إلى ماذا بدا لك وماذا توارى عنك.

وقال لي لا تنظر إلى الإبداء ولا إلى البادي فتضحك وتبكي وإذا ضحكت وبكيت فأنت منك لا مني.

وقال لي إن لم تجعل كل ما أبديت وأبديه وراء ظهرك لم تفلح فإن لم تفلح لم تجتمع علي.

وقال لي كن بيني وبين ما بدا ويبدو ولا تجعل بيني وبينك بدواً ولا إبداء.

وقال لي الأخبار التي أنت في عموم.

وقال لي أنت معنى الكون كله " .

إشْرَاقَاتُ النَّفَّرِيِّ:

إن اهتمام النفري في المواقف والمخاطبات بالماورائية تعد إراقات تمهيدية للمريد بحثا عن طبيعة التصوف الإسلامي وصولا إلى غايته، لذلك لم يلجأ النفري في كتابه إلى انزياحات معرفية سابقة أو مبررات لتعبيراته بخلاف ما قام به محي الدين بن عربي في بعض مصنفاته التي قام بعمل شروح قصيرة لها خوفا من قصر الفهم وسوئه . لكن الكتاب في مجمله والذي يمتاز بلغة رمزية شديدة الترميز والتلميح بغير تصريح أو استطراد في الشرح يحتاج إلى قارئ مثالي يجيد آليات التأويل ويعتبر نفسه أمام نص أجنبي وليس عربيا فيستحيل بذلك مترجما فنيا وليس حرفيا له، مع محاولة اجتيار اللغة النصية المباشرة اجتيازا إلى لغة أخرى غير بائنة بسبب ثراء اللغة الرمزية المتوافرة بكتاب المواقف للنفري .

ولم تكن الكتابة عند النفري مسألة اختيار، هذا ما يدفعنا إلى تبني حقيقة مفادها أن اعتماد عبد الجبار النفري على التكثيف اللغوي والرمزية الاستثنائية والتراكيب اللغوية البيانية الأقرب للومضات الكاشفة لأسرار النفس هو توجه عن غير قصد للكتابة تأكيدا لمقولته البارزة " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة " .

وتنتمي مواقف النفري إلى فكرة الحجاب الموجودة لدى الصوفيين وهي في اصطلاح الصوفية كما أشار الجرجاني في كتابه (التعريفات) بأنها تعني كل ما يستر المطلوب، وهو عندهم انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبول تجلي الحق . أما الغزالي في كتابه (روضة الطالبين وعمدة السالكين) فيرى أن كل ما سوى الحق تعالى إنما هو حجاب عنه، ويقول نصاً: " ولولا ظلمة الكون لظهر نور الغيب، ولولا فتنة النفس لارتفعت الحجب، ولولا العوائق لانكشفت الحقائق، ولولا العلل ابرزت القدرة، ولولا الطمع لرسخت المحبة، ولولا حظ باق لأحرق الأرواح الاشتياق " . ومن هذه الزاوية، زاوية الحجاب والاحتجاب يمكن فهم مواقف النفري ومخاطباته كلها، وهو في استخدامه لفكرة الحجاب لا يخرج عن مسالك محددة تشير إلى معانٍ متعددة للحجاب مثل الشيخ المريد، والسالك الصادق، وبمعنى الحجب، وبمعنى الستر، يقول النفري في مواقفه:

وقال لي: لا يكون المنتهى حتى تراني من وراء كل شيء .

وقال لي: نَمْ لتراني، فإنك تراني؛ واستيقظ لتراك، فإنك لا تراني .

وقال لي: كل واقف عارف، وليس كل عارف واقف .

وقال لي: فإن العارف كالمَلِك يبني قصوره من المعرفة فلا يريد أن يتخلَّى عنها.

وقال لي: المعرفة نارٌ تأكل المحبة .

وقال لي: من علوم الرؤيا أن تشهد صمت الكل، ومن علوم الحجاب أن تشهد نطق الكل .

أما ما يتعلق بمشاهد الغيب يقول النفري في مواقفه عن النعيم والجحيم:

" قال لي ما الجنة، قلت وصف من أوصاف التنعيم، قال ما التنعيم، قلت وصف من أوصاف اللطف، قال ما اللطف، قلت وصف من أوصاف الرحمة، قال ما الرحمة، قلت وصف من أوصاف الكرم.

 قال ما الكرم، قلت وصف من أوصاف العطف، قال ما العطف، قلت وصف من أوصاف الود، قال ما الود، قال وصف من أوصاف الحب، قال ما الحب، قلت وصف من أوصاف الرضا.

 قال ما الرضا، قلت وصف من أوصاف الاصطفاء، قال ما الاصطفاء، قلت وصف من أوصاف النظر، قال ما النظر، قلت وصف من أوصاف الذات، قال ما الذات، قلت أنت الله، قال قلت الحق، قلت أنت قولتني، قال لترى نعمتي.

مَشَاهِدٌ مِنْ مُخَاطَبَاتِ النَّفَّرِيِّ:

تمثل المخاطبات التي أوردها عبد الجبار النفري في كتابه ذروة بيانه الصوفي وإن تعمد الرمزية وترميز نصه بإشارات لا يمكن فهم كننها إلا بدراسة عميقة لواقع التداول اللغوي آنذاك، كذلك بدراسة المشهد الاجتماعي المشتمل على الفكر الديني والفقهي والملامح السياسية وحراك المجتمع الذي بالظنية قد يلقي بظلال على تلك الطروحات الصوفية التي سرها النفري في مخاطباته الروحية . ومن مخاطبات النفري:

" يا عبد اجعلنى صاحب سرك أكن صاحب علانيتك "

" ياعبد اجعلنى صاحب وحدتك أكن صاحب جمعك "

" يا عبد اجعلنى صاحب خلوتك أكن صاحب ملائك "

" يا عبد لا تيأس منى فتبرئ منك ذمتى"

" يا عبد كيف تيأس منى وفى قلبك متحدثى "

" يا عبد أنا كهف التائبين وإلى ملجأ الخاطئين "

" يا عبد أنا السند الذى لا يسلم و أنا السيد الذى لا يظلم "

" يا عبد اصبر لى يوما أكفك غلبة الأيام"

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

منتهى البدرانلقد حظيت ظاهرة  التضمين في اللغة وفي القرآن باهتمام القدماء من اللغويين، والمفسرين، وعلماء علوم القرآن، وكذلك نالت اهتمام المحدثين، وقد ذهب الباحثون فيها إلى مذهبين منهم من أيّد الظاهرة وأثبتها، وآخر رفضها، وكلٌ قدّم أدلته لإثبات رأيه وهي مدونة في أمّات الكتب لمن أراد التزود بالمزيد . وللتعرف على معنى التضمين فهو في اللغة يدل على معنيين:

الأول: الكفالة، ضمّن الشيء ضمنا، وضمانا فهو ضامن، وضمين: كَفَلَه(1).

الثاني: الإيداع، فقد ضمّن الشيء أودعه إياه، كما تودع الوعاء المتاع، وكل شيء جعلته في وعاء، وضمنته إياه(2).

أما في الاصطلاح فهنا تختلف الآراء بين القدماء والمحدثين حيث رأى ابن جني (ت392هـ) أنّ التضمين ظاهرة واسعة وكثيرة جدا في اللغة، ويمكن تأليف كتاب لو جمع أكثرها . ويوصي القارئ بالأنس بها إذا مرّت به، معلّلا أنّها من الفصول اللطيفة في العربية(3). في حين أنّ ابن هشام (ت761هـ) يراها قليلة ؛ لأنّه عرّفها: " قد يُشربون لفظا معنى لفظ فيعطونه حكما"(4). ولا يخفى أنّ (قد) تفيد التقليل إذا دخلت على المضارع، بيد أنّ ابن جني وسّع دائرة الإستشهاد، حيث استشهد بالقرآن، والشعر، أمّا ابن هشام فقد اقتصر استشهاده على القرآن الكريم.

أمّا عند المفسرين والمشتغلين في علوم القرآن، فنجد الطبري (ت310هـ) قد وجّه عددا من الآيات الشريفة في تفسيره (جامع البيان) استنادا إلى أسلوب التضمين. وقال الزمخشري (ت538هـ) بالتضمين في بعض من مواضع تفسيره الكشاف، لكنّه أعرض عنه في مواضع أخرى حين أنعم النظر في دقة المعنى. وأثنى على التضمين ابن عطية الأندلسي (ت546هـ) في تفسيره (المحرر الوجيز) . وعرّفه الزركشي (ت794هـ) بأنّه: " إعطاء الشيء معنى الشيء، وتارة يكون في الأسماء، وفي الأفعال، وفي الحروف"(5)، وهو بذلك عرّفه بمعناه الشامل لكل الأنواع . ويرى السيوطي (ت911هـ) أنّ التضمين يطلق على أشياء عدة أحدها " إيقاع لفظ موقع غيره ؛ لتضمنه معناه"(6). أما الآلوسي (ت1270هـ) في روح المعاني، والطاهر بن عاشور (ت1394هـ) في التحرير والتنوير فقد اعتمدا على التضمين في كثير من المواضع.

أما المحدثون فقد كانوا بين مؤيد، ومعارض للتضمين . فقد أقرّ مجمع اللغة العربية في القاهرة ظاهرة التضمين عام (1934م) متمثلا في أعضائه الذين كانوا بين مؤيد، ومعارض لها، حيث عقد المجمع جلسة خصصت لهذه الظاهرة فقد تلا رئيس الجلسة الأستاذ محمد الخضر حسين بحثه في التضمين، إذ رأى أنّ للتضمين غرضا وقرينة وشرطا، فالغرض هو الإيجاز، والقرينة هي تعدية الفعل بالحرف وهو فعل يتعدى بنفسه، أو تعديته بنفسه وهو يتعدى بالحرف، أما الشرط  فهو وجود مناسبة بين الفعلين(7)، ورأى أنّ للتضمين " صلة بقواعد الإعراب من جهة تعدي الفعل بنفسه أو تعدّيه بالحرف، وصلة بعلم البيان من جهة التصريف في معنى الفعل، وعدم الوقوف به عند حدّ ما وضع له، ومن هذه الناحية لم يكن كبقية قواعد علم النحو وقد يستوي في العمل بها خاصة الناس وعامتهم"(8). فهو هنا قد بيّنَ صلة التضمين بعلمي النحو والبلاغة.

وفي نهاية جلسة المجمع  صدرت التوصيات الآتية:

يعرّف التضمين بأنْ يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدّى فعل آخر أو ما في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم.

يكون قياسيا لا سماعيا بشروط ثلاثة:

الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين.

الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس.

الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي.

ألّا يُلجَأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي(9).

ويرى عباس حسن أنّ التضمين ركن من أركان البيان، وأنّه " مبحث ذو شأن في اللغة العربية . وللعلماء في تخريجه طريقة مختلفة فقال بعضهم: إنّه جمع بين الحقيقة والمجاز على طريقة الأصوليين، لأنّ العلاقة عندهم لا يشترط فيها أنْ تمنع من إرادة المعنى الأصلي"(10)، ويرجِّح قياسيته، ويرى أنّ من الأفضل أنْ يبقى بابه مفتوحا للعارفين بدقائق العربية وأسرارها، وأنْ توضع له قيودا تضبط استعماله(11).

أما الدكتور فاضل السامرائي فإنّه يرى أنّ للتضمين غرضا بلاغيا لطيفا، وهو الجمع بين معنيين بأخصر أسلوب، كما أنّه يقرُّ بقياسيته(12). ويراه محمود أحمد الصغير أنّه " مخرج لغوي لطيف، يقوم أساسا على مخالفة أصول التعدية المعهودة في الأفعال، ويسعى إلى إجراء المصالحة بين الفعل ومفعوله أو الحرف الذي يصله بالمفعول . وذلك من طريق تنازل الفعل عن معناه المتبادر، كيما تعود الأمور إلى نصابها"(13).

وقال الدكتور هادي أحمد الشجيري: " وردت في اللغة أساليب في التعبير عن معنى بألفاظ متقاربة، يحسبها الغافل عنها أنّها أدت المعنى ذاته، وأنّ بعض الإختلاف في التركيب قد لا يغيّر في المعنى شيئا"(14). وكان الدكتور محمد الأمين الخضري من الرافضين للتضمين، معللا ذلك  بقوله: " إنّ التضمين يصرف الاهتمام عن تدبر أسرار الحروف، وهو عاجز عن الوفاء بأغراض النظم ودواعيه، وليس فيه أكثر من محاولة تصحيح التعدي بحرف ليس من شأن الفعل أو الإسم التعدي به"(15).

وأشار الدكتور تمام حسان إلى أنّ التضمين غالبا " ما يكون وسيلة يستعملها النحوي لحلّ إشكال الأصل . كأنْ يكون في الجملة فعل لازم انتصب بعده المفعول فيضمّن معنى التعدية أو متعد لم يصل إلى المفعول إلا بواسطة فيضمن معنى اللازم أو حرف استعمل في مكان حرف آخر فيقول النحوي بتضمينه معناه وهكذا . ثم يرى النحوي في كل ذلك ردا إلى أصلٍ عدل عنه ويقدر هذا الأصل"(16).  في ضوء كلام الدكتور تمام حسان يبدو أنّ علماء اللغة، والمفسرين الذين قالوا بالتضمين قد تأثروا تأثرا واضحا في البحث عن ظاهرة التضمين ووضع القواعد لها، وربما يكون الغرض من ذلك هو محاولة إخضاع التراكيب اللغوية التي تتعارض مع قواعد النحويين بردّها إلى قاعدة عامة. ولا يفوتني أن أذكر أن للتضمين صورا متعددة فالقائلين به يرونه يقع في الفعل، والإسم، والحرف.

إنّ بلاغة القرآن قائمة على أساس دقة استعمال المفردات في معانيها، فــــ " لكل نوع من المعنى نوع من اللفظ وهو به أخصُّ وأولى"(17)، وإنّ كل لفظ وضع في مكانه المناسب ولا يستطيع لفظ آخر أنْ يحلّ محله أو يؤدي معناه، حتى وإنْ كانت مادة اللفظ واحدة(18). وإنّ فتح باب التضمين على مصراعيه سيهدم هذه البلاغة، ويبعد الأسلوب القرآني عن معيار الدقة التي اتّسمَ به.

بعد هذا العرض الموجز لآراء القدماء والمحدثين وحين بحثت في أثر المعاني الحرفية في التراكيب التي قيل بتضمين الحروف والأفعال فيها بوصفها ظاهرة لها صداها عند اللغويين، والمفسرين، لم يثبت لي وجود هذه الظاهرة في النص القرآني بفرعيها تضمين الحروف وتضمين الأفعال.

وكما يقال (في المثال يتضح المقال)  ولضيق المقام وتوخيا للاختصار سأكتفي ببضع أمثلة من الشواهد القرآنية لبيان ذلك.

قال تعالى: ) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (19). فقد ذهب الزمخشري (ت538هـ)، وأبو حيان (ت745هـ) إلى أنّ (أفيضوا) بمعنى (ألقوا)، فيكون (أفيضوا علينا) بمعنى (ألقوا علينا)(20). وذهب جمع من المفسرين إلى أنّ الفعل (أفيضوا) بمعنى (صبّوا) فيكون المعنى (صبّوا علينا)(21).

ولو أنعمنا النظر، وأطلنا الوقوف عند دقة استعمال المفردة القرآنية لالتمعت لنا دلالات كامنة في استعمال الفعل (أفاض) التماع النجوم في الدُّجى، ولو تأملنا حكمة مجيء الفعل (أفاض) مع (علينا)، و(من الماء) لانكشفت لنا أسرار من شأنها نفي القول بالتضمين. فمن الدلالات التي كمنت وراء الشكل التركيبي (أفيضوا علينا من الماء) ما يأتي:

دلالة الكثرة: وقد بثّها مجيء فعل الإفاضة مع المركب الحرفي (من الماء) وسيتضح ذلك على النحو الآتي:

إنّ أصل مادة الفعل (فاض) هو جريان الماء بسهولة ويقال: أفاض إناءه إذا ملأه حتى فاض(22).  و " الفيض الماء الكثير، يقال إنّه أعطاه غيظا من فيض أي قليلا من كثير "(23) و " فاض الماء أي كثر حتى سال على ضفة الوادي"(24). والفيض خلاف الغيض؛ لأنّ الأول يدل على كثرة الشيء، والثاني يدل على نقصان الشيء(25). فالفعل (أفيضوا) يفيد كثرة الماء ووفرته لدى أهل الجنة ؛ لأنّ الأصل في مادته هو " سيلان في امتلاء، أي من كثرة وامتلاء"(26). فضلا عن أنّ صيغة الفعل (أفاض) المتعدي بالهمزة وهي (أفعل) تعطي دلالة التكثير(27). ومجيء الفعل مع (من الماء) دلّ على الكثرة كذلك، فهو دلّ على شعور أهل النار بكثرة الماء ووفرته لدى أهل الجنة ؛ لذا طلبوا بعضا من هذا الكثير.

دلالة الإستعلاء: وقد بثّها حرف الإستعلاء (على) وهو استعلاء حقيقي حيثُ كشف لنا عن هيئة من هيئات الموجودات الغيبية من العالم الآخر، وهي موقع الجنة من النار، فهذا التركيب كشف لنا أنّ موقع الجنة أعلى من موقع النار.

دلالة التبعيض: وقد بثّها الحرف (من) ؛ فأصحاب النار لم يطلبوا بقول (أفيضوا علينا الماء) ؛ لأنّهم لم يتجرأوا على طلب ماء كثير، وإنّما طلبوا نزرا يسيرا ليطفئوا به حرَّ جهنّم، وسعيرها.

دلالة الإستعطاف، والتحقير: إنّ طلب أصحاب النار إفاضة بعض من الماء عليهم يدلّ على ما هم فيه من ذل، وهوان جعلهم يستعطفون من هم فوقهم . أما دلالة التحقير فتُسْتَشَفُّ من طلبهم بعض الماء وعدم جرأتهم بطلب الكثير منه ؛ لإدراكهم عدم استحقاقهم الرحمة لما اقترفوه من الإثم والظلم في الحياة الدنيا ؛ لذا طلبوا القليل وهو في تصورهم كثير عليهم . وربما توجد دلالات أخرى غابت عن الباحثة ولم يغنم بها يراعها.

بعد التعرف على فائدة مجيء الفعل (أفاض) مع المركبين الحرفيين (علينا)، و(من) يجدر الوقوف عند الأفعال التي قالوا بأنّها حلّت محلّ الفعل الموجود في التركيب:

ألقى: عند الرجوع إلى المادة المعجمية لهذا الفعل نجد أنّ أصلها هو الدلالة على طرح الشيء(28)، ومن المسلَّم به أنّ طرح الشيء يكون للأجسام وليس للسوائل، فنقول: طرحتُ زيدا أرضا، وألقيتُ الثوبَ على الأرض.

صبّ: صببتُ الماء أي سكبته(29)، وأصل المادة هو إراقة الشيء(30). والإنصباب: إنحدار

من فوق بلا قيد، ماديا كان أو معنويا، فالصبّ هو مطلق الإنحدار(31). وهذا يتعارض مع المعنى المراد ؛ لأنّه لو أراد مطلق انحدار الماء من فوق لقال (أفيضوا علينا الماء) ولم يأتِ بـ (من) التي قيّدت كمية الماء المراد إنزاله. وبهذا تكون حروف الجر أدت دور توجيه الدلالة، وتقييد الفعل، فضلا عن أنّ معانيها الحرفية نفت مقولة تضمين الفعل.

قوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (32). هذه آية أخرى من آيات الأحكام - كما صنّفها الفقهاء(33) -  تُساقُ في هذا البحث لاكتشاف دلالات توالي حروف الجر، وأثره في إثراء النص دلاليا.

عند الوقوف على المعاني المعجمية للفعل (ضرب)، والمعاني الوظيفية لحروف الجر التي جاءت معه يمكن استنتاج الآتي:

يقع الضرب على جميع الأعمال(34) . ومادة (ضرب) " أصل واحد ثم يستعار ويحمل عليه من ذلك ضربت ضربا إذا وقعت بغيرك ضربا"(35). و" الضرب إيقاع شيء على شيء "(36)، ويرى الشريف الرضي أنْ (ليضربن) استعارة، المراد بها إسبال المقانع على الصدور، وأنّ أصل الضرب من قولهم: ضربت الفسطاط إذا أقمته بإقامة أعماده، فاستعير لفظ الضرب هنا للكناية عن التناهي في إسبال الخمر(37).، وقيّده بعضهم بأنّه إيقاع بشدة(38) ؛ لذا عدّي بالحرف (على) دلالة على الإستعلاء الحقيقي. إذ يطلق " الضرب ويراد به نوع من التثبيت من قبيل قولنا: ضربت الخيمة"(39)، ويبدو أنّه " أطلِق الضرب وهو الملزوم وأريد به التثبيت وهو الأمر اللازم"(40)  بمعنى أنّه حين أراد أنْ يلزم النساء غطاء الصدور غطاء محكما عدل عن ذكر الإلزام إلى ذكر الضرب، فلم يقل (وليلزمن).

تتضح مما تقدم دلالات عدة للفعل (ليضربن) هي:

دلالة الإلزام والوجوب، فالفعل (يضرب) من أفعال الإلزام كما يبيّنه سياقه في الآية، وتعلق حرفي (الباء) و(على) به جاء مناسبا للمقام ؛ لأنّ المعاني الوظيفية لهذين الحرفين تتلاءم مع المعنى المساق وهو (الإلزام والوجوب)، فالوجوب يركّز على الفعل والشخص الذي يُلزم به، أي إنّه يركّز هنا على فعل الضرب، وعلى النساء اللواتي ألزمن به.

دلالة الإحكام: إنّ ضرب الخُمُر يراد به إحكام وضع الخمار على الصدر والنحر، فضلا عن أنّ الخمار غطاء للرأس؛ مما يوحي بضرورة ستر المرأة مواضع الفتنة في جسدها لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فيتعرض لكرامتها التي حفظها لها الدين الإسلامي بفضل هذه الأحكام التي نزلت لحمايتها.

بعد التعرف على الدلالات التي بثّها فعل الضرب، هل يصح تضمينه معنى فعل آخر كالفعل (ألقى) ؟  فلو فرضنا أنّه متضمن معنى (ألقى) فإن البحث في أصل مادة هذا الفعل لن يعطي غير دلالة طرح الشيء دون التأكيد على ضرورة إحكامه.

2) إنّ مساوقة الفعل مع (الباء) أعطى دلالة الإلصاق ؛ لأنّ (الباء) هنا أدت معناها الحقيقي(41)، وكذلك قامت ببيان وسيلة الإستتار أي أدّت معنى الإستعانة الحقيقية كقولنا (كتبت بالقلم).

3) أدّى الحرف (على) دلالة الإستعلاء الحقيقي وهو وضع الخمار على الصدر.

4) إنّ الدور الذي قام به حرف الجر في التركيب هو نقل دلالة فعل الضرب من دلالته المعروفة في ضرب الشيء إلى دلالات أخر أبرزها الشد والإحكام . وبذلك يكون المراد بالتركيب (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) دلالة وجوب الإستتار، وإحكامه، وبيان وسيلته وهي (الخُمُر).

إنّ التركيب (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) يوحي بوجوب ستر الصدر، وفي الآية جانب تربوي وإرشادي للمرأة المسلمة وتوجيهها " إلى كيفية إخفاء مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها وقد كانت النساء على عادة الجاهلية يسدلن خُمُرهن من خلفهن فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن لوسعها فأمرن بإرسال خمرهن إلى جيوبهن سترا لما يبدو منها"(42). وقد ضمّن أغلب المفسرين الفعل (ليضربن) معنى الفعل (ليلقين) لكي يتلاءم مع تعديته بالحرف (على)، فهم يرون أنّ الضرب هنا بمعنى الإلقاء(43).

وقد ذهب الرازي (ت606هــ) والسيد الحائري (ت1353هــ) إلى وجود المبالغة في فعل الضرب أيضا(44)، ويرى الرازي أنّه إلزام للنساء أنْ يضربن مقانعهن على الجيوب بإحكام لستر العنق والنحر(45).

بعد إنتهاء هذا المبحث في التراكيب التي قيل بتضمين الحروف والأفعال فيها بوصفها ظاهرة لها صداها عند اللغويين، والمفسرين، لم يثبت لي وجود هذه الظاهرة في النص القرآني بفرعيها تضمين الحروف وتضمين الأفعال.

 

منتهى البدران

العراق /البصرة

.......................

(1)  ينظر: الصحاح: 6/ 2155، ومقاييس اللغة: 3/ 372، وأساس البلاغة، 568، ولسان العرب: 13/ 257، ومجمع البحرين 6/ 275، مادة (ضمن) .

(2)  ينظر: الصحاح: 6/2155، ومقاييس اللغة: 3/ 372، ولسان العرب: 275، وتاج العروس: 18/ 348، مادة (ضمن) .

(3)  ينظر: الخصائص: 2/312.

(4)  مغني اللبيب: 2/ 493.

(5)  البرهان في علوم القرآن: 3/ 434.

(6)  معترك الأقران في إعجاز القرآن، أبو الفضل جلال الدين السيوطي، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1988م: 1/302.

(7)  ينظر: النحو الوافي: 2/542.

(8)  المصدر نفسه: 2/ 543.

(9)  ينظر: المصدر نفسه: 2/552.

(10)  النحو الوافي: 2/548.

(11)  ينظر: المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

(12)  ينظر:  معاني النحو: 3/ 12 – 13.

(13)  الأدوات النحوية في كتب التفسير، 714.

(14)  التضمين النحوي وأثره في المعنى، د. هادي أحمد فرحان الشجيري، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد الثلاثون، دبي، 2005، 298.

(15)  من أسرار حروف الجر في الذكر الحكيم، د. محمد الأمين الخضري، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1989م، 52.

(16) الأصول دراسة إبستميولوجية للفكر اللغوي عند العرب النحو- فقه اللغة- البلاغة، د. تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، 2000م، 145.

(17) أسرار البلاغة في علم البيان، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: محمد الإسكندراني، ود.م مسعود، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1998م، 2.

(18) ينظر: التركيب اللغوي في الحوار القرآني، د. عبد المحسن لفتة فارس الفيّاض، دار الجواهري، بغداد، 2015م، د.ط، 93.

(19)  سورة الأَعراف: 50.

(20)  ينظر: الكشاف: 2/84، والبحر المحيط: 4/ 307.

(21)  ينظر: إرشاد العقل السليم: 3/231، وزبدة التفاسير: 2/ 528، وكنز الدقائق: 5/ 98، ومقتنيات الدرر: 4/335.

(22)  ينظر: مقاييس اللغة: 4/465، مادة (فيض) .

(23)  المفردات،404.

(24)  لسان العرب: 7/210، مادة (فيض) .

(25)  ينظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم: 7/ 297.

(26)  المصدر نفسه: 9/ 169.

(27)  ينظر: الصرف الوافي، هادي نهر، دار دروب، عمان، 2011م، د.ط، 298.

(28)  ينظر: مقاييس اللغة: 5/60، مادة (لقى).

(29)  ينظر: الصحاح: 160، مادة (صبّ)

(30)  ينظر: مقاييس اللغة: 3/280، مادة (صبّ).

(31)  ينظر: التحقيق في كلمات القرآن الكريم: 6/ 177، و 178.

(32)  سورة النور: 31.

(33)  ينظر: فقه القرآن، قطب الدين الراوندي، مطبعة الولاية، ط2، قم، 1405هـ:1/8، وينظر: دروس تمهيدية في آيات الأحكام، باقر الإيرواني، دار الفقه، ط2، إيران، 1425هـ: 1/93.

(34)  ينظر: العين:7/30، ولسان العرب:1/544.

(35)  مقاييس اللغة: 3/298.

(36)  المفردات، 305.

(37)  ينظر:  تلخيص البيان في مجازات القرآن،  الشريف الرضي، حققه وقدم له وصنع فهارسه: محمد عبد الغني حسن، دار إحياء الكتب العربية  - عيسى البابي الحلبي وشركاه – القاهرة، ط1، 1955م، د.م، 245.

(38)  ينظر: تاج العروس:2/169.

(39)  الميزان: 11/315.

(40) المصدر نفسه: الصفحة نفسها.

(41) ) ينظر: مفاتيح الغيب: 23/206، ومقتنيات الدرر: 7/337.

(42)  إرشاد العقل السليم: 6/170.

(43)  ينظر: جامع البيان: 18/159، وزاد المسير: 5/356، وإرشاد العقل السليم: 6/170، وزبدة التفاسير: 4/497، و التفسير الكاشف: 5/356.

(44)  ينظر: مفاتيح الغيب: 23/ 206، ومقتنيات الدرر: 7/337.

(45)  ينظر: مفاتيح الغيب: 23/ 206.

 

 

بليغ حمدي اسماعيل(1) سُنَّةُ الابتلاء وحكمته: إن لله حكمة في الابتلاء، وهي أن يقع الابتلاء على خاصته المؤمنين، يقول الله تعالى:) الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) (سورة العنكبوت: 1 ـ 3) . وإذا طالعنا السيرة النبوية في سياقها التاريخي استطعنا أن نستنبط الحكمة من ابتلاء الله لعباده المؤمنين بدءاً برسول الله (ص) وانتهاء بأصغر الصحابة سناً .

فالحكمة الأولى من الابتلاء هي تزكية الفرد، فهناك اختلاف واضح وحاسم في جيل تربى على تقديم نفسه فداءً للإسلام، وجيل كجيلنا هذا، في ظل نداءات العولمة وطغيان المادية، وشيوع تيارات التغريب، والموجات الصليبية الشرسة الموجهة لشباب المسلمين عامة.

فهذا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) سيد قومه وعشيرته، لقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه تراباً، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة،وابن هشام يذكر أنه العاص بن وائل، فقال أبو بكر: " ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك . قال: وهو يقول: أي ربِّ، ما أحلمك !، قالها ثلاثاً " .

والحكمة الثانية من سنة الله في ابتلاء خاصته الدعاية والإعلان للدعوة، فإن صبر المؤمنين والصحابة (رضوان الله عليهم) على الابتلاء بعد دعوة صامتة لهذا الدين، لأن يدخل الناس فيه، ولو وهن هؤلاء أو ضعفوا لما استجاب أحد لهذا الدين .

وهذا يذكرنا بالضرورة قصة إسلام أبي ذر الغفاري، التي قصها ابن عباس، فقال: " حتى دخل على النبي (ص)، فسمع من قومه وأسلم مكانه، فقال له رسول الله (ص): " ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري " . فقال: " والذي بعثك بالحق، لأصرخن بها بين ظهرانيهم "، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله " . ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه، فقال: " ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟، وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ "، فأنقذه منهم . ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا عليه، وأكب العباس عليه كالسابقة .

ومن حكمة الابتلاء تربية الجماعة المسلمة، حيث إن الابتلاء هو الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة المسلمة الصالحة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها، طريق التربية لهذه الجماعة وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال، وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة، ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عوداً، فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن بالصبر عليها، فهم عليها مؤتمنون .

ومن خلال الابتلاء يعلم الله حقيقة القلوب قبله، ولكن الابتلاء يكشف في عالم الواقع ما هو مكشوف لعلم الله، مغيب ما يعلمه الله سبحانه وتعالى من أمرهم، وهو فضل من الله من جانب، وعدل من جانب، وتربية للناس من جانب، فلا يأخذوا أحداً إلا بما استعلن من أمره وبما حققه فعله، فليسوا بأعلم من الله بحقيقة قلبه.

وما أكثر قراءتنا وترديدنا لسورة المدثر، نحفظها، ونسعى لأن يحفظها أولادنا وأهلنا وتلاميذنا، وهذا بالضرورة أمر طيب وجميل ومحبب لأنفسها، لكن الأجمل والأطيب والأمتع حقاً أن نعي ما جاء في أول السورة، يقول تعالى:) يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) (سورة المدثر / 1 ـ 7) .

فالأوامر التي جاءت في صدر السورة الكريمة تتسم بالمباشرة، والوضوح، فالأوامر الإلهية تمثلت في القيام بالإنذار، وطهارة الثياب، والتكبير لله، وغاية عدم الاستكثار بالمنة.ونأتي للآية الأخيرة البليغة الجامعة المانعة المنبئة بالمستقبل، وهي ما سيلقاه رسول الله (ص)  من المشركين، وما سيجده على حد وصف المؤرخين للسيرة النبوية من أذى المعاندين من المخالفة والاستهزاء والسخرية إلى الجد والاجتهاد في قتله، وقتل أصحابه، وإبادة كل من التف حوله من المؤمنين.

ولك أن تتصور بأن رب العزة يأمر نبيه وصفيه محمداً (ص)  أن يصبر، وهو سبحانه وتعالى الكافي والقادر لرفع الأذى عنه، ولك أن تتخيل قدر الحمل الثقيل الذي أدركه رسول الله (ص) منذ البداية أنه سيقدم على مهمة ثقيلة حقاً، وجهاد طويل شاق لإعلاء كلمة التوحيد إلى يوم الدين.

ولما صعد رسول الله (ص) على جبل الصفا، أخذ ينادي: " يا بني عدي، يا بني فهر، فقال حينما اجتمعوا: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ " . قالوا نعم:، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ " . وأضاف رسول الله (ص) القول، فقال: " يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها " (رواه مسلم 303) .

وما أن بلغ الرسول (ص) بما أمر به من السماء حتى انفجرت مكة بالغضب، غضب في كل مكان وبقعة، واختلفوا وتمايزوا في ابتداع أساليب وألوان شتى لمواجهة دعوة محمد وإلحاق الأذى به وبأهله.ولعل هذا التباين والاختلاف في صناعة العداء نتيجة الدهشة والاستغراب حينما تلقوا الإنذار، ولم يستطيعوا أن يختاروا أي درب يسيرون فيه .

وأول هذه الأساليب هو السخرية والاستهزاء، والغرض منها توهين قوى المسلمين المعنوية، وخذل رسول الله (ص) في أصحابه، وليستحضرني حديث رسول الله (ص) حين سأله سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " .

والجانب المعنوي في هذا الأمر هو أشد وأعنف من جانبه المادي ؛ وما بالكم بهؤلاء السفهاء الذين تضاحكوا وسخروا وطعنوا في أكرم مخلوق على الأرض، وما أقوى رسول الله (ص) في الصبر على هذا الإيذاء المعنوي . ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة في الصبر على الضراء، وفي البأساء، وحين البأس، ومن حكمة الله (تبارك وتعالى) أن جاء الحديث في القرآن عن الصبر على الحق والاستشهاد في سبيل الله بعد ذكر جانب الأسوة الحسنة، يقول الله تعالى في محكم التنزيل:) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً (22) مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً  (سورة الأحزاب: 21 ـ 23) .

وكان السفهاء من قريش يسخرون من النبي (ص) باتهامه بأنه رجل مسحور، وبأنه شاعر، وبأنه مجنون، وبأنه كاهن يأتيه الشيطان، وأنه ساحر كذاب، ومفترٍ متقول، هذا بالإضافة إلى نظرة النقمة والازدراء التي كانوا ينظرون بها إليه، كما قال الله تعالى:) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) (سورة القلم / 51) .

ويصف الله تعالى في كتابه العزيز كل افتراءات مشركي مكة لرسول الله (ص)، يقول تعالى:) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) (سورة ص: 4) .، وقوله تعالى:)وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) (سورة الحجر: 6) . ولقد قص الله علينا في كتابه هؤلاء السفهاء الذين سخروا من سيد الخلق (ص)، يقول تعالى:)إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) (سورة المطففين:29 ـ 33) .

ويقول رب العزة (تبارك وتعالى) واصفاً هؤلاء المستهزئين حينما بثوا دعاياتهم وافتراءاتهم الكاذبة عن رسول الله (ص)، وحول ذاته وشخصه:) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) (سورة الفرقان:4 ـ 5) .

ولأن طبيعة العهد المكي اتسمت بالجدلية المطلقة في أحداثها، ولأن الرسالة المحمدية جاءت لتحرك الراكد والثابت الأسن، فإن أهل مكة ـ أنفسهم ـ احتاروا وهم يحاولون تشويه صورة رسول الله (ص) وإيذاءه بالقول، فنجد مثلاً الوليد بن المغيرة وهو من زعماء قريش يقول عن رسول الله (ص) قولا نذكر منه: " والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه، لجنى، فما أنتم بقائلين شيئاً من هذا إلا عرف أنه باطل " .

والذي لا يدع مجالاً للشك، أن سخرية قريش والطعن في النبي (ص) قد أثرت في النبي كما قال الله تعالى)وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) (سورة الحجر:97)، لكن الله تعالى لم يتركه، بل قدم له الحل والعلاج القرآني الرباني السريع، يقول تعالى:)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) (سورة الحجر:98 ـ99) .

ولعل أبرز الأساليب التي واجه بها مشركو مكة رسول الله (ص) ومن اتبعه التعذيب والتنكيل، والناظر لهذا الأسلوب يدرك أن من يستخدم القوة في مواجهة الكلمة والدعوة لهو من أضعف الناس عللا الإطلاق، ودليل دامغ على ضعف الحجة، وقلة الإدراك.

وكلنا يعلم كيف عُذب بلال بن رباح (رضي الله عنه) في سبيل الإسلام، وكيف كان أمية بن خلف يجعل في عنقه حبلاً ويدفعه إلى الصغار يلعبون ويلهون به، ثم يأمر بالصخرة الكبيرة فتوضع على صدره، ثم يقول: " لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول: أحدٌ أحدٌ" . حتى عثمان بن عفان (رضي الله عنه) لم يسلم من التعذيب والإيذاء، فكان عمه يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته .

ولم تهدأ قريش بعد قريش في ابتداع أساليب لمواجهة دعوة محمد (ص) ولعل بعض كتب السيرة النبوية في سياقيها التاريخي تفغل ذكر سلاح المرأة الذي استخدمه مشركو مكة في حربهم ضد الرسول (ص)، ولعل تغافل بعض كتاب السيرة لذكر هذا أعطى المستشرقين وأنصارهم فرصة القنص والطعن من رسول الله (ص) أكرم الخلق وسيد المرسلين، فها هي قريش تعرض على رسول الله (ص) نساءها، يختار عشراً منهن ؛ أجملهن وأحسنهن يكن زوجات له.

وما أصلب رسول الله (ص) الذي أدعى وافترى عليه المستشرقون ومن والاهم بأن أكرم الخلق راغب في النساء ودليلهم الباطل كثرة أزواجه، بالرغم من أن زيجاته جميعهن لعللٍ وأسباب، فرفض رسول الله (ص) عرض قريش المُغري يوم قال له عمه أبو طالب: " يا بن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فابق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق " . فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه .

فقال له رسول الله (ص): " يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته" .

ويعد الصبر من أعظم الفرائض إشارة إلى قول الله تعالى في سورة النحل: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)، والصبر إذعان لله وحكمه وقضائه وحكته في تصريف وتدبير المقادير، يقول المولى تبارك وتعالى: (واصبر لحكم ربك) فقلد أمرنا الله ـ عز وجل ـ بالصبر لحكمه . والصبر لا جزاء له سوى الفلاح ونيل المقاصد التي ارتضاها الله لعبده باعتبار أن الصبر شرط رئيس من شرائط الإيمان التي يرفع الله بها درجات العبد في الجنة، يقول تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وعلم العبد ويقينه بأن صبره على البلاء والابتلاء وتصاريف القدر هو برزخ يعبره المرء تحقيقاً لغاية كبيرة هي الفوز برضا الله عنه.

والصبر أنواع وصنوف منها الصبر لله في مقام حق اليقين لقول الله تبارك وتعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)وفي هذه الآية الكريمة وجوب للصب لحكم الله تعالى، ومنها أيضاً الصبر بالله على تحمل أعباء الرسالة والمهمة كقوله تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله)، ومن أبرز وأحكم أنواع الصبر،  الصبر في الله، فمن صبر في الله ومعه كان معه وفي معيته ورعايته التي لا تنقضي، يقول تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)، ويقول تعالى أحكم الحاكمين: (إن الله مع الصابرين) . ويرى أبو الحسن الماوردي أن الصبر على امتثال ما أمر الله به تعالى والانتهاء عما نهى عنه من أرفع درجات ومقامات الصبر ؛ لأن به تخص الطاعة، وبخلوص الطاعة يصح الدين وتؤدى الفروض ويُستحق الثواب .

ومن صبر لله ثبته وقوى عزيمته وسدد خطاه وتفكيره إلى الصواب بغير لغط أو جنوح، ومن الصبر السلبي صبر عن الله وهو صبر أهل الجهل الذين باعدهم الله عن السعادة في الدنيا والآخرة، وهذا الصنف من الصبر هو ابتعاد عن الله ورحمته وغفلة واضحة بحقيقة التوحيد والربوبية، وغفلة عن العبر والدروس التي ينبغي للمرء أن يعيها من أموره وأحواله . ويمثل الصبر عن الله عجلة وتسرعاً من المرء عن حكمة الله وفرجه القريب . والصبر أدب للنفس وترويض لها، ومن حسن التوفيق وأمارات السعدة الصبر على الملمات والمصائب وكوادر النفس والقلب معاً، وفي آثار السلف " من خير خلالك الصبر على اختلالك" .

وهناك صبر يلجأ إليه العبد فيما يخشى حدوثه،من رهبة يخشاها العبد، أو يحذر حلولها من نكبة يخشاها، وعلى العبد ألا يتعجل هماً ما لم يأت بعد، فإن أكثر الهموم كاذبة، وأن الأغلب من الخوف مدفوع. وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: " بالصبر يتوقع الفرج، ومن يدمن قرع باب يلج" . وقال الحسن البصري: " لا تحملن على يومك هم غدك فحسب كل يوم همه " .

والصبر الذي نرجوه هو في حقيقته ثبات وعزيمة وقوة حيث يجاهد المرء نفسه ورغباته وشهواته، وهو قرب من طاعة الله تبارك وتعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وتدريب حقيقي شاهد على تحمل القضاء لحكم الله مصاحب بالرضا والقنوع واليقين برحمة الله .وما أجمل أن يجعل الله عز وجل الصابرين أئمة للمتقين الصالحين القانتين، حيث يقول الله تبارك وتعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) . والجزاء عظيم لمن صبر وارتضى بالقضاء الإلهي، يقول تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) .

ويشير الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) إلى شمائل الصبر بقوله: " بني الإسلام على أربع دعائم: على اليقين والصبر والجهاد والعدل)، وقال رضي الله عنه: " الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا رأس له " . وقال أيضاً: " الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو" .   والفاروق عمر (رضي الله عنه) يشدد على التمسك بفضيلة الصبر حيث يقول: " نعم العدلان، ونعمت العلاوة للصابرين "، ويعني بالعدلين الصبر والرحمة، وبالعلاوة الهدى . وقال: " لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما ركبت" . ورسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) جعل الصابرين خواص الصادقين، ففي حديث عطاء عن ابن عباس (رضي الله عنه) لما دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الأنصار فقال: " مؤمنون أنتم؟ فسكتوا، فقال عمر (رضي الله عنه): نعم، قال: وما علامة إيمانكم؟ قال: نشكر في الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء، فقال (صلى الله عليه وسلم): مؤمنون ورب الكعبة" .

والصبر عند أهل التصوف مقامات وأحوال، فصاحب الحياء يلتزم بخصال الإحسان وهو صابر، فيصبر عن معصية الخالق حياء من ربه، والصابر عن المعصية حياءً أكمل من الصابر عنها خوفاً، لأن صاحب الحياء في مراقبة دائمة، أما صاحب الخوف فهو في مقام مجاهدة .

(2) رحلة الإسراء والمعراج:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه " سيرة الرسول وتأسيس الدولة الإسلامية " أنه لما بلغ رسول الله (ص) إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر، قبل الهجرة بسنة، أسري به من حجر مكة المعظم ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تنعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فقد روى أبو هريرة (رضي الله عنه)، عن النبي (ص) قال: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى " .

ثم عرج به من المسجد الأقصى، إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وكما يوضح الدكتور محمد عمارة معنى العبارة صريف الأقلام أي صريرها وصوتها .

ولم يرد في أحاديث المعراج الثابتة أن الرسول (ص) عُرج به إلى العرش تلك الليلة، بل لم يرد في حديث أن النبي (ص) جاوز سدرة المنتهى، بل انتهى إليها ـ والله أعلم ـ، وقد سئل الشيخ رضي الدين القزويني (رحمه الله) عن وطء النبي (ص) العرش بنعله، وقول الرب (جل جلاله):لقد شرف العرش بنعلك يا محمد، هل ثبت ذلك أم لا؟ فأجاب بما نصه: " أما حديث وطء النبي (ص) العرش فليس بصحيح، وليس بثابت، بل وصول النبي (ص) ذروة العرش لم يثبت في خبر صحيح ولا حسن ولا ثابت أصلاً، وإنما صح في الإخبار انتهاؤه إلبى سدرة المنتهى فحسب، وأما إلى ما ورائها فلم يصح، وإنما ورد ذلك في أخبار ضعيفة أو منكرة " .

ورحلة الإسراء والمعراج معروفة ومعلومة، رواها النبي (ص) بنفسه كما رواها البخاري ومسلم، فقال  (ص): " بينما أنا في الحطيم مضطجع، إذ أتاني آت، فسمعته، يقول: " فشق ما بين هذه إلى هذه "، يعني من ثغرة نحره إلى عانته، " فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة حكمة وإيماناً، فغسل قلبي، ثم حشى "، والحديث فيه اختصار، والأصل: فاستخرج قلبه، ثم شق، واستخرج منه علقة، وقيل هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل بماء زمزم . وقد اختلف في تفسير الحكمة فقيل: هي العلم المشتمل على معرفة الله تعالى مع نقاء البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك .  وحديث الإسراء حديث يطول في بعض كتب السيرة، ولكن الذي يعنينا ونحن بصدد هذه الحادثة الفريدة أن كل هذه الأمور يجب الإيمان بها وتصديقها .

ولقد اختلف في صلاته (ص) ليلة الإسراء بالأنبياء ؛ قيل قبل عروجه، وقيل بعده، والأول استظهره ابن حجر، وصح الثاني ابن كثير، واختلف في هل كانت بالفاتحة أو بغيرها؟، كما اختلف في طبيعتها، فقيل إنها الصلاة اللغوية أي الدعاء والذكر، وقيل الصلاة المعهودة، وهذا أصح، لأنه كما يذكر رفاعة رافع الطهطاوي من أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية قبل اللغوية، وإنما يحمل على اللغوية إذا تعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب الحمل على على الصلاة الشرعية .

ومن الأمور التي منَّ الله بها على نبيه وعلينا أجمعين فرض الصلاة، وفرض الله عليه وعلى أمة الإسلام تلك الليلة كل يوم وليلة خمسين صلاة في أول الأمر، فما زال يراجع حتى صارت خمساً في الفعل، وخمسين في الأجر وتلك رحمة من الله وفضل كبير .

والحكمة من تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أن الرسول (ص) لما عرج به إلى السماء رأى تلك الليلة تعبد الملائكة، منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى ولأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضها في السماء، دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، التنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض .

وكما يذكر السهيلي في التنبيه على فضلها، حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدسة المطهرة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها ومن شرائطها، والتنبيه على أنها مناجاة بين العبد وربه عز وجل .

جدل حول رحلة الإسراء والمعراج:

من الوقائع التي أخذت حظاً عظيماً من الجدل من بين وقائع السيرة النبوية، حادثة الإسراء والمعراج، وما إن تلتقط كتاباً واحداً من كتب السيرة النبوية إلا وتجده يفرد صفحات لهذا الجدل، والذي يمكننا أن نختصره في أمرين فقط ؛ أما الأول فهو إخبار النبي (ص) لقريش ما رأى، فلما أصبح النبي (ص)قص على قريش ما حدث له وما رآه، فقال له المطعم بن عدي: " كل أمرك قبل اليوم كان أمما، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس، مصعداَ شهراً، ومنحدراً شهراً تزعم أنت أنك أتيته في ليلة ! واللات والعزى لا أصدقك ! فقال أبو بكر (رضي الله عنه): يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته، وكذبته، وأنا أشهد أنه صادق " . فقالوا له: " صف لنا يا محمد بيت المقدس، كيف بناؤه؟ وكيف هيأته؟؟ وكيف قربه من الجبل  "، وفي القوم من سافر إليه، فذهب ينعت لهم: " بناؤه كذا، وهيأته كذا، وقربه من الجبل كذا، وسألوه أمارة، فأخبرهم بالعير، وأنهم يقدمون الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب .

فدعا الله فحبس الشمس، وقيل وقوفها عن السير، وقيل بطء حركتها، وكان كما وصف رسول الله (ص) فما زال ينعت لهم حتى التبس عليه النعت، فكرب كرباً ما كرب مثله، فجئ بالمسجد الأقصى وهو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟، ولم يكن عدها، فجعل ينظر إليها ويعدها باباً باباً، وأبو بكر (رضي الله عنه) يقول: " صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول الله "، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب ! " . ثم قالوا لأبي بكر: أتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟ قال: " نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة "، فلذلك سمي أبو بكر الصديق .

الحكمة من الإسراء إلى المسجد الأقصى:

يذكر رفاعة رافع الطهطاوي أن الحكمة من تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى أن قريشاً تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أن رسول الله (ص) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع .

وإذا كان جدل قريش مع النبي وصاحبه قد انتهى، فسرعان ما بدأ جدل آخر في كتابات المؤرخين أنفسهم حول كيفية الإسراء، ولقد اختلف المؤرخون وكتاب السيرة في كيفيته، وأغلب المفسرين والمؤرخين أجمعوا على أن الإسراء كان بالجسد، والأقلية هي التي قالت إنما كان بالروح فقط . وهناك رأي ثالث مفاده أن الإسراء كان بالجسد إلى بيت المقدس، وبالروح من بيت المقدس إلى السماوات السبع، والصحيح عند الجمهور أن الإسراء والمعراج كانا يقظة لا رؤيا، والرؤيا هي ما أفاد به كل من حذيفة وعائشة ومعاوية (رضي الله عنهم) .

الأحاديث النبوية الواردة في الإسراء والمعراج:

روى البخاري ومسلم بسندهما عن أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللّهِ (ص) قَالَ: «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ. يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَىٰ طَرْفِهِ) قَالَ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأَنْبِيَاءُ. ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ خَرَجْتُ. فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ. فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ. فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ" (صحيح مسلم، باب الإسراء برسول الله السموات وفرض الصلوات، (2/ 170)، برقم 356) .

وروى البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وابن حبان بسندهم عن مالك بن صعصعة "أنَّ نبيَّ اللّهِ(ص)  حدَّثه عن ليلةِ أُسري به قال: بينما أن في الحَطيم ـ وربما قال في الحِجر ـ مضطجعاً، إِذ أتاني آتٍ فقَدَّ ـ قال: وسمعته يقول: فشقَّ ـ ما بين هذه إلى هذه، فقلتُ للجارودِ وهوَ إلى جَنبي: ما يَعني به؟ قال: من ثُغرةِ نحرهٍ إلى شِعرَته ـ وسمعتهُ يقول من قَصَّهِ إلى شِعرته ـ فاستخرج قلبي، ثمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ من ذَهبٍ مملوءةٍ إيماناً، فغُسِل قلبي، ثم حُشي، ثمَّ أُعِيدَ، ثمَّ أتيتُ بدابَّة دُونَ البَغلِ وفوقَ الحمار أبيضَ. ـ فقال له الجارودُ: هوَ البُراقُ يا أبا حمزةَ؟ قال أنسٌ: نعم ـ يَضَعُ خَطوَةُ عندَ أقصى طرْفهِ، فحُملتُ عليه، فانطلَقَ بي جِبريلُ حتى أتى السماءَ الدُّنيا فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جِبريل. قيلَ: ومَن معك؟ قال: محمد. قيلَ: وقد أرسِلَ إِليه؟ قال: نعم. قيل: مَرحباً به، فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَح. فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدمُ، فسلمْ عليه. فسلمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ ثم قال: مَرحَباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الثانيةَ فاستفتحَ. قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيء جاء. ففَتَح. فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلمْ عليهما، فسلمتُ، فردّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثمَّ صعد بي إلى السماءِ الثالثة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسلَ إليهِ؟ قال: نعم. قيل: مرَحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففُتح، فلما خَلصتُ إذا يوسُف، قال: هذا يوسُف فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح، ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. ففتح. فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مَرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الخامسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أُرسلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا هارونُ. قال: هذا هارونُ فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستَفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسِلَ إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، فردَّ ثمَّ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. فلما تجاوَزتُ بكى. قيلَ له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنَّ غُلاماً بُعثَ بعدي يدخُلُ الجنةِ من أمَّتهِ أكثرُ ممن يدخُلها من أمَّتي. ثم صَعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستَفتحَ جبريل، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعثَ إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به، ونعمَ المجيء جاء. فلما خلصتُ فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلمْ عليه. قال فسلمتُ عليه، فردَّ السلام، ثمَّ قال: مرحباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم رُفعَت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا وَرقُها مثلُ آذانِ الفِيَلة. قال: هذه سِدرة المنتهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان ونهرانِ ظاهران. فقلتُ: ما هذانِ يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهرانِ في الجنة، وأما الظاهرانِ فالنيلُ والفُرات. ثم رُفعَ لي البيتُ المعمور. ثمَّ أُتيتُ بإناءٍ من خَمر وإناءٍ من لَبَن وإناءٍ من عِسل، فأخذتُ اللبَن، فقال: هيَ الفِطرةُ التي أنت عليها وأمَّتُك. ثمَّ فُرِضت عليَّ الصلاةُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فرجَعْتُ فمرَرْتُ على موسى، فقال: بما أمِرت؟ قال: أمِرتُ بخمسينَ صلاةً كل يوم، قال: إن أمتكَ لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم، وإني واللّه قد جربتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْهُ التخفيفَ لأمتك، فرجَعت، فوضعَ عني عَشراً، فرجَعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فوَضع عني عَشراً، فرجعتُ إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوَضَعَ عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعتُ فأمِرتُ بعَشرِ صلوات كلَّ يوم، فرجعتُ فقال مثله. فرجعتُ فأمِرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أمِرتَ؟ قلت: أمِرتُ بخمسِ صلوات كل يوم. قال: إن أمتكَ لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كل يوم، وإني قد جَريتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التخفيف لأمتك. قال: سألتُ رَبي حتى استحيَيتُ، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوَزت نادَى مُنادٍ: أمضَيتُ فريضتي، وخَفَّفت عن عبادي».(صحيح البخاري، باب المعراج، (7/600)، برقم 3800).

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

بليغ حمدي اسماعيلوالناس في غفلة من أمرهم نظراً لحالة الهوس المرضي الفضولي إزاء خوف الإصابة بفيروس كورونا الهائج، تلك الحالة الاستثنائية التي يعانون من جذبتها، يتسنى للمرء أن يهرع دوماً نحو كتاب الله الحكيم، القرآن الكريم بوصفه دستوراً أبدياً لا لغط فيه ولا خلل، ولا يمكن للمرء أن يقدر على الحكي عن روعة وجمال ودقة القرآن الكريم مهما بلغ من علم ومعرفة ودراية، لأنه كتاب سماوي جامع ومانع، به أسرار النفس، وحكايا الروح، وما للإنسان من طاقة حتى يقدر على التوصيف أو حتى الرصد، ورغم ذلك من الأهمية في الأيام الآنية أن نلجأ بغير ملل إلى استذكار قول الله تبارك وتعالى، من أجل أمور عدة لا شك فيها، منها أن تدارس القرآن الكريم واجب وفرض عين وأمر إلزامي على كل مسلم مؤمن موحد بالله تعالى، ومنها أن القرآن الكريم هو قول الله رب العزة والإجلال وبه تطمئن القلوب في أوقات كالتي نعيشها مضطربة متسارعة الخطى ومحتدمة بالصراعات والرؤى والتحزبات المتباينة .

ومن الآيات التي يقف عندها المسلم بكثير من التأمل طلباً للفهم والإحاطة، الآية الثالثة عشرة من سورة الشورى، يقول الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) . وجملة التفاسير التي نقدرها ونحترم أصحابها تشير في البداية إلى أن الآية الكريمة ذكرت أول أنبياء الله بعد آدم وهو نوح (عليه السلام) وآخر أنبياء الله ورسلهم خاتمهم جميها نبي الرحمة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وما بينهما من أولي العزم من الرسل إبراهيم (عليه السلام)، وموسى (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام)، ثم تفسير الدلالة اللفظية للآية الكريمة، إلا أن مسألة اشتراع الدين من المسائل الدينية بالغة الأهمية في سياقها القرآني . ومعلوم أن الذي أوصى الله به جميع الأنبياء وصية واحدة وهي إقامة الدين الحق وعدم الافتراق والفرقة والتنازع . وجدير بالذكر أن الذي وصي به نوح هو تحليل الحلال وتحريم الحرام .

فالمفسرون حينما يتحدثون عن الدين في مجمله العام فهم بذلك يقصدون أموراً منها الإيمان المطلق بالله عز وجل بغير شرك أو شراكة ضمنية، فهو واحد أحد، ويقصدون به توافق المصالح والمطامح والاشتراك النفعي بين البشر والذي يعود عليهم بالنفع والخير، وهو ما أطلق عليه فقهاؤنا الأماجد بالضرورات الخمس وهي: حفظ النفس، والدين، والعقل، والعِرض، والمال، ويعد الدين في ذلك الجمع صوناً مشتركاً لهذه الضرورات .

أما اشتراع الدين الذي يتكرر في أكثر من آية في القرآن الكريم بصور وصيغ مختلفة لكنها متقاربة في المعنى والدلالة هو أمر إلهي مقصود، ويقصد بها كما يشير عبد الرحمن السالمي الوصول إلى نتيجتين أساسيتين هما: الرؤية الإيمانية الصحيحة إلى أصل الكون والوجود، والنتيجة الأخرى هي ما يترتب على ذلك من تناغم وانتظام بين الفردي والجماعي . والاشتراع أمر إلهي يأتي بعد التزام العبد وإيمانه المطلق بالله عز وجل، ثم يأمر الله تعالى بالاتحاد والتعاون والمشاركة النافعة المثمرة وعدم التفرق بقوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، والواو هنا بمثابة حرف الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب والله أعلى وأعلم، وهي نتيجة تعقب مقدمة منطقية .

والدين يعني أموراً عدة منها السلطان والورع والقهر والطاعة والعادة والقضاء والجزاء ، وحرص الله عز وجل بأمره في عدم التفرق دليل قاطع على أن في الفرقة هلكة كما أشار المفسرون، والخير في الجماعة والائتلاف والاتحاد لدوام النفع وشيوعه والثقة في رأيها على الدوام، وربما تعد الإشارة إلى ضرورة إقامة الدين وعدم التفرقة رسالة أو توجيهاً سماوياً للتفرقة بين النبوة والرسالة، حيث إن النبي ملتزم بصفة فردية، أما الرسول فهو بإزاء التزامات عامة واجتماعية، وحرص الرسول على توحيد الكلمة والمعتقد يسهل له مهمته في الدعوة ونشر رسالته السماوية لاسيما وأن رسالات الله جميعها تتعلق بالقيم والعادات المشتركة والجمعية العامة وليست الفردية التي تخص فرداً دون آخر . ورغم التأكيد الإلهي على وحدة الدين إلا أن الديانات نفسها تعددت، إلا أن في تعددها اتحاداً ومشاركة وليس اختلافاً في الرؤى والطبيعة، وليس تعدد الديانات منطلقاً للتفرقة والتنازع بل للالتقاء . فالقدر المشترك بين الأديان السماوية جميعها هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت الشرائع والمناهج .

ويرى ابن عاشور في تفسيره لهذه الآية الكريمة  أي لا تتفرقوا في إقامته بأن ينشط بعضهم لإقامته ويتخاذل البعض، إذ بدون الاتفاق على إقامة الدّين يضطرب أمره . ووجه ذلك أن تأثير النفوس إذا اتفقت يَتوارد على قصد واحد فيقوَى ذلك التأثير ويسرع في حصول الأثر إذ يصير كل فرد من الأمة مُعِيناً للآخر فيسهل مقصدهم من إقامة دينهم . أما إذا حصل التفرق والاختلاف فذلك مُفضضٍ إلى ضياع أمور الدّين في خلال ذلك الاختلاف، ثم هو لا يلبث أن يُلقِيَ بالأمة إلى العداوة بينها وقد يجرّهم إلى أن يتربص بعضهم ببعض الدوائرَ، ولذلك قال الله تعالى: (ولا تَنَازَعُوا فتفْشَلُوا وتَذهَبَ ريحُكم  (، وأما الاختلاف في فروعه بحسب استنباط أهل العلم بالدّين فذلك من التفقّه الوارد فيه قول النبي (صلى الله عليه وسلم):  « من يُرِدِ الله به خيراً يفقِهْه في الدّين " .

والدين كما يعرفه عبد الله دراز له عدة معان ودلائل منها السلطان، والجزاء، والقضاء والسياسة، والحساب، والطاعة والعادة . والدين في حقيقته علاقة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، والتهانوي عرف الدين بقوله: " وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل .

ومن عظمة الدين الإسلامي وتفرده الاستثنائي على بقية الأديان السماوية أنه ليست مجموعة من الطقوس والشعائر الدينية التي تنظم العلاقة بين الخالق وعباده فحسب، بل إن الإسلام ضمن خير وصلاح الإنسانية بجملة من القواعد والضوابط التي تنظم علاقة العبد بغيره من العباد . وجملة القيم والمبادئ الدينية التي شرعها الله لنا هي أساس لضبط العلاقات الاجتماعية بين الناس كافة . ونرى في آيات الذكر الحكيم عدداً كبيراً من الإشارات والتنبيهات التي تحض المسلم المؤمن على اكتساب واستخدام القيم والمبادئ الإنسانية التي تضمن له صلاح وخير أحواله في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، منها تطبيق العدل، والالتزام بما شرعه الله من أوامر ونواهي، والاعتدال، وتوازن المعاملات، والصبر، والتواضع، وإيثار الخيرات للآخرين، والرحمة .

ويقول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) أن المشركين كبر عليهم ما يدعوهم إليه من إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد التي لا تفيد ولا تنفع . ولقد أنكر المشركون حقاً وكبر عليهم أن يشهدوا بأن لا إله إلا الله لذا فحق العذاب عليهم واستمرارهم في الغي والضلال . ولذلك نرى الله عز من قال في نهاية الآية الكريمة يقول: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي أن الله يصطفي من يشاء من عباده وخلقه ويختار لنفسه وولايته من أحب .

ونحن بصدد اختيار الولاية من الله، تجدر الإشارة إلى مفردة قرآنية فريدة، وقد يبدو الموضوع قديماً نسبياً، أن نشير إلى معنى كلمة الصمد التي جاء ذكرها في كتاب الله الحكيم في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) ، بسورة الإخلاص التي يحفظها كل مسلم ومسلمة، لكن التذكرة جاءت عن طريق طفل صغير يحفظ القرآن استوقفني ليسألني عن معنى الكلمة، فأجبته باختصار واختزال شديدين، وعند عودتي للمنزل ظل سؤال الصبي الصغير يحاصرني بأسئلة مفادها هل ما قلته قد أصاب عين اليقين، لكنه القرآن سيبقى كعادته إلى أن تقوم الساعة، يدفع المرء طوعاً إلى استقراء معانيه ودلالاته، وسبر أغواره التي لا تنضب بجمال التعبير وقوة المعنى، وسحر التأثير .

ورغم أننا نعلم جميعاً فضل سورة الإخلاص التي جاء ذكر الصمد فيها، إلا أنه من باب فرض العين أن نشير على عجل إلى فضلها من خلال حديثين شريفين للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) كما جاءفي صحيح مسلم للحافظ زكي الدين المنذري، فعن أبي الدرداء (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن ؟ "، قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن ؟!، قال: " (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن " . (أخرجه مسلم ـ 811، ص 789) .

وعن عائشة (رضي الله عنها وعن أبيها الصديق)، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقال: " سلوه، لأي شئ يصنع ذلك ؟ " . فسألوه . فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها . فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " أخبروه أن الله يحبه " . (أخرجه البخاري: 7375، ومسلم: 813) .

والصمد في اللغة يعني القصد، نقول: صَمَدَه يصمِده صمداً، وصمد إليه أي قصده . وقد قال معاذ بن عمرو بن الجموح يوم قتل أبا جهل: " فصمدت له حتى أمكنتني منه غرة "، أي قصدت إليه وله تهيأت وانتظرت غفلته . والصمد أيضاً كلمة تعني السيد المطاع الذي لا ينقضي أمر دونه، والذي يقصد إليه في الحوائج والنوائب والشدائد والحوادث الجلل . والصمد في معاجم العرب تعني أيضاً الذي لا يطعم، ومن دلالاته الدائم، ولقد قال علماؤنا وشيوخنا في التفسير أن الصمد في قوله تعالى بسورة الإخلاص الذي يصمد إليه في الحاجات، وقال آخرون أنه يعني الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال . أما الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه وأرضاه وأكرم الله وجهه) فقال إن الصمد هو السيد الذي انتهى إليه كل أنواع الشرف والسؤدد . أما مقاتل فأشار إلى معنى لفظة الصمد بقوله: إنه الكامل الذي لا عيب فيه .

ولم يرد هذا الاسم إلا في سورة الإخلاص فقط، وقال ابن كثير في تفسيره أنها نزلت لما قال اليهود: نحن نعبد عزير ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقال المشركون: نحن نعبد الأوثان، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) هذه الآيات المحكمات. ودلالة الاسم تعني أن الله هو المقصود دوماً بالعبادة، والصمد وجه الحق، ومن نعم الله تعالى أنه جعل ذاته مقصد الناس جميعا في الحوائج، وعن الاسم قال أنشد أحد الصالحين شعراً:

ألجأت ظهري إلى ركني ومسندي،

إلى المهيمن رب الناس والصمد ..

وقلت يا منتهى الآمال أجمعها،

لك التحكم في الأدنى وفي البعد ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

كَثُر الحديث في الحِقْبَةِ الأخيرة على ألسنة الكثيرين - سواء أكانوا من دعاة الاتجاه المحافظ أو التوفيقي أم من أنصار الاتجاه العلماني أو التغريبي- حول ضرورة "تجديد الخطاب الديني" ولا سيما فيما يتعلق بالتأكيد على حاجتنا الماسة -من وجهة نظرهم- لاستخدام الشك المنهجي كوسيلة أساسية للتفكير خاصة في المسائل الدينية -الإسلامية فحسب- إذ لا تقدم ولا نهوض للأمة الإسلامية إلا باتباعها لهذا المنهج.

لم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض المفكرين والمثقفين التنويريين ذهبوا إلى القول إن نبي الله إبراهيم قد استخدم الشك المنهجي من أجل الوصول إلى الله ومعرفته، أو من أجل التأكد من صحة عبادة الكواكب والنجوم من عدمها، بل وصفه بعضهم بأنه عليه السلام اتخذ كوكبًا إلهًا له، ثم تركه وعبد القمر، ثم تركه وعبد الشمس، ثم تركهم جميعًا!

ليس هذا فحسب بل عندما عرف إبراهيم عليه السلام ربه بعقله طلب منه أن يُريه كيف يُحييِّ الموتى حتى يتثبَّت من صحة إيمانه وقدرة إلهه بشكل يقيني تجريبي!

كان من هؤلاء المفكرين الأستاذ الدكتور/ محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة الذي أكد في كتابه "نحو تأسيس عصر ديني جديد" أن نبي الله إبراهيم عليه السلام شك في الآلهة التي كانت تُعبد من دون الله في عصره فقال:

"«الشك المنهجى» هو سنة أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ولولاه ما وصل إلى الحقيقة، عندما شك فى عقائد قومه فى الأوثان والكواكب والنجوم، وفق مراحل فى «الاستدلال العقلى» ذكرتها سورة الأنعام: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّى هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِىءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 76-79)... فالمشكلة التى واجهها أبو الأنبياء فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم؛ هنا رفض إبراهيم عليه السلام إسكات عقله،... لقد استخدم أبو الأنبياء عقله، فمر بمرحلة شك ضرورية امتدحها القرآن الكريم، ومنها وصل إلى رفض القديم، فالشك المنهجى ضرورى للإيمان المنضبط، والشك المنهجى ضرورى للعلم، والشك المنهجى ضرورى لتجديد الخطاب الدينى فى كل العصور.

المهم أن إبراهيم عليه السلام شك فى عقائد قومه، وتوصل إلى عقيدة التوحيد الإلهى... وبعد أن وصل إلى حقيقة «وجود» الله عن طريق ديالكتيك التفكير المنهجى، والهداية الإلهية، والشك فى عقائد قومه ورؤيتهم للعالم، ونظره فى الوقائع الخارجية التجريبية، بقيت عنده مسألة قدرة هذا الإله سبحانه، يقص القرآن ذلك بوضوح:«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (البقرة: ٢٦٠). انظر كيف يريد إبراهيم عليه السلام أن يؤسس إيمانه على يقين تجريبى"(1).

علاوة على ذلك فقد سمعت أحد الأساتذة الجامعيين يقول: إن إبراهيم عليه السلام عَبَدَ الكوكب والقمر والشمس فلما أفلوا وغابوا تركهم وعبد الله وحده لا شريك له، ولم يكتفِ بذلك بل طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى حتى يتأكد من صحة إيمانه"

وكأنه لو لم يريه الله هذه الكيفية لم يؤمن به! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا!

أن يصدر مثل هذا الكلام من فئة الناس العاديين الأميين الذين لم يتعلموا اللغة العربية وقواعدها آخذين في ذلك بظاهر النص فهذا أمر طبيعي لما لهم من عذر في ذلك، أما وإن الأمر قد بلغ ذروته حتى خرج من أفواه فئة النخبة المثقفة فالمصيبة بحق عظيمة ومُنذرة بخطر شديد على ديننا وأجيالنا سواء أقالوا ذلك بجهل منهم أو بقصد ففي كلتا الحالتين لا أرى ما يشفع لهم فيما زعموا إلا أن يتوبوا إلي الله ويستغفروه سبحانه وتعالى.

إن اتهام نبي الله إبراهيم عليه السلام بالشك في آلهة عصره، أو اتهامه بأنه توصَّل إلى معرفة الله تعالى عن طريق منهجه الشكلي أو العقلي ينم عن سوء فهم من يزعم ذلك ومجانبته للصواب..... لماذا؟

الإجابة تتمحور في قضيتين أسايتين:

القضية الأولى: قضية إبراهيم عليه السلام وقومه عبدة النجوم والكواكب:

هنا يمكنني القول: إن نبي الله إبراهيم عليه السلام لم يشك في آلهة قومه البتَّة... كيف ذلك؟

للإجابة عن هذا التساؤل حري بنا أن نستوضح المقصود بالشك بداية:

الشك: التردد بين المتناقضين بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الأخر، وهو حالة نفسية يتردد معها الذهن بين الاثبات والنفي ويتوقف عن الحكم(2).

الشك المنهجي: مضمونه المنهجي عدم التسليم بصحة حل معين للمشكلة إلا بعد التحقق من كونه صحيح، وهو من خصائص التفكير العقلاني(3).

فهل يُعقل أن يكون نبي الله إبراهيم عليه السلام مترددًا في إيمانه بين وجود هذه الآلهة من عدمه بحيث لا يمكنه القطع إن كانت على حق أو لا؟!

إن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يشك في هذه الآلهة؛ لأنه لم يساوره أدنى شك قط في أنها ليست بآلهة من الأساس، إنه على يقين تام وقطعي وجازم أن لا إله لهذا الكون إلا الله سبحانه وتعالى، وما هذه الكواكب والنجوم والشمس والقمر إلا مخلوقات من مخلوقات الله تعالى.

بالرجوع إلى الآيات الكريمة التي استدل بها من ذكرتهم آنفًا قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ...)

هنا يهللون لقد قال إبراهيم عليه السلام (هذا ربي) قاصدًا الكوكب والقمر والشمس، وهم لا يفهمون صحة المراد بهذه المناظرة في الأساس!

والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه(4). وهذا إسلوب إبراهيم عليه السلام في دعوة قومه وإبطال ما هم يعبدونه باستخدامه الحجة والمنطق والبرهان ففي قصة تحطيمه للأصنام "قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ"، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلمَ تعبدونهم؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه: (هَـذَا رَبِّي)، على معنى الحجة عليهم، حتى إذا أفل منهم تبين حدوثه، واستحالة كونه إلهًا(5).

وقيل: إنما قال هذا ربي لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم; فلما أفل النجم قرر الحجة وقال: ما تغير لا يجوز أن يكون ربًا(6).

فإبراهيم عليه السلام عندما قال "هذا ربي" أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرِّفَهم خطأهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه مُعظِّم ما عظَّموه ومُلتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدعون(7). وقالوا: وإنما قال ذلك لهم، معارضة، كما يقول أحد المتناظرين لصاحبه معارضًا له في قول باطل قال به بباطل من القول، على وجه مطالبته إياه بالفرقان بين القولين الفاسدين عنده، اللذين يصحح خصمه أحدهما ويدعي فساد الآخر(8).

فلم يقل إبراهيم عليه السلام هذا القول على سبيل الاعتقاد كما يتوهمون وأما كونه جازمًا موقنًا بعدم ربوبية غير الله، فقد دل عليه ترتيب قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي، إلى آخره،" بالفاء " على قوله: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ" (الأنعام: 7) أي وليكون بسبب تلك الآراء من الموقنين ثم قال بعده (فلما جن عليه الليل) والفاء تقتضى الترتيب، فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه فدلَّ على أنه قال ذلك موقنًا مناظرًا ومحاجًا لهم(9).

إن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السماوات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى، ومن كان منصبه في الدين كذلك، وعلمه بالله كذلك، كيف يليق به أن يعتقد بإلوهية الكواكب؟

إن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بإجماع على الأنبياء. وكيف يليق بأقل العقلاء نصيبًا من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلًا عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؟

على صعيد آخر فقد دل عليه عدم اعتقاده بربوبية غير الله قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ)، وقوله:(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ) (الأنعام: 83) إذ إن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه، والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) ولم يقل على نفسه، فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الايمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه(10).

إن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بدليل أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الأنعام: 74).

إنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) (مريم: 42) وحكى في هذا الموضع أنه دعاء أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش. ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليط إلا بعد المدة المديدة واليأس التام. فدل هذا على أن هذا الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مرارًا وأطوارًا، ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة(11).

فالخلاصة هي أن قول إبراهيم عليه السلام لما رأى "هذا ربي" هو مناظرة لقومه واستدراج لهم، وأنه كان موقنًا بنفي إلهيتها، وهو المناسب لصفة النبوءة أن يكون أوحي إليه ببطلان الإشراك وبالحجج التي احتج بها على قومه.

وبرهان قولنا هذا: أن الله تعالى لم يعاتبه على شيء مما ذكر، ولا عنَّفه على ذلك، بل صدَّقه تعالى بقوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ)(12).

أما قوله (لا أحب الآفلين) فقد جاء ردًا علي قومه وتنبيهًا لهم على فساد قولهم.

القضية الثانية: قضية إيمان إبراهيم عليه السلام واستدلاله العقلي على وجود الله تعالى:

لا أقول إن من ذكرتهم آنفًا قالوا: إن إبراهيم عليه السلام شك في وجود الله؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان على الفطرة السمحة التي فطر الناس عليها وعلى ملة التوحيد التي ارتضاها رب العالمين لعباده المؤمنين.

وإن كان في قول أحدهم "وبعد أن وصل إلى حقيقة «وجود» الله عن طريق ديالكتيك التفكير المنهجى" يمكنني أتساءل: كيف لنبي الله إبراهيم عليه السلام يصل إلى حقيقة وجود الله من خلال جدل التفكير المنهجي؟

وأؤكد أن هذا الكلام باطل من عدة أوجه:

أولًا، لقد عَرَف إبراهيم عليه السلام ربه بفطرته الحنيفية السمحة أو ما يسمى دليل الفطرة على وجود الله تعالى.

ثانيًا، إن نبي الله إبراهيم ليس بحاجة لجدل التفكير المنهجي ولا غيره من أنواع الجدل ليصل إلى معرفة ربه.

ألم يقل الله تعالى في صفة إبراهيم عليه السلام (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84)؟ وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليمًا عن الكفر، وأيضًا مدحه فقال (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء:51) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة. وقوله (وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) أي بطهارته وكماله ونظيره قوله تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام:124)(13).

ثالثًا، لم يشك نبي الله إبراهيم في وجود الله قط –وكذلك الأنبياء جميعهم- حتى يكون بحاجة لإثبات وجوده بالعقل.

هل يُعقل أن يقال مثل هذا في حق من عرف ربه بربه سبحانه وتعالى؟!

 

 دكتور/ جميل أبو العباس الريان

مدرس الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة المنيا

.............................

(1) محمد عثمان الخشت: نحو تأسيس عصر ديني جديد، القاهرة، نيو بوك للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، القاهرة، 2017، ص13: 29.

(2) معجم المعاني.

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%83/

(3) صبري محمد خليل: مفهوم الشك بين العلم والفلسفة والدين، بتاريخ: 28 فبراير 2015. شبكة سودانايل.

http://www.sudanile.com/78389

(4) تفسير ابن كثير.

(5) أحكام القرآن لابن العربي.

(6) تفسير القرطبي.

(7) تفسير الطبري.

(8) تفسير أضواء البيان.

(9) تفسير البغوي.

(10) تفسير الفخر الرازي.

(11) تفسير الفخر الرازي، ج 13، ص 48.

(12) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4 / 17).

(13) تفسير الفخر الرازي، ج 13، ص 48.

 

عبد الجبار العبيدييقول بهاء الله نبيهم الجديد: وهو الأحدث في سلسلة الرسل، نحن نؤمن بأستمرارية الأنبياء والرسل لا بأنقطاعها... نؤمن بوحدة البشرية لا بتفرقها، وبطبيعة الحياة والهدف، وبالحرية المطلقة، والحق المطلق بين الناس.. والسلام بلا حروب، ودين بلا مذاهب، ولا طوائف، ولا تقديس، هدفنا الأنسان ولا غير..

فماذا لو تحققت الاهداف وانتشرت اليوم في العالمين..؟ ألم تكن احسن الف مرة مما يطبقه المسلمون اليوم ظلما على الأخرين..

ما هي البهائية؟ هي ديانة توحيدية جديدة قائمة بذاتها ظهرت سنة 1844 للميلاد في شيراز الأيرانية، زعيمها بهاء الله، جاء ليرث نظرية المهدي المنتظر على غير طريقة الشيعة الأمامية، فلسفة اخلاقية مجردة من التوجهات الدينية المعقدة، وبلا رجال دين يتحكمون بالناس، مبدأها الاساسي الوحدة الروحية للجنس البشري؟ يعتقد البعض أنهم ينتمون الى الاسلام، والبعض الاخر لا يعتقدون بهذا التوجه.

اصحابها الخلص يدعون ان مبادؤهم تدعوالى الآلفة الاجتماعية والمحبة ووحدة اللغة والسلام ونبذ الحروب ومساواة المرأة بالرجل. وهم ممن يعتقدون بالمهدي المنتظرعلى غير طريقة الشيعة الأمامية، لكنهم لايؤمنون بقيامة او عودته، بل بالمبادىء الحقة التي نادى بها...الغوا الصلاة المعتادة وحولوها الى ترانيم مجهولة..والحج عندهم وَهم لا يأخذون به، ولا يعتقدون بوجود مكة في هذا المكان ويبرهنون، ولا يؤمنون بالاسراء والمعراج يعتقدون انه حلم كحلم ابراهيم عندما رآى في المنام ان يذبح ابنه اسماعيل.. والزكاة عندهم غير واضحة المعالم. لها جامعة علمية ومنهج مُحكم..؟

وفي حقوق المرأة، ساوت البهائية بين الرجل والمرأة في الحقوق والميراث والوصية، لكنها منعتها من تولي (الولاية وبيت العدل) اي ان لا تكون قاضية وهذا برأي تقصير..منحتها الحرية المطلقة في التمتع بحياة الانسان الطبيعية ولا احد يستطيع ردها، فهي والرجل سواء بسواء.

يقول البهائيون ان في حرية المرأة وانفتاح الحركة على المساواة لا تطاول على حقوق الله والوطن ما دامت هي وأنت من المخلصين للواجبات الانسانية ومن خِلقةٍ واحدة.. لا يسرقون ولا يعتدون على حقوق الامة والناس، وهما جوهر العقيدة البهائية. ويعتقدون ان من خالف الاوامر الآلهية فيما يخص الحقوق حسب ما جاء في الآية الكريمة:" أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، القصص آية 56 " يجب ان يطبق بحرية الرأي لا بقوة السيف..؟

هم ينكرون النظريات الوهمية، كنظرية المهدي المنتظر وولاية الفقية، ويعتبرونا نظريات لأخمادة الهمة وتشجيع الأتكالية الشخصية – وهم محقون -  أما التطلع للمستقبل فيجب ان يكون بالعلم والعمل والأيمان بهما. ويعتقد اعداؤهم كل الذين نادوا بهما من امثال علي الشيرازي وغيره، هم من مختلي العقول ومن السفسطائيين الذين لا يؤمنون بالدين الاسلامي والنظريات العلمية لكنهم يؤمنون بالرب الواحد على سبيل العضة والأعتبار، ولا اعتقد هم يقصدون ذلك من النص: "لا اله الا انت الرب الأبهى، أنظر الدليل والأرشاد كتابهم الأساس ص16".

ويعتقدون ان كل المهوسين بالجهاد على الفاضي والمليان ونظرية المهدي لا يفرقون بين الحقيقة والوهم. ومن يريد ان يفهم البهائية على حقيقتها عليه ان يقرأ (كتاب الدليل والارشاد) في لقاء رب العباد. لتتعرف على المبادىء الانسانية البحتة التي ينادون بها. ليس من حق دولة ان تلغي رأيهم باعتبار ان العقيدة الدينية مباحة لكل الناس دون اجبار (لكم دينكم ولي دين).. لكن المسلمين كعادتهم لا يؤمنون بالرأي الاخر..

والبهائية من الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر، ولكنهم لا يؤمنون بالاجبار في العقيدة بل بالحق المطلق الذي جاء في القرآن وتخلى عنه المسلمون كما يعتقدون.. يقولون ما لا يفعلون؟ ولا زالت كلمة الاعلى والبهاء هي من معتقداتهم ولا يخالفون الأخر. وهم يعتقدون بالبهاء (هو الله) وهو صاحب الاسماء الحسنى، كقوة نافذة في الصدور لتعميق الاعتقاد بالحق المطلق. ومشاركة الناس في الحقوق دون تفريق.

يعتقد البعض ان البهائية تخفي عقيدتها لانها مشركة بالله واليوم الاخروهذا وَهم، لكنهم يخفون عقيدتهم خوفا من الأذى الذي سيلحق بهم من جراء ذلك وخاصة في ايران المتطرفة دينياً عليهم والمُحرمة بالتعامل معهم بأعتبار حركتهم زندقة ..لذا فأن البهائيين لم يتطرقوا الى صلب العقيدة سوى المسائل الجانبية والمباحث الفرعية.

البهائيون يعتقدون ان التقدم هو الحرية المطلقة والحق المطلق بين الناس تطبيقا لا قولاً.. كما في نصوصهم:" وهذا ما أمرتنا به في كتابك الذي أنزلته على من أصطفيته بأمرك، (الارشاد ص31) .ليس بغريب هذا الخفاء ، فالاباضية يحصرون عقيدتهم بهم دون الاخرين ..لكنهم في حقيقة التطبيق ان سلطنة عُمان الحالية يُعتبرون من احسن دول المسلمين في تأدية الحقوق للناس والوطن .، حين يؤمنون بأن:" على السلطان ان لا ينام ليلته وفي بلده معوز واحد. نظرية مطبقة عندهم اليوم...بينما الحاكم المسلم في غالبيته ظالم لايؤمن بالحقوق..؟

ودولة عمان الحالية مثالا رائعاً لما نقول .

على المسلمين جميعاً: ان يتخلصوا من رجال الدين وتوابعهم الذين لا يعترف القرآن بهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، ولا يميزهم بلباس معين ولا يمنحهم لقب التقديس كما في جاء في سورة البقرة آية 174... انما يأمر الله بتحقيق حقوق الناس بغض النظر عن المذهب او الدين. الفصل الاساس هو العدالة والقانون . وهم يعترفون بنبوة موسى وعيسى ومحمد الارشاد ص54). ويعتقدون بقدرة الله بلا حدود(كن فيكون).

وخلاصة القول: هم يؤكدون على العلم المطلق ببرهان، والحق المطلق بميزان، والمساواة بين البشر على القدر والاستطاعة بأحكام، ولكل انسان الحق بأن يرتقي الى اعلى المناصب بالعلم والحق وبالأيمان والمقدرة والكفاءة دون حصرها بيد طبقة المتنفذين كما عندنا اليوم. .. ومن خلال النصوص المنشورة التي قرأتها ان البهاء زعيمهم لا يؤمن بالآلوهية الربانية، بل موجه لأصحابه مُطاع.

للمزيد يجب عقد مقارنة بين التـأويل القرآني والتفسير عند المسلمين، والتأويل عندهم لمعرفة حقيقة النص المقدس في القرآن بعد ان ضيع فقهاء المسلمين المعنى الأكيد نتيجة المذهبية المخترعة دون اصل أو توكيد، وهي أبتكارات أجتهادية اصبحت تاريخ .

وهم لا يؤمنون بانتهاء الرسالة الربانية، كما يومن كل المسلمين (اليوم أكملت لكم دينكم) بل باستمرارها لتكون هادية للبشرية في كل العصور، وان الله هو سلطان البهاء والأقتدار.

أفكار جديدة وجادة، لا ندري مدى تطبيقها عندهم لو استلموا حكم الدولة .

 

د.عبد الجبار العبيدي

.....................

أنظر كتاب:البهائية الفكر والعقيدة: دار الثقافة الاسلامية...؟

 

 

عبد الجبار العبيديلا يمكن للباحث ان يرسم خطاً فاصلا بين الناحية الدينية وغيرها من النواحي السياسية والاجتماعية، في المجتمعات التي نشأت وفق القاعدة الدينية. حيث تخضع كل هذه الجوانب للجانب الديني، وتجتمع كل السلطات في يد الخليفة، لذافأن أي تغيير يحصل في مجال السياسة ولا يتلائم والمنطق الديني السائد يُعد خروجا عليه، وبالتالي يعتبر صاحب السلطة السياسية منحرفاً عن الدين. فهو بنظر الاخرين المتمسكين بتلك العقيدة الدينية يستحق الوقوف بوجهه وعزله عن السلطة، أو الثورة عليه وأزاحته من ساحة الحكم بالعنف والقوة ألزامية النص ألتزمت بهذا الاتجاه والمتمشية مع الظروف الزمانية للدولة. ولوان رياح التغيير بدأت تهب على الخلافة منذ وفاة الرسول(ص) ووقوع االردة والفتنة لاستغلال الولاة سلطة الخليفة لصالحهم ولظلمهم الرعية في ولاياتهم (اليعقوبي، تاريخ ج2 ص165).

وبأنتهاء عصر الراشدين ومجيء الامويين للسلطة تغيرت الصورة تماماً. وخاصة بعد ان جعل الامويين الآمر ملكاً، وأهملوا التمسك بسنة السلف. لذا فنحن لا نستطيع الحكم على السياسة الدينية للدولة الاموية الا من خلال سياسة الدولة العامة، حيث أقتضى النظام الجديد ان يكون الخليفة رجلا ذا مرونة لا يتقيد بالتقاليد السابقة تقيداً تاما. بل يأخذ منها ما يناسب عصره ويترك ما عداها. وهي فلسفة مبتكرة وجديدة أهلت الخليفة لحكم الدولة الجديدة. ومكنته من نقل الدولة من نظام الخلافة الذي يعتمد على الشورى والانتخاب ويستند الى الدين، الى نظام الملك الذي يقوم على أساس التوريث ويستند الى الرأي والدين معاً. وبذلك أصبحت الخلافة الاموية أقرب الى السياسة منها الى الدين..

 أنها نظرية مبتكرة تتلائم والمنطق التطوري لفلسفة الحكم حين أصبح النص الديني ثابتا في نصه متحركا في محتواه، اذ ليس بالامكان ابقاء الدولة على مقاييس دينية سياسية دون تغيير عبر الزمن، لان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير، شرط الالتزام بمعايير الشريعة دون تحويرفي اساسياتها، فالقرآن ليس في كل اياته أحكام، فمنها الاحكام كما في الحقوق والواجبات، ومنها التعليمات ومنها النصح والارشاد، لكن الذي يجب ان يكون ثابتاً فيه دون مساس هي المقومات الاساسية للعقيدة وتتمثل في الايمان بالله وملائكته ورسله واليوم الاخر وحقوق الناس.. في العدل الأجتماعي..

نحن هنا نعالج اشكالية دينية سياسية وليس كتابة مقال تاريخي لذا فأن فلسفة التاريخ يجب ان تكون حاضرة في راس الكاتب لينقلها للناس لنبين مامعنى كلمة لماذا؟.

من يتحرى الدقة ويتابع الحدث عنده يعجب للذي حدث ؟ لم أقرا في تاريخ آيِن من الدولتين الاموية والعباسية محاولات جادة للعثور على قواعد تحكم سير الحوادث ونظام الحكم المنقول اليهما من عصر الرسول (ص) بلا تقنين، اومعرفةاسباب قيام الدول، و لم نلمس حركة علمية جادة بتحقيق استقرار الدولة وقوننة القوانين واحترام البشر، سوى محاولات ضعيفة ارادوا من ورائها ان يبنوا مجتمع انساني اكثر امنا واستقرارا لتوفير اسباب الرخاء او ما يسمى بالسعادة للبشر لضمان استمرارهم في حكم الدولة لا غير.. لكن الفشل لازمهما منذ البداية في التطبيق العملي للنظرية، لبعدها عن عقيدة التغييرالتي جاء بها الاسلام وطالبنا بتنفيذها لنخلق المجتمع المغاير لما كنا عليه في عصر ما قبل الاسلام.

ان الدولتين الاموية والعباسية لم يظهر فيهما من الرجال المصلحين السياسيين الذين دخلوا في صراعات مع النظرية السياسية المطروحة في المجتمع والقائمة على سياسة السيف والنطع والمال في مجتمعهم لاصلاح الخلل فيها تجاه المجتمع، بأستثناء عهد الخليفة الاموي عمر بن العزيز (99-101 للهجرة) والخليفة العباسي ابن المعتز الذي لم يدُم حكمه سوى أيام، واذا وجدوا وهم قلة صغيرة كانوا يرون الخلل بانفسهم دون ان يراه غيرهم، لقربهم من صاحب السلطة دون حق الاعتراض منهم، كعبد الحميد الكاتب عند الامويين وعبدالله بن المقفع عند العباسيين لا بل أستخدموا هؤلاء كمطايا لتنفيذ ما يوجه اليهم دون ان يكون لهم فيه حق من رأي.

. لذا بقيت الحركة الاصلاحية بعيدة عن الاصلاح فلا دستور يبين سلطة الحاكم وشكل الدولة، ولا قانون يحاسب المقصرين.، بل حكم مستبد صرف حين هيأ الفقهاء الاذهان دينيا لقبول الخطأ بفبركة اللسان لا بمنطق الانسان، فظل القديم على قدمه، وبقي الحاكم يتغير، لا القانون ولا الانسان، والفرق بينهما كبير. وحين طرحوا التأسيس القرأني للمجتمع، لم يبحثوا في ظاهرة ميلاد مجتمع بالقانون الذي يحكم الظاهرة، متمسكين بالعودة للسلف - والعودة عبر الزمن مستحيلة – على حد قول الكاتب الفذ ابراهيم الغويل، رغم ان التطبيق الرسولي سيبقى المثل والاسوة، وهدى الانبياء قدوة.

ان من حقنا ان نسئل هل كان أهل الطموح والجرأة والنظر البعيد والقدرة على تصور مستقبل افضل في حكم الناس يحتلون مكانا عندهم ولهم رأي مسموع ؟ مثلما كانوا في عهد الراشدين كأبي ذر الغفاري وحبيب بن عدي الاوسي وسالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وغيرهم الذين واجهوا نظرية الاستبداد عند الولاة بقوة المعارضة الشديدة لها بالحجة والمنطق، ونادوا بضرورة الابتعاد عن نظرية أصول الضعف وشعرة معاوية ودس السم بالعسل والغاية تبرر الوسيلة، ومبدأ الغالب بالشر مغلوب، والجواب نعم، كانوا موجودين، لكن سياسة السيف الصارم اخفتهم من الظهور، فمن كان مع الدولة ظهر وعمل وتبوأ مركزاً، ومن كان مخالفاً هرب وأنزوى وسفيان الثوري مثالا، أما من لان وخضع فقد نام في بيته وسكت. ان التاريخ يعود بنا اليوم الى الوراء ليسجل لنا ما يحدث اليوم في بلداننا بالذي حدث، وفي الحالتين دروس وعِبَر.

فالتغيير يحدث سلبا عندما يختفي اصحاب الهمم الغيورين على الوطن لظروف القهر والمطاردة والقتل والتشريد كما عمل معاوية بحجر بن عدي في الكوفة والمنصور بالنفس الزكية العلوي في بغداد والمآمون في احمد بن حنبل بسجنه الرهيب في بغداد والحاكم بأمر الله االفاطمي في مصر. فقد ابيدت المعارضة واسكتت الاصوات الا من قال نعم.. وهذاما نراه في بلداننا الخائبة اليوم.

أو ان واقعا اخر يحدث، اثر هزة قومية كبرى نتيجة نصر عظيم مفاجىء، كما في الفتوحات المنتصرة عندهم كما يظنون باطلا في عهد الامويين، فأستعاضوا عن القانون بالنصر المبين، فامتصوا رغبة الاصلاح، فأسكتوا أصوات المعارضين والمطالبين بالاصلاح، فظلت الدولة تمشي مثلما يريدون فلا حقوق ولا قوانين. وبمرور الزمن تعقدت الامور حتى لم يعد بمقدور الدولة حماية نفسها والحدود حين ظهرت المعارضة العباسية اقوى من قوة الدولة الموجود، فأجتاحوها واسقطوها دون ان يبقى لها من آثر في الوجود. انه جزاء الخطأ والعناد المقصود.

وحين جاء العباسيون كرت السبحة من جديد فلا حكم الا لهم فهم الحاكم والدولة والقانون، وكأن كل الذي حدث من قبلهم للاموين وما وعدوا به الناس صار هباءً بلا وجود-كما نراه اليوم في حكام بغداد خونة التاريخ والقانون - ولم يدرك العباسيون الاثر والمصير الاسود الا حينما حلت بهم الهزيمة الكاسرة، حين اسقطهم المغول فأصبحوا وكأنهم لم يكونوا الا آثراً بعد عين في قاموس الوجود، انها نقمة القدرالذي حذرهم منه القرأن في التجاوز على الحدود، لكن لم يكن منهم اي مردود، حين ظلوا في غيهم سادرون بلا حدود.

او وصول الاحوال الى درجة من السوء تصبح معها مواصلة السير مستحيلة، كما في احتلال العثمانيين للوطن العربي حين سخروه لهم ارضا وانسانا وكل مافي الوجود، كارثة تحاكي في صمتها الرهيب كل أخطاء الماض السحيق.، فعادوا بأسلافهم دون حدود. وكل الذي عمله العثمانيون بنا من قتل للحرية واغتصاب للمال والارض والانسان، نقرأ اليوم من يطالب بعودة خلافتهم الينا مجددا، أفكار ميتة لايقبلها العقل ولا ترتضيها الحياة, وكأن الدين ما جاء للصلاح والفلاح، بل جاء للعادة والتقليد والاستعباد، عقول نخرة افسدت الدين والانسان والاصلاح.

هنا يكون المخاض من وجهة نظر فلسفة التاريخ، ثورة عارمة تقلع البناء الهش من الجذور ليبدأ في حياة الامة عصر جديد، وفعلا هذا الذي حدث بازاحة العثمانيين ومجيء المحررين على حد قول الجنرال مود- وان لم يصدق- الذي دخل العراق عام 1918 حين قال للعراقيين (نحن جئناكم محررين لا فاتحين). فلسفة التاريخ علمتنا ان في كل الاحوال بقاء الحال من المحال حتى لو وصلت احوال الجماعة الى ما سمي بالحضارة الموقوفة، فالتحرك التاريخي لابد ان يصحبه تحرك حضاري والا فلا فلسفة ولا تاريخ.

هنا ورغم انطباق الحالة على عالم الاسلام بشكل خاص لم نلحظ ولادة الدولة العصرية الحديثة التي بها يسمى المواطن مواطنأ في الحقوق والواجبات، لابل ظلت الدولة تتعكز على رجلٍ واحدة، ,ومن يقل ان الانكليزفي العراق هم السبب عليه ان يثبت الصحيح؟العيب فينا وليس في الاخرين، الم يخبرنا التاريخ كيف ان اصحاب محمد (ص) خذلوه في احد، من أجل غنائم الحرب واموال المنهزمين، فكادوا يسقطوا محمد والمسلمين؟ الم يخذلوه في مؤته (109 للهجرة) ألم نسلم بغداد بعدان اخذوا عهدَ هولاكوا والمحتلين، وهم يعرفونهم مثل الذئاب المفترسة ؟ الم نسلم بغداد الغالية الجميلة لبريمرالامريكي لنحتفظ بأمتيازاتنا الشخصية الكريهة بعد التغييرعام 2003 دون رقيب او حسيب فكانت كارثة على العراق والعراقيين. التاريخ لا يعيد نفسه لكن احداثه تتشابه رغم فرق السنين.

حالة التغيير التاريخي كان يجب ان تطبق على الامة العربية لتزيح من على صدرها هذا الثقل الكبير، والا ستموت الامة والحكام وتنتهي الشعوب مثلما انتهت اقوام اخرى قبلها، وفي القرآن شواهد كثيرة ما دام همها المال والجاه والمنصب دونما رادع من دين او ضمير. وحينما فسدت الناس هيأ الله لها صرصرا عاتية فقلبت عاليها سافلها ليريح الناس من ظلم الاخرين.. فأصبحت كعادٍ وثمودا فما أبقى.

لكن الذي حدث عندنا له تاريخ حين جاءتهم الدعوة الاسلامية ولم يفهموا فلسفتها، فظلوا بينن المتشكك المتردد وبين المقتنع الراضي الذي لا حراك فيه. ولاشك ان أزمة الفقه والفقهاء كانت هي الاساس منذ البداية، كيف؟ ولماذا؟.

ثلاثة آمور لابد من ان نذكرها بألم:

الاول- انهم لم يفهموا عالمية الرسالة بالمفهوم الحضاري فحولوه الى فتوحات بقوة السيف دون الفكر. والقرأن يرفض القوة ويطرح الاقناع والحوار، فالقرأن يحذرهم من التجاوز على النص حين يقول الحق: (لكم دينكم ولي دين) اي انشروا دين الله بالحق والفكروالمنطق و يحذرهم بصيغة الآمر، يقول الحق:) أدعُ الى سبيل ربك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي احسنُ...) هنا يرفض الاسلام سياسة السيف بالمطلق، واذا ما اعترض احد على غزوات الرسول فليراجع الواقدي قي المغازي ليرى ان الرسول كان بموقف الدفاع عن الدعوة المكلف بها دوما لا الهجوم، داخل شبه جزيرة العرب وفي كل غزواته لن يخرج عنها رغم انها بحاجة الى دراسة معمقة.. والدليل عندما فتح مكة، قال (من دخل دار ابو سفيان فهو آمن، أذهبوا انتم الطلقاء) نظرية جديدة لم تعرفها الشعوب من قبل، واذا اردنا ان نفلسف الحالة الجديدة، هو ان الرسول بعد الفتح اصبحت القوة بيده فلماذا جاء بهذا النص لحماية وتكريم اعدائه؟

والجواب لان النظرية الاسلامية في التطبيق لا تبيح له السيف الا دفاعاً وتدعو للمسامحة والاخاء والامن والكفاية والعدل بين الناس، اذا ما آمنوا ورضوا وهو اسلوب ناجح في الترغيب لا الترهيب كما حصل من بعد فتح مكة. وفي كل مواقفه وحوارته كان يقول (ص) خلوا بيني وبين الناس ودعوهم يسألون؟ أنظر السيرة. نظرة فاحصة متأنية في واقع التحريك التاريخي لفلسفة الحكم في الاسلام، لا كما ارادوها لنا السيف والنطع وحرمان الحقوق على هوى الحاكم اوالسجن الرهيب. من قال لك ان المسلمين طبقوا نظرية الاسلام ففشلوا، أنهم هم الفاشلون.

والثاني – الذين لم يفهموا ان الرسالة كانت خاتمة الرسالات فصوروا لنا ان الاسلام جاء ليحيا بالناس وما دروا ان الاسلام جاء ليحيا الناس به، والا ما الفائدة من وجوده على الارض. فاماتوا دفعه الحضاري. فتحولت العقيدة الى تقاليد، صوم وصلاة وحج وزكاة لغفران الذنوب كما يدعون باطلاً دون معرفة باصولة واهدافه وقوانينه، فأدخلوا الخطأ في المنهج الدراسي فقتلوا الفكر والحضارة معاً ليبقى السلطان رافعاً رايتة (أطيعوالله والرسول وآلوا الامر منكم) اطيعوا طاعة عمياء مبررة من فقهاء السلطةلاغير. حتى جعلوا الاسلام وقوانينة الحتمية يعيش في لغة الناس لا في واقعهم الحياتي فتحولت العقيدة الى تقليد لتبرئة الذمة وكأن الاسلام اصبح جسرا لعبور المشاة دون تمييز. وما دروا ان الرسالة الخاتمة المؤكدة والمصدَقة اصبحت القاسم المشترك التي تعطي جُماعاً لما تفرق في الرسالات الاخرى، فكانت مهيمنة عليها، والقرآن الكريم مصدقُ لما قبله ومهيمن عليه.

ثالثاً- من هنا كانت ازمة الفقه الاسلامي وازمة الحضارة الاسلامية حين اصبح الفقه الموروث والمفسر يشكل عبئا ثقيلا علينا حتى اصبح يتعارض تماما وفلسفة التشريع، فالخطأ هنا ينطلق من المنهج لا من ضعف في اللغة او قلة في التقوى. موضوع فلسفي شائك بحاجة الى تحليل واجابة واضحة تماما لنضع الاصبع على الجرح ونقطع نزيف الدم.. الذي يتمسك به المستبدون اليوم.

اما من يقل لك من الفقهاء القدامى والمحدثين ان التشريع دخلت فيه الاختلافات حين ظهرت الفِرَق والسنة والقياس والاجماع فهذا آمر مردود عليهم. فكل شيء في القرأن جاء واضحا تماما، لكنهم لم يميزوا بين الايات الحدية والحدودية وايات التعليمات والنصح والاشاد فعدوها كلها ملزمة دون مناقشة في رأي. واعتبرت اقوال الرسول الشرعية المُلزمة وتصرفاته اليومية والشخصية على حدٍ سواء في التفسير، فوقعوا في خطأ التقدير مرة اخرى من حيث لا يعلمون.

منهج خاطىء فرض علينا وقرروه في اذهاننا خطئأ، فكيف العودة للصحيح؟ لا عودة الا بأرادة التغيير.

وحتى نخرج من الازمة المستعصيةعلينا، ان نتبع الصحيح ونترك ما عداه لهم دون أكتراث:

- علينا واجبا دينيا وأخلاقياً هو ألغاء الترادف اللغوي من القرآن الكريم والتخلى عن التفسير اللغوي لنتحول الى التأويل العلمي الصحيح من قبل جماعة علماء التخصص كما أمُرنا في الاية (7) من سورة آل عمران، وعلينا وبقوة الفكر والنقاش المستمر ان نفهم الحاكم في اي دولة عربية يتوفر فيها الحاكم الناضج فكريا ان يتجاوز المذهب الفقهي التاريخي مهما كان نوعه، ولتكن هي بداية الاصلاح والتغييرفي المجتمع الاسلامي الذي لازال تحت رحمة الاخرين.. فالمذاهب المتعارضة اليوم هي وسيلة التدمير.. ولا مذهبية في الاسلام.. 

- وتوفير جو الحرية المطلق للحوار مكفولا بالقانون وبالتالي نصل الى ألغاءالمبدأين القائلين:) بسد الذرائع وباب درء المفاسد أهم من جلب المنافع). حين أوصلونا بهما الى الانغلاقية الفكرية المميتة.

- والمبدأ الاخر هو ألغاء التقية في السياسة وقول الحق، لان التقية تراجع عن قول الحق والحقيقة ودرس في التخاذل، تعلمناه وفرض علينا من الكتلة الساكتة في الاسلام في الحد والحدود.

فهل نحن مستعدون لخوض المعركة كما خاضها أبو ذر الغفاري وسفيان الثوري، ام سنبقى نحن هاهنا قاعدون. لقد قتلتنا الردة ويئسنا من الاصلاح الا بشق الكفن والخروج من القبر رافعين رايات الحق والنصر المبين، فهل من يدعي الاصلاح والتغيير والقانون في وطننا العراق الجريح من نصير، اخرج على المعهود يا من أمنت بالاصلاح وفزت برضى الشعب.. ان كنت تؤمن بالذي تقول؟ وسترى الجموع كلها ترفع راية الحق والهدف الرصين. وليبرهن العراق ان شعبه لن يموت كما خطط له الطامعون به من أعدائه من خلف الحدود.. بعد ان استولت عليه زمر الفاسدين.

وهذا يصور لنا باختصار الاسباب الاساسية في تدهور الدولة وسقوطها، لان كل دولة من الدول لها طبيعة خاصة بها، أذ هي تخلت عنها، خرج زمام أمرها من ايديها، وتغير كل شيء في طبيعتها لذلك لم يعد بمقدور الحاكم حمايتها.

هذا ما حصل للامويين والعباسيين ومن جاء بعدهم من المسلمين، ولكل الدول الاسلامية التي اتبعت طريقتهم في حكم شعوبها كما نلاحظ في الفرق المتشددة التي لا تعرف من الاسلام ونظمه الا التقليد وفرض الرأي بقوة السلاح. وسيقى القانون وحقوق الناس هي المعايير التي تتصف بها دول الحضارة والتقدم ويرضاها الله ونحن عنها بعيدون. فهل ستتحق عندنا ايها الواعدون؟

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

بليغ حمدي اسماعيلفي التعبير القرآني تفردت طائفة من الألفاظ بقرينة السياق بدلالة خاصة، جاوزت حدود معناها المعجمي إلى معانٍ جديدة ذات إيحاءات خاصة، والقرآن الكريم كنص لغوي معجز وفريد اتسم بالدلائل اللغوية الشاهدة على إعجازه، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: 42)، فكلمة (اصطفاك) الأولى بمعنى اختارك، والثانية بمعنى فضلك، وهذا النوع من التكرير للكلمات والأصوات يثير في النفس إحساساً بجمال التعبير، من خلال تجاوب الأصوات وتناغم الأصوات.

ومن أسباب جمال الجناس في التعبير القرآني، تلاؤم الحروف وتناسب الألفاظ، فيحدث التجاوب الموسيقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً، ويلخص الفيروز أبادي هذه الفائدة بقوله: " وأما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام"، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (البقرة: 24).

وفي هذه السطور نورد عدداً من الأمثلة بغير إخلال أو تفريط إن استطعنا ذلك التي توضح وتشير إلى اختلاف دلالة اللفظ الواحد باختلاف وروده وذكره في سياق لغوي معين .

1 ـ البَغْتَةُ والفَجْأةُ:

اكتسبت لفظة البغتة من السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، فهي في أصل اللغة: مشتقة من باغَتَه مباغتةً: أي فاجأه بَغْتَةً . والبغت: مُفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. إذن (البغتة) في اللغة تعني (المفاجأة)،فهما لدى غير المدقق في المعنى اللغوي بمعنى واحد. أما في الاستعمال القرآني فهما متباينان؛ إذ احتملت (البغتة) عنصراً دلالياً إضافياً على الفجأة؛ لأن هذه اللفظة لم يستعملها السياق القرآني نهائياً، ولو تتبعنا سياق البغتة في القرآن كله، بورودها ثلاث عشرة مرة، لوجدنا فيها عنصراً دلالياً إضافياً، وهو (التخويف بالعذاب) .

واستقراء الآيات يؤدينا إلى أنها لا تستعمل إلا في سياقين لا ثالث لهما، أحدهما: الوعيد بوقوع القيامة . والآخر: الوعيد بوقوع عذاب في الدنيا وشيك، كما في قوله تعالى يؤكد فيه وقوع العذاب على الكافرين، بموعد ثابت قادم هو يوم القيامة، إذ قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (العنكبوت: 53)، وفي قوله تعالى يبين فيها طريقة مجيء العذاب للكافرين يوم القيامة، حين يأتي مفاجئاً: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام: 31) .

وقد اكتسبت البغتة في السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، هو العذاب، فضلاً عن المعنى اللغوي الذي تحمله وهو (الفجأة)، وعند مجيء الساعة والعذاب للكافرين دون توقع لوقته مع الايذاء لمن لم يُعدّ لتلك الساعة العدّة، من الهداية والإيمان. ولا يعلم أحد متى مجيء هذه الساعة.

وقد تنبه بعض المحدثين إلى أن السر في استعمال السياق القرآني لفظة (البغتة) فقط دون لفظة (الفجأة)، مع أن لهما المعنى اللغوي نفسه، وهو أن في البغتة عنصراً دلالياً إضافياً غير موجود في الفجأة، بل هو زائد عليها، وهو (التلبس بالعقاب) دنيوياً كان أو آخروياً ؛ وبذلك فإن لفظة (الفجأة) لا تمنح السياق الإيحاء الكامل المعبّر عن الحدث القرآني بشكل دقيق وكامل كما تمنحه لفظة (البغتة)؛ لأن الثانية اكتسبت من السياق القرآني معنىً إضافياً، هو الإشعار بالأذى والعقوبة.

2 ـ القَدَرُ:

من الألفاظ التي تباينت دلالتها أيضاً في القرآن الكريم باختلاف ورودها داخل سياق النص القرآني المطهر لفظة (القدر) ومشتقات حروفها الأصلية الثلاثة وهي: ق د ر، فغالباً ما نجد معنى القضاء مرادفاً مماثلاً لكلمة القدر كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب: 38) أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.، وأيضاً قوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (الواقعة:60) أي صرفناه بينكم، وقال الضحاك:ساوى فيه بين أهل السماء وأهل الأرض.

ولكن تعددت دلالات كلمة (القدر) في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فمن تلك الدلالات ورودها بمعنى (التمكن) كما في قوله تعالى: (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18) أي فلم يقدروا على شئ من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) وفي هذه الآية الكريمة ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام، ومعنى قادرون عليها أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذا جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى (التدبير) في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه:40) يقول الله تعالى مخاطباً لموسى (عليه السلام): إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملأه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل،ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، أي على موعد وهذا رأي مجاهد، وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة. وقوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ )(المدثر:18ـ20) أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكَّر، و(قَدَّرَ) أي تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى التوقير والتعظيم مثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام:91) أي وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص وهو رجل منهم، وقيل في مالك بن الصيف، والأول أصح؛ لأن الأية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه من البشر، ومثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67).

وأتت مُشتقات كلمة (القَدَر) في القرآن الكريم بدَلالاتٍ مختلفةٍ، فمنها ما أشارت إلى معنى (التحديد) كقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون:18)، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرزيسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليهم الرمال .

وقوله تعالى في سورة الزخرف: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)(سورة الزخرف:11) .أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.

وجاءت لفظة القدر بمعنى (التضييق والابتلاء) مثل قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)(سورة الرعد:26)، يذكر الله تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء، لما في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً .

وقوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ)(سورة القصص:82) أي ليس المال دليلاً على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"، وقوله تعالى في سورة القلم: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)(سورة القلم:25)، أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال عكرمة: على غيظ، و(قَادِرِينَ) أي عليها فيما يزعمون ويرومون.

3 ـ السَّغب والجُوعُ:

جاءت لفظتا (السغب) و(الجوع) بإيحاء خاصٍ بهما في التعبير القرآني . فالسغب لغة: مشتق من سَغَبَ يَسْغب سُغُوباً ومسغبةً . والساغِب: الجائع، والسَغبُ: الجوع من التعب . وقد قيل هو في العطش مع التعب . وهي مرادفة للجوع . و(السغب) و(الجوع) لفظتان، أكسبهما التعبير القرآني، إيحاء خاصاً بهما، فضلاً عن معناهما الأساس (المعجمي) . فإذا ذكر الجوع في النص القرآني، فلا يكون إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، بقرينة السياق .

وقد وردت لفظة (الجوع) في التعبير القرآني خمس مرات، كانت في ثلاثة مواضع منها مقترنة بلفظة (الخوف)، فيكون السياق بهذه القرينة، سياق ابتلاء وامتحان، أو عقوبة لأصحاب النار، كما في قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة 155) ، أخبرنا الله عز وجل أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، فقد ذكر الجوع في موضعين منفرداً، ولكن قرينة السياق كانت واضحة في أنه عقاب وبلاء، وذلك في قوله تعالى يخاطب فيها نبي الله آدم  بأنه محفوظ في الجنة من بلاء الجوع والعُري،وذلك قبل نزوله إلى الأرض:(إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) (طه: 118) . فيكون عدم الجوع فيها نعمة من نعم الله تعالى عليه وعلى زوجه.

أما لفظة (السغب) فتذكر مع الرحمة و(في حالة القدرة والسلامة)، نحو قوله تعالى يحث المؤمنين على إطعام الناس في يوم الجوع: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)(البلد: 14)، بقرينة السياق المتأخرة في قوله تعالى: (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: 15-16) . فبذلك تكون لفظة (الجوع)، قد اكتسبت من التعبير القرآني هنا معنى العقوبة والبلاء من السياق القرآني، أما لفظة (السغب)، فقد اكتسبت معنى الرحمة، والضعف .

4 ـ المَطَرُ والغَيْثُ:

تُعد لفظة المطر من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني أيضاً، فالمطر لغةً يعني: الماء المنسكب من السحاب ، أما في التعبير القرآني،فقد اكتسبت لفظته إلى جانب معناها المعجمي معنىً آخر، هو العقاب، بقرينة السياق اللفظي. فالمطر لم يرد في التعبير القرآني كما يقول الجاحظ في كتابه " البيان والتبين ": " إلا في موضع الانتقام، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " .

وقد وهِمَ الراغب الأصفهاني حين عدّ لفظ (المطر) من ألفاظ الخير، وأن هناك صيغة مشتقة منها هي التي وردت للتعبير عن العذاب، وهي (أمطر)،فقد ذكر أن مطر: " يُقال في الخير، و(أمطر) في العذاب "، وإذا رجعنا إلى النص القرآني نجده يعبّر بهذه اللفظة عن الشر والعقاب، بكل اشتقاقاتها، وبقرينة السياق، ومنه قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء: 173) أي أنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود .

والمطر يوحي بالتدفق القوي والغزارة، أكثر من أية لفظة أخرى تعبّر عن نزول الماء من السماء . والذي ساعد على هذا الايحاء، صوت (الطاء) المطبق كما أشار الدكتور كمال بشر في كتابه " علم اللغة العام"، الذي يصور نزول العذاب من السماء فنشعر بإطباقه عليهم . فبذلك تكون هذه اللفظة قد ناسبت غضب الله  وشدة انتقامه بنزول ذلك العقاب الشديد عليهم من حجارة وغيرها . كالذي في قوله تعالى يتحدث عن قوم لوط (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف: 84) . فنلحظ أن لفظتي (مطر) و(أمطرنا) في النص القرآني قد دلّتا معاً على نزول العذاب الشديد، لا نزول الغيث الذي هو نعمة ورحمة للعباد .

ويشمل نزول المطر في التعبير القرآني، فضلاً عن الماء، الحجارة، نحو قوله تعالى، في إمطار الحجارة: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود: 82)، أي أنه مطر يوحي بالعقم والخراب . والسجيل في اللغة: حجارة كالمدر، وهو حجر وطين مختلط، ويفسر أنه فارسي مُعرب دخيل . ويقال: هذا الشيء مسجل للعامة، أي مرسل من شاء أخذه أو أخذ منه.

أما الغيث فهو الماء النافع النازل من السماء، المنبت للكلأ ، نحو قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وهذا يعني أنه الماء المثمر الذي يحمل الخير معه، وذلك بقرينة السياق اللفظي المتأخر . والذي قوى هذا الإيحاء هو صوتا (الغين والثاء) فرخاوتهما كما يذكر الدكتور بسام بركة في كتابه " أصوات اللغة العربية "، قد ناسبت نزول الماء الخفيف الذي أنعش ما نزل عليه، فأنبت به .

5 ـ الفتح:

أيضاً من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني لفظة الفتح، من الفعل الثلاثي فَتَحَ) ومشتقاته، فلقد اختلفت دلالة الكلمة باختلاف السياق الي وردت فيه، ودلت على عدة معاني منها الصد، والضد، والعطاء، والنصر، والقضاء، والحكم .

فمن معنى الصد والضد قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44)، أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ففتح الله عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف:40)، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء وقال بهذا مجاهد وسعيد بن جبير، وقيل لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورى ذلك الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: " خرجنا مع رسول الله r في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله r،وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: " استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ مرتين أو ثلاثاً ـ ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، هذا بخلاف العبد الكافر.

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (القضاء) أو (الحكم) كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89)، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت يا الله خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. وقوله تعالى: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:118).

ومن أمثلة ورود كلمة (الفتح) بمعنى أعطى قوله تعالى: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76)، أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به.

وأيضاً ما أفادت الكلمة معنى أعطى قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(الأعراف:96)، ويخبر الله تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) آي آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، وقوله تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أي قطر السماء ونبات الأرض .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (النصر) كما في قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52)، يعني فتح مكة، وقيل: يعني القضاء والفصل، وقوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال:19)، يقول الله للكفار إن تستفحوا أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح، وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) يقول: لقد نصرت ما قلتم وهو محمد.

6 ـ الهوى:

تعني لفظة (الهوى)، لغةً: الموت، والحب، أما في التعبير القرآني فقد اكتسبت هذه اللفظة دلالة أخرى، وهي كما عرفها الراغب في المفردات: " ميل النفس إلى الشهوةِ… لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية " ، أي اتباع ما لا يحمد من الرغبات،ولا يحسن فعله من ذوي المكرمات، أي الرغبات النفسية الضعيفة ، نحو قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات: 40) .أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل.

ففي الآية الكريمة ورد النَّهي عَن (الهوى)، الذي هو اتباعِ الشَّهوات، والمَحَارم التي تشتهيها النفس وتهواها . فهو شيء مكروه، غير مرغوب فيه في الاسلام، بقرينة السياق المتأخر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:41)؛ لأن من ينهى نفسه عن الهوى ينال الجنة التي تكون مأواه، فبذلك يكون (الهوى) غير مرغوب فيه .

7 ـ أثر:

وردت كلمة " أثر " مرّتان فـي القـرآن الكريم، ووردت مشتقاتها 19 مرة، ومنها " يؤثر، آثر، تؤثرون، أثرى، آثار، يؤثرون، أثارة "،، وكلمة " أثر " ومشتقاتها جاءت علـى ستة أوجـه في المعنى، فجاءت بمعنى الاختيار والتفضيل كما في قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يوسف:91)، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق والسعة والملك وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه.

وقد تأتي لفظة (أثر) بمعنى الدليل كما في قوله تعالى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)، والأثر هنا المقصود به المطر قال بذلك ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم.

8 ـ سَلامٌ و السَّلام:

وردت كلمة سلام والسلام في القرآن الكريم بدلالتين فالأولى جاءت لفظة (سلام) على يحيى (عليه السلام) والثانية جاءت لفظة (السلام)على عيسى (عليه السلام)، قال تعالى في سورة مريم (: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) .

أما عيسى (عليه السلام) يقول تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32) وَالسَّلَامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)َ).

وحِكمة مجيء (سلام) نكرة في سياق قصة سيدنا يحيى (عليه السلام) أن ذلك جاء في سياق تعداد نعم الله تعالى على سيدنا عيسى وإخبار من الله جل جلاله بأنه قد منح سيدنا يحيى (سلاما) كريما في مواطن ثلاثة: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة .

أما (السلام) في قصة عيسى (عليه السلام) جاء معرفة: لأن لفظ (السلام) هو كلام من سيدنا عيسى حيث دعا ربه أن يمنحه السلام في ثلاثة مواطن: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة.

فبِما أنَّ سَيدنا عِيسى هو الذّي دَعا، فمن المؤكد أنه سيُلح في الدعاء كما هي السُنة فيطلب المعالي. فلذلك عرّف (السلام) دلالة على أنه يريد السلام الكثير العام الشامل. الغزير. وهنا إشارة إلى أن السلام الذي حصل عليه سيدنا عيسى كان أخص من (السلام) الذي حصل عليه سيدنا يحيى، وأن سيدنا عيسى أفضل درجة في النبوة من سيدنا يحيى فهو من أولي العزم.

9 ـ ضَعْفٌ و قُوَّةٌ:

جاءت كلمة ضعف نكرة مكررة ثلاث مرات في آية واحدة في سورة الروم وجاءت كلمة قوة نكرة مكررة مرتين أيضاً بنفس الآية، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (سورة الروم:54) .

وهنا يجب التذكير بالقاعدةِ البيانيّة التي تفيد بأن النكرة إذا تكررت فإنها في كل مرة تفيد معنى جديداً. ولفظة (ضعف) نكرة تكرارها في نفس الموضع يفيد أن الضعف الأول غير الثاني وغير الثالث. فالمراد بالضعف الأول هو النطفة (ضعيفة فهي ماء مهين)، والمقصود بالضعف الثاني الطفولة؛ لأنه بحاجة إلى رعاية أمه في مرحلة الرِّضَاع وعناية خَاصة حتى يجتاز مرحلة المُراهقة ويصل البُلوغ، أما الضَّعف الثالث فيراد به الشيخوخة؛ لأنه يعود في مرحلة الشيخوخة ضعيفا عاجزا؛ يعاني المرء فيها ضَعف الفِكر، و ضَعيف الحرَكةِ وقلة وقُصُور السَّعي والنشاط .

أما كلمة (قوة) وردت نكرة وكررت مرتين، والكَلمَة جَاءت مَرتين بدلالتين أيضاً؛ القوة الأولى: قوة فترة الصبا (الصبي قوي مندفع كثير الحركة أما القوة الثانية: قوة الشباب، قوة الجسم والمشاعر والأحاسيس والهمة والعزيمة والانطلاق في الفكر والأحلام والطموح.

10 ـ الكافر والزارع:

من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم لفظة الكفار في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (سورة الروم:54) . ولكن خرجت اللفظة عن دلالتها المعتادة وهي الخروج من الملة والعقيدة . فالمراد بالكفار هنا الزراع، وهذا ما أشار إليه ابن قتيبه في كتابه " تأويل مشكل القرآن " حيث قال: " إنما يريد بالكفار هنا: الزراع، واحدهم كافر . وإنما سمي كافراً لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطاه، وكل شئ غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفّر فلان في السلاح إذا تغطى،ومنه قيل الليل: كافر؛ لأنه يستر بظلمته كل شئ، وهذا مثل قوله تعالى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ) (سورة الفتح:29) .

11 ـ الظن واليقين:

من الألفاظ التي ترد قي القرآن بمعنيين لفظة الظن التي تفيد نعناها الحقيقي والتداولي ألا وهو الشك والتشكيك، ومعنى آخر وهو ضده أي اليقين، وهذا مثل الصبح الذي يقال له: صريم، ولليل أيضا صريم، يقول تعالى: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (سورة القلم:20)، أي سوداء كالليل، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ومن هذا يقال لليقين ظن وللشك ظن؛ لأن في الظن طرفاً من اليقين، يقول تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة البقرة:249)، أي يستيقنون، وكذلك قوله: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (سورة الحاقة:20)، وقوله تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) (سورة الكهف:53) . وكل هذا يقع في باب اليقين لا الشك.

12 ـ الأبصار:

من الألفاظ القرآنية التي جاءت في كتاب الله بمعنيين مختلفين لفظة (الأبصار) في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) (سورة النور:43 ـ 44) إذ الأبصار الأولى جاءت بمعنى النظر، بينما الثانية جاءت بمعنى العقول .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عامر عبدزيد الوائليالمطلب الاول: في مجال تحليلنا التكويني للديانة المسيحيّة نجد أنّ هذه الديانة ارتبطت بشخص المسيح من خلال مدونة أولها بولص وبتوجيه من أستاذه (حنانيا) (1) وهي رواية من كان يعد العدو الأصوليّة للمسيحيّة، الا إنّه تحوّلَ من هنا جاء التأويل الرسمي للمسيحيّة، ومن خلال هذا التأويل تم تشكيل محور سرد للإحداث يكون بطله المسيح الرب،بالاعتقاد القائل: " أن يسوغ لم يكن يسعى لتأسيس ملك أرضي، بل جاء لهذا العالم بصورة مخالفة لأي صورة بشريّة؛ لأنه ليس من البشر ويحمل رسالة خاصة وفريدة، تتمثل بالموت على الصليب؛ ليفدي ذنوب البشر .فهو مسيح لم يأت ليخلص الإسرائيليين من حكم الرومان؛ ولكن ليخلص كل الناس من ذنوبهم، ويضمن لهم مملكة سماويّة دائمة في الحياة الأخرى). (2)وهكذا ولد بعد المسيح دين اسمه (المسيحيّة) له أسس يقوم عليها منها: أولاً، الإيمان بأن هناك ثلاثة آلهة هم: (الأب ويسوع الابن وروح القدس)، كما جاء في كتاب متى: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس "(28:19)، وثانياً أن يسوع، الابن الوحيد للأب، قد قتل على الصليب؛ لكي يفتدي ذنوب البشر بدمه، كما جاء في كتاب يوحنا " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد؛ لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة .لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم؛ ليدين العالم بل ليخلِص به العالم "(3:16-17)، وإذا ما آمن بهاتين العقيدتين فهو مسيحي، كما يقول يوحنا:"الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد أدين؛ لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد "(3:18)، فضلاً عن معتقدات أخرى ومناسبات وأعياد وثنيّة الأصل، مثل: (صلاة الأحد، وعيد الكريسماس وشجرة الميلاد وسانتاكلوس، والأيسر) وغيرها .(3)؛ فهذه الأفكار جزء من الثقافة الهلنستيّة، التي وجدت دعم السياسة الحاكمة الرومانيّة وخلقت وجود لها بين الاوساط اليهوديّة المستنيرة، وقد تجلّت في تأويلات بولص للثورة التي قادها المسيح، وقد جاءت استجابة للعقائد اليهوديّة التي تنتظر المخلص، لكن هذا التأويل يتقاطع مع قوى الثورة ضد الاحتلال التي كانت قائمة في وقتها من قبل اليهود وانتظارهم للمسيح المنتظر الذي سوف يقود الثورة ويغير الحال،وقد أظهرت بعض الدراسات الحديثة أنّ يسوع كان يمثل المسيح المنتظر بنظر نفسه وبنظر (الإسرائيليين في زمانه، من غير اليهود، من كان لا يزال ينتظر ظهور "مسيح" من بيت داود يعيد الملك إلى الشعب الإسرائيلي في شتاته، فاعترف بيسوع على كونه ذلك المسيح، وهبّ لنصرته . لكن مطالبة يسوع بعرش إسرائيل – وهي التي حدئت في "اليهوديّة" بفلسطين في زمن الرومان – اصطدمت بمقاومة شديدة من المؤسسة الكهنوتيّة اليهوديّة، وهي المؤسسة نفسها التي سبق لها أن تصدّت لمسعى جد يسوع زربابل إلى الملك على إسرائيل قبل خمسة قرون تقريباً؛ فأفشلته بطريقة أو بأخرى ."(4) ولعل قصة ولادة المسيح كما يذكرها متى، وهي تشير إلى توقعات المجوس لولادته، على أنه ملك اليهود المنتظر وليس ابن الله الذي سيقتل من أجل خطايا الناس .(انظر: متى: 1:1-2)

 كان للدولة الرومانيّة دور كبير في اختلاقها وتشكيلها ونقل الوحي من رحم اليهوديّة الى الغرب اللاتيني لغة وثقافة عبر بولص الذي كان يشكل خطاباً متكاملاً في أود حركة المخلِص (المسيح) من أجل إزاحة ثورة المسيح وتشويه حركة أنصاره من بعده،وهو بتأويله حول حركة المسيح من بعدها اليهودي كمخلِص وملك من نسل داود،إذ بعث الى اليهود (لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة).(متى: 15-24)، إلى يوتوبيا دينيّة (لكنّه جاء؛ ليخلِص الناس من ذنوبهم ويؤسس لهم مملكة في السماء وليس في الأرض .و هذا يعني أن يستكين الناس ومنهم الإسرائيليون، أتباع يسوع، لحكم الرومان ولا يقوموا بثورات ضدهم كما حاول يسوع) (5) وكل هذا جاء بفعل اليهودي حنانيا، إذ جاء يسوع في الحلم وأخبره بأن يلتقي بشاؤول ...(6) على أساس هذه الروايّة اعتمدت سلطة الكنيسة التي أسسها بولص . وقد تكوّنت الأصوليّة من يومها ومارست نفي أيّ مخالف لهذه الرواية وعدّت تأويلها هو الاساس واعتبار كل مختلف معها بمجرد هرطقة .أو بدعة Secte؛ فإن البدعة:هي بالمعنى الواسع مجموعة من الأشخاص الذين يعتنقون المذهب نفسه . ويتم أحياناً تطبيق المصطلح على المدارس الفلسفيّة في الزمن القديم بدعة الرواقيين والمشائين ...إن البدعة الدينيّة مطبوعة بواقع أنّ أتباعها يلتحقون برأي تعدّه خاطئاً سلطة كهنوتيّة أو غالبيّة أعضاء كنيسة معينة .،فالأمر ليس رأياً وبحسب، بل هو انحراف . وهذا الانحراف يتناول إما العقائد، أو الطقوس أو النظام ويشكل في هذه الحالة الأولى هرطقة .

فالهرطقة يقابلها وجود أصوليّة؛ فلكي تكون هناك هرطقة، يجب أن تكون هناك مبادئ إيمانيّة أساسيّة، حقائق موحى بها، وأن تكون ثبتت هذه المبادئ وقننتها كنيسة شرعيّة، تمتلك سلطة مطلقة على صعيد الإيمان .... وبتعبير آخر يجب أن يكون هناك عقيدة رسميّة وإلزاميّة ولِنضِف أن العقيدة تضمّ بالنسبة للاهوتيين الكاثوليك، فضلاً عن المبادئ المحددة من التعاليم المعدة للتبشير العادي، بموافقة أكيدة من سلطة الكنيسة العقيديّة؛ فالمبدأ الإيماني يفترض، بالفعل، تدخلاً صريحاً من جانب الكنيسة، التي تحدد موقفها بخصوص نقطة من عقيدتها وتترجم بلغة دقيقة إحدى معطيات الوحي الإلهي ، أو تعاليم الكتاب المقدّسة أو التراث المسيحي البدائي . (7)

يبدو أنّ الديانة المسيحيّة هي التي سوف يقيض لها أن توضح مفهوم المبدأ الإيماني (الدوغما –الأصوليّة) والهرطقة، علماً بأن هذه الأخيرة سوف تتبدل بشكل محسوس على وفق المكان والزمان .

إن التعريف الكاثوليكي، أو خطأ إرادي ومتشبث به، متعارض مع مبدأ إيماني موحى به،وتعلمه الكنيسة هذه . ومن وجهة النظر التاريخيّة، ينبغي التوسع بالتعريف؛ لأنّ مفهوم الهرطقة موجودة، وإن كان بطريقة أكثر غموضاً، في كنائس أخرى غير الكاثوليكيّة .الرومانيّة .هكذا يعد الروم الأرثوذكس "اللاتينيين" هراطقة؛ لأنهم تبنّوا المبادئ الإيمانيّة التي لم تكن قد تحدثت عنها المجاميع المسكونيّة السبعة الأولى (كمبدأ وجود المطهِر). أما الكنيسة البروتستانتيّة؛ فكان لديها هراطقتها، على الأقل في البدايات. فلقد أدان ميشال سيرفيه، بهذه الصفة، وفعل لوثر الأمر نفسه مع القائلين بتجديد العماد . (8)

الفرق بين الهرطقة والبدعة:لا يصبح الفرد منتسباً إلى بدعٍ دينيّة إلا حين يستمر في أخطائه وينفصل بشكل مكشوف عن الكنيسة مع عدد من الأشخاص الذين يفكِرون مثله على صعيد الإيمان .؛ فالمرء لا يشكل بدعة لوحده، ولكن يمكن شخصياً، لوحده، أن يؤمن بهرطقة من دون أن يكون عضواً في جماعة هرطقيّة أو زعيماً لها . (9)

على وفق هذه الرواية تشكّلت نظرة الكنيسة الى الآخر، وقد جاءت اللحظة التي تشكّلت بها الأصوليّة الكنسيّة عندما فرضت رؤيتها للإيمان بكل أصولها التي جاء بها " بولص" وتمّ فرضها على الآخرين وبهذا تم اتِهام المختلفين معها كونهم مبتدعة كمجموعات أو هرطقة كأفراد ونفذ بهم، وكانت أول حالة تمت مواجهتها هي في طبيعة العلاقة مع اليهوديّة، إذ كان هناك موقفان منها: الاول "يعتبر أن الإنجيل لم يلغ الناموس، وينبغي الحفاظ على سبيل المثال، على طقس الختام؛ والثاني، الأكثر اعتدالا، فكان يقبل، بخصوص الوثنيين المهتدين إلى المسيحيّة، بإمكانيّة عدم الالتزام بالأنظمة القانونيّة الخاصة بشريعة موسى؛ لكنّ الالتزام بالرأي الاول، كان ذلك يقضي بجعل المسيحيّة بدعة دينيّة يهوديّة؛ أما في الحالة المعاكِسة؛ فكان ذلك يعني خلق فئتين من المسيحيين، فئة " التامين " وفئة "المتهودين" (10)

هذا الصراع قائم منذ ظهور "بولص" وتأويله للمسيح تأويل مختلف كل الاختلاف،فالذين واصلوا الالتزام بالعقيدة الأصليّة للمسيح اتُهموا بكوهم متهودين وإنهم الابيونيين وهم يذهبون إلى الاختلاف مع تأويل بولص؛ فيقولون إن المسيح ليس مولودا من الله الأب، بل مخلوقاً، وهو أحد رؤساء الملائكة، المالك على الملائكة وعلى كل أعمال القدير (11)، ويقولون إن المسيح نزل على يسوع يوم عماده في الاردن، وفارقه قبل استشهاده (12)؛ وهذه الهرطقة المتكونة من التوفيقيّة اليهو- مسيحيّة سريعة العطب جداً إذ لن تصمد أمّا الاندفاع للديانة الكوسموبوليتيّة الجديدة،صحيح أنها بقيت موجودة في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ولكن سرعان ما اختفت بعدئذ؛ لعجزها عن حل مأزق الانتماء: الى اليهوديّة أو الى المسيحيّة .(13)

ولعل التلمود قام بالمهمة نفسها عندما وجّهَ نقداً عنيفاً للمسيحيّة،وهو يتناول شخصيّة المسيح وعائلته وتأويلاته للأحداث تظهر الزاوية نفسها التي قامت بها المسيحيّة على خصومها يوم اتّهمتهم بالهرطقة كأفراد وبالبدعة كجماعات؛ فهي بنظر التلمود البابلي الذي كان بعيداً عن سلطان الكنيسة الرومانيّة إذ يعيش في أجواء حريات دينيّة في ظل الحكم الفارسي (حيث يقدم التلمود البابلي ..بكلمات قليلة وأسلوب استطرادي مميز للنص البابلي –قصة مناقضة مدمرة وطموحة للغاية ضد قصة الرضيع في العهد الجديد)(14).إذ تمّ معاقبة يسوع كمهرطق وعدو لليهوديّة فـ (تخبرنا كيف يتشارك يسوع مكانه في العالم الآخر مع طيطس وبلعام، العدوين الأسوأ سمعةً للشعب اليهودي . وفي حين يعاقب طيطس على تدميره للهيكل بإحراقه حتى يصير رماداً، ومن ثم تجمع أعضاؤه ويحرق من جديد، وفي حين يعاقب بلعام برميه في سائل منوي حار، فإن مصير يسوع يتجلى بوضعه إلى الأبد ضمن براز يغلي)(15)

هنا يظهر كما هي متجذرة الأصوليّة في اليهوديّة في التلمود والتي أثارت ردود فعل عنيفة أشد أصوليّة من المسيحيّة؛ فالحرب الأصوليّة المسيحيّة كانت تأخذ بعدين الاول: في الداخل مع الهرطقة المسيحيين، والثانيّة مع الخارج ضد اليهود والمسلمين .

المطلب الثاني: موقف الاصولية المسيحية من الخارج معاداة الاسلام

متنوع وبخاصةً في العصر الوسيط،وقد تأخذ هذه العلاقة مع الآخر بعداً غير واقعي بل تخيلي اصطناعي،فهناك كثير من الصور النفسيّة أسقطها الآخر (الغرب) على الشرق الاسلامي هي مجرّدة من الحقيقة بل مختلقة اذ يرتبط بها اختراع الآخر؛ لأن الخطاب حول الآخر هو بالأساس يعد خطاباً حول الاختلاف؛ (فإن التساؤل فيه ضروري حول الأنا أيضاً، ذلك إن هذا الخطاب لا يقيم علاقة بين حدين متقابلين، وإنما علاقة بين آخر وأنا متكلمة عن هذا الآخر)(16)؛ فإن تحديد العلاقة بين الأنا والآخر على الرغم من بعدها التاريخي والسياسي إلا إنها كانت علاقة غير مفكر بها تبدو مضمرة؛ لكن الدراسات المعاصرة في مجال الخطاب هي من اتاحت لها الظهور من خلال بحثها في تلك العلاقة، وارتباطها بالهويّة والاختلاف من خلال البعد الظاهراتي الذي أخذ تحولاً يراعي الجوانب النفسيّة في كشف صورة الآخر، وهذا ما يمكن ملاحظته في (اختلاف بين السياقين الوسيط والحديث في العلاقة بين الأنا والآخر، إنما يعكس اختلافاً جلياً في صورة الآخر في الثقافة العربيّة، وفي مجال الآخريّة، فإن كان مجال الآخريّة في السياق الحديث قد اختزل في الغرب وحده، فإن مجال الآخريّة في السياق الوسيط كان متشعباً ومتعدداً وممتداً بامتداد المعلوم من العالم آنذاك)(17)؛ فإن التصور عن الآخر كما قلنا هو فعاليّة نفسيّة مثلما هي سياسيّة تحاول أن تمنح الآخر توصيفاً او تنميطاً؛ وهو قد يكون سلبياً او ايجابياً، وعلى الرغم من أنه قد يكون سلبياً؛ وقد ظهرت كثير من الدراسات كشفت عن علاقة الغرب المستعمر بالآخر، وهي دراسات تدخل في نطاق يهتم بدراسة الاستعمار الكولونيالي، وما يحمله من تنميطات هومي بابل (Homi K.BahBah)؛ فهو يرى أن المستعمر يميل إلى تنميط المستعمر، من خلال وصفه بصفات ثابتة ومبالغ فيها، ويحرص على تكرارها، مثل وصف المستعمر بالوحشي والانحراف الجنسي .(18) من هنا نستطيع الاستدلال على طبيعة العلاقة " الغرب والإسلام "، لها كثير من المضامين الايديولوجيّة والنفسيّة والوجدانيّة؛ بل تركت أثرها في كثير من الصور النمطيّة في تصوير الطرفين كليهما أحدهما للآخر،وهذا جزء من علاقة الصراع الطويلة بين الطرفين في أثناء العصر الوسيط وحقبة الاستعمار ، شكّلت حضوراً وراسباً عميقاً في الخطاب الجمعي بكل حمولاته المعنويّة .اذ نستطيع من أن نعرض الى تحولات في تلك العلاقة وتحولاتها، التي صاحَبت الصراعات في العصر الوسيط (الحروب الصليبيّة)، ويمكن اجمال تلك الصراعات مع الاسلام بالآتي:

العلاقة التاريخيّة بين الاسلام والغرب:

دخل الإسلام إلى أوروبا فاتحاً في العصر الوسيط؛ لكنّه جاء ثانية بعد الاحتلال الاستعماري الغربي الى ديار الاسلام جاء الاسلام مع المهاجرين كعمال في الغرب .وقد تكون تلك العلاقة القائمة على النزاع قد تركت آثاراً نفسيّة وثقافيّة مازالت حاضرةً في النفوس وتظهر بأشكال متنوعة،وقد تحوّل إلى نزاع او إلى صدام عنيف قد يصل إلى درجة الصراع الدموي. يظهر بأشكال متنوعة من الممارسات السلوكيّة أوالإعلاميّة اتجاه الآخر؛ لهذا نجد أن العنفُ بين الطرفين سواء أكان اعتداءاً ضد المسلمين أم العكس يعد سلوكاً عنفياً يُعرَّف بأنه: أيّ عمل أو لفظ أو اتجاه سلوكي أو بنيّة أو نظام يُلحق ضرراً جسدياً أو نفسياً أو اجتماعياً أو محيطياً بالأشخاص أو يعيقهم عن تحقيق كامل إمكانياتهم البشريّة.من هنا تاتي ضرورة التأصيل من أجل تبيان الأحداث وأشكالها المتنوِعة بين التواصل والعنف .

 كان الغرب يحضر بقوة في الشرق وإفريقيا من خلال الوجود الروماني لكن بعد حضور الاسلام انزوى الوجود الروماني وتحوّل الغرب من مهاجم إلى مدافع اذ حضر الاسلام فاتحاً إلى أجزاء من الجزر والسواحل الأوروبيّة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع عن طريق الفتوحات الإسلاميّة. اذ دخل الإسلام إلى أوروبا منذ سنة 670 بعد الميلاد.؛ لكن لم يكن هناك انتشار واسع جدا له، تأسست في شبه الجزيرة الايبيريّة دول إسلاميّة في الأندلس وهي تسميّة عادةً ما يُقصد بها فقط الإشارة إلى الأراضي الأيبيريّة التي فتحها المُسلمون وبقيت تحت ظل الخِلافة الإسلاميّة والدُويلات والإمارات الكثيرة التي قامت في رُبوعها وانفصلت عن السُلطة المركزيّة في دمشق ومن ثُمَّ بغداد، مُنذ سنة 711م حتَّى سنة 1492م حينما سقطت الأندلس خلال حروب الإسترداد بيد اللاتين الإفرنج وأُخرج منها المُسلمون، علمًا أنَّه طيلة هذه الحقبة كانت حُدودها تتغيَّر، فتتقلَّص ثُمَّ تتوسَّع، ثُمَّ تعود فتتقلَّص، وهكذا، تغير إلى هجوم ، استنادًا على نتائج الحرب بين المُسلمين والإفرنج.وقد ارتكبت الفظائع بحق المسلمين من محاكم فتيش،والتحول الى المسيحيّة في ظل ضغط الكنيسة وقسوتها وعنفها الرمزي والجسدي يطارد العرب الموريسكيّة كان عنف رمزي يقوم على محو الهويّة الاسلاميّة وقد تجلّى بأشكال متنوعة من منع اللغة العربيّة وكتابتها في وقت كانت بمثابة ميراث معنوي (الحديث بالعربيّة كان يعني المخاطرة بجذب انتباه محاكم التفتيش).(19) وكان الختان ممنوع كعلامة تميز للهويّة لهذا (كانت عقوبة الختان هي النفي الدائم وخسران جميع الممتلكات، وبذلت جهود لتعقب اولئك الذين كانوا يقومون بعمليات الختان) (20) كانت تلك الاوضاع قد عكست موقفا غربيا عنيفا وعصابي اتجاه الاخر .

 لكن سرعان ما عاد الاسلام؛ ليشكل تحديا من جديد اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعا أوروبيا ذا صبغة تركيّة خصوصاً بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. اذ خلال التوسع العثماني إنتشر الإسلام في دول البلقان ودول جنوب شرق أوروبا؛ فأخذ الإسلام في هذه المناطق طابعاً أوروبياً ذا صبغة تركيّة وبخاصة بين المسلمين الألبان والبوشناق والأتراك والغوراني. وتواجدت جاليات تاريخيّة مسلمة من التتار ومن الشيشان في كل من روسيا وشبه جزيرة القرم.

 

دكتور عامر عبد زيد لوائلي

رئيس مركز الفكر النقدي

..........................

(1) هنا نحن نعتمد على تأويل ابن قرناس، في كتابه مسيحية بولص وقسطنطين، دار الجمل، ط1، بيروت،2009م، ص9.هامش 1.

(2) نفس المرجع، ص 9-10.

(3) نفس المصدر، ص10-11.

(4) نفس المرجع السابق، ص 19 وانظر: كمال صليبي، يسوع قراءة جديدة في الإنجيل، دار الشروق، بيروت، (د.ت).

(5) نفس المرجع، ص132 -133.

(6) نفس المرجع، ص134-134.

(7) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، دار التنوير، ط2، بيروت، 2010م، ص15-16.

(8) المرجع نفسه، ص16-17.

(9) .ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 18.

(10) نفس المرجع، ص 49.

(11)ابو موسى الحريري، قس ونبي، دار لأجل المعرفة، بيروت، 1985م، ص 128 وانظر: Epiphane,Panarion ,30/4.6.

(12) نفس المرجع، 129.

(13) ج . ويتلر، الهرطقة في المسيحية، ص 49-50.

(14): بيتير شيفر، يسوع في التلمود المسيحية المبكرة في التفكير اليهودي الحاخامي، ترجمة، نبيل فياض، المركز الأكاديمي للأبحاث ط1، بيروت،2016م، ص37.

(15) نفس المرجع، ص34-35.

(16) الطاهر لبيب، صورة الآخر العربي ناظراً ومنظوراً اليه، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 1999م، ص 21.

(17) نادر كاظم، تمثلات الآخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004م، ص 15.

(18) فاطمة حمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، هيأة أبو ظبي للثقافة والتراث، ط1، ابوظبي، 2007م، ص 49.

(19) اندرو هوتيكروفت، الكفار، تاريخ الصراع المسيحية والإسلام، ترجمة، قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة، ط1، القاهرة 2006م، ص 256.

(20) نفس المرجع، ص262-263.

 

عامر عبدزيد الوائليتأصيل المفاهيم: لكل مفهوم ظروف وحاجات موضوعيّة كانت وراء انبعاثه وتركت أثراً عميقا في ملامحه وتشكله الثقافي من زاويّة أيديولوجيّة ومعرفيّة، وانطلاقا من هذه المظاهر نجد أن الحفر الإركولوجي في دلالة المفهوم يعدُ أمراً ضرورياً من أجل تحديد ملامح المفهوم واشتغالاته التي من الممكن أن تكون ضروريّة من أجل نقله وتبيئتهِ في الثقافة العربيّة فإن مفهوم "الأصوليّة - Fundamentalism" من المفاهيم الإشكاليّة التي تثير كثيراً من المشاكل المفهوميّة والفلسفيّة معا؛ فهي وليدة اطار ثقافي غربي له مواضعاته الثقافيّة تكاد تكون مختلفة بين الغرب، والعالم العربي الاسلامي .

اولا: الفهم الأصولي في اللغة العربيّة والتراث:

اذ نجد أن للمفهوم معنىً في العربيّة وعلومها مختلف عنه في اللغة الانكليزيّة، ففي اللغة العربيّة: "الأصول" المتعلقة بعلوم الدين، ويطلق لفظ "الأصول" على مصطلحات مختلفة من أشهرها ما يدل على ثلاثة من العلوم الإسلاميّة هي: (أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه)، ويسمى علم أصول الفقه، غالباً، بـعلم الأصول، ويعرَّف بأنه العلم بقواعد الفقه الإسلامي، وبإلادلّة التي تؤدي إلى تقرير الأحكام الشرعيّة(1) ففي الإسلام يرجعون في أحكامهم ومسائلهم إلاجتهاديّة إلى الأصول. (2) ويعرّف علم الأصول بأنّه "العلم بالعناصر المشتركة في عمليّة استنباط الحكم الشرعي "(3)، فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث (4) ويختلف منهج الفقه عن منهج علم الكلام فهناك منهجان لتشخيص الأصول و استنباطها: (منهج الأحناف، ومنهج المتكلمين)؛ ولكل منهما وجهة نظر ألِّفت على أساسها جملة من الكتب، أما منهج الأحناف فقد ركز على أساس اعتبار الفروع الفقهيّة لإمام المذهب هي المنطلق إلى التماس الضوابط الأصوليّة العامة ....أما منهج المتكلمين فيختلف عن ذلك المنهج اختلافاً كبيراً إذ يقوم "على تجريد قواعد الفقه والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن فما أيّدته العقول والحجج أثبتوه ...")(5) ؛لكن هذا الاختلاف في الجوانب الجزئيّة أما بنيّة الخطاب فهي محكومة ببناء ونسق وهو المتمثل بالرؤيّة والمنهج البياني، في الأصل كفعل معرفي (هو الظهور والإظهار والفهم والإفهام)(6). فالالتزام بمنطق العلم جعله واعياً لدور اللغة بوصفها (منظومة لغويّة تؤثر في طريقة رؤيّة أهلها للعالم وفي كيفيّة مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم) (7).

فإذا ما استعرضتا الخطوط العامة لهذه الإشكاليّة (اللفظ والمعنى) نجد أنها ضمّت مشكلة العرب، أي وضع العلامات المحددة للمعنى في علم النحو ومشكلة الأوزان الصرفيّة ومضمونها المنطقي في علم الصرف، ومشكلة الدلالة في ارتباطها بظاهرة الاتِّساع في كلام العرب في الفقه ومشكلة الحكم والتشابه وحدود التأويل ومسالة الإعجاز، وأصل اللغة في علم الكلام ومشكلة (سر البلاغة) في النظم، ثم علاقة ذلك بنظام الخطاب .

المستوى الأول العمودي "أي تفسير الخطاب": وهو يمثل المحور العمودي في مشاكل الإعراب في النحو والدلالة في الفقه وقصد المتكلم في علم الكلام وهو ما عرضه عابد الجابري في منطق اللغة ومشكلة الدلالة. ففي النحو كانت النظرة البيانيّة تنظر " إلى اللفظ والمعنى ككيانين منفصلين " ، ومركز العقل العربي على الإنتاج النظري(أصول الفقه) وهو ما لانجد له مثيلا في الثقافات السابقة(8)وهذا ما نلمسه في رسالة الشافعي فبعد إن تم تقنين البيان العربي على مستوى (المعنى) النحو وعلى مستوى المعنى معاجم اللغة جاء دور الشافعي وقد كان معاصراً للخليل وتلميذه سيبويه (المتوفّى 180 هـ) ومعاً نلمس أثر المنهج اللغوي في كتابه" الرسالة شكلا ومضمونا" وهذا يظهر التكامل بين النحو والفقه والكلام على مستوى المنهج بل على مستوى التشريع للعقل (9)، وقد رفض (الاستحسان)(10) لأبي حنيفة ورفض (المصالح المرسلة)(11) لمالك وأرجع كل شيء إلى لكتاب والسنة بوساطة القياس (12)

ثانياً: في اللغة الانكليزيّة وفي الفكر الغربي:

الأصوليّة (Fundamentalism) هي اصطلاحٌ سياسي فكري مستحدَث يحاول توصيف سلوكيات متنوعة بوصفها:" تمتلك نظرة متكاملة للحياة بكافّة جوانبها: (السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة)، وهي ناجمة عن قناعة متأصِّلة نابعة عن إيمانٍ بفكرةٍ أو منظومة قناعات، تكون في الغالب تصوراً دينياً أو عقيدةٍ دينيّة." ويمكن متابعة هذا المصطلح على النحو الآتي:

1- ظهر في الثقافة الغربيّة في توصيف ظواهر دينيّة مسيحيّة ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الامريكيّة في مطلع القرن العشرين بعد أن تمكّن مجموعة من البروتستانت من طبع اثني عشر مجلداً في الحقبة ما بين (1910-1915 م)بعنوان (أصول – شهادة – على الحقيقة)انتشرت في وقت وجيز بين المسيحيين الأمريكيين.ويؤيد هذا التأويل للحدث توصيف هربر بركمجيان - استاذ العلوم السياسيّة في جامعة نيويورك -:"فيرجع أصل الأصوليّة إلى فرقة من البروتستانت التي تؤمن بالعصمة الحرفيّة لكل كلمة في الكتاب المقدّسة ويدعي أفرادها التلقي المباشر عن الله، فضلاً عن معاداتهم للتفكير العلمي وميولهم إلى استعمال العنف و القوّة ؛لغرض فرض معتقداتهم "(13)وبهذا ارتبط المفهوم بضبط تلك المظاهر للسلوكيّة ثقافياً ودينياً من ضمن حدود المجتمع الأمريكي .

2- وهناك من يؤكد أنّ مصطلح الأصوليّة كمفهوم لم يبرز في المعاجم و الموسوعات الغربيّة إلا حديثاً، فهو لم يظهر في معجم روبير الكبيرعام 1966م، ولم يظهر في الموسوعة العالميّة في عام 1968م، سوى ما ورد في قاموس لاروس الصغير سنة 1966 م، وبكيفيّة عامة إذ يقول:"إن الأصوليّة هي موقف أولئك الذين يرفضون تكيف العقيدة مع الظروف الجديدة " وهذا ما أرَّخه الفيلسوف الفرنسي "رجاء جارودي" لهذا المصطلح وتاريخ ظهوره في المعاجم اللغويّة في فرنسا، وبيَّن أنَّ أول ما ظهر هذا المصطلح كان في معجم "لاروس الصغير" 1966م، وكان معناه عامّاً غير محدد ولا دقيق، وكان يُرمز به إلى: "مواقفَ عامةٍ لمجموعة الكاثوليك الذين دأبوا على التَّمَسُّك بالماضي، ورفْضِ كل جديد، وعدم القدرة على تكييف عقيدتهم مع ظروف الحياة وتطوراتها الجديدة في فرنسا"، وبعد ذلك بثلاث سنوات ظهرت الكلمةُ في معجم "لاروس الجيب" سنة 1969م، يقصد بها الكاثوليك وحدهم، وبخاصة الذين كانوا يتميزون بالاستعداد الفكري ؛لرفض التكيف مع ظروف الحياة الحديثة.

لعل هذا الانتقال بين الثقافتين الامريكيّة والفرنسيّة تشير إلى أنّه مفهوم حديث اعتمد من أجل توصيف مظاهر الثقافيّة ودينيّة تتسم بإعراض وسلوكيات متقاربة مما جعلت المفهوم ينمو في الثقافة الغربيّة ففي سنة 1984م ظهر "المعجم الكبير" في اثني عشر جزءًا "لاروس"، وقد أخذ المصطلح يتحدد معناه بشيء من الدقة والضبط والوضوح، فهو يعني داخل الحركة الدينيّة: "موقف الجمود والتصلب، والمعارضة والرفض لكل جديد ولكل تطور"، وكل الأمثلة التي ذكرها "لاروس" في معجمه توضيحًا لمفهوم مصطلح الأصوليّة، كانت مأخوذة من مواقف الكاثوليك في فرنسا، والتي جسّدت حركة الكفاح في ظل يبوس العاشر بفرنسا، من سنة.(1903-1914م)، وفي عصر الحداثة شهد المصطلح تطوراً كبيراً، وبخاصة بعد مؤتمر الفاتيكان الثاني، ثم انتقل المصطلح من مجال الدراسات الدينيّة الكاثوليكيّة، إلى مجال السياسة والاجتماع، إذا أريد به "المذهب المحافظ والمتصلب في موضوع المعتقد السياسي". وكان جاك ديبور يطلقه على "جماعة الكاثوليك الذين يرفضون كلَّ تطور وجديد، ويعلنون تمسكهم بالتراث".

3- إن المفهوم يبقى محاولة من قبل الباحثين في توصيف ظاهرة غربيّة دينيّة أو رادكاليّة تتسم بالشموليّة كانت في البدايّة تجتهد في توصيف الحركات الدينيّة المسيحيّة في الغرب سواء كانت من الكاثوليك أم البروتستانت.والعلامة الدالة على إنهما ينطبق عليهما مفهوم الأصوليّة هي لوازم الأصوليّة، رفضُ التطور، ومحاربة العلم، وعدم التكيُّف مع ظروف الحياة المعاصرة، طبعاً الحياة المعاصرة كما تراها المنظومة العلمانيّة التي تتخذ من الحداثة الصلبة معياراً لها في توصيف خصومها الذين تراهم لا يتوافقون من موجهاته في الرؤيّة والمنهج ولعل هذا ما وصفه ونقده هابرماس بمجتمع مابعد العلمانيّة ؛ لكن هذا الوصف العلمانوي يرى أن تلك المظاهر الدينيّة المسيحيّة تتسم بكونها تلتزم التشبث بالماضي التراثي، والمطالبة بالعودة إليه كمرجع أساس في مواجهة الحداثة المعاصرة.وهذا يعاكس مفهوم القطيعة والنسبيّة التي ترفضه الحداثة . وتصفه بأنه يحمل خطاب اقصائي يرفض الآخر ولا يقر بذهنيّة التسامح والحوار ويستعمل بدلهما القوة والعنف الرمزي .وهناك قراءاتٌ أخرى تنتمي الى المرجعيّة الحديثة نفسها، وقد حاولت أن تتوسع في تطبيق الأٌنموذج الغربي للأصوليّة فنجد غارودي مثلا يوسع المفهوم فيأخذ ابعاداً جديدة في توصيف ونقد أشكال من الأصوليات بقوله:"في الغرب ظهرت أمُّ الأصوليّات، وهي الأصوليّة الصِّهْيَوْنِيّة، وتحت عباءتها ظهرت الأصوليّة الماركسيّة والأصوليّة الرأسماليّة، ومن باطن هاتين الشرارة الأولى لنشاط هذه الأصوليّات هي إسقاط الخلافة العثمانيّة، بتدبير الأب الروحي للأصوليّة، وهو تيودور هرتزل ".(14)

4- توسع المصطلح الى خارج الخطاب الديني اذ حاول" غارودي " أن يوسع دلالة المفهوم في الربط بين نشاطات سياسة تتسم بكونها تحتكر الحقيقة وتمارس العنف الثوري من أجل الوصول الى غاياتها على الرغم من كونها متعارضة دينيا بين البروتستانت واليهود الصهاينة على الرغم من كون خطابهم علماني ؛ إلا إنهم مارسوا تأويل ديني و بين الماركسيّة والرأسماليّة على الرغم من كونهما خطابان شموليان بيد أنهما لاتعدان فرقاً دينيّة .(15) بعد أن كان مفهوم الأصوليّة يطلق (على وجه الخصوص لدى المسيحيّة (البروتستانتيّة) الأصوليّة تعني التركيز على المعنى الحرفي في تفسير الكتاب المقدّسة الذي يقابل التفسير الرمزي الكاثوليكي .واليوم هناك حركات دينيّة أصوليّة بروتستانتيّة تلتزم بحرفيّة النصوص وتحاول العيش على أسس تعاليم الكتاب المقدّسة. كمقابل للفكر العلماني في الغرب .(16)

الأصوليّة تعتمد على معايير تصنيف للآخر بوصفه مختلفاً عنها ولهذا تنتهج معه سلوك اقصائي، فإن هذا السلوك قد ألحق تشوهات من خلال أنواع البتر التي ألحقها هذا التراث إلارثوذكسي بنفسه من جراء حذفه وتصفيته لكل المدارس والمؤلّفات والشخصيّات الفكريّة ...التي عدّت "زندقة " أو منحرِفة (17)

أمّا عن تلك القواسم المشتركة التي صنّفت الأصوليّة الدينيّة فهناك ثلاثة ملامح تُكَوِن الأصوليّة المتطرفة منها:

- "هيمنة النزعة المحافِظة "وعلى هذا الأساس نجدها تعارض النزعة التحرريّة أو إلاجتماعيّة أو التنويريّة والحداثة. هكذا ؛فهي تعني الحفاظ على تقليد "الأصول" من دون تجديد ومن دون تطبيق معاصر، فالأصولي المتشدد يمارس حياته اليوميّة وفقًا لنظرة تاريخيّة قديمة مرتبطة بالماضي، إلا إنه يستعمل بعض وسائل الحداثة، مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء"، بيد أنه عندما تتحدث معه عن الأسس الحديثة لنظريات الحياة السياسيّة وإلاقتصاديّة وإلاجتماعيّة والنفسيّة فإنه يرفضها بشدّة؛ لأنّها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح للانسان المخلوق بحسب صورة الله ومثاله، تاج الخليقة.

- طغيان الخطاب الديني: فالتدين يكون بمثابة العنصر المثبِّت للنزعة المحافظة التقليديّة، والمادة المتماسكة، والقويّة لأصول التقليد في الدين التي تُخضع كل ما هو علماني (الدولة، المجتمع، إلاقتصاد)، لكل ما هو ديني، وتُخضع الخاص (الحياة الشخصيّة للفرد) إلى العام (القيَّم إلاخلاقيّة الدينيّة "الشرع المقدّسة"). هكذا الأصوليّة الدينيّة المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري، وترفض المرونة إلاجتماعيّة في التعامل مع هذا السلوك، فهي دائماً تتصلب في فهمها لكل مجالات الحياة؛ فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة للأصوليّة مفسِدات، إلا إذا كانت تساعد على نشر رسالة الجماعة الأصوليّة وكما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصِر في أحكامها.

- بروز الخطاب العنيف بحق المختلف: فهذا السلوك العنيف مقارنةً مع الملامح المشتركة السابقة يُعد العنصر الأكثر إثارة للأصوليّة المتطرِّفه، إن استعمال العنف باسم النزعة المحافظة في خدمة كل ما هو مقدّس، هو ما يلخص الحركة الأصوليّة، استعمال السلاح وسفك الدماء، والقتل الجماعي، وبتر إلاعضاء كعقاب و طرد وعزل الأقليات التميّزات القبليّة، التطهير العرقي وإلارهاب، كل هذا يندرج في بنود الأجندة اليوميّة للأصوليين في كل العالم وفي كل عصر.وهي مظاهر أُصوليّة متنوعة الأديأن اذ (على طوال عقد الثمانينيّات، قلما شهد العالم أزمة سياسيّة ذات شأن في أحد أرجاء العالم لا تقف وراءها يد الدين غير المتواريّة تماما .ففي الشرق إلاوسط، تصادمت كل الأديان و الحركات الأصوليّة في هذه المنطقة – يهوديّة كانت أم مسيحيّة أو مسلمة – على خلفيّة صراعات قديمة حول السلطة في إطار حروب أهليّة وغير أهليّة)(18)

 - الانسحاب والانفصال عن الثقافة المعاصِرة والعلاقات إلاجتماعيّة، والترويج لإيديولوجيا على إنها واحدة وساميّة تفسير شامل يمكن من خلاله تفسير جميع الظواهر ومعالجتها. عدم الاقتصار في النظام الجديد على السعي نحو تحويل النظام السياسي وإلاجتماعي فبحسب، بل صميم فكر الفرد أيضاً ، ورفع الحقوق الجماعيّة على حساب الحقوق الفرديّة، وتصنيف الحقوق بحسب الولاء للنظام إلاعتقادي، و خفض الحقوق الكونيّة، وقمع التنوّع، ومعارضة الديمقراطيّة والتعدديّة والفكر المتحرِّر بشدّة، والدعوة لإقامة دولة شموليّة توسعيّة

- تصنيف الأصوليّة الدينيّة:فضلاً عن تلك العناصر هناك من الباحثين من يضع تصنيفاّ للأصوليّة الدينيّة بذكره ثلاثة عناصر مشتركة تطبع الأصوليّة وهي: (الشموليّة، والنصوصيّة، وإلأنحياز المطلق).أمّا " الشموليّة " فهي مفهوم مأخوذ عن الكاثوليكيّة- تعني: أن جميع الأسئلة التي تفرضها الحياة الخاصة والعامة تجيب عنها تعاليم الدين أو الأيديولوجيّة.أمّا "النصوصيّة " فتعني: أن النصوص المقدّسةة تؤخذ حرفياَ من دون الدخول في تأويل أو تفسير بما يعنيه من استكشاف ملابسات أو طرح تساؤلات وغير ذلك.أمّا السمة الثالثة فهي "الأنحياز" يعني: الرفض المطلق ؛ لأي مساءلة لتلك المبادئ التي يعتقدها الأصولي، ورفض كل ما عداها.

- وقد اخذ المصطلح يصف مظاهر متنوعه عالميّة او مايعرف بوصفها " الأصوليّة الدينيّة" بجميع طوائفها (الهندوسيّة والإسلاميّة واليهوديّة والمسيحيّة والبوذيّة). ويبشر الأصوليون وكل مَنْ يلتزم بتعاليمهم، بالنجاة، ولا مجال في عالمهم لإثارة تساؤلات تنم عن حالة من الحيرة والقلق، أما مَنْ لا يتبع التعاليم، فيستحق العذاب).(19)

- وفي الحقبة الاخيرة يحاول الغرب تطبيق مفهوم الأصوليّة على الخطاب الاسلامي المعاصر بوصفه خطاباً اصولياً ينطبق عليه ما ينطبق على غيره من ضمن سياسة الحرب على الارهاب .

المعاجم العربيّة المعاصرة:

 التي يبدو أنها تخلط بين المعنى التراثي والمعنى الغربي المعاصرة، تعريف ومعنى أصوليّة في المعجم الوسيط، للغة العربيّة المعاصر. قاموس عربي عربي " أصوليّة " تدل الكلمة عادة على أنماط معيّنة من المحافظة الدينيّة سواء أكانت إسلاميّة أم مسيحيّة . وتتبع الأصوليّة الإنجيل أو القرآن حرفياً وتدعو إلى اتباع تعاليمهما وقيمهما في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة بما في ذلك الحياة الشخصيّة . فيدعو الأصوليّون المسيحيّون على سبيل المثال إلى تعليم ما يسمونه علم الخلق في المدارس وهو خلق الكون كما ورد في الإنجيل وبالضبط في سفر التكوين كونه حقيقة علميّة وتاريخيّة لا جدال فيها . ويُتّهم النقاد الأصوليين بعدم التسامح وتحريم كل شيء فيرد الأصوليون بأنّ لا مسعى لهم سوى العودة ببلدانهم إلى أصول الحضارة المسيحيّة وقيمِها الأخلاقيّة .

وأيضا نجد في "المعجم: عربي عامة " أُصوليّة، أُصوليّة، اسم مؤنَّث منسوب إلى أُصول، على غير قياس، جماعة أصوليّة . مصدر صناعيّ من أُصول، الأصوليّة، التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أو دينيّ قديم . موقف فريق من المؤمنين يتشبّثون بالأصول والتقليد: " أصوليّة مسيحيّة، أصوليّة إسلاميّة "

 

ا. د.عامر عبد زيد الوائلي

............................

(1) الجرجاني، مجمع التعريفات، ص27.

(2) عبد المنعم الحفني، المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ص76،

(3) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول الحلقة الاولى، مؤسسة النشر الاسلامي، ط1، قم، ص 43.

(4) ن، م، ص50.

(5) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، دار الاندلس، ط1، بيروت، 1963م، ص 83-84.

(6) . محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ط2، بيروت، 1987م، ص556 .

(7) . محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص77 .

8 محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص 41 .

(9) . المرجع نفسه ، ص103. انظر تبعا للجابري ابا البركات عبد الرحمن بن محمد بن الانباري المتوفى سنة 577هـ في لمع الأدلة في أصول النحو ص80.

(10) . الاستحسان، قال به الحنفية خصوصا. وقد رفضه الشافعي معتبرا اياه عملا بمطلق الراي، أي بدون الاستناد إلى دليل شرعي. بينما يؤكد كبار الحنفية إن الاستحسان عندهم ليس هو العمل بالراي مطلقا بل هو ترجيح قياس خفي على قياس جلي. وبعبارة أخرى ايثار دليل على دليل يعارضه لمربع يعتمد به شرعا.

(11) . المصالح المرسلة أصل أخذ به الإمام مالك أول الأمر ثم تبناه اصحاب المذاهب الأخرى وسماه الغزالي (الاستصلاح) والمقصود به ثبات الحكم في واقعة لا نص فيها ولا إجماع على مراعاة مصلحة مطلقة وهي التي يرد في الشرع ما يشير ألا الاخذ بها أو تركها. انظر محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي ، جـ 2، ص112.

(12) المرجع نفسه ص110.

(13) ريتشارد هرير، الأصولية في العالم العربي، ترجمة عبد الوارث سعيد، دار الرقاء، ص 34.

(14) روجيه غارودي، الأصوليات المعاصرة، أسبابها ومظاهرها، تعريب خليل أحمد خليل (دار عام ألفين، باريس 1992م)، ص 13

(15) غارودي، الأصوليّة، المرجع السابق .

(16) انظر: مايكل أنجلو ياكوبوتشي، أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره، ترجمة عبد الفتاح حسن، الهيأة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة، 2010م، ص123-157-177.

(17) نفس المصدر، ص43-44.

(18) خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة قسم اللغات الحية والترجمة في جامعة البلمند، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت، 2005م، ص13.

(19) - جورج عوض إبراهيم، الأصولية الدينية المتطرفة، http://george3awad.blogspot.com/2012/11/blog-post_7.html

 

 

عامر عبدزيد الوائليإن البحث عن الأصول الارذوذكسيّة في المدوّنة اليهوديّة سواء كانت توراة أم تلمود، سوف يجعلنا نقف عند سلطة النص بكل حمولتها التيولوجييّة وتوظيف مؤسسة الكنيسة منذ بابل إذ تمّ تشكيل جهد الكتاب في سعيهم الى المحافظة على الهويّة اليهوديّة في ظل مجتمع بابلي متقدِم حضاري على الأصول الرعويّة لليهود إذ سعى كتّاب التوراة والتلمود فيما بعد إلى الموروث الشفوي، فأخذ هؤلاء بجمع الموروث القديم من (بابلي أو مصري أو كنعاني) وتوظيفه من لغاياتهم الشخصيّة؛ من أجل بلورة الهويّة اليهوديّة عبر الخطاب التوراتي التي تعود بالأصل إلى (أصول الحضارات الجزريّة وليست إرثاً لليهود، وإنما ارثٌ قديم الذي استظلت به الوجوه الملوّثة بالدم والحقد والكراهيّة) (1) ؛ فهذه النصوص تحمل أقنعةً واستعارات تعبِّر عن أهداف ومرامٍ عدوانيّة تنفي الآخر وتحلل ازاحته وقتله وسلب مقتنياته وأرضه . كما تتجسد في القراءات الاحيائيّة الأصوليّة في الصهيونيّة والأصوليّات الدينيّة الأخرى، فهي تحاول أنْ تجعل من الذات اليهوديّة أن تؤسس الاختلاف عن أعدائها، وتجعلهم خارج مورد الحق، وفي النهاية قتلهم واستباحة دمائهم.

لكن تبقى العوالم التي شكلتها النصوص المقدّسة ومنها التوراة والتلمود بمثابة عوالم تخيليّة تحوي كثيراً من الأقنعة والاستعارات فإن (التخيّل يمكن أن يقدم عالم الهجاء المنحط، أو عالم الأنشودة العاطفيّة البطولي، أو عالم الحكايّة المحاكي؛ لكنّ العالم الحقيقي محايد أخلاقياً، أمّا العوالم التخيليّة فإنها محملة بالقيّم، وهي تقدم لنا وجهة نظر عن وضعنا ذاته بطريقة تجعلنا – ونحن نحاول تبين موضعها – نلتزم في وضعنا الخاص) (2) في التأويل والقراءة اليهوديّة للنصوص نحاول دائماً أن نتخذ منها نماذج في العمل اليومي وبخاصة في تقليد النماذج المتخيّلة في التلمود والتوراة وتحولها إلى نماذج للفرد اليهودي يحاول تقليدها في علاقته بأخيه اليهودي أو بالآخر، متخذين من تلك النصوص فوق إرث الانسانيّة؛ بحجة كونها نصوص مقدّسة تعود الى الله، فإن الوصايا الإلهيّة للشعب اليهودي تسمو على الأفكار الإنسانيّة وبالآتي (يفترض ويفرض الانكفاء على الذات؛ والاقتناع بحيازة الحقيقة الإلهيّة؛ والخوف من التأثيرات الخارجيّة؛ والرجوع باستمرار للنصوص المقدّسة؛ والاشمئزاز من أي نصوص قد تؤثر في العقيدة . ويقدّم الإيمان دائماً على القواعد الدينيّة، فالإيمان بإله كلي القدرة هو وحده المبرر لكل الأوامر والنواهي الموجهة للإنسانيّة) (3)

1- عقيدة الصفاء العرقي والديني:

من الممكن أن نرصد بعض تلك النصوص في توصيفها للعلاقة بين اليهود والآخر، كما جاءت في التلمود مثلاً، (يجب ترك غير اليهودي اذا وقع في البئر) ويشرح الراباي جوزيف هذا القول: (فيما يخص عبدة الأصنام ورعاة الأغنام ليس هناك إجبار على اخراجهم من الحفرة التي يقعون فيها وإنما لا يجب إلقائهم في الحفرة) (4) فإنّ هذا التشريع يخفي رغبه قويّة في إزالة الآخر وإقصاءه بوصفه مختلف سواء كان يعبد الأوثان ام راعي يختلف عنهم بالمدنيّة؛ فهو أقل ولا يستحق أن يكون نداً، ولعل هذا ما تظهر التشريعات التاليّة: "اذا أقدمَ غير اليهودي على ضرب يهودي؛ فإن غير اليهودي يستحق القتل، لكن لايقتل اليهودي اذا قتل غير اليهودي، واذا قتل شخص يهودي شخص غير يهودي فإن اليهودي لايعاقب بالقتل، مايسرقه من غير اليهودي يمكنه الاحتفاظ به" (5) ؛ فهذه النظرة إلى الآخر تقوم على الإقصاء؛ لأنّه مختلف وأقل من اليهودي؛ فإنهم بهذا يفسرون المختلف للإنسياق معهم وقهره لصالح الأنا المتضخمة للمتجبر في حيز المتاح لها في التعبير عن نزعتها الإقصائيّة لإلغاء التنوع بقصد إرضاء جبروتها المدمِّر لكل أشكال التنوع. مشكلتنا إذاً تكمن في التخلص من سطوة آيديولوجيا المتجبِّر وتطرفه الفكري .وهذا ما يظهر بنظرتهم إلى الآخر بأنّ (أبناء غير اليهود حيوانات وإنّ بنات غير اليهودي قذرات منذ مولدهن) (6) ،ويظهر بنظرتهم إلى المسيح وأتباعه (المسيح وتلاميذه كانوا يمارسون السحر الأسود وكانوا حلفاء لغير اليهود؛ لكي يبدِّلوا الدين اليهودي) (7) وبالآتي فإنّ (الذين يقرأون العهد الجديد لا نصيب لهم في الآخرة) (8) وانطلاقاَ من هذا يرى التلمود أنّ على اليهود (تدمير كتاب العهد الجديد) (9) ؛ فهم يصفون غير اليهودي بـ(عابد الاوثان) أو اجنبي ومعناها يشمل المسيحي فهم يسمون الأمم الاخرى (أكيم) ؛ لانه قيل (إذا صلى يهودي وتقابل في طريقه مع (أكيم) يحمل صليباً وكان اليهودي وصل للنقطة الواجب الانحناء فيها؛ فعليه ولو كان قصده وموجها لله، الذي يحمل صليب لا شك أنه المسيحي) .(10) طبعاً هذه النصوص المقدّسة عند اليهود تجد ترجمتها في حياة اليهود إذ يقول اسرائيل شاحاك: "إذ شهدت بأم عيني يهودياً متطرفاً دينياً يرفض أن يستخدم هاتفه يوم السبت لاستدعاء سيارة إسعاف لشخص غير يهودي صادف أن وقع مريضاً في حارته في القدس "(11)

فهذه التفسيرات التلموديّة مهمّة في تفسير التوراة وبالآتي فإن الحكيم (التلمودي) له أهميّة، " تفوق أهميّة النبي؛ لأنه هو الذي يفسر رسالة الوحي وهو الذي يدمجها في حياة البشر، ومن دون التأثير الراسخ للفهم التقليدي للكتاب المقدّسة (أي التوراة) ، تصبح تعاليمه –أي تعاليم الكتاب المقدّسة – عرضة لتفسيرات قد تؤدي إلى تحطيم وحدة الثقافة اليهوديّة ".(12)

2- العودة إلى الأصول:

فكرة العودة إلى الأصول فكرة عميقة الحضور في الفكر الاسطوري فهناك دائما حياء دوري للأصول الاولى في السنة البابليّة وغيرها، يبدو أن الفكرة انتقلت الى اليهوديّة مع جملة تأميمها للأساطير القديمه، وأصبحت فكرة راسخة في الدين اليهودي اذ هناك أصل نقي لابد من احياءه وتمثله والصراع عن من يمثله تمثيلاً كاملاً (فالأصوليّة تعني تبني فكرة العودة إلى العقيدة القديمة الخاليّة من شوائب اندماج اليهود بغيرهم من الشعوب وأتباع الديانات الأخرى) . (13) فالاندماج وإن كان يجعل المواطن اليهودي يتخلص من أسر رجال الدين؛ إلا أنهم يبقون يطاردون بالتكفير وذوبانه في (أكيم) عبدة الأوثان قديماً وحديثاً، وبالآتي فهو السبب في ضياع دولة اسرائيل التاريخيّة بسبب الذنوب وعبادة آلهة الوثنيين جعلت الرب يسلِط الأقوام الجبابرة على اسرائيل وهذا حاضر بعمق في التوراة والتلمود وهذه المطاردة التي يقوم بها رجال الدين من اجل استعباد اليهودي؛ بحجة التكفير والطرد من الجنة،أو لكونه السبب في سقوط اسرائيل،أو السبب بعدم ظهور المخلص وهذا ما جاء في التلمود (سمعت صوتاً مقدساً ينوح كالحمامة يقول: "تباً للأبناء الذين بسبب خطاياهم دمّرتُ بيتي وأحرقتُ معبدي وشرّدتهم بين أمم ألأرض) .(14) فهذا النص الذي يرويه هذا الرابي يعبّر عن تفسير تلمودي للتوراة ويمارس ضغط على الضمير اليهودي ويحمِّله أسباب دمار دولة اسرائيل المتخيّلة، ويجعله مسؤول عن ما حدث عبر خروجه على العهد وباندماجه مع الأمين من غير شعب اسرائيل او قصوره في الطقوس والحقوق الشرعيّة التي يدفعها للمعبد .وقد واصل الكنيس اليهودي والحاخامات المحافظة على نقاء الشعب من الاندماج مع الأغيار،وجاءت الأصوليّة الصهيونيّة وقدّمت تأويلاً عنصرياً أيديولوجياً يستثمر الميراث التلمودي والحاخامات؛ من أجل توظيفه في بناء دولة اسرائيل المعاصرة .

3- عقيدة الخلاص (الماشيح المنتظر اليهودي):

هذا المفهوم ظهر في السبي عندما كان الشعب يرزح كان هناك من يؤسس لفهم جديد متأثراً فالفكر الفارسي (ربما أثارت الزرادشتيّة قبل ذلك ظهور فكرة المخلص في البوذيّة في صورة "متريابوذا" كما قامت إيران بدور هام بصفة خاصّة في حدوث تطور الإيمان المسيحي - اليهودي) .(15) وما قدّمه من عقيدة عن الخلاص وجدت تأثيرها في الفكر اليهودي خصوصا بعد ان قام قورش بإرجاع اليهود الى فلسطين؛ فإنّ عقيدة الانتظار تصبِّر اليهود وتجعلهم ينتظرون ظهور المخلِّص الذي سوف يدمِّر الأعداء ويعيدهم من الشتات الى دولة صهيون، اذ يعد المشايح عندهم يمثل نهايّة التاريخ اليهودي وقد تم تصوير هذا التاريخ على أساس الثنائيّة المانويّة بين الخير الذي يمثله اليهود والشر يمثِّله الأغيار؛ ( فهم يرون في ظهوره هو الخلاص الدنيوي، وأنه مرتبط بهزيمة قوى الشر وهم كل الأقوام من غير اليهود؛ لذلك فان المسيانيّة تحظى باهتمام كبير في اللاهوت اليهودي) .(16)

لقد جاءت كثير من النصوص التي وعد بها اله اسرائيل على جمعهم من كل شتاتهم إلى القدس، وإلى أرض إسرائيل، إذ سيحكمون بالعدل والسلام ويباركون بمحبة الله، ويتحقق هذا من خلال الشخص الموعود الذي يحكم في آخر الزمن بالعدل هو من نسل داود حصراً؛ لكنّ يهودا وحده هو الذي سيحقق النصر والخلاص،علماً بأنه لم يرد في العهد القديم ما يشير إلى أن شخصاً بطلاً منقذاً سيقوم بمعجزة؛ لتحقيق هذا الخلاص .(17) وهذا الخلاص يتحقق من خلال "فكرة الحرب" فالتاريخ لا يتغير الا بالحرب لهذا تجد فكرة الحرب، والصراع الدموي حاضرة في كتب اليهود المقدّسة -عندهم – ثابتة ومستمرة ومتصلة، تكاد تشمل من أوله إلى آخره؛ لهذا فإن العنصريّة اليهوديّة تحققت بفعل نفس اليهود المسبوكة بنيران الحروب .(18) وتبقي مقاومتهم لكل أشكال الاندماج هي التي تقودهم الى تغيير دينهم تلاقي مقاومة عنيفة منهم وفي هذا يقول بن ميمون: القول إنه على اليهودي الهجرة إذا ما أُجبر على انتهاك الشرع الإلهي: "عليه أن لا يبقى في دنيا ذلك الملك؛ وان يجلس في بيته حتى يهاجر". ويقول مرة أخرى، بإلحاح أشد: "عليه أن لا يبقى في منطقة التحول القسري بأي شكل؛ وكل من يبقى في مكان كهذا إنما يجدّف على اسم الله وهو شرير كالآثم عن قصد؛ أما بالنسبة لأولئك الذين يضللون أنفسهم بالقول: إنهم سيبقون حتى يأتي المشيح (المسيح المنتظر) ويقودهم في حرب إلى القدس؛ فلا أعرف كيف سيطهِرهم (المشيح) من وصمة عار تبديل الدين". (19) 

4- التأصيل العرقي للدين اليهودي (شعب الله المختار):

وهذا قد عبرت التوراة عنه مثل سفر التثنيّة بشأن الوعد (لأنّ أعينكم هي التي أبصرت كل صنائع الرب العظيمة التي عملها،فاحفظوا كل الوصايا التي أنا أوصيكم بها اليوم؛ لتتشددوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي عابرون إليها لتمتلكوها ولتطيلوا الأيام على الأرض التي أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم أرض تفيض لبنا وعسلاً .) تبدو هذه الأصوليّة على الرغم من طابعها الدنيوي وصراعاتها على الأرض كأي صراع بدوي إلا إنها تحاول أن تمارس دمجاً دنيوياً بآخرغيبي مقدّس من أجل جعل الصراع مقدس؛ فالمؤمن هنا يمنح كل ما هو نسبي ودنيوي طابعاً كونياً مقدساً على حساب الانسان وكرامته من أجل خرافات أو أضغاث أحلام، فـ(إن بني إسرائيل سيكونون طرفاً في علاقة تعاهديّة مع يهوذا فهو الإله الذي تصوِره التوراة بصورة الملك وهم الشعب الذي تصوِره التوراة بأنه شعب خاص بذلك الإله، ويلاحظ أن هذه النصوص تثير في النفوس شعوراً بالتفوق والعلو والتمييز على الأمم الأخرى) .(20)

يبدو أنّ غاية اليهود حرمان العالم من الأمن والاستقرار وأساس تلك الغاية الرؤية التلموديّة التي تقول "يجب على كل يهودي أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود من دون سواهم وقبل أن يحكم اليهود باقي الأمم يجب ان تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقي، ونحقق النصر القريب، وحينئذ تصبح الأمة اليهوديّة غايّة في الثراء؛ لانها تكون قد ملكت أموال العالم جميعاً ويحقق أمل الأمة اليهوديّة بمجيء إسرائيل، وتكون هي الأمّة المتسلِطة على الأمم الأخرى عند مجيء المسيح ".(21) ؛ فهذا النص مثلما يسوِغ تقبل الصعوبات بالأسر أو الشتات؛ فهو ايضا يواصل الضغط على الفرد وجعله مذنب بحق المقدّسة؛ لكونه لم يمارس الطقوس وطاعة رجال الدين؛ فهذا يجلب الذنب،ويقود الى انتقام الإله من ذنب الانسان، فالكتب المقدّسة اليهودية تطارد الانسان وتحاول تطويعه من أجل غاياتها الماديّة؛ ؛ لهذا فهي ترسم له أصل متخيل متعالي على الاجناس الأخرى عرقيا ودينيا؛ من أجل المحافظة على وحدة الجماعة اليهوديّة في مواجهة التأثيرات السلبيّة للأغيار، فالجيتوعلى الرغم من كونه سلب اليهود في (الحقوق والعدالة وحق الدفاع عن النفس) ، إلا إن هذا الوضع أرحم في نظر السلطة الدينيّة من الذوبان في الواقع الاجتماعي للأغيار؛ لأنه في هذه الحالة يخرج من هيمنة رجال الدين والمؤسسة الدينيّة .واليوم في المجتمع الاسرائيلي هناك صورة متشددة لتعريف اليهودي فإنّ أتباع المذهبين (المحافظين والأرثوذكسي) لا يجيزون الزواج من هؤلاء المتهودين أو من يمثلهم بل يعدون النسل عن مثل هذا الزواج أبناء زنى (22) ، اكيد يمكن القول لا توجد ديانة معصومة عن التعصب، ولكننا وجدنا ان هذه الترسانة من النصوص التي تحض على نفي الاخر وتجوز قتله وتصوره بصور نمطيّة،فهذه المؤسسة غير المتسامحة بل الأصوليّة غير المنفتحة وغير متحاورة، ولا تقبل مراجعة نفسها، وتعتقد انها تمتلك الحقيقةوتريد اخضاع الاخرين لها اكيد هي سبب كل المحن التي خلقتها لليهود على اختلاف اجناسهموأوطانهم ومذاهبهم، واليوم نجد هذه الأصوليّة تجد ترجمتها في دولة اسرائيل .

 

الدكتور عامر عبد زيد الوائلي

..............................

(1) ناجح المعموري،أقنعة التوراة، دار الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، غمان، 2002م، ص9.

(2) عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء –المغرب، ص56-57.

(3) إيمانويل هيمان، الأصولية اليهودية، ترجمة، سعد الطويل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،2012م، ص24.

(4) عاطف عثمان حلبية، غرائب التلمود،ج1، القاهرة، ص 25.

(5) غرائب التلمود المصدر السابق، ص27-28.

(6) المرجع السابق، ص28.

(7) المرجع السابق، ص30.وانظر: بيتيرشيفر، يسوع في اللمود المسيحية المبكرة في التفكير اليهودي الحاخامي، ترجمة، نبيل فياض، المركز الأكاديمي للأبحاث، ط1، بيروت،2016م.

(8) المرجع السابق، ص32.

(9) المرجع السابق نفس الصفحة .وانظر في هذا الصدد ايضا: روهلبخ، الكنز المرصود في قواعد التلمود، ص51-55. وانظر ايضا منير العكش، تلمود العم سام، رياض الريس، ط1، القاهرة، 2004.م وفي هذا الكتاب لقاء الاصولية اليهودية والاصولية المسيحية وهو ما سوف نقف عندها في هذا البحث .

(10) روهلبخ، الكنز المرصود في قواعد التلمود المرجع السابق .

(11) اسرائيل شاحاك، تاريخ اليهود وديانتهم عبء ثلاثو آلاف عام، ترجمة، ناصرة السعدون، دار كنعان، طبعه خاصة،2012،ص 29.

(12) ألان أنترمان، اليهود عقائدهم الدينية وعباداتهم، ترجمة، عبد الرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، القاهرة، 2004، ص107.

(13) عبد الأمير زاهد وفكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص19.

(14) غرائب التلمود، المصدر السابق، ص127.

(15) جفري بارندر، المعتقدات لدى الشعوب، الكويت، 1993م، ص 104بواسطة: رشيد باني الظالمي، ألميثولوجيا في النص التاريخي والديني، ص131.

(16) فكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص21.

(17) رشيد باني الظالمي، ألميثولوجيا في النص التاريخي والديني، مصدر سابق،ص128.

(18) انظر: حسن ظاظا واخرون، شريعة الحرب عند اليهود دار الاتحاد العربي للطباعة،ط1، الاسكندرية، 1976م، ص 16.

(19) من مقدمة المترجم، ابن ميمون، رسالة اليمن، ترجمة وتقديم نبيل فياض،ص6،موقع:

http: //www.nabilfayad.com/%D9%83%D8%AA%D8%A8.html

(20) فكري جواد، الأسس الدينية للأصولية في الأديان الإبراهيمية، ص27.

(21) صفوان الشوادفي، اليهود نشأة وتاريخاً، دار التقوى للتوزيع والنشر،(د.ت) ، ص67.

(22) - أنظر: عرفات عبد الحميد فتاح، اليهودية عرض تاريخي، دار عمان، ط1، عمان، 1997 م، ص128.

 

مجدي ابراهيمليس من الحكمة في شيء أن يسلك الإنسان سلوكاً في الحياة يجيءُ على النقيض ممّا يعتقد. وليس من الحكمة في شيء أن يعتقد الرجل بلسانه ثم يفعل الفعل فيخالف فعله اعتقاده؛ فهذا مع كونه تدليساً يؤدي بالضرورة إلى النكوص الأخلاقي فهو أيضاً من جانب آخر يعدُّ سفاهة عارمة بالفوضى السلوكية والتخبط المعرفي وعدم الانضباط الخلقي والبعد عن الدين. إنّما الحكمة تقتضي أن يكون الإنسان على الدوام عالماً بما يعتقد سالكاً لهذا الاعتقاد. وعليه؛ فالعلم وحده لا يكفي، والمعرفة المُرَادفة للعلم وحدها لا تنهض دليلاً على إنسانية الإنسان؛ فلا يكفي مثلاً أن أعلم نظراً عن الشيء أنه كذلك، بغير أن يكون لديَّ الخبرة الكافية التي تؤهلني لإدراكه ذوقاً فضلاً عن العلم به؛ لكأنما الخبرة والتجربة شيءُ، والعلم بالشيء كما هو عليه شيءٌ آخر. أعني أن التجربة المُعاشة هى الفيصل في جميع الخبرات التي يُراد لنا معرفتها؛ فنحن لا نكون جديرين بالمعرفة ما لم نكن في أنفسنا أهلاً لهذه الخبرة التي من شأنها أن تجيء كما لو كانت متلبّسَة بها.

إدراك الشيء بالعلم وحده لا يكفي، ودرجة العلم مع أهميتها الضرورية في الحياة ضعيفة جداً. وعلمك عن الشيء كما هو ليس هو حقيقته؛ فَهَبْ أن أمامك الآن كوباً من الماء، وكوباً من شراب آخر لا يختلف عن لون الماء، وكوباً ثالثاً لا يغاير ما هو ممتلئُ به من حيث اللون الكوبين الأولين؛ فمن أين لك بمعرفة ما في تلك الأكواب الثلاثة لو أنك قصرت النظر فقط على إدراك الحاسّة البصريّة الظاهرة؟ تبقى بعد ذلك الخبرة التي تطلعك ذوقاً بمقدار ما في الأكواب الثلاثة من "حقائق"، ومن ثمّ نستطيع التمييز بينها. والخبرة التي نعنيها هنا هى "التذوق"، بالذوق تُفَرِّق طعم الماء من طعم الزيت من طعم الخمر مثلاً، لو نقلت العلم إلى ميدان التذوق.

وكما أن ها هنا تذوقاً حسياً، فهنالك أيضاً تذوق معنوي روحي؛ فالخبرة إنما هى التذوق. بينما العلم هو علمك بالشيء قبل أن تجري عليه اختبار التذوق، أي قبل أن تختبر طعم الماء وتميزه عن غيره من طعوم ومشروبات.

وعلى هذا؛ تصبح تجربة التذوق غير تجربة العلم، وكذلك ذوق طعم العسل مثلاً غير العلم به وصفاً عن طريق الغير؛ فلو أن أحداً قال لك إن هذا كوباً ملئ نصفه عسل وأن طعمه حلو المذاق، فلا يفيدك وصفه علماً بطبيعة العسل إلا حين تتذوّقه، فالعلم الذي أخذته عن الغير شيء، وذوق طعم العسل شيء آخر. في مثل هذا الذوق تحوَّل العلم إلى إدراك. وكذلك تجربة الإحراق بالنار؛ فإنّ ذوقها غير العلم بها عن طريق الغير. فهذه وتلك أمثلة هى من الفوارق الضروريّة التي تطلعنا على مدى الصحة التي يتوخَّاها العارفون في التفرقة بين "الذوق" و"العلم".

فالذين يندرجون تحت ما يسمى بأرباب الأحوال وأصحاب المواجيد والأذواق هم يخبرون الأشياء بخبرات روحيّة ويتعاملون معها، وهم في الحق يتعاملون مع حقائق علويّة يدركونها إدراكاً ذوقياً يحتاج بداهة إلى ممارسة واختبار؛ فلا يغني العلم بها فتيلاً ما لم تخضعه للمعايشة والسلوك والحياة لحكم الحال.

ثم يصفون هذه الخبرات وصفاً صادقاً من طريق "الذوق" أيضاً لا من طريق "العلم"؛ فإذا هذه التجارب الناتجة عن الممارسة تتميز بذاتها عن العلم. فالفرقُ هاهنا واضح بين من يعلم عن الشيء طبائعه من خارج، وبين من ينفذ إلى أسراره وحقائقه حين يخوض عباب التجربة، فيدرك ذوقاً حقيقة ما رأى وحقيقة ما شاهد، أي يدرك حقيقة هذا الشيء من العمق والفحوى والمضمون. وليس نصيبنا نحن من الفهم ما نعلم أننا نفهمه بل نحن نفهم أشياء شتى بالبديهة والخيال ولا نعلم بها، وهى تعمل عملها في الإحساس والتفكير.

من هذه الفوارق البسيطة تتميز حكمة العارفين الذوقيّة عن حكمة النُّظار من الفلاسفة والعلماء والمتكلمين : الأولى لا شك تخضع لسلطان الحال، وتجرى في الحياة الروحيّة مجرى التذوق والمعايشة والحياة عن طريق الفعل والعمل والتطبيق : تطبيق الفكرة على الواقع العملي، والاعتقاد على السلوك الفعلي.

والثانية : تدور حول العلم لا حول الإدراك، ولا تعترف بشيء غير ما يعطيها النّظر المجرّد عن لواحق العمل والتنفيذ، ولو كانت في ذاتها ضد التذوق في الأصل والمصدر. حكمة العارفين هى التي قال فيها سيد الخلق رسول الله صلوات الله وسلامه عليه :"إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهداً في الدنيا، وقلة منطق (أي صمت) فاقتربوا منه؛ فإنه يُلَقَّن الحكمة".

فليس من الحكمة في شيء مثل هذا التكالب المسعور على زخرف الدنيا في غير مرضاة الله. وليس منها كذلك في شيء مثل هاته الثرثرة الفارغة من الوعي والعقل ودلالة العمل الكريم. وقد قيل إن آفة العلم والعلماء هى الخوض في الباطل، في الثرثرة : الثرثرة في الونسات وفي الصحف وفي الفضائيات، وفي اللقاءات، وفي المؤتمرات وفي الندوات، وفي الجرائد والمجلات؛ وفي سيرة الناس، والخوض في أعراض خلق الله بالباطل، وتشويه سمعتهم ونعتهم بما ليس فيهم.

هذه ضروب من الثرثرة وأدناها الثرثرة في الحديث بالعلم.

وأكثر الناس إشارة إلى الله أبعدهم عنه، "وما دُمْتَ تُشيرَ فلَسْتَ بموحِّد"، وما دُمْتَ تثرثر بالحديث عن العلم المعزول عن دنيا العمل الفعلي؛ فأنت أبعدُ ما تكون عن الأخلاق، وعن العلم، وعن الدين؛ لأن العالم الحق لا يحدّث الناس كثيراً بالثرثرة التي لا فائدة منها. العالم الحق يدرك أنه مُقَاربٌ من الحضرة الإلهيّة، وحضرة المعرفة كما صَوَّرها العارفون بالله إنّما هى حضرة بُهْت وسكون لا حضرة ثرثرة وصياح.

*    *     *

الله في عون العبد ما دام العبد في عون نفسه على طريق الله. ومن عون نفس العبد على طريق الله أن يفهم كلامه، وأن يتقرب إليه به، وأن يراقب نفسه من خلاله، وأن يكون بالقرآن خلوصاً في القصد والتبعة، وأن يعقل من حكمة هذا الكلام بمقدار ما يفهم، ولا عقل له ولا فهم وهو بعيد من حيث يظن القرب؛ لأنه بعيدٌ عن فهم القرآن، وقد تَرَادَفَ فهم القرآن مع الحكمة فقيل في حقه إنّه الحكمة بعينها، وما الحكمة إلا فهم لطائف القرآن ووجوهه ومعانيه كما حكى عن الإمام على بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال :"لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب؛ لفعلت".

بالقرآن تتوارد على قلوب العارفين نفائس الحكمة ولطائف العرفان. وبالقرآن ينظرون ويفكرون ويتأملون ويعيشون أخلد الحيوات. ومن أجل ذلك؛ فهم يخرّجونَ من القرآن على منهج الذوق لطائف ومعان قلَّ أن تجد لها مثيلاً في تخريجات المفسرين وتفسيرات العلماء والحكماء والمؤولين. من ذلك أنهم قالوا : ما من آية من في القرآن إلّا ولها سبع معان : ظاهر، وباطن، وإشارات، وإمارات، ولطائف، ودقائق، وحقائق. هذه سبعة ألفاظ لسبع معان، لسبع طوائف يفهمون القرآن على نحو لا يفهمه به سواهم؛ فالظاهر للعوام، والباطن للخواص، والإشارات لخواص الخواص، والإمارات للأولياء، واللطائف للصديقين، والدقائق للمحبين، والحقائق للنبيين. ثم قالوا : تحت كل كلمة، بل تحت كل حرف بحرُ حِكَم عجاج ذو قعر مواج؛ فإذا قرأه الشاهد من العارفين والصادق من الخائفين أعطى بكل حرف ذهن، ولكل ذهن ألف فهم، ولكل فهم ألف فطنة، ولكل فطنة ألف عبرة، والعبرة لا تقوم بها السموات والأرض؛ فذلك قوله تعالى :"ومن يؤتَ الحكمة فقد أُوتىَ خيراً كثيراً"، يعني فهم القرآن ومعانيه" (أ. هـ).

ولربما قُوبِلتْ هذه العبارات بالسخرية والتهكم والمناكرة من أناس لا ترتفع عقولهم ولا أرواحهم فوق النعال التي يدوسون بها قُرَاب الأرض؛ فينكرون أن يكون لهذه الحقائق وجودٌ على الحقيقة في الواقع ملموس. وإنما هى فيما يرون مجرد تخيّلات أو أشبه بالتخيّلات لا وجود لها إلا في أوهام قائليها! فهم معذورون؛ لأن أرواحهم في عزلة عن هذه المعاني؛ ولأن عقولهم المحدودة بحدود ما تفكر فيه لا تدرك غير ما تدركه السائمة، إنْ صح للسوائم أن تدرك ما يدركه إنسان! على أن إدراك السوائم والحشرات قد يكون فيه النفع لجنسه أكثر من إدراك الآدمي الذي حمل تبعة الأمانة وهو ظالم لنفسه جهول.

هم معذورون؛ لأنهم يلهون ويقودهم اللهو إلى السّهو بعيداً عن حظيرة الإيمان. ولا شرط لفقه القرآن إلا شرط البقاء دوماً على الإيمان، وعلى معدنه الأصيل الذوقي في طوايا الكرماء الأصلاء من بني الإنسان. قال الفضيل بن عياض :"حاملُ القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي له أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو، ولا يكون له إلى مخلوق حاجة، حتى الخلفاء فمن دونهم ينبغي أن يكونوا محتاجين إليه". وعن ابن عباس رضوان الله عليه إنه قال :"من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممّن أُوُتىَ الحكمة صبياً". وعن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال :"من أُوتِىَ القرآن فقد أدرجتْ النُّبُوّة في جنبيه إلا إنّه لم يوح إليه". وقال عليه السلام :"الماهرُ بالقرآن مع السَّفرة الكرام". وأقلُ ما يُقال فيمن يطالع هذا الكلام أن يدعو الله بصدق ليقول : اللّهم اجعلنا ممّن أطلعتهم بفضلك على حكمة القرآن.

وأقلُ ما يُقال كذلك أن ينظر الناظر إلى الآية الكريمة في سورة الفرقان (آية 63) حين تصف عباد الرحمن :"وَعِبَادُ الرَّحْمَن الذّينَ يَمْشُونَ عَلَىَ الأرض هَوْنَاً وإذا خَاطَبَهُم الجَاهِلُونَ قَالوا سَلَامَاً "؛ ليطالع أدب القرآن مع المنكرين والمستخفين من جهة، ويطالع من جهة أخرى أدب القرآن فيمن يتحلىَ بأدبه ويعيش حياته على هداه.

فالقارئ مرجوُّ أن يلاحظ معي ظاهر المعنى في كلمة "هوناً" أي : مشياً هيناً ليّناً ذا سكينة ووقار. والقارئ مرجوُّ كذلك أن يقلِّب في ذهنه معنى كلمة "هوناً" ليحدّدها كما أحددها أنا تحديداً يخرجها أو يكاد عن مرادها القاموسي إلى حيث الاستهانة.

وهو مرجوُّ مرة ثالثة أن يقرأ الآية مراراً ليرى فيها مثل هذه الاستهانة بعد التحديد على ضربين :

(1) استهانة اتصال.

(2) استهانة انفصال.

فأمّا استهانة الاتصال؛ فلأن عباد الرحمن الموصوفين في الآية الكريمة، نظراً لاتصال قلوبهم بالحق، لم يشهدوا غيره ولم يبصروا سواه، هانت عليهم خِلاق العبيد لا لشيء إلا لأنهم عباد على الحقيقة، قد نظروا إلى الحق باعتبار كونهم عباداً لا عبيداً؛ فاكتملت رؤيتهم للحق في القلوب والسرائر؛ فلم يشهدوا غيره أصلاً؛ فإذا خاطبهم الجاهلون خطاب الغفلة والسَّفَه والطيش والفجور الذي هم به محجوبون، كان شهودهم للحق يدعوهم إلى البقاء في معيّته لا في معيّة الخلق؛ فهم على الدوام في معيّة الرحمن، وهم بتلك المعيّة محجوبون عن رؤية الخطاب أو سماعه من أولئك الذين تسفّهوا عليهم بطيش الخطاب.

هذه هى استهانة اتصال يكون فيها عباد الرحمن على صلة قوية بالله يستهينون فيها بسواه، ولو كانوا فجّاراً جبابرة. أمّا استهانة الانفصال؛ فلأنهم عباد الله على الحقيقة، ما كان يمكن لهم أن يعترضوا على الجاهلين في سفه الخطاب، وهم يرون أفضال الله تعالى مسبوغة على خلقه، ومن بينهم أولئك الذين يعصونه ولا يطيعونه. وفي الحق ما عصوا إلا أنفسهم، وما أضافوا إليها إلا الصّغار والموات والعدم والفناء.

ففي الطاعة لا شك حياة، وفي العصيان دمار وموات؛ ولأنهم عباد الرحمن على الحقيقة؛ فقد عرفوا من هذه العبودية أن الله تعالى ما كان عطاؤه مقصوراً على عباده وكفى، ولكنه أيضاً عطاء مشمول لعبيده؛ فاحترموا قضاء الله المبرم على عبيده حتى إذا ما صَدَرَ عن العبيد خطاب فيه من الطيش والفجور ومن السّفه والضلالة ما من شأنه أن يؤذي عباده على الحقيقة، كان استقبال العباد لهذا الخطاب، عينه أو مثله، ضرباً من ضروب العبودية؛ لأنه ضرب من التسليم المطلق بقضاء الله على عبيده والرضا به من خلف حجاب السبب، ولو كانوا من الجاهلين.

تلك كانت ولا ريب استهانة انفصال : انفصال السّر عن رؤية شرور العبيد، واتصال من جهة أخرى برؤية أقدار الله فيهم. ولكونه منفصلاً من تلك الجهة لا جَرَمَ كان السّر متصلاً بالجهة العلويّة؛ فهؤلاء العباد الموصوفون في الآية الكريمة بأنهم "عباد الرحمن"، متصلون من جهة، منفصلون من جهة أخرى. متصلون بجهة الحق فهم يستهينون بأفعال الخلق الذين هم من طائفة العبيد. ومنفصلون عن جهة الخلق فهم يستهينون بأفعال الخلق لا من أجل الخلق في ذواتهم بل من أجل مراعاة أقدار الله في خلقه وفي عبيده.

ومن أجل أنهم يفهمون دلالة هذه الأقدار فيراعونها مع الاحترام مراعاة اللطف والشفقة بالعبيد فهماً عن الله، فهم إنما يمشون على الأرض هوناً محفوفاً بالسكينة والوقار، وهو في الوقت نفسه محفوف بالاستهانة بأفعال العبيد وبأخلاق العبيد؛ لا لشيء إلا لأنهم (العبيد) يجهلون أقدار الله فيهم، في حين يعلم العباد من هذه الأقدار ما من شأنه أن يجعلهم قادرين على تحملها، وتحمل ما يصدر عنهم من أعبائها ولسان حالهم يقول : سلامُ سلام، لكنه سلام مُتَاركة وتجنُّب لا سلام تحية واتصال. وهو، من بعدُ، سلام انفصال مع احترام قدر الله المشهود فيهم من خلف حجاب الأسباب والأفعال، وهو شهود لا من أجل العبيد، ولكن من أجل الله وكفى. والله، الله، على ألطاف الله بعباده في كل حال.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمد بنيعيشأولا: البنية النفسية وجدلية الحقيقة عند الغزالي 

ليس الموضوع مجرد نبش في التراث وسرد ما فات وكأننا لا نعيش ونعاني مما ما نحن فيه من الآفات،ولكن الأمر يتعلق هنا بوصل الفكر الإسلامي بالإنساني العالمي بعضه ببعض على مستوى المشترك النفسي والمنهجي المؤدي إلى فهم الواقع والتفاعل معه،وذلك من أجل ضمان الاستمرارية والمواكبة،وإلا فسنبقى بدون هذا الربط وبهذه القطيعة معلقين بين الماضي والحاضر ولا مستقبل لنا ولا مرجعية ولا قدرة على المنافسة.

وأبو حامد الغزالي كما لا يخفى على الباحثين يعد من بين جهابذة الفكر العالمي الإنساني والإسلامي خصوصا. وهو خريج مدرسة نظامية وليست عشوائية ومذهبية تراثية ضيقة، أي أنه كان أكاديميا بكل ما تحمل الكلمة من معنى. كما أنه قد كان من رواد الدراسات المستقبلية والتوقعات الفكرية والذهنية المبنية على الواقع وامتداداته وتولداته.

ومن بين أقواله الرائعة في هذا الباب ما عبر عنه في كتابه جواهر القرآن: " بل أقول ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود وإن كان في قوة الآدمي الوصول إليها وعلوم كانت قد خرجت إلى الوجود واندرست الآن فلن يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من يعرفها،وعلوم أخر ليس في قوة البشر أصلا إدراكها والإحاطة بها ويحظى بها بعض الملائكة المقربين فإن الإمكان في حق الآدمي محدود والإمكان في حق الملك محدود إلى غاية في الكمال بالإضافة كما أنه في حق البهيمة محدود إلى غاية في النقصان وإنما الله سبحانه هو الذي لا يتناهى العلم في حقه، ويفارق علمنا علم الحق تبارك وتعالى في شيئين: أحدهما انتفاء النهاية عنه والآخر أن العلوم ليست في حقه بالقوة والإمكان الذي ينتظر خروجه بالوجود، بل هو بالوجود والحضور،فكل ممكن في حقه من الكمال فهو حاضر موجود.."

 يقول عبد الغافر - وهو أحد معاصريه- يصفه: "لم تر العيون مثله لسانا وبيانا ونطقا وخاطرا وذكاء وطبعا". ويقول السبكي: "وكان رضي الله عنه شديد الذكاء سديد النظر عجيب الفطرة مفرط الإدراك قوي الحافظة بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة "[1].

 فيكاد هذا الوصف أن يقع عليه اتفاق كافة المؤرخين للتكوين النفسي عنده،كما قد صدر عن محبيه وعن المعتدلين في الموقف منه،بل حتى من المتشددين نوعا ما في الحكم عليه،وأذكر منهم ابن تيمية كمعارض له في بعض أفكاره، حيث يقر له بصفة الذكاء والشغف العلمي كما يقول في بعض نصوصه:

". . . وسبب ذلك أنه -أي الغزالي- كان قد علم بذكائه وصدق طلبه ما في طريقة المتكلمين والمتفلسفة من الاضطراب ء وآتاه الله إيمانا مجملا كما أخبر به نفسه . . . ".

 ويقول أيضا مفيضا في وصفه بالذكاء والفطنة ما: " وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلم والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف . . . "[2].

 ولقد وصلت قوة الذكاء عند الغزالي لدرجة أن اعتبرت طريقته في الاستنباطات من باب الحدسيات نظرا لموافقتها الصواب حتى إن الجويني كان يقول عن تلامذته إذا تناظروا: "التحقيق للحوافي والحدسيات للغزالي، والبيان للكيا"[3].

 إن صاحب هذا الذكاء المفرط،قد انتابته نوبة الشك فيما لديه من علوم كان قد ورثها عن أهله وأساتذة بلده،يحكيها لنا بصدق في كتابه المنقذ من الضلال: ". . . فتحرك باطني إلى حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات،فقلت في نفسي: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي![4].

هذا الشك الذي وصف حالته لم يكن شكا عارضا ولا اختلالا في أسلوب التفكير أو المزاج،ولم يكن شكا حقيقيا مطلقا كما هو الشأن لدى الهلنستيين؛ كبيرون مثلا[5]، كما أنه لم يكن شكا سوفسطائيا كالذي تصدى لنقضه أرسطو[6]،وإن كان قد صرح بأنه قد مر بمرحلة سوفسطائية إلا أنها كانت حالا وليست مقالا.

 كذلك لم يكن شكه أيضا ما يعرف بالشك المنهجي[7] الذي يفرضه صاحبه على نفسه بإرادته رغبة منه في امتحان معلوماته واختبارها دون التأثر بأية أفكار مسبقة،أو بالمعنى الأوضح: الشك المنهجي الذي يجعل الباحث ينطلق من الصفر بغية معرفة الحقيقة،وإن كان هناك نوع تشابه بين هذا الأخير والشك الذي أعلن عنه الغزالي إلا أن القضية لديه تختلف اختلافا جوهريا من حيث المنطلق .

 بحيث إنه كان مؤمنا بالإسلام ابتداء[8]،لكنه غير مطمئن إلى المذاهب المختلفة التي نشأت عنه ؟ فأراد استجلاء الحق عند كل منها حتى يطمئن إلى مذهب معين يكون مرتكزه في حياته العقدية واتجاهه الفكري و مسلكه السليم إلى الآخرة.

وبهذا فقد يختلف منهجه في الشك عن الشك المنهجي المعروف عند الفلاسفة في نظرية المعرفة،لأن شكه قد انطلق من قاعدة للبحث في الفروع،بينما الشك المنهجي لا قاعدة له في الانطلاق.

ثانيا: النفسية الغزالية بين إشكالية الشك والتطلع المعرفي

 ولقد كثر اللغط كما كثر الغلط حول مسألة شكه هل كان قصة مخترعة والحقيقة أنه لم يشك أبدا؟ أم كان شكا في الدين دون الحواس والعقل؟ أم أنه شك في كل شيء؟ أم أن شكه كان في العقل من أجل الدين؟.

 فهذه كلها آراء متضاربة يلطم بعضها بعضا وتتميز بإسقاطات سافرة[9] لا يسمح المجال بالخوض في مناقشتها وإنما أضرب عنها صفحا، لأن مقصودي من إثارة مسألة الشك عنده ليس فقط إلا إبراز حالة من أحواله النفسية التي قد أجعل منها ممهدا للخوض في دراسة ما خلفه من أفكار وما ساهمت به في تكوينه النفسي .

 هذا الشك الذي ألقى بكلكله وثقله على صاحبنا قد اعتبره مرضا وليس مرحلة عادية،وكان تعليله بأنه ابتداء قد أصاب أدوات المعرفة وهي: الحواس والعقل، وقد دام كما يحكيه عن نفسه:

 " قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال،ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين،ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف.

 فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة"[10].

 على هذا فإني أنفي أن يكون شكه في البداية شكا منهجيا حتى ولم يكن قد صرح بأن ما انتابه مرض، لكن منهجيته في الشك تجلت بعد الخروج من الاضطراب الذي عانى منه وذلك حين حصر أصناف الطالبين للحق حيث يقول:

"ولما شفاني الله تعالى من هذا المرض بفضله وسعة جوده انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق:

1- المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.

2-الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم .

3- الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان .

4- الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة .

 فقلت في نفسي: الحق لا يعدو عن هذه الأصناف الأربعة،فهم السالكون سبل الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته . . . "[11].

 يمكن إذن القول بعد استعراض هذه النصوص المكثفة حول شك الغزالي أنه ينقسم إلى قسمين: أصطلح عليهما كالتالي:

أ- شك وهمي: مرضي لا إرادة له فيه وهو شك بالذات في الذات .

ب-شك عقلي،صحي: يمتاز بوعي كامل بالمسئولية والأبعاد التي يهدف من ورائها،وهو شك مقعد وليس بطليق ؛وينصب على الوسيلة وليس على الغاية .

 بهذا التقسيم يتسنى لي القول بأنه لولا الشك الوهمي المرضى والمزعج لاستقراره النفسي لما كانت له منهجية في بحثه و بعد فكري كالذي وصل إليه، كما أن رجة المرض واضطراباته كانت من بين العوامل في توسعة أفق فكره.

 ولكي تتحقق هذه النتيجة تلزم حلقة وصل بين الشكين: الوهمي والعقلي،ألا وهي الاستشفاء من الوهمي واسترجاع أطيافه في مرحلة الشك العقلي.

 إذ بدون حلقة الشفاء فلن تكون للشك الوهمي أية أبعاد سليمة أبدا، لأن استمرارية المرض و زمانته لن تؤدي إلا إلى الهلاك، سواء على صعيد الصحة النفسية أو الصحة الجسدية،وهذا كلام تؤيده الدراسات الحديثة المتخصصة في علم النفس أو الطب النفسي الحديث بل حتى العصبي.

 فمن بين الشروط التي تشترط لنجاح الطبيب في مهنته العلاجية بخصوص الأمراض النفسية أن يكون قد مر بأنواع منها وعانى مرارتها، مما سيولد له فهما سريعا ودقيقا للأحوال النفسية للمريض وخفاياها وإيماءاتها[12].

فهذا ما لوحظ على الغزالي في تدقيقاته العلمية وتفهمه للأحوال النفسية وتعرضه لها بغزارة تأليف، كما صرح بنظريته المعرفية في هذا المجال حيث قال: "وكم فرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا وشبعان ".

 مما تنبغي الإشارة إليه هو أن بحثه في أصناف الطالبين لم يكن من أجل الاستيقان من الحق ولكن سعيا من أجل التحقق من الاستيقان أي تعميق الرؤية والاستيعاب وتفادي الأحكام الجاهزة والإسقاطية،ودليله على ذلك أنه أعلن في النهاية ثقته بالضروريات العقلية وأنها قد عادت إلى وضعها السليم، وأنه توصل إلى ذلك بنور قذفه الله في صدره وانشرح لذلك، وهذا يعني أن مسألة الشك لم يعد لها أثر عنده وإنما هو الآن منصب على أي المنهج الأسلم للعروج على سلم المعرفة وتحقيق المصالح العليا للأمة .

 فلقد انتهى به المطاف كما هو معلوم إلى تبني المنهج الصوفي الذي رأى فيه الباب الوحيد والمفتوح للزيادة من المعارف وتوظيف الحدسيات على مصراعيها، وخاصة فيما يتعلق بالمعارف النفسية والروحية كما صرح به قائلا:

 "والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السابقون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق"[13].

 بهذا فيكون قد سلك طريق التصوف عن وعي واستقرار نفسي و ليس عن هروب من حيرة الشك والرمي بنفسه في أحضانه كالمنهوك[14]مثلما يحلو للبعض أن يرشقوا بالألفاظ حيث اتفق !.

كما أن اعتماد العنصر الروحي في التنوير الفكري قد يعد الأكثر نتاجا والأدق رؤية في تحليل ما يجري حولنا من أمور وتحولات سياسية ودولية لا نستطيع فهمها ولا تحليلها بمجرد التحليل العادي والاستنباطي الناقص. فلربما قد يمد القلب الصادق والمصقول العقلَ السليم والذكيَ بما يلزم حتى لا يأثم. . .

فما أحوج الأمة في عصرنا الحالي إلى هذا النوع من الذكاء التنويري الحاد الذي يقرأ الخطاب والنوايا والخلفيات بشفافية وعمق،كما ما أحوجها إلى عقول مشككة منهجيا في المعلومة والخبر حتى تتبين الصدق من الكذب والقصد السليم من الاستدراج،وما أكثر ما دمرت دول وأسقطت حكومات وحضارات بسبب الجزم النفسي بالعلم والاندفاع الغوغائي التقليدي، وبمجرد الإشاعة، فكانت العواقب وخيمة ترى بالعين المجردة الرمداء وتمرض بها القلوب،والأعراب على الباب كما يقول المثل !!!. . .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1] السبكي: طبقات ج4ص107

[2] ابن تيمية: مجموع فتاوى ج4 كتاب مفصل الاعتقاد ص64

[3] السبكي: طبقات ج4ص106

[4] الغزالي: المنقذ من الضلال ص76

[5] توفيق الطويل: أسس الفلسفة ط6-1976ص304

[6] نفس ص318

[7] نفس ص313

[8] الغزالي: المنقذ من الضلال ص45

[9] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي،المؤسسة العربية للدراسات والنشرط1-1400هـ1980مص271-274

[10] الغزالي: المنقذ من الضلال ص11

[11] نفس ص12-13

[12] الدكتور أمين رويحة: التداوي بالإيحاء الروحي،دار الأندلس بيروت ط1-1969ص20

[13] الغزالي: المنقذ من الضلال ص44

[14] الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ص275