محمد غانيتصور معي اخي القارئ ان يتاح لك الجلوس وجها لوجه لتتبادل اطراف الحديث مع نجباء الكون في هذا العصر، فكم ستكون سعادتك مبهجة لما تعلمه من مقدار الاستفادة العظيمة التي قد تستقيها من هؤلاء، طبعا في جلسات متتالية، كل منهم على حدة، فما بالك ان ترجع بك كبسولة الزمن لتجالس من تريد من النخبة من عظماء الفكر والعلم عبر التاريخ، لترتشف منهم العلم والمنهج وشحذ القريحة على حد سواء، نفس هاته الفكرة هي ما صوره ديكارت في قولته البديعة "ان قراءة افضل الكتب جميعها يشبه محادثة مع  نجباء القرون الماضية".

اظن ان مثل هاته القولة تكون كافية في الغرب لتمرير أهمية القراءة للآخر، لكن في بعض الأحيان تمر إشارات بليغة كهاته مرور الكرام امام اعيننا، دون ان نلقي لها بالا، لأننا لم نتصورها تصورا واعيا كما ينبغي، لذلك نجد انه في غاية الأهمية، البحث عما يعضد هذا الطرح الذي نجده كافيا لجعلنا لا نفتر عن القراءة طيلة أيام الأسبوع بل قد نبحث دون جدوى لاضافة يوم ثامن لقضاء اغراضنا كما صاغت ذلك السيناريست والاديبة الامريكة لينا  دونهام بذكاء"لنن واقعيين فنضيف يوما ثامنا للأسبوع المخصص بالكامل للقراءة".

وليست السيناريست دونهام هاته وحدها من استوعب الأهمية اللامتناهية للقراءة فهذا الفيلسوف الأمريكي مورتيمر جيروم ادلر ،مقرب الفلسفة الى الجماهير الشعبة بالولايات المتحدة الامريكية بسبب سلسلته الشهيرة "كيف تقرأ كتابا"، قد صاغ حكمة عظيمة نجدها متممة للفكرة أعلاه، "في حال الكتب القيمة، لا يهم كم مقدار ما تستطيع ان تحمله معك بقدر ان الأهم هو مقدار ما يمكن ان تمرره مما تحمله بين ثناياها الى جعبتك".

عندما نلتقي النخبة عبر قراءة كتبهم، فنعجب بافكارهم، ونتأثر بها، ونصطحب خلال حياتنا بعضا من افكارها التي ابت ان تتركنا، ينبغي ان نبحث في تراجم هؤلاء عن الكتب التي اثرت في حياتهم لنقرءها، كما ينبغي ان التقينا ببعضهم حقيقة ان نسألهم مباشرة عن اهم الكتب التي اثرت في حياتهم وكونت شخصياتهم فنستلهم منها، وهذا الامر نفسه الذي دعا اليه الاديب والفيلسوف الأمريكي رالف ولدو ايمرسون رائد الفلسفة المتعالية ومن دعاة الفردانية بالولايات المتحدة الامريكية خلال القرن التاسع عشر حيث صاغ ذلك كالتالي" اذا سنحت لنا الفرصة بالتقاء شخصية متقذة الذكاء فينبغي ان نسألها أي كتب قرأت".

وما اشد تشابه تعبير الكاتب والصحفي الأمريكي باتريك جايك أ.رورك عن القراءة بحديث نبوي شريف عن أهمية الغرس، كما لا يخفى التشابه بين غرس النبات وغرس الأفكار، فكلاهما ينتج الثمار، فهذا الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم يدعو الى الغرس ولو في آخر رمق حيث روي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، وهذا باتريك جايك أ.رورك يعبر عن أهمية القراءة لآخر لحظة بقوله "اقرأ دوما شيءا يجعلك تبدو جيدا وانت لم تتممه بعد".

 

د. محمد غاني،  كاتب، المغرب

 

ولدت توكارتشوك في 29 يناير1962في سوليكوف غرب بولندا لابوين يعملان بالتدريس، درست في العاصمة البولندية في جامعة وارسو ونالت شهادة في علم النفس، وعملت لفترة معالجة نفسية في جنوب غرب البلاد قبل ان تبدا الكتابة، وقد اصدرت ديوانا شعريا قبل ان تنطلق في عالم الرواية،، وبعد نجاح اول كتبها كرست نفسها للادب، وقد الفت 12 عملا ادبيا، وتسجل كتبها افضل المبيعات في بولندا، وقد ترجمت اعمالها الى اكثر من 25 لغة من بينها الكاتالونية والصينية، وقد حولت الكثير من اعمالها الى مسرحيات ومسلسلات وافلام سينمائية.

وتتراوح اعمالها المتنوعة جدا بين القصة الخيالية الفلسفية (الاطفال الخضر) عام2010وصولا الى الى الرواية التاريخية الواقعة في 900 صفحة (كتب يعقوب) عام 2014 .

في عالمها الشعري يختلط المنطق واللامنطق، فعوالمها في حركة دائمة دؤوبة دون نقطة ارتكازوثبات مع شخصياتها لتشكل لوحات جمالية رائعة تحاكي الواقع، وتتمتع بلغة رصينة غنية دقيقة وشاعرية تهتم بادق التفاصيل.

تصف توكارتشوك نفسها على انها شخص من دون سيرة شخصية، فهي تجسد جميع شخصيات رواياتها التي اخترعتها وخلقتها من تفاصيلها الذاتية المؤلفة من عدة حبكات، ومن اللافت للانتباه بساطتها وسلاسة لغتها وتسريحتها التي تتميز بعدة ظفائر افريقية.

ويبدو ان عامي 2018و2019 عامي الحظ بجدارة للكاتبة البولندية توكارتشوك، حيث فازت اولا بجائزة (البوكرمان) عن روايتها "الرحالة" وتعد اول كاتبة بولندية تفوز بالبوكر على مدى تاريخها، ثم جائزة نوبل للاداب.

وشاركت اولغا في كتابة سناريو فيلم"سبور" للمخرجة انييسكا هولاند والمستوحى من رواية"عظام الموتى" الذي يتراوح بين العمل البوليسي البيئي والرواية الفلسفية المتخيلة، وقد فاز بجائزة الفريد-باور في مهرجان برلين ومثل بولندا في السباق الى جائزة اوسكار افضل فيلم اجنبي.

 

مريم لطفي

 

نجيب طلالأي لغة وأي خطاب يمكن أن يقال أو يستقيم قوله؟ أمام الوجه المكشوف والبشع الآن تجاه (اليوم/ العالمي) (للمسرح) الذي أمسى أياما تداخلت فيما بينها بسرعة متناهية؛ منتجة  عرضا "مسرحيا" دوليا / عالميا/ كونيا / بطله "فيروس" يُمسرح أحداثه بكل وثوقية وجرأة متناهية النظير!

"فيروس" يمارس فعله التلقائي أمام  شخوص عالمية اختلفت لغتهم وتميزت قدراتهم الفكرية والفنية.

إنَّه يحاور ويلاعب بإبداعه الواقعي/ الزئبقي، جموعا بشرية  تميزت ديانتهم وسلوكياتهم وذهنيتهم .

بذلك مقدما عرضا ["كورونِيّا"] دونما تداريب ولا اتفاق مسبق ولا قبل رفع الستار؛ وبدون استقبال الجمهور لصالة العرض؛ مغيرا عوالمنا وأحلامنا وطموحاتنا لكوابيس لم تكن متوقعة؛ ماسحا من الخريطة السنوية  [اليوم العالمي] للحميمية والحركة الخلاقة في بقاع العالم؛ وإن كان اليوم العالمي للمسرح في (العالم العربي) يأخذ طابع (الشكوى) وصناعة (الأزمة) والبحث عن أفق الإنتظارات ! لكن المثير في 2020 العالم بأناسه وعباده وحيواناته وطيوره وجدرانه ومعالمه تشرئب أعناقها وأرواحها لأفق الإنتظارات من سينتصر: هل الطبي أو الفقهي؟ أم السياسي أو المشعوذين؟ أم الديني أوالسحرة؟ أم العلمي أو الدجالين؟ أو مروجي الشائعات والإشاعات؟ أم اللجوء إلى بركة الأولياء والشيوخ وترديد الأدعية ؟ أم فيروس كورونا؟

ذاك الفيروس (اللعين)  لقد حصد أرواحا في الشرق الأقصى؛ وهو يحصد أرواحا بكل قناعة وجرأة في أوروبا التي حولها إلى – جريحة – بكل المقاييس ! معلنا فتوحاته في الشرق الأدنى و إفريقيا؛ التي حول ركحها المظلم سلفا إلى روايات سوريالية ومشاهد مسرحية تراجيدية اختلط فيها الواقعي بالديني والخيال بالسياسي ! وأيهما حقيقة ؟ أمام الحزن المؤجل والبكاء المضمر بين قتامة الوجود؛ وجود يزاحمه ويسعى أن يلتهمه الوباء؛ ذاك الوباء الذي يحمل مملكته فوق تاجه / إكليله المتطور؛ الذي أوقف الحركة الإبداعية من فوق الركح وخارجه  وشل جمالية الإبداع و نسف جغرافية الجسد في بلاغته؛ فارضا إغلاق مسارح عالمية وغيرها وخلت من العاملين والممثلين والجمهور بدون فتوى فقهية بل بقوة وجوده الحارق ! وإضفاء الأنوار بدون سند قانوني بل بقوة وجوده القاتل ! وإعادة أموال كثيرة لجمهورها الذي حجز " تذاكر" العروض بشهور قبل اجتياح " فيروس كورونا" بدون دعاوي ولا محاكم بل بالأخلاق السامية والاتفاق المبدئي بين المسارح التي تحترم جمهورها؛ وتحترم نفسها قبل كل شيء . علاوة على الإغلاق هناك عزلة ثقافية / فكرية / جمالية مرفوقة بتكبيل وإيقاف ملامسة الأيادي أو تحريكها بدون تدخل سلطوي بل بشبحه التخويفي؛ تلك الأيادي والأكف التي كانت تصفق طربا واستحسانا ولذة وفرحا بعطاء الممثلين الموهوبين والمبدعين، الذين فرض عليهم  (الفيروس المشؤوم) معانقة الجدران (الآن) كبقية الخلق في مملكة الربِّ . والذين اعتقلوا بدون جريرة ولا جريمة تذكر؛ ليظل مولانا " الكوروني" يقدم عرضه المسرحي الساخر؛ معاندا مسرحية [الخرتيت] (ليونيسكو) ومتحديا [حياة جاليليو] (لبريشت) أو [الوباء] (لوكتاف ميربو) لكي يسري بعناده ويتحرك بكبريائه وغروره بين المناطق ويهرول ويزحف بطمعه  واندفاعه بين الفضاءات؛ يخترق ويطير عبر الأقاليم المعلومة والجهات المعروفة والقارات المرئية؛ لكنه هو غير مرئي؛ ليس جنيا ولا شيطانا بل فيروسا يحطم ويهدم ما تبقى من رمق الإنسان؛ حينما يلتصق به ! حتى اختلطت حولنا الحقيقة بالوهم كرواية [الطاعون] (لألبير كامو) فانمحى الرمز ليظل الوهمُ متناسلا بالإشاعة والإشاعة بالشعْوذة والشعوذة بالعِلم والعِلم بالدجل والدجل بالطب؛ وأيهما سينتصر؟ والإنسان في خطئة المأسوي يسقط تراجيديا أمام عرضه الساخر. كما سقط يومه 24/03/2020 الكاتب المسرحي الأمريكي (تيرينس ماكنالي) بسبب مضاعفات إصابته بفيروس كورونا. ليفقده مسرح برودواي (نيويورك) للأبد.

يالسخرية القدر " فيروس" ملعون السلالة؛ منبوذ المعاشرة؛ مكروه المصافحة. يمثل ويشخص دوره البطولي في اليوم العالمي للمسرح؛ عرضا مسرحيا لوحده . ! إنه بطل أسطوري ! تيمته [تدمير إنسانية الإنسان] وكل مسرحيي العالم يكافحون بالكاد من أجل البقاء؛ لكي يعودوا على الأقل لعوالم الأضواء ومعانقة الستارة الحمراء. وليس بحثا عن سبب الوباء الذي ضرب مدينة " طيبة"  وأهلك نسلها ورجالها؛ حتى سادت الفوضى وامتلأت المدينة بالجثث و... كما فعل " أوديب ملكا" سوفوكليس. الذي دون في  القرن الخامس (ق؛ م) كاشفا سريان وباء الطاعون وآثره الإجتماعية والسياسية ؟ فهل هذا العمل  بضخامته وروعته الأسطورية؛ سيفكر في إنتاجه أحد المسرحيين؟  إيفاء وعربونا لأرواح من فارقونا بسبب  مسرحية " فيروس كورونيا" وللتخفيف من أعراض الوباء الذي أصابنا في اليوم العالمي للمسرح "الكوروني" ولو نفسيا. أو مسرحية روميو وجولييت (لشكسبير) هذا العمل الذي وظف الدين في الوباء والوباء في الحب بعدما تم حجز الراهب الذي ساعد "جولييت" الحبيبة؛ ليصبح محجوزا في الحجز الصحي؛ وذلك لاشتباهه بإصابته بمرض الطاعون؛ رفقة  كاهن آخر.

هَذا بعْد شفاء العالم من وقع صدمة العَرض المسرحي "التراجيدي" حقيقة. بحيث لما لا يفكر مسرحيو العالم العربي (تحديدا) إعادة إنتاج أغلب الأعمال الدرامية التي تناولت الوباء بشتى تلويناته وأسمائه؛ تعويضا لما ضاع في اليوم العالمي للمسرح . لكل من يعمل في هذا الفن ال رغم هشاشة الفن المسرحي . وتعويضا عن المخيلة ، لأن المخيلة في العالم العربي قد جفت أو توقفت لأسباب متعددة. فتلك الأعمال على الأقل ندرجها من باب الاستئناس وإعادة روح الإبداع لموقعه أو كإعادة قراءة أولفهم من أين جاءت قوة وضراوة هذا الوباء (الكوروني) الذي فاق كل الأوبئة التي اجتاحت تاريخ البشرية .

 

نجيب طلال

 

محمد سعد عبداللطيفزمن ردىء والأردأ منه المُناخ الذی أناخٰ کل قافلة وعصّف بالکرة الأرضیة من کوارث طبیعیة جعل العالم الذی أصبح قریة صغیرة یعیش حالة من الرُعب، والخوف، وکیف تفرز الکوارث الطبیعیة کالأوبٸة والفیضانات، والزلازل، أنماطؑا سلوُکیة مختلفة وغریبة تمتزج فیها سلوُکیات عدوانیة من الاحتکار والنهب والسلب والجریمة والارتدادؑ نحو التطور البداٸی، حیث یُصبح الأنسان مُفترسؑا لکل شیء ویقع العالم الآن تحت عالم الخرافه والسحر والشعوذة، إن السلوکیات الإنسانیة التی تقوم علی الإبداع والتدابیر العلمیة والعملیة لإدارة أزمة الوباء والتغیرات المناخیة والاحتباس الحراري.

کان الإنسان جزءا مُهمًا ومتهمًا فی خؑلل الطبیعة.. هل یستطیع الإبداع أن ینقل صورة تراجیدية للمأساة التی تتعرض لها البشرية کما جسدها الکاتب المسرحي الإنجلیزي (ولیام شکسبیر) وهل تستطیع مدینة الفنون ومدینة الرسام "دافنشی " میلانو التی تتعرض لوباء کورونا فی الوقت الحاضر ۔

أن یخرج رسام من حول  "میدان الدومة " لیرسم لنا لوحه عن هذه المآساة وبعد تصریحات زعماء العالم وفقدهم فی السیطرة علی الوباء من تصریح "رٸیس وزراء إیطالیا " إذا استمر الحال علی ما هو علیه۔ ستحصد إیطالیا نحو" 4 ملایین " من جراء هذا الوباء، وکأن التاریخ یعید نفس السیناریو فی القرن الخامس والسادس، عندما ضرب وباء (الطاعون) مدینه میلانو شمال إیطالیا وراح ضحیته نحو نصف عدد السکان، إنها مدينة رسام ومهندس عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي " نجا فنان عصر النهضة الإيطالي ليوناردو دافنشي من وباء الطاعون الدبلي " الذي ضرب ميلانو نهاية القرن 15، وقتل حوالي خمسين ألف شخص يمثلون أکثر من ثلث سكان المدينة، التي تعيش هذه الأيام على واقع تفشي فيروس كورونا (کوفید 19).

وألهم الطاعون دافنشي لتصميم مدينة مستقبلية عبر عنها من خلال سلسلة من الرسوم والتدوينات اكتملت بين (1487 و1490)، وتوجد في مخطوطة لا تزال باقية حتى الآن، وعمدؑ فيها لتحويل مدن القرون الوسطى مثل ميلانو -التي كانت ضيقة، يصعب التنقل فيها، وقذرة، ومزدحمة، وتساعد في انتشار المرض، نحو تخطيط أكثر حداثة مدعوم بشبكة قنوات تدعم التجارة وحركة البضائع والصرف الصحي، وقسم المدينة رأسيا إلى ثلاث طبقات مختلفة لكل منها غرض مختلف.

وكانت أفكار دافنشي في زمنه مختلفة جذريا ويصعب تطبيقها على المدن القائمة بالفعل، لكنها ألهمت بناء مدن جديدة بالكامل في الأزمنة الحديثة، وسعى دافنشي لتقسيم المدينة عموديا، وفصل المناطق المستخدمة للتجارة والنقل عن تلك المستخدمة للترفيه والمعيشة.

ويمكن القول إن هذا التخطيط يشكل محاولات مبكرة للتقسيم الحديث، وهو نهج للتخطيط الحضري لم يدخل حيز التطبيق البارز إلا بعد الثورة الصناعية بوقت طويل، وكان عدم كفاءة شوارع العصور الوسطى المختنقة مصدرًا لانتشار الطاعون الدبلي، لذلك كان تحويل الطريقة التي يتحرك بها الأشخاص والمركبات وسيلة فعالة لحصار هذه الأوبئة، واعتمد تصميم دافنشي على طرق متعددة المستويات للمركبات والمشاة.

وانقسمت مدينة میلانو لمستوى علوي للمشاة والمجتمع والعناصر الجمالية، بينما خصص المستوى السفلي لشبكة من القنوات والطرق التي تستخدم لحركة البضائع والحيوانات والتجارة والمخازن، واعتمد شوارع واسعة وارتفاعا منتظما للمباني، ومداخن طويلة، ونظام صرف صحي متطورا لمواجهة الطاعون.

ولتخيل هذه الفكرة يمكن التفكير في مستوى تحت شارع المشاة والمركبات لتوصيل البضائع والأطعمة وتفريغهما في المخازن، ويمكن مقارنة هذا التصميم بتخطيط مدن حديثة تمنع استخدام السيارات في مراكز المدن، مع مراعاة الحد من الانبعاثات وتقليل الازدحام، ومنع تكدس الناس بشكل يعرضهم للعدوى المميتة كما حدث في ميلانو خلال العصور الوسطى.

کذلك أبدع الأدیب المصري " طه حسین "فی روایته (الأیام) والاعتقادات فی زمن انتشار وباء الکوليرا فی مصر ۔ففی ستینیات القرن الماضي کتب " الادیب المصري ذکی نجیب الکیلاني " روایته (لیل وقضبان) أو سجن بلا قضبان لیعیش العالم الآن فی سجن کبیر اختیاری وإجباري، وقد برع الکاتب والأدیب البریطاني (ولیام شکسبیر) فی مجموعة من أفضل أعماله خلال الطاعون الذي ضرب بريطانيا نهاية القرن الـ16، واستلهم كذلك أدب شكسبير في نهاية القرن " 16 "وأثناء تفشي وباء "الطاعون الدبلي"، الذي أودى بحياة كثيرين في سلسلة من موجات الوباء تسبب آخرها في موت ربع سكان لندن، جرى إغلاق كل المسارح في أوقات كثيرة، وكانت القاعدة الرسمية أنه بمجرد تجاوز معدل الوفيات ثلاثين أسبوعيا سيتم إلغاء العروض كافة.

وتوفي بسبب الوباء القاتل أشقاء شكسبير الأكبر سنا وكذلك ابنه الوحيد (هاملت) الذي قضى في الحادية عشرة من عمره، ويرى بعض الباحثين أن الأديب الإنجليزي كتب مسرحيته التراجيدية الشهيرة "مأساة هاملت" تأثرا بوفاة ابنه التی کانت مقررة علینا فی المرحلة الدراسیة الثانویة.

وفي العقد الأول من عهد: الملك جيمس " الأول الذي حكم بين عامي 1603-1625م، كان الطاعون يعني أن مسارح لندن ستغلق أغلب الوقت، وكانت لندن تعیش حاله فزع ورعب جسدها شکسبیر فیما یعرف بـ(تراجیدیا وباء الطاعون) وعلى العكس مما هو متوقع ألهم كتابة مسرحيات عديدة، ورغم أنه كان يعتقد البعض أن شكسبير تحول إلى الشعر عندما أغلق الطاعون المسارح عام 1593، وذلك عقب نشر قصيدته السردية الشهيرة "فينوس وأدونيس" التي ذكر فيها الطاعون، فإن باحثين يرون أن إغلاق المسارح عام 1606 سمح لشكسبير بإنجاز الكثير من الكتابة الدرامية وألف في ذلك العام مسرحيات "الملك لير" و"ماكيث" و"أنطونيو وكليوباترا".

وبالنظر إلى أن الطاعون الدبلي أهلك الشباب بشكل خاص، فقد قضى أيضًا على منافسي شكسبير المسرحيين من شركات المسرحيين الشباب الذين هيمنوا على مرحلة أوائل القرن الـ17، واستحوذت فرقة شكسبير على مسرح بلاكفرايرز في عام 1608، مستفيدة من غياب أحد المنافسين الشباب بسبب الطاعون.. وبالإضافة إلى الفرص التجارية، قدم الطاعون مخزونا قويا من الاستعارات الدرامية، وظهرت بقوة في نصوص شكسبير في تلك الفترة، وفي أحد مقاطع مسرحية "روميو وجولييت" تلجأ الحبيبة للراهب الذي يعطيها جرعة من دواء يجعلها تبدو كالميتة لتستيقظ في المقبرة وتهرب لحبيبها، لكن الراهب يتم احتجازه في الحجر الصحي بسبب الاشتباه في إصابته بالطاعون مع كاهن آخر كان يساعد المرضى، وهكذا يفشل في توصيل الرسالة إلى روميو الذي يعتقد أن حبيبته ماتت ويصل للمقبرة ويشرب السم ويموت، وحين تستيقظ (جولييت) وتجد (روميو) قد مات تنزع خنجرا من غمده وتقتل نفسها. هکذا أبدع فن ومسرح (شکسبیر) فی نقل جزء مهم من تاریخ البشریة. هل سینجح الإبداع والمسرح الراقی والأدب والفنون ان یتربع علی العرش، بعد حیاه من المادیه والنزعه الآنانیه التی إجتاحت العالم ۔

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري وباحث فی الجغرفیا السیاسیة

 

جمال العتابيوقفت على أبواب مدن عديدة، أنصت الى الاصوات الآتية من قيعانها، لم افلح يوماً ما في إسترجاع صوت حضيري ابو عزيز، بل يداهمني ضجيج الآلات، ودوي المركبات، نشوة سحرية تمتلك حواسي كلما أنصت لـ (عمي يبياع الورد)، مثل عزف رائع يمتد عبر العصور، بصوت حضيري، تتردد أصداؤه متخطياً الأبعاد، يلتقي بنا دون ان يحجبه عامل الزمن، أو يغيبه النسيان، كما لوكان نبضة حية في وحدة الوجود .

الشاب حضيري القادم من ريف الشطرة الى المدينة، يحمل بين جانحيه موهبة مغني، وطموح انسان، لم يستسلم للصعوبات، موهبة فريدة في الغناء منذ ايام صباه، الصوت الجنوبي الممتلىء عذوبة في الأداء واللحن، يبزغ صوته في أجواء المدينة، يستفز الصبايا، وغرام المراهقات فينهمر الورد مدراراً، ليرشّه ابو عزيز على خدود زينة البنات(هدية).

كان حضيري يجيد ترديد اغاني ملا منفي، وملا شنين، وملا جادر، في محل خياطة يعود لخاله، الذي رعاه بعد وفاة والده، وعلّمه اسرار المهنة قبل ان يلتحق بجهاز الشرطة، كان صوت ماكنة الخياطة يخفق مع نبضات قلبه حبيس الحسرات، ملهماً صوت حضيري القوة والإتساع، لا يحجبه جدار نحو الآفاق ينادي: (على درب اليمرون أريد أگعد ونادي)، وفي الليل تنتظر المدينة ان تنام، ولا تنام، فصوته يوقظ المدن النائمة، والبيوت لها صدى تنحاز له كذلك، تفتح نوافذها الخشبية الخرساء، ليتفجر الألم الدفين، حضيري كمن يصلي صلاة الاستسقاء في (عمي يبياع الورد)، يستمطر ماءً ونقاء، ليوقظ الازهار من رقدتها، انه الورد لاتقترب منه الصحراء .

العمر يا ابا عزيز مازال ندياً، وهدية (شالت) !!إرتحلت بعدما روت بدموعها أمانيها ..إلى أين ارتحل مرفؤك السماوي؟ واين سماؤك الأولى ؟تختلج اللوعة في أصدائها وتنتهي بأمنية، من يخفف عنك حرقة الشوق، ويبعث فيك السلوى ؟؟غير صنوك داخل حسن، يشاركك النواح، في ثنائية لعاشقين معذبين (يحضيري بطل النوح شالت هدية) .

أيها المغني، الارض تسمعك، وتصغي لك الريح (فاهجع شوية) لا تتوسل بالحمام ان يذكرك بالأنين !(حمام لتون على روس المباني)، بصوت ينسل بطيئاً، مابين الشهقة واللوعة، لعل زفير الحمام يردّ هدية اليك، لكنها غابت مثل محارة لبدت في أعماق البحر، كنت تجهش بالبكاء، وتخلع ثوب الاسلاف، وتلعن (أهلك) الذين ضيعوك، تتشفى بهم، لتغني مثل شهقات طير مأسور( هلي يظلام، ما جابوا ولفي إلي، تره الفرگة چوت گلبي چوي) وتعيدها بنبرة أشد( صلت گلبي صلي)، هلي يظلام مارحم عدكم !!

يلزمك وقت يا حضيري كي تجمع أحزانك توزعها بين عيادات الأطباء، من يعين فتى مثلك، مثقلا بالحزن ؟؟ غير نداء تستغيث به عطف طبيب( عاين يدكتور ! الگلب چم جرح مجروح) وتتمادى اكثر وبميانة مع الطبيب (لك عاين)، الروح ما تحمل بعد لا حزن لا جور، عاين يدكتور !!

انت كمن يتهجى الشهادة، لتلم شظايا الروح، ربما تريد ان تسترد(حُميّد)، محلقا في السماء، تغوص في الارض، تبحث عن(عشبة)، او مطفأة، لكنك تغرق في (مصايب الله). متوعدا حميد: آنه لك وانت لي، لون بين السما والارض ايصير اصعدلك منو اليعترض!! ابو عزيز يستعير اجنحة الحلم، معلقا بين ارض لا تجيب، وسماء تسأل : حميد انت لو موش انت !

يصعب ان نصنف حضيري ابو عزيز كأحد مغني الريف، لأنه كان يتطلع نحو التجدد في اللحن والإختيار، وإن لم يكن يعي مواجهات الزمن المتحرك، بما يحمله من توقعات حادة، ومفاجآت ضاربة، بيد ان لديه طاقات حبيسة تريد ان تعلن عن ذاتها بطريقته الخاصة، حاول ان يبقي على علاقة سليمة مع جذوره الأولى، قد لا تسعفه في المضي بالتجربة حتى النهاية، إذ يجد نفسه بحاجة الى معين متجدد لا ينضب من طاقة الحياة، فإمتلك جسارة ابن المدينة ليسافر الى بلاد الشام، في نهاية الثلاثينات، واتصل بمغنين عرب، وعقد اتفاقات مع شركات تسجيل أجنبية، ومثّل في افلام بزي مدني .

حضيري اراد ان يصير حراً بتصميم وشجاعة لايمتلكها زملاؤه المغنون، في تلك الفترة الثرية، ظهر صوته، كانت سنوات كشف وارتياد المجاهيل، منذ مطلع الخمسينات بدأت رحلة البحث عن تجارب جديدة، كان الفنان العراقي يقع من خلالها على بعض الحلول للمعضلات الفنية والادبية، وهكذا غدت تلك التجارب اشارات جديدة اقتحمت جدار المسلّمات التقليدية السائدة في الاوساط الثقافية حينذاك.

أراد حضيري ان يتآلف مع الجديد بمنظوره الريفي، ونوازعه الانسانية الصافية، فإستطاع ان يهيمن على المشاعر لعذوبة صوته ومساحته قراراً وجواباً، انطلق به ليأخذ مداه الواسع بكامل طاقته، ما دام في قفصه بقية خافق.

هذه النظرة العابرة لا يمكن لها ان تستقصي كل أبعاد أغاني حضيري، كما انها لا تستطيع ان تقع على حرارة الاخلاص التي تشع منها، الا انها تستطيع ان تؤكد (مدنية) حضيري، لا ريفيته، ولو كان على الفنان الراحل ان يجرح احساسنا بلسان صمته الأبدي لأسمعنا مرّ العتاب .

ياحضيري بن حسن رهيف العبودي، كان سحر صوتك الموّشى بالأنين، يغيض بغربة الروح الجنوبية، من يغني سواك عن الورد في ذاك الزمان؟ ومن يبيعك الورد يا ابو عزيز الان؟ ومن يواصل النداء (بالك تدوس على الورد وتسوي خِلّه)؟ فالارض ما عادت مرتعاً للحمام! بل يسكنها الشوك والحزن، والحكومات ضيعت الاوطان وضعنا، ومحت فتنة الورد.

 

جمال العتّابي

 

مما لاشك فيه إنَّ القصة القصيرة جداً من أحدث الأجناس الأدبية وأكثرها تعسراَ في التكوين والهيكلة، فقد عانت ولازالت تعاني حرباً ضروساً؛ لإثبات مكانتها الأدبية والإجناسية بين من سبقها في الحقول السردية (الرواية، القصة، القصة القصيرة) مع ما يُشن ضدها من حملات تسقيط وقولبة هامشية على يد بعض الكتَّاب المتعصبين للنوع الأدبي وبعض المنظِّرين المعارضين لكل جديد، وهنا يتوجَّب علينا الوقوف على بعض المساقات الديالكتي؛ لتصبح القاعدة الرئيسة التي سننطلق منها وهي: أسباب ظهور القصة القصيرة جداً، وأبرز شروطها، ومعيارية شكلها الفني، وهل أصبحت آخر الحلول لهواة الكتابة؟

تزامناً مع الصراعات التي شهدها الواقع البشري في عقوده الأخيرة خاصة، ظهرت القصة القصيرة جداً كنوع أدبي يُعبِّر بطريقةٍ جديدة عن الاحتدامات الداخلية والخارجية للإنسان الذي لم تعد تكفيه مساحة الرواية ولا اختزال القصة لإيصال هواجسه المكبوتة وغاياته الخفية، وأنا من هنا لا أتفق مطلقاً مع الرأي الذي يعزو ظهورها للممارسات الجديدة والمتمثلة بعصرنة السرعة واضمحلال الرغبة في قراءة النصوص الطويلة، بل أصبحت القصة القصيرة جداً الميدان الأكثر مناسبة لولوج الموضوعات الوعرة والتابوات والمضامين الصلدة التي تُعالج في باقي الأجناس بطريقةٍ تقريرية ومسارٍ مكشوف، مما يجعلها محدودة الأهداف والنتائج، أما في القصة القصيرة جداً ونظراً لمواصفات شكلها الفني والتي تتمثل بالرمزية والإيهام والتشفير والتكثيف بدا التشخيص يتسم بالفخامة وسعة الفكرة وتعددية التأويل، إذ يحتمل النص الكثير من الغائيات العميقة التي تمكِّن سهامه من إصابة أكثر من هدف، وهذا الأمر يجعلها في الغالب موجهة للنخبة من القرَّاء الذين يتَّسمون بحذاقة التفكيك والنظر لما وراء الفكرة، وإذا كانت موضوعاتها وأغراضها عميقة والحال ذاته بالنسبة لمتلقِّيها، فالأولى في كاتبها أنْ يكون على قدر كبير من المسؤولية والفطنة والذكاء في صياغة نصوصه حتى يصل بها إلى ناصية الإبداع والفرادة، وما يشاع اليوم من كثرة المؤلفات ووفرة الكتَّاب الغير جادِّين يجعل القصة القصيرة جداً تعرج في طريقها لنقطة البداية، وكأنما أصبحت في وقتنا الحالي آخر الحلول لمن يرغب في الكتابة والحصول على لقبِ كاتب؛ لأن معظم القصص يغلب عليها التقريرية والمباشرة وبساطة الفكرة ورداءة السبك وضعف الأسلوب اللغوي الذي أجده العمود الفقري الذي ترتكز عليه جماليتها وفنيتها.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

عبد الجبار نوريحكايات كليلة ودمنة من السفر العظيم في الأدب العالمي، يضمُ حكايات قصيرة من الأساطيرعلى ألسنة الحيوانات ذات مغزى أرشادي من المفيد أن (تُجيّرْ) لخدمة جيل الأطفال لكونها مليئة بالعبر ومسلفنة بالرحمة والعطف والمحبة والتآلف والفرز بين الخير والشر بأسلوبٍ مبسط مما شجعت المؤسسات الفنية والمنتديات المتخصصة ببرامج الأطفال في العديد من الدول العربية، ووجدتها في لبنان في سفرتي الأخيرة لها والتي دفعتني في الكتابة فيها، وقد أبهرني أهتمام الفنيين في تلفزيون العاصمة بعملٍ دؤوب في أستثمار هذه الحكايات القصيرة الشيّقة إلى أفلام كارتون مثل : الأسد وأبن آوى – المحتال والمغفل – طائر البحر – الناسك وأبن آوى – الحمامة المطوقة – السمكات الثلاثة – القرد والنجار .

التعريف بالكتاب     

*كليلة  ودمنة* السفر العظيم  هو من نفائس الأدب العالمي ، وهو عِبارةٌ عن قصص وحكايات رمزيّةٌ خرافيّة شخوصُها الحيوان، يُرجحْ أنّها تعودُ لأصول هندية وتُرجمتْ الى الفارسية ثم العربية وكان يسمى قبل أن يترجم بأسم (الفصول الخمسة) وهي مجموعة من قصص ذات طابع يرتبط بالحكمة والأخلاق، سطّرها الحكيم العظيم (بيدبا) وترجمهُ الى العربية (أبن المقفع) وهو يهدف الى النصح الخلقي والأصلاح الأجتماعي، ويبدو الكتاب وكأنه قصة مصورة جرتْ وقائعُها على ألسنة الحيوانات بأسلوبٍ  طريفٍ جذابْ فيه الفكاهة والمتعة.

يبدأ الكتاب: ب--- يزعموا أنّ---- ثُمّ سرّدْ الحكاية فهو يمهّد للقصة بحكمة ثم يجعل القصة تفسيراً لهذه الحكمة كقولِه :

أنّ الذي يعمل بالشبهة يعتقد أنّه صادقٌ ولا يشك به: فهو كالمرأةِ التي أعطتْ نفسّها لعبدِها ففضحّها، فأنهُ في الأصل ينطوي على جملة من اللقطات الفلسفية والمعاني الأنسانية والمُثُلْ الأخلاقية التي جعلتهُ من الآثار الخالدة ضمنْ التراث العالمى، والكتاب دعوةٌ اصلاحيةٌ في البحث والنقد اللاذع للساسة بحيث تستّر فيها الفيلسوف وراء شخصيات حيوانية درءاً من غضب الحاكم لذلك يعتبر الكتاب *جوهرة العقل* فهو يرتكز الى صراع بين قوّة المنطق ومنطق القوّة، تحتوي على حكايات قصيرة  ذات مَغزىً  أرشادي والكتاب بمجمله منقولً عن الفارسية قد نُقل أليها من الهندية وترجمهُ الى العربية (عبدالله بن المقفّعْ) .

وهي قصة عن ملك هندي يُدعى (دبشيليم) طلب من حكيمه (بيدبه) أن يؤلف له خلاصة الحكمة بأسلوب مُسّليّ  فيها العقل أكبر منتصر إإ، ويمثل الكتاب ظاهرة أبداعية في النثر العربي القديم خلال القرن الثاني للهجرة وهي ذات أصول سردية موصولة بالخرافة والأسطورة والحكاية العجيبة، ولو نظرنا ألى أركان القصة فأنّها تدورُ على فضاء موهوم زماناً ومكاناً، فالمكان مطلق والزمان كذلك وفي ذلك تجريد للحكاية وحماية لها من أعدائها، وقدر ما فيه من الهزل فأنّه لايخلو من الفائدة .

والكتاب يرتكز على (المثَلْ) حجةٌ يُستدل بها المتكلّم إلى عبرةٍ فيها القيّم،مثل : العقل خيرٌ من الجّاه والمال، خيُر الكلام ما قلّ ودلّ،خير السلاطين من أعدل في الناس، شرُ العشقِ ما زادَ وذلّ، الصبرُ عند نزول المصيبة عبادة، أن أزديّتَ جميلاً لأحدٍ فلا تذكّرهٌ وأنْ أزدى لك أحد جميلاً فلا تنساه.

من هو أبن المقفّع؟

هو روزبه بن داويزيه، مفكرفارسي زرادشتي أعتنق الأسلام وسمىّ  "عبد الله بن المقفع" وعاصر كلاً من الدولة الأموية والعباسية، ينحصر زمنه{106-142 هجري/724-759 م} دًرّس الفارسية وتعلّم العربية، وبعد أن أتقن العربية على يد عبد الحميد الكاتب ترجم "كليلة ودمنة" من الفارسية (البهلوية) الى العربية، جمع بين الثقافة العربية والهندية والفارسية واليونانية فنال من كل هذه لها الثقافات نصيبا ًوافراً من الفصاحة والبلاغة والأدب، وخَلّفَ لنا الكثيرمن الآثار الأدبية – في النثر والبلاغة والخط، ما يشهد على سعة عقله وعبقريته وهو صاحب المدرسة الرائدة في النثر، وأخذ الأقاصيص من الثقافة الهندية وطوّعها للثقافة العربية- الأسلامية، وعمل كاتب دولة وأختصّ بكتابة العهود والمواثيق بين رجال السياسة وبخط القوانين --- وكان دهاؤه ودقته وبلاغته في كتابة نصوص المواثيق سببتْ قتله إإ.

أعتمد أسلوب" السهل الممتنع" في كتابة الحكاية  جعل من  الحيوان بديلا عن الأنسان ودليلا عليه بأسلوبٍ رمزي حتى لا يثير الحاكم وأضاف الى الكتاب الأصلي بابا طويلا وأربعة فصول في البحث عن (بيدبة) - الفيلسوف الهندي- ماهيته وكينونيته وفلسفته، وأن الأصل الهندي ضاع عبر الأزمنة الغابرة وظلت الترجمة العربية هي المعوّل عليها في أعتماد هذا الأثر النفيس .

رموز شخوص الحكاية

عالمْ الأنسان: الملك (دبشيليم) رمز الحاكم المفتقد للحكمة والتدبير،  (بيدبة) الفيلسوف : رمز الحكمة المفتقرلسلطة الحكم .

عالم الحيوان: الأسد---- الملك المتعجّل المفتقّرللمعرفة والحكمة والمحتّكم لسلطة الجسد حسب منطق القوة دون قوة المنطق، الثور : هو خادم الملك تابع معدوم الشخصية مُسْتغّلْ، أبن آوى : وهو رمز المكر والخديعة عقله يعمل بالشر لا بالخير ويجيد تقمص الناسك في خدمة الحاكم ( و يُرمز للأخوين (كليلة ودمنة) دور هذا الحيوان الشرير).

ليست الشخصيات الحيوانية في كتاب (كليلة ودمنة) إلا وسيلة فنية وظفها *أبن المقفع" لنقد الواقع الفكري والأخلاقي والسياسي، وسعى الى أصلاحه بطريقة مباشرة متوسّلا بالشخصيات الحيوانية كرموز للحدث.

الهدف من رموز القصة !!

1- يوضح أصول الحكم.

2- يفضح تدهور القيمّ وأنهيار المنظومة الأخلاقية فيطرح على الراعي مجموعةٍ من المبادىء حتى لا يفسد الملك وتهلك الرعيّة.

3- يكشف تآمر الحاشية لأجل مكاسب ذاتية.

4- يفضح ظلم الحكام وتفردهم  بالسلطة.

5- ضمّ الكتاب تعاليم خاصة تهّم الرعية والحكام.

6- يشخص الأنسان المتصوّف والمتمرّد والشقي والمتدّين العابد والملحد؟

7- يهدف الى النصح الخلقي الأجتماعي والتوجيه السياسي.

8- تصوير الحكم النموذجي في الدعوة الى العدل والمشورة والمساواة.

9- تصوير مظاهر الشر – المتأصل في النفس الآدمية- مثل الأنانية والمكر والخديعة وهيمنة الأثرة والجشع والكذب.

10- تصوير مظاهرالصراع الشعوبي والعنصرية بين الأجناس البشرية.

11- الدعوة الى التعاون والأيثار.

12- نشر المعرفة العقلية والقيّمْ  .

وأخيرا بقيت الكتب التى كتبها (أبن القفع) ونقلها عن الفارسية أوالهندية والبنغالية أواليونانية  *مرجعاً* ثرّاً لخزانة الكتب العالمية والعربية –الأسلامية، لأنّ الكتب الأصلية ضيّعها الزمن الغابر، وترك لنا { أبن المقفع}الكثير من الكنوز رغم إنّهُ لم يُعمّرطويلاً ولكن أدبهُ عمّر وسيُعمّرْ----- وإنّ الكتاب قصةٌ أستعاريّةٌ دالّها الحيوان ومدلولها الأنسان ---------

 

عبد الجبار نوري/ستوكهولم

 

معمر حبارالكتاب الذي بين يديك هو الكتاب الثالث الذي أقرأه عن ألبير كامي وعرضتها في مقالات لمن أراد الرجوع إليها في انتظار أن أفرد له قراءة في الأيام القادمة عن كتابه الرّابع "L’ETRANGER " وقد أنهيت قراءته. وهذا الكتاب هو:

Albert Camus « L’Algérie déchirée..1956 et 1958 », Editions La Pensée, Tiziouazou, Algérie, Contient 87 Pages.

1- يرى ألبير كامي أنّ الثورة الجزائرية هي "الدم" وتفرّق بين الرجال (أقول: أي تفرّق بين المجرم الفرنسي المحتل والجزائري وما كان لها أن تفرّق بينهما حسب نظرته). 9

2- تحت عنوان: "حقائق الخصم" صفحات: 21-25. يقصد بالخصم هم: الثورة الجزائرية والشهداء والمجاهدين والرّافضين للاستدمار الفرنسي. 21

3- يعترف بالشخصية المصرية ويسميها الشخصية المصرية ولايعترف بالشخصية الجزائرية ويطلق عليها "الشخصية العربية" إنكارا للجزائر والجزائري. 24

4- يصف الثورة الجزائرية ورجالها بـ "العمي الذين يقتلون الأبرياء؟ !". 26

5- يصف الثورة الجزائرية ورجالها بـ "الثورة الهدامة التي لاتقود لشيء سوى للمزيد من الدمار". 28

6- يصف الثورة الجزائرية أنّها لن تؤدي إلاّ إلى ضحايا وقتلة؟ !. 31

7- يسمي الثورة الجزائرية بـ "التمرّد المسلّح" و"تجاوزات" و"تجاوزات المتمردين". 31

8- ألبير في كتابه هذا لايعترف إطلاقا -أقول إطلاقا- بدولة اسمها الجزائر ولا بالجزائري ولا بأرض الجزائر.

9- كغيره من المحتلين المجرمين يستعمل ألبير مصطلح "العربي"  وليس الجزائري تعبيرا عن أنّه لايوجد جزائر ولا جزائري.

10- ظلّ كغيره من المحتلين المجرمين يسمي أسيادنا الشهداء والمجاهدين بالمصطلح الاستدماري وهو "الفٙلاٙڤٙة؟ !".

11- يعتبر ألبيرأنّ المحتل الفرنسي المجرم "بريئا؟ !" ويحارب الثورة الجزائرية لأنّها في نظره تقتل "الأبرياء؟ !" من المستدمرين المحتلين. 46

12- يسمي الثورة الجزائرية على أنّها "عنف؟ !" غير مقبول. 47

13-  يرى أنّه من حقّ المستدمر الفرنسي والأوروبي المجرم أن يعيش بأمن وسلام؟ !. 49

14- يسمي الجزائريين غير المناهضين للاستدمار الفرنسي بـ "المعتدلين؟ !" لايجب مسّهم من طرف "أصحاب العنف؟ !" ويقصد الثورة الجزائرية. 52

15- يسمي الاستدمار الفرنسي المجرم بـ "الحضور الفرنسي؟ !" ويساوي بينه وبين الجزائري الذي لايعترف بالمجرم الفرنسي المحتل باعتبار كليهما -في نظره- يعيش فوق الجزائر. 52

16- ظلّ يتحدّث عن اعتقال زيمله الفرنسي من طرف فرنسا المحتلة وخصّص له مقالين لكنّه في نفس الوقت لم يفرد سطرا عن المعتقلين الجزائريين الذين يقبعون تحت سجون الاعتقالات والمعتقالات وهم يعانون يوميا التهديد والاغتصاب والإهانة والإعدام.

17- يقول: الفرنسي ليس خطرا فلماذا يعتقل بينما كان الأولى اعتقال "الفٙلاٙڤٙة؟ !" بتعبير المجرمين المحتلين لأنّهم يمثّلون خطرا. 69

18- يسمي مجازر 8 ماي 1945 بـ "أحداث؟ !". 73

19- يسمي الثورة الجزائرية بـ "التمرد؟ !". 73

20- يرى أنّ الجزائر والأمة الجزائرية لم تولد بعد. وهذا هو نفس رأي غلاة المستدمرين المجرمين المحتلين للجزائر. 74

21- يرى أنّ "العربي؟ !" أي الجزائري لايمثّل وحده الجزائر بل يمثّلها غيره. 74

22- يعتبر مطالبة الجزائريين "أي العرب" بتعبيره "امبريالية عربية؟ !". 75

23- يطالب الاستدمار الفرنسي أن لايتنازل "عن حقوقه؟ !" في الجزائر. 78

24- يحذّر الاستدمار الفرنسي من تحقيق الحلم العربي أي الجزائري على حساب الأوروبي والفرنسي المحتل المجرم. 79

25- يرى أنّ مطالبة الثورة الجزائرية باسترجاع السيادة الوطنية هو "استفزاز نحو الأسوء؟ !". 83

26- قلتها في مقالاتي السّابقة وأكرّرها الآن: ألبير كامي أخطر على الجزائر من المجرمين المحتلين الجلادين السّفاحين من أمثال: بيجار وماصو وسوستيل وأوساريس وديغول وميتران الذي قتل سيّدنا الشهيد بن مهيدي وبتغطية منه والعاشق هولاند والسّكير ساركوزي والماكرو ماكرون وغيرهم الذين لانعرفهم.

 

معمر حبار

 

ضياء نافعيعدّ بيساريف الناقد الثالث بعد تشرنيشيفسكي ودبرالوبوف في تاريخ النقد الادبي الروسي في الستينيات بالقرن التاسع عشر، اذ انه يتميّز باهميته وقيمته الفكرية ودوره الكبير في الحياة الادبية الروسية، اما نحن الطلبة العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو آنذاك، فان بيساريف (عندما سمعنا باسمه في محاضرات استاذنا اول الامر) فقد ركّزنا في حينها على نقطتين فقط، الاولى، انه مسكين لأنه غرق في النهر وتوفي عندما كان عمره 27 سنة ليس الا، وقد ترحّمنا عليه طبعا وتألّمنا لوفاته المبكرة، اما النقطة الثانية، فانه الناقد الادبي الذي كان يخطط زميلنا العراقي طالب الدراسات العليا سليم غاوي كتابة اطروحته عنه (انظر مقالتنا بعنوان – العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم –  10)، وأتذّكر الان كل ملامح هذه الصورة الساذجة وابتسم ...

نقاد الادب ليسوا نجوما في عالم الشهرة في كل مكان وزمان، وقد كنت اتحدث مرة – وقبل فترة قصيرة ليس الا – مع أحد الزملاء العراقيين عن الدكتور علي جواد الطاهر، فقال لي، انه لم يسمع بهذا الاسم ابدا . ومهما تكن مكانة بيلينسكي كبيرة في دنيا النقد الادبي الروسي، ورغم اننا قد سمعنا عنه بعض الشئ آنذاك، فهو- مع ذلك – كان أقل شهرة من أي أديب روسي معروف لدى القراء العرب، ولهذا يمكن القول وبكل ثقة، ان الناقد الادبي بيساريف يكاد ان يكون شبه مجهول تقريبا لهؤلاء القراء، ولهذا ايضا، فاننا، الطلبة آنذاك في جامعة موسكو، ليس فقط كنّا لا نعرف مكانته وقيمته، بل – واقعيا - لم نكن حتى قد سمعنا باسمه أصلا .

دميتري ايفانوفيتش بيساريف (1840- 1868) كاتب متعدد المواهب الفكرية بكل معنى الكلمة فعلا، فهو فيلسوف وناقد ادبي ومترجم وصحافي، واستطاع ان (يحفر!) اسمه في تاريخ الفكر الروسي و في كل تلك المجالات الفكرية المتنوعة، رغم انه توفي في ريعان شبابه، اذ  كان في السابعة والعشرين من عمره ليس الا . ومن الضروري هنا اضافة ملاحظة مهمة جدا، وهي ان بيساريف حاز على هذه المكانة المتميّزة في تاريخ الفكر الروسي دون ان يصدر الكتب في حياته، بل نشر مقالاته ودراساته المتنوعة حول كل تلك المواضيع في  المجلات والصحف الروسية آنذاك ليس الا، والتي تمّ جمعها واصدارها من قبل الباحثين بعد فترة من وفاته، وصدرت مؤلفاته المختارة والكاملة  بعدة طبعات في روسيا (الامبراطورية والسوفيتية والاتحادية) منذ القرن التاسع عشر ولحد الان، وصدرت آخر تلك الطبعات في 12 مجلدا عن دار نشر (العلم / ناووكا) الروسية الشهيرة بين اعوام 2000 – 2012، وكل هذا يعدّ – بلا شك - ظاهرة فكرية نادرة جدا في روسيا، ظاهرة تدعو الى التامّل فعلا.

بيساريف الفيلسوف يستحق التوقف عنده، اذ انه يعدّ الان واحدا من أعمدة الفلاسفة الروس، وقد تحدثت حتى بعض المصادر العربية حول فلسفته، وبيساريف المترجم يستحق التوقف عنده ايضا، لأنه قدّم ترجمات لا زالت مهمة في دنيا الفكر الروسي، وبيساريف الصحافي يستحق التوقف عنده ايضا، لأنه لعب دورا بارزا في مسيرة الصحافة الروسية بالستينيات وكان حتى المحرر الاساسي لاحدى اهم المجلات الفكرية الروسية وهي مجلة (روسكويه سلوفو / الكلمة الروسية)، وقد أدّت مساهماته الحادة في النشر والمناقشات المرتبطة بافكاره حتى الى اعتقاله لفترة طويلة نسبيا، ولكننا، والتزاما بعنوان مقالتنا، نتوقف فقط عند بيساريف الناقد الادبي في تاريخ النقد الادبي الروسي، ويجب التأكيد هنا، ان هناك العديد من الدراسات الاكاديمية باللغة الروسية حول هذا الناقد الادبي، بما فيها طبعا كتب ضخمة باكملها واطاريح علمية، ولهذا، فان هذه الموضوع كبير ومتشعب، وعليه فاننا – وفي اطار مقالتنا – لا يمكن لنا ان نتحدث عنه الا بايجاز شديد جدا ...

بدأ الناقد الادبي بيساريف طريقه في مجال النقد الادبي بمقالات ظهرت في الصحافة الادبية منذ عام 1859(اي عندما كان عمره 19 سنة ليس الا)، وهي مقالات تحليلية تناولت آخر ظواهر الادب الروسي في عصره، وكذلك تناول تاريخ اعلام الادب الروسي والموقف تجاههم . لقد اختلف بيساريف مع دبرالوبوف حول الكاتب المسرحي أستروفسكي وحول الروائي أبلوموف . وكتب بيساريف عن تورغينيف كثيرا، ورأى في شخصية روايته (الاباء والبنون) بازاروف – بطلا جديدا، رغم ان الناقد كان يعتقد، ان مأساة هذا البطل تكمن في وحدته المطلقة، وانه بسبب ذلك لم يستطع ان يحقق افكاره، وانه في نهاية المطاف أضاع حياته . هناك موقف مهم آخر يستحق الاشارة اليه هنا، وهو ما كتبه عن بوشكين في مقالة بحلقتين عنوانها – بوشكين وبيلينسكي، وغالبا ما يتحدث عنها الباحثون في تاريخ الادب الروسي . بيساريف كتب، ان بوشكين يمثّل مرحلة انتهت، وان بطله (يفغيني اونيغين) هو (ير مفيد) للمجتمع، لانه يبعد (بضم الياء) القارئ عن المشاكل الحقيقية للحياة، وتحدث بيساريف عن ضرورة (عدم الاختلاط) معه . لقد كانت هذه الافكار عن بوشكين جديدة وجريئة في مسيرة الادب الروسي، رغم انها لم تغيّر مكانة بوشكين في روسيا واقعيا .

بيساريف اسم كبير و مثير للجدل  في تاريخ روسيا وأدبها و فكرها ، واتمنى ان يساهم زملائي في الكتابة عنه وتعريف القراء العرب بنشاطاته الفكرية المتعددة، لأنه يستحق ذلك حقا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

 

قاسم حسين صالحكان المنظر الذي شهدته يوم (11آذار 2019) قرب قلعة اربيل مبهجا للغاية.. فيه تشابكت أيادي رجال ونساء.. شباب وشابات.. يرقصون بايقاع واحد على صوت الطبول والدفوف. كانوا مثل باقات زهور ملونه.. زي كردي بالوان زاهية، وزي ايزيدي وآخر شبكي.. .ودشاديش عربية.. تجعلك تتباهى بوطن كل ما فيه جميل. تورد وجهي فرحا فشبكت يدي بيد كوردية والأخرى وجدتها بيد عربي يلبس يشماغا وعقالا.. ورقصت.

كانت المناسبة هي (11 آذار).. لكن الرقصة كانت احتفالية فرح تبشر بعيد نوروز الذي سيأتي بعد عشرة أيام.. وعادت بي الذكرى الى مدينتي الشطرة قبل نصف قرن!

كنا نسميه ونحن اطفال (عيد دخول السنه).. فيه نوقد الشموع في (الصواني) ونزينها بأوراق الخس واغصان الياس وننثر بينها حلاّل المشاكل (حامض حلو واصابع العروس.. ).. ونضع في وسطها طاسة حنّاء. وفيه كانت الصبايا ومن تردد مع نفسها (عمر وتعدا الثلاثين.. لا يفلان).. ينذرن للأمام العباس صواني مزينة بالخضرة وملئى بمنّ السما واصابع العروس ان اصبحت عروسا في نوروز القادم،فيما تملأ صواني أخوتنا الكرد بسبع مواد تبدأ بحرف السين هي : سير (ثوم)، سكه (عمله نقدية)، سنجر (فاكهه مجففه)، سبزي (خضره)، سبيكه (قطعة ذهب)، ساهون (حلويات)، سماق،و سركه (خل). وتوضع في مقدّمة المائدة مرآة وعلى جانبيها شمعدانات تحمل شموعًا مضيئة بعدد أولاد العائلة من الذكور والإناث.. ومرآة وقرآن وسمك وفاكهة ومكسرات وماء الورد.. غير ان وجود الحلويات شرط واجب في صواني كل المحتفلين بالنوروز.. في كوردستان وأيران واذربيجان.. وصواني دخول السنه في الشطرة والسماوة وميسان!. 

و(نيوروز) تعني باللغة الكوردية (يوم جديد.. (.New day.. تتم فيه الأرض دورتها السنوية حول الشمس، لتبدأ دورة جديدة تدخل فيها شهر الخصب وتجدد الحياة. وفيه تبدأ الافراح استبشاراً بحلول عهد جديد تتحول فيه الطبيعة الى جنة خضراء، يتوجه اليها الناس لمعانقتها وترتدي فيه العائلات الكردية الزي التقليدي المزركش بالألوان الفاتحة والزاهية ،وتصدح فيه ألاهازيج، وتتشابك الأيدي في حلقات رقص ودبكات ومهرجانات غنائية شعبية تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل تتخللها مقاطع شعرية تتحدث عن الثورات ضد الطغاة،حيث يعدّ نوروز رمزا للتحرر من الظلم والاضطهاد في كردستان وعدد من دول المنطقة، اذ يزيد عدد المحتفلين بهذا اليوم على 300 مليون معظمهم في آسيا،توحّدهم تقاليد ومعتقدات وعادات مشتركة.فجميعهم يحملون شعلة النار لآعتقادهم بأن النار ترمز الى الحياة والخلود،وتعطي الغذاء والدفء والحياة،وانها تتمتع بقدرات التطهير كما يعتقد شعب اذربيجان. واظن ان شعلة الألعاب الأولمبية التي تطوف من االيونان حول العالم قد استعارت هذا التقليد من النوروز لأنها تهدف الى تحقيق نفس الحاجة السيكولوجية: اشاعة المحبة والتآخي بين الناس على اختلاف دياناتهم واجناسهم.وأن قوة سيكولوجيا هذا التقليد اجبرت الحكّام على ايقاف القتال وتوقيع معاهدات السلام واطلاق سراح الأسرى من السجون في يوم النوروز.فضلا عن ان الطبيعة ذاتها لعبت دورا كبيرا في سيكولوجيا النوروز، اذ يعد 21 آذار عيد اعتدال الربيع وبدء موسم الزراعة ورمز التجدد والنشاط والدفء،وتشغيل مراكز الانفعالات الفسلجية في الدماغ الخاصة بالفرح والسعادة وتنشيط القلب بحثا عن حب يشتهيه!

 

ومن جميل ما قرأت ان هنالك علاقة بين (نوروز) و (تموز وعشتار). فالمعروف عن حادثة “تموز” أنه في آخر مرة يذهب الى تحت الأرض ثم يأتي الى وجه الأرض كإله، وانه كان يحتفل بموت وحياة “تموز” في وطن سومر، وانه في 21 آذار من كل عام كان السومريون يعقدون احتفالات كبرى في حياة “تموز” ويعرفون هذا اليوم بعيد (زكمك).والحادثة ذاتها ترد في ملحمة الشاعر الكردي الكبير احمدي خان ،(مم وزين) حيث يبدأ الملحمة بيوم نوروز 21/ آذار- مارس،فهنالك شبه كبير بين قصة (تموز وعشتار) وقصة العاشقين (مم و زين).. اذ تمتليء حياة (مم) بالعذاب والفراق بعد معرفته لحبيبته (زين).. وتصبح حياتهما مشابهة للحياة الكارثية لـ(تموز) الذي يذهب الى الاسفل فيما يودع (زين) في السجن الى الموت.

بل هنالك كتّاب كرد وعرب يتفقون على ان 21 آذار الذي يصادف اليوم الأول من العام الكردي الذي يمتد تاريخه الى 700 سنة قبل الميلاد ،كان يوم عيد عند السومريين، وانهم كانوا يحتفلون به تحت مسمى عيد (زكمك)،وأن (كاوا) الكردي هو (تموز) السومري.. ما يعني أننا العرب والكورد شعبان لنا تاريخ مشترك حتى في الطقوس والأساطير والأعياد،وأن نيروز (كاوه) او نوروز (سومر) الذي وحّد العرب والكورد آلآف السنين،سيبقى ينعش مشاعر المحبة والتآخي بين الشعبين.. اليوم وغدا.. لأن سحر رموزه في اللاوعي الجمعي للناس يبقى أبديا!.. وأن كورونا التي اوقفت احتفالات شعبينا في الشوارع والساحات نتحداها بان بيوتنا تستقبل نوروز بالأفراح،وانها لن تستطيع اطفاء شعلة الحياة!

 

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

21 آذار 2020

*

 

سعد جاسمإنطلاقاً من يقين نوراني له جوهره ومعناه العميق بجدوى الشعر في عالمنا الطاعن بالخراب والدم والالم والأَوبئة؛ فانني أَعتقد ان الشعراء وأَعني: الشعراء الحقيقيين هم ضروريون حقاً في هذا العالم وفي هذا الوجود؛ لأنهم اكثر انتباهاً من الاخرين للظل الذي لاينتهي"

والشعر الحقيقي والسامي ليس في الصميم؛ الا هذا وليس له من مسعى سوى الابقاء على "الطرق الكبيرة" التي تقود مما نراه الى مانراه "مفتوحة"؛ حسبَ تعبير "موريس ماترلنك"

وهكذا نجدُ لدى الشعراء الحقيقيين في ازمنة البأساء والضراء بيتاً هنا.. وبيتاً هناك.. وسط احداث متواضعة او دامية من ايامنا العادية او ايامنا الملتهبة.. وهذا البيت ينفتح ؛ فجأةً؛ على شئ عظيم .

وفيما يعنيني شخصياً؛ فقد ايقنتُ ومنذ بدايات هوسي وولعي بالشعر؛ ايقنت بمقولات ومفاهيم اصبحت بالنسبة لي قناديل هداية في ليل العالم وسخامه الثقيل .

ومن هذه المقولات ؛ قولة هولدرين الفذة "مايبقى يؤسسه الشعراء" ومقولة "هنري ميللر": (في الشاعر تتخفى ينابيع الفعل) ولذا فأنا اسعى واشتغل على ان أُفجّر ينبوع الفعل الشعري الذي يمور في ذاتي ويتفجر قصائد ونصوصاً احرص ان يكون لها وقعها وأثرها في ذات المتلقي التوّاق الى قراءتها وتمثّلها ويشعر من خلالها بقوة وجوده وضرورته هو الاخر في هذا الوجود الشائك .

ولا اتوانى عن القول بأنني اشعر ان متلقين كثيرين يرون ويشعرون بأننا نحن الشعراء كائنات ضرورية حقاً في أزمنة البأساء والضراء ؛ لاننا نعمل من اجل ان ننحت في اعماق الحياة , وان نفتح ابواب العالم الاخر ؛ وبالقرب من هذه الابواب , نرى نحنُ ويرى الاخرون

وقرب هذه الابواب نحبُّ نحن ويحبُّ الاخرون .

ونبقى نحلم جميعاً مع "هولدرين" بتأسيس ما يبقى

ولكن السؤال هو :

هل ثمّةَ ماسيبقى ؟

ربما ...!!!

نحنُ ننزفُ ...إذن نحنُ موجودون

ونحن ضروريون

(أَنا أَنزفُ في الكلامِ

أَنا أَنزفُ في الوجودِ

ومامقامي

في المنافي

إلا :

كمقامِ صالحٍ في ثمودِ)*

***

سعد جاسم

.......................

* مقطع من نصي "رقيم الشهوات الأولى"

 

 

سليم مطرفي 21 آذار من كل عام، اول أيام الربيع، ظل العراقيون القدماء يحتفلون في (سومر وآشور وبابل) بهذا العيد الذي قدسوه وجعلوه بداية السنة الجديدة. خلال ثلاثة آلاف عام وهم يحتفلون به، قبل ان يتبناه الايرانيون (الاخمينيون) بعد احتلالهم بابل عام 539 ق.م، دون ان يطلقوا عليه اي اسم. وان اقدم ذالاسم في اثناء حكم (الفرثيون) في القرن الاول الميلادي، استعلموا تسمية (نيروز ـ اليوم الجديد) وهي ترجمة فارسية حرفية لاسمه السومري (زغموك ـ Zagmuk) وبالأكدي (راس ستيم ـ rêš-šattim ، بالاضافة الى (أكيتو ـ الاحتفال). (سجلنا بعضا من المصادر الاجنبية التي تتفق على ذلك) (1)

ـ (21 آذار) حسب التقويم العراقي القديم (الشمسي ـ القمري) يكون اول نيسان (نيشانو بالاكدي) لأختلاف عشرة أيام بين الشمس والقمري. وهو يوم المنقلب الربيعي وأول ايام السنة حيث برج الحمل (برج تموز).

ـ في هذا اليوم اول الربيع، يولد (تموز - اله الخصب الذكوري) بعد تسعة اشهر من غيابه في ظلمات الارض (رحم الام)، ليأتي ويخصب (عشتار) الهة الارض والأنوثة، فتنبثق الحياة ويظهر الربيع. (2)

وكان عيدا شعبيا ودينيا ورسميا يدوم عشرة ايام. حول (ماردوخ ـ سيد الوضوح، أي سيد النور) وابنه (نبو ـ النبي ـ الحكيم). وفيه الكثير من طقوس الفرح والبهجة وتخصيب الارض بدماء القرابين، وتوزيع الهدايا والمعونات. كذلك تزول فيه موقتا الكثير من الممنوعات القانونية مثل الفروق بين العبيد والسادة، ويتنازل الملك عن كبريائه ويعترف بأخطائه ويتلقى صفعة من (المرجع الديني الاعلى)! و تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث تشعل النيران لحراق دمى ملونة تمثل الشتاء الراحل (منها اخذ الايرانيون طقس اشعال النار في نيروز).

ـ ان تبني الاخمينيون لهذا العيد النهريني المقدس، كان من بين تبني شبه الكامل للحضارة البابلية، بما فيها الكتابة المسمارية واللغة ألآرامية والفنون والبناء وطرق العيش.. الخ (3)

ـ بعد ثورتين بابليتين فاشلتين ضد (الاحتلال الاخميني الفارسي)، عامي: (521 ، و482 ق.م )، تم الانتقام من السكان وقمع طقوسهم والقضاء التام على احتفالات هذا العيد الديني والوطني، وتحويله الى ايراني تماما باسم (نوروز).

ـ انتشار المسيحية في العراق، ساهم في تناسي هذا العيد، لأن الكنيسة اعتبرته عيدا وثنيا. وقد حل محله (عيد الفصح: قيامة السيد المسيح) حيث الطبيعة " تفصح " وتتفتح في الربيع. وقد انتقلت الكلمة الى اللغات الاوربية: (PAQUE) و (Easter : عشتار)!؟ اما تسمية (عيد القيامة) أي (قيامة المسيح) بعد صلبه مثل قيامة (تموز) وعودته إلى الحياة ليعود معه الربيع والخصب.

ـ في اليهودية ايضا اسموه (عيد الفصح: بيسح)، حسب اسطورة خلاصهم من التيه في سيناء.

ـ انتشر هذا العيد باسمه الفارسي (نيروز) بين شعوب آسيا الآرية والتركستانية، التي خضعت للأمبراطوريات الفارسية (الاخمينية ثم البارثية ثم الساسانية).

ـ عندما اتى العرب المسلمون عرفوه باسمه الفارسي (نيروز) الذي كان متداولا في العراق تحت الحكم الساساني الفارسي. واحتفلت به الدولة العباسية وانتشر اسمه في العالم الاسلامي، وحتى اقباط مصر استخدموا اسمه، وقدُسه الكثير من ائمة المسلمين، وقال الشيعة ان فيه يظهر صاحب الزمان، ولهذا السبب تحتفل به الدولة الاسلامية الايرانية، دينيا ورسميا. (4)

ـ ان الاحتفال بالربيع، عموما سائد بين الكثير من الشعوب. في بلدان الشام احتفل به باعتباره (عيد بعل). وفي مصر (عيد شم النسيم).

ـ اما الشعوب التركستانية يحتفلون به باسم (ينكي كون - اليوم الجديد). العلوية والبكتاشية التركية، يعتبرونه يوم ميلاد الإمام علي، كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء (رض).

ـ اشقائنا الأكراد يحتفلون بنوروز باعتباره ذكرى انتصار (كاوه الحداد) على الملك الطاغية (الضحاك). لكن هذه الحكاية ليست كردية، بل ايرانية فارسية. وأول من ذكرها المؤرخ البغدادي (المسعودي)، ثم فصلها (الفردوسي) باعتبارها حكاية فارسية، ولم يذكر أي مؤرخ علاقتها بالاكراد. قد تبناها الاكراد حديثا في القرن العشرين، مع تقليد اشعال النار (المصدر في النهاية، لكاتب كردي عراقي). كذلك تركمان العراق يحتفلون به. (5)

ـ اليزيدية يحتفلون به باعتبارة يوم السنة الجديدة (سر صالي)، وهو في اول اربعاء من نيسان.

ـ المندائيون يحتفلون به باسم (عيد البنجة ـ برونايا) في شهر آذار .

ـ التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد ولكن جعله في اول نيسان.

احياء عيد الربيع العراقي

ان الخطوة الكبرى التي قامت بها النخب الايرانية ايام الشاه رضا بهلوي ثم ابنه، منذ اوائل القرن العشرين انها جعلت عيد نيروز احتفالا وطنيا رسميا واعادت احياء كل الاساطير الشعبية حوله رغم احتجاج رجال الدين. ثم اتت الجمهورية الاسلامية لتتبناه ايضا.

ومن خلال التأثير الايراني تبنت النخب القومية الكردية هذا العيد في اوائل القرن العشرين واخذت من الايرانيين حكاية (كاوا الحداد) ونجحت بجعله عيدا قوميا كرديا. (5)

اما نخبنا، فإنها للأسف، بسبب تجاهلها لتاريخنا وميراثات الطوائف والجماعات المختلفة، وبسب التعصب القومي العروبي الساذج ضد كل ما هو ايراني حيث ارتبط اسم هذا العيد بتسمية (نيروز)، فانها قد تجنبت الاقتراب من هذا العيد.

ـ لقد تبنت الدولة العراقية منذ الفترة الملكية هذا العيد باسم (عيد الشجرة) وجعلته عطلة رسمية. ولكنها لم تحاول اعطائه بعدا تاريخيا وتراثيا وشعبيا وربطه بتاريخ العراق وكذلك بعيد نيروز. فبقي للاسف عيدا حكوميا محدودا.

على الصعيد الشعبي يتم الاحتفال بهذا العيد في مختلف انحاء العراق باسماء وطقوس مختلفة، دون تشجيع ديني وحكومي ونخبوي: (عيد خضر الياس) لدى المسلمين والمسيحية واليزيدية، كذلك (عيد زكريا). و (عيد الفصح ـ القيامة المسيحي)، (عيد البنجة الصابئي)، وغيره. التيار الحزبي الآشوري العراقي والسوري، اعاد الاحتفال بهذا العيد في اول نيسان.

كذلك هناك "يوم المحيا" أي احياء الربيع بعد جماد الشتاء. ويسمى ايضا (يوم الكسلة) في البصرة، او (دورة السنة) او (عيد الدخول) و (يوم الخضر) وهو الشخصية الاسطورية الاسلامية التي يرتبط اسمها بالخلود والخصبة والخضرة (من اسماء تموز!).

في أرياف الجنوب يقومون بشراء الخس والشموع على عدد أفراد الأسرة ثم يضعون الرز واللبن والسمسم والسكر والحناء في (صينية) كبيرة ويطلقون على هذه المواد (جوه السلة) وبعد فترة من الهدوء والصمت يبدأون بتناول ما في الصينية. وفي اليوم الثاني يخرجون للتنزه في البساتين عصرا ومعهم الأطعمة ثم يعودون بعد الاحتفال إلى بيوتهم.

الغريب ان الحكومة العراقية منذ اعوام السبعينات قد اقرت الاحتفال بعيد نوروز وجعله عطلة رسمية، ولكن كـ (عيد كردي) خاص، ولم تنتبه ابدا الى حقيقته العراقية الاصيلة. كذلك قبل سنوات بدأت محافظة نينوى تحتفل به رسميا باسم (اعياد الربيع).

في السنوات الاخيرة بدأت الكثير من الجمعيات المدنية والمؤسسات الاعلامية والابناء الشعب، بالاحتفال بهذا (عيد الربيع العراقي ـ نيروز) والتعريف بتاريخه العريق، والعمل على إحياء بعض الرموز العراقية (السومرية الاشورية البابلية) والدعوة بأن يكون عيدا للمحبة والوحدة والخضرة، ويوما للعناية بالبيئة والطبيعة وزرع الاشجار والنخيل.

 

سليم مطر ـ جنيف     

..............................

ملاحظة: لاسباب تقنية لم نضع الصور التوضيحية المهمة المتعلقة بهذا الموضوع. ومن يرغب مطالعة الموضوع مع الصور التوضيحية، فهو في موقعنا:

http://www.salim.mesopot.com/hide-syasa/23-2016-11-17-18-47-59.html

المصادر:

 (1)ـ عن اقتباس (نيروز) من بابل، هنالك الكثير من الدراسات العربية التي تفصل هذه المسألة. ويكيبديا العربية قد مرت سريعا على دور بابل! ولكن ويكيبيديا الانكليزية تفصل هذا (Nowruz) وتذكر اول مرة استخدم الاسم.

وهذه ايضا بعض المصادر العالمية:

  - A History of Zoroastrianism: Under the Achaemenians By Mary Boyce, Frantz Grenet. Brill, 1982  

- Encyclopædia Iranica, "Festivals: Zoroastrian" Boyce, Mary

 

Lettres persanes/ موقع: رسائل فارسيةـ        

http://leslettrespersanes.fr/2019/03/20/nowruz-une-fete-millenaire-celebrant-l-arrivee-du-printemps

-The Origin, History & Symbolism of No Ruz (Nowruz)

http://www.payvand.com/news/12/mar/1176.html

ولتسهيل الامر عليكم ضعوا في الانترنت بالعربي: نيروز بابل. او بالانكليزي: nowruz babylon لتظهر لكم الكثير من الدراسات العربية او الانكليزية التي تفصل دور بابل في هذا العيد.

2ـ معلومات عن عيد الربيع العراقي ـ اكيتو Akitu طالع:

- P. Villard, « Akîtu », dans F. Joannès (dir.), Dictionnaire de la civilisation mésopotamienne, Paris, 2001, p. 20-22

- J. Bottéro, La plus vieille religion : en Mésopotamie, Paris, 1998

3ـ عن تبني الاخمينيون (وبعدهم البارثيون ثم الساسانيون) لحضارة بابل وكتابتها المسمارية ولغتها الآرامية، طالع:

مختصر تاريخ العراق (تاريخ العراق القديم) 1-6 ج

https://urlz.fr/9b14

بالاضافة مصادر الانكليزية عديدة:

ـ (S. A. Pallis, The Babylonian Akitu Festival, Copenhague, 1926 ; La Fête babylonnienne de l'akitu).

4 ـ قال البحتري في وصف الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً    من الحُسن حتى كاد ان يتكلما

وقد نبَـه النوروز في غلس الدُجى    أوائل ورد كـُن بالأمس نوَما

5 ـ عن تفاصيل اقتباس الاكراد حديثا (حكاية كاوا الحداد) و(اشعال النيران) من الايرانيين، طالع مقالة الكاتب العراقي الكردي (هلكوت حكيم) في جريدة الحياة (26 مارس 2000) . وفيه يؤكد ان حكاية كاوة قد تبناها الاكراد في اواسط القرن العشرين: (وكان أهم ما حدث في القرن العشرين هو الربط بين نوروز وأسطورة خلق الأكراد المعروفة بقصة كاوا الحداد والملك ضحاك. لكن لو بحثنا عن هذين الاسمين في الأدب الكردي المدوّن والشفهي لفترة ما قبل القرن العشرين، لرجعنا بعد جهد جهيد خالي الوفاض. فمئات النصوص الكردية التي تتحدث عن الشخصيتين الأسطوريتين أو تتمحور حولهما كُتِبت من قبل كتاب وشعراء معاصرين. وأسطورة كاوا والضحاك ولدت من جديد في القرن العشرين تحت معان أخرى)

نص المقال في جريدة الحياة: 26 - 03 - 2000

https://www.sauress.com/alhayat/31038998

ـ لمن يرغب بمعلومات شاملة ومتنوعة عن هذا العيد واعياد الربيع في العالم، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل: عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم..الخ..

ـ لمن يرغب بمعلومات عن هذا العيد، ليضع احدى الكلمات التالية في مبحث كوكل:

عشتار وتموز/ تموز وعشتار/عيد الربيع العراقي/اكيتو/اكيتو حجتو/نيروز/عيد الشجرة العراقي/خا بنيسان ـ الاول من نسيان/عيد المحيا/الخضر/المهدي المنتظر/ شم النسيم

 

 

نجاة الزبايرفوق مشجب دمي علقت كل المخاوف، وأطلقتُ عصافير الروح كي تزقزق في فناء المنزل بأغنية جميلة.

جلست أمام المرآة أغزل من خصلات شعري لوحة يمتزج فيها اللون البني بالأسود، وتذكرت كيف كنت....

التقيت به حين كنت طالبة في السنة الثانية أدب عربي، لا أعرف ما الذي شدني إليه، أهي وسامته أم خجله الذي كان يُزين ملامحه كلما نظر إلي.

وأخيرا تحدثنا، والتحف الوجد نبضاتي، فسرتْ بيننا تنهيدات كل العشاق.

بقينا معا نغزل الأحلام حتى تخرجنا من الجامعة، فاشتغل مدرسا بإحدى الثانويات، أما أنا فلم يسعفني الحظ كي أجد عملا يليق بي، ولم يكن الأمر يسبب لي إزعاجا لأني من أسرة ميسورة الحال.

بعد مدة بسيطة تزوجنا، فكنت أطل كل يوم من شرفة القلب أعانق السماء بكل سعادة، مر عامان وبدأ الظن يقيد خطوات القلب، وكأني أغوص في بحر من الهموم، لا منقذ لي غير صُراخ خفي لا تسمعه غير الليالي .

انشغل بالفيسبوك والانستغرام، وتحول بيتنا إلى حانة تعربد فيه الشكوك كلما سمعت رنين هاتفه، وبدأت النايات تعزف لحنها الحزين.

عرفت بأن هناك امرأة أخرى تتفتح سنابلها فوق كفه، ناقشت معه الأمر فأمعن في الابتعاد والسهر، وبدأ الأرق يحكم قبضته علي فقررت الطلاق.

فجأة؛  فُرِض عليه ترك العمل و المكوث في المنزل بسبب فيروس يجتاح عالمنا، كان صعبا في البداية أن نواجه أوجاعنا، كنت عادية في تعاملي معه، وكلما سنحت الفرصة حدثه عن كل الحب الذي كان بيننا.

وبدأ الحنين يرقص بين عينيه لتغزل الحكايات الجديدة فصولها، ولم أعد أسمع رنين الرسائل الخفية.

لقد أخذته مني وسائل الاتصال والتي حولت حديثه مع فتاة في العالم الافتراضي إلى الخروج معها دون أن يعرف إلى أين ستحمله هذه العلاقة الضبابية، وبعد أن فُرضت عليه العزلة في المنزل  تغير،  فركبنا معا زورق الحب من جديد، وقلت في نفسي (مصيبة ابتلانا الله بها سيرفعها قريبا، كان فيها الخير لعائلتي).

 

نجاة الزباير

 

 

ضياء نافععنوان هذه القصة القصيرة هو – رسالة الى جار عالم، وقد نشرها تشيخوف عام 1880، عندما كان طالبا في الصف الاول  بكلية الطب في جامعة موسكو، وهي ليست اول نتاج ادبي كتبه  تشيخوف، وانما اول عمل ابداعي نشره (والفرق كبير طبعا بين الكتابة والنشر)، وبما ان هذا (الطالب الشاب)  كان في بداية الطريق الى عالم الادب  والمساهمة به، ولأنه لم يكن واثقا من نفسه في مسيرته الابداعية، فقد نشر هذه القصة القصيرة باسم مستعار وهو – (....ف)، وهذا استخدام طريف جدا ومبتكر فعلا، اذ  جرت العادة على الاشارة الى الحرف الاول للاسم  في مثل هذه الحالات، اما تشيخوف فقد استخدم الحرف الاخير من اسمه، علما ان تشيخوف استخدم في بداية حياته الادبية العديد من الاسماء المستعارة الطريفة، وقد تمّ جمعها بعدئذ في قوائم خاصة، وهي منشورة الان بالروسية، وذلك باعتبارها جزءا  لا يتجزأ  من تراث تشيخوف الابداعي.

لازالت قصة (رسالة الى جار عالم) معروفة ومشهورة لحد الان، اي انها (اخترقت !) القرن التاسع عشر والعشرين ونحن الان في بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين . ومن الطريف الاشارة هنا، الى انها اصبحت القصة رقم واحد في مؤلفات تشيخوف المختارة بترجمة المترجم المصري الكبير المرحوم د. ابو بكر يوسف، والتي نشرتها دار رادوغا السوفيتية باربعة أجزاء في حينها (وتم اعادة طبعها ونشرها في عالمنا العربي عدة مرات)، والتي تعد الان واحدة من اهم المصادر لنتاجات تشيخوف الادبية باللغة العربية، وبالتالي، يمكننا ان نقول وبدقة، ان هذه القصة القصيرة للطالب الروسي الشاب معروفة للقارئ العربي ايضا، وقد اطلعت مرّة على تعليقات كثيرة ومتنوعة من القراء العرب حول هذه القصة القصيرة، منها على سبيل المثال، تعليق طريف باللهجة المصرية الجميلة حول رد فعل العالم بعد قراءة الرسالة (مع صورة لفنان كوميدي مشهور) وهو يمسك بيده رسالة ويقول –  لو سمحتم شوفولي مين الاهبل اللي كتب الرسالة دي .

عنوان هذه القصة عندما تمّ  نشرها هو – (رسالة من الاقطاعي بمنطقة الدون ستيبان فلاديميروفيتش ن الى الجار العالم الدكتور فريدريخ)، وقد ظهرت بموسكو في العدد العاشر من مجلة (ستريكازا) الفنية الفكاهية بتاريخ 9 آذار / مايس عام 1880 . حاول تشيخوف ان يصدر مجموعة من قصصه عام 1882، وأدخل هذه القصة في تلك المجموعة، وعدّل العنوان الاصلي الى عنوان – رسالة الى جار عالم، الا ان المجموعة لم تصدر آنذاك لاسباب عديدة لا مجال للكلام عنها الان  .

 مضمون القصة بسيط جدا، اذ يكتب أحد الساكنين في قرية روسية (وهو عسكري بسيط متقاعد) رسالة الى جاره العالم، الذي وصل من بطرسبورغ للعيش في تلك القرية، والقصة القصيرة هذه لا تتضمن غير هذه الرسالة، التي تبدأ – مثل اي رسالة – بالتوجّه الى المرسل اليه، وتنتهي باسم المرسل . ويكتشف القارئ لهذه الرسالة مستوى كاتبها الضحل جدا (شكلا ومضمونا)، والذي يحاول  في رسالته هذه ان (يتباهى !) بمعلوماته العلمية وبشكل مضحك جدا وبلغة ركيكة ومليئة بالاخطاء الاملائية والاسلوبية، لدرجة ان واضعي المناهج في المدارس الروسية أدخلوا هذه القصة ضمن الدروس التعليمية، وذلك كتمرين لغوي للتلاميذ، ويطلبون منهم الاطلاع عليها وايجاد تلك الاخطاء، ويعد هذا التمرين من انجح الدروس، لأن التلاميذ يقرأون القصة بمتعة كبيرة ويصلّحون النص ذاك .

 لقد كتب شقيق تشيخوف (واسمه ميخائيل) في ذكرياته عنه، ان تشيخوف في صباه كان يلقي امام ضيوف بيتهم (محاضرة!) ساخرة، يجسّد فيها شخصية بروفيسور يتحدث عن اختراعاته العلمية، ويقول شقيقه، ان تشيخوف استخدم تلك الصور الفنية، التي كان يلقيها آنذاك، وكان الضيوف يستمعون اليه ويقهقهون من اعماق قلوبهم  . بل ان أحد الباحثين كتب مرة عن هذه القصة قائلا، ان طالب الكلية الطبية تشيخوف أراد ان يسخر من المضادين لافكار دارون، متأثرا بأحد اساتذة تلك الكلية، الذي كان مغرما بالدارونية  ويتكلم دائما عنها، وان ذلك انعكس بشكل مباشر في تلك القصة . 

قصة تشيخوف القصيرة (رسالة الى جار عالم) هي بداية لمرحلة مهمة جدا من مراحل مسيرة تشيخوف الابداعية، تسمى الان مرحلة القصص القصيرة الفكاهية الساخرة، والتي كتب فيها تشيخوف قصصا عديدة وشهيرة جدا، مثل الحرباء وموت موظف والبدين والنحيف وغيرها، هذه القصص التي لازالت حيوية في روسيا وفي بقية بلدان العالم ايضا، بما فيها طبعا عالمنا العربي، وهي قصص قال عنها أحد النقاد الروس، لو ان روسيا تختفي من الوجود، فيمكن اعادتها على وفق قصص تشيخوف هذه... 

 

أ. د. ضياء نافع

 

نجاة الزبايرلماذا يبدو هذا اليوم حزينا جدا؟، أحاول فتح نافذة غرفتي كي يتسلل شعاع الشمس إلى أعماقي، لكني أعود بسرعة كي أجلس على حافة سريري وأفكر في كل ما يجري.

دخلتْ كلمة جديدة قاموس حياتي لا أعرف كيف أنطقها، "كلونا" "كانونا" ويأتي ابني الأكبر فيقول لي : ـ يا أمي إنها "كرونا"

لست سيدة متعلمة، لكني أحاول أن أفهم الأخبار التي تتحدث عن هذا القاتل الخفي.

هم يشرحون لي كيف أتعامل معه، فأسرع الخطو رغم ركبتي التي تؤلمني، كي أعقم بالمطهر كل شيء، يقول ابني الطالب في السلك الجامعي، بأن علي أن أغلق الباب أمام الجارات وأن لا أستقبل أحدا.

1418 نجاة زبايرفكرت كثيرا في تلك الجلسات الحميمية التي نتحدث فيها عن مشاكل الأبناء ومشاكسات الأزواج، وتلك القهوة الدافئة التي تلامس شفاهنا مع الكثير من الابتسام، وأقول في نفسي (أهي الوحدة إذن؟)

تأثرت قليلا، لكني أسرعت إلى الهاتف وأخبرتهن بما يجري، صُدمت لما وجدتهن يتحدثن عن هذه العزلة المفاجئة بمرح، وقررنا تعويض لقاءاتنا الواقعية بدردشات مرئية في العالم الافتراضي.

 

نجاة الزباير

عقيل العبودعن دار الكتب العلمية للطباعة والنشر العراقية، تم إصدار رواية جديدة تحمل عنوان تجلت فتحكمت ب 263 صفحة من القطع المتوسط.

وهو الإنجاز الثالث للقاصة والروائية نسرين ابو قلام ويصنف ضمن النوع الاجتماعي ذات السرد التاريخي للرواية.

موضوعها يعالج أنماط التفكير الساذج للعقل الجمعي واتجاهات التسيب الثقافي مقابل انحسار العقل الواعي وتحجيم دوره في المجتمع.

والمشهد يعالج الأحداث المأساوية والتمزق الحاصل في الربع الأخير من القرن العشرين حيث صورة العراق من العام ٢٠٠٣ أوما قبل ذلك بسنوات حتى الآن.

مشهد الرواية قائم على تصوير التركيبة الاجتماعية للعائلة العراقية، حيث شخصية (ام الخير) شيماء بطلة الرواية والتي تنتمي الى الطبقة المتوسطة والبسيطة، وأنماط تعاملها وتفكيرها في المجتمع، حيث والدها الاسطة شاكر وامها معلمة الرياضيات في مدرسة الوحدة المختلطة الست (محاسن) وصديقة ام الخير (أنغام)، والتي راحت تروج فيما بعد على انها مديرة أعمال ام الخير ص ١٥١

مقابل (نصر) الطالب المتعثر في الدراسة والذي يمثل الطبقة السياسية الفاشلة في العراق.

حيث يلتقي مع ام الخير على قارعة الطريق يوم كان بصحبة زملائه والبداية مع المشهد الذي يبتدئ بمحاورة بين (ام الخير) قارئة الطالع (ونصر) الذي يتم مفاجأته من قبل ام الخير بأنه سيكون من اصحاب الشأن في المستقبل.

حيث مع هذه الإشارات، العقد النفسية تتأجج في نفس (نصر) الذي يبقى يعيش الوهم مستمدا منه لغة القوة حتى يتحقق له ما يريد تحت رعاية ظروف عوجاء ودائرة مشوهة من الجهل.

وعنوان الرواية (تجلت فتحكمت) يحكي عن مضمونها، والتجلي مقولة في موضوع الصوفية والعرفان ويعني انكشاف كنه الذات اي حقيقتها الجوهرية، التي إنما يشار بها الى أعمق مظهر من مظاهر الوجود الحسي للذات، وذلك إنما ارادت الكاتبة إيضاحه، اومعالجته في نهاية الراوية حيث شعور ام الخير بقدراتها الخارقة على كشف الأشياء أوبعض المخفيات لتتمكن من التأثير على عقول الناس وتتحكم بهم ومنه اسم الرواية ص ٢٠٥

(ارتاحت نفس (ام الخير) بحالة التجلي التي انتابتها)

وهو ما لايتطابق وطبيعة الحقيقة الجوهرية لشخصية (ام الخير) بطلة الرواية التي ارتبط اسمها بذات المضمون.

باعتبار انها أصلا اعتمدت الكذب والخداع في تضليل الاخرين وايهامهم بمصائرهم، اعتمادا على جارتها وزميلة دراستها (أنغام) التي كانت تنقل لها اخبار أهل الحي، ليتم تضليلهم فيما بعد من خلال متابعة تفاصيلهم كما حصل مع زوج جارتهم ام ايناس الذي التقطته أنغام يوم كان يلقم حبيته في المطعم بعض الطعام ليتم ادعاء العلم بذلك على لسان ام الخير ص ١٦.

فأم الخير بقيت تقنع نفسها كما فعل (نصر) من خلال ايجاد التبريرات المناسبة لعملها حيث راحت تهتم بدراسة (الكتب المتخصصة بعالم الغيبيات، وراحت تسجل ملاحظاتها ...عن فانغا العرافة البلغارية العمياء وداموس العراف المشهور) ص ١٢٨-١٢٩

وعلى غرار ذلك يصعد نجم (نصر) ( الذي يستلم حقيبة وزارة التجارة مع سطوع نجم موهبته التجارية الفذة) ص١٤٥

 

وتتصاعد وتيرة الأحداث لتحكي عن انهيار وضياع عائلة الاسطة شاكر والد شيماء ام الخير بعد فقدان شقيقها محمود، وبعد ان بقي مصير ام الخير خائبا معطلا، فهي لم تتزوج الا في نهاية المشهد من قبل محسن الذي احبها منذ زمان دون ان يحقق حلمه حتى حين ص٢٦٣.

ومع تقاطع الأحداث وتداخلها، صور المشهد الروائي تدور في تحليل ما حصل لاحقا من احداث اجتماعية تزامنت مجرياتها مع تركيبة الشخصيات وطبيعة التفكير الذي دائما ما يتصالح وحيثيات الواقع من توافقات وتخالفات سياسية واجتماعية وفكرية، حيث يفرض القوي ارادته على الضعيف مستغلا حاجته الاجتماعية اوالاقتصادية.

كما في المشهد التالي (اكل الندم قلب ام الخير ...ذلك امام سطوة نصر الذي قابل فيما بعد ام الخير في مكتبه لتجد نفسها ضعيفة امام نفوذه الذي به استطاع بعض الشئ ان يوقع ام الخير في حبائل شهوته لحاجة أرادت ان يقضيها لها لولا انها تداركت الأمر فيما بعد بيد انها بعد هذا الانصياع احست بالغربة عن المحيط الذي انتسبت إليه ص ١٨٧-١٨٨ تعبيرا عن الشعور بالضياع وسط ضبابية المسميات.

هنا من خلال انسيابية الخط الزماني للدراما الخاص بالمشهد الروائي للشخصيات، تتنامى فكرة الكشف عن الشخصية من جديد لدى الكاتبة من خلال اضافة بعض الموضوعات والرموز، حيث دراسة الباراسايكولوجي والعقل الباطن من قبل (ام الخير) ، مقابل (نصر ) الذي صار يبحث لان يكون رئيسا لحزب الوحدة وتحقيق النجاح في عمله بناء على تصعيد ما جاءت به ام الخير عند اول لحظة قراءة الطالع له، إشارة الى التشبث بدائرة الوهم من خلال البحث عن طريقة لإسناد هذا الوهم.

ومن خلال هذه اللحظة تتصاعد وتيرة الأحداث الخاصة بالسرد القصصي حيث ان مبنى ابو قلام قائم على سؤال مفاده هل ان ما يتنبأ به الإنسان امر فطري ام من صناعة المجتمع، كيف يصنع المجتمع ابطالا من خلال عقدة الوهم التي تلد وتكبر وتاخذ محلها في التأثير على الاخرين، كيف للوهم ان يصبح حقيقة ليأخذ طريقه في التأثير والإقناع .

فأم الخير الطالبة شيماء بنت الأسطة النجار شاكر صار لها شأن من خلال تنبوء العرافة التي قالت عنها انها ستصبح من ذوات الشأن يوم ولادتها، حيث أمطرت السماء بعد جفاف لفترة طويلة وحيث الغشاء أوالبرقع الذي كان يغطي وجهها لحظة الولادة مقابل هطول الأمطار التي اعقبت حالة الجفاف الذي طال المدينة لأكثر من شهرين ص ١٢ المقطع الأخير وهذا ما ارادت الكاتبة الغور في حقيقته كونه لغة سائدة في الاعتقاد الاجتماعي بين العامة.

والخلاصة ان السرد الروائي يقوم على أساس ثقافة الصراع الطبقي والفكري بين الشخصيات والتي تبتدئ بحياة ام الخير شيماء وتركيبتها الأسرية، تلك الشابة التي في ذاكرتها تجتمع جميع احداث الزمن المذكور والأمكنة بما فيها الطبقات المترفة التي تجتمع بهم ام الخير بدعوات خاصة لقراءة الطالع.

(تضاعفت مساحة الصالة المخصصة لمجلس (ام الخير) الأسبوعي بعد ان ضاع صيتها في كل المدينة، وصار قبلة سيدات شتى الطبقات الاجتماعية) ص٥٤

النتيجة ان الرهان يبقى قائما على لحظة إذعان لها علاقة بمصادفة ولادة جديدة لأم الخير بعد ان التحقت بمحسن زوجا لها.

 

عقيل العبود

 

فراس زوينأن البناء الدرامي والكشف عن خفايا السلوك الإنساني  والمضمون العالي الذي طرحه غوستاف فلوبير ليست هي الميزة الوحيدة التي تتصف بها الرواية، فأن الأسلوب الرائع الذي سطر به فلوبير صفحاته وشاعرية كلماته المتناغمة والمسترسلة بنسق موسيقي لايخدش القارئ او المستمع والتي وصف بها ادق المشاعر الإنسانية والاندفاع وراء ألاحلام الى اقصى حدود الوهم حيث ينتهي المطاف بالارتواء من شراب الخيانة الذي لا يدفع الا الى الهاوية.

ان مدام بوفاري هي رواية تتكلم عن خيبة الامل بقدر ما تتكلم عن الخيانة، وتتكلم عن الحقيقة بقدر ما تتكلم عن الخداع، فهي تروي لنا خيبات إيما وفشلها في تقبل لون الواقع الداكن وتعلقها بالوان الوهم الزاهية والزائفة، تلك الألوان التي كانت تحسها وتعيشها مع شخوص القصص الغرامية وروايات العشق التي طالما قرأتها وحلمت بها كأنها احدى بطلات القصص او عشيقات الملوك والامراء من كتب التاريخ الذي حفظته، وبقناعة تامة ان مغامرة واحدة تخرجها عن المألوف قد تؤدي الى سلسلة من الاحداث التي تغير اطار حياتها الممل والرتيب حيث كان المستقبل يمتد امامها كسرداب مظلم ينتهي الى باب محكم الاغلاق، فتتعرف في تلك الفترة بالدكتور شارل بوفاري الذي يشتعل في قلبه الشعور بالأعجاب بها وان كان هذا شعوراً صامتاً لا تفضحه سوى نظرات العيون وارتجاف الايدي عندما يكونان معاً، وهو ما ملئ قلبها ورسم في ذهنها صورة رأت انها مطابقة لما قرأته وتخيلته من قصص العشق ولوعة الشوق واهات الفراق فلم يمنعهما سوى انه رجلٌ متزوج، "ولم تسائل نفسها قط عما اذا كانت تحبه فعلاً، فهي تعتقد ان الحب يفد فجأة مصحوباً برعد وبرق، كما لو ان عاصفة تنقض من السماء على الأرض، فتقلب كيانها، وتنتزع الارادات انتزاعها لأوراق الشجر" فيأتي الموت بما يحمله من مفاجئات وما يغير من واقع يجعل  من شارل ارملاً بعد وفاة زوجته الأولى فيكون بذلك طريقه الى إيما مفتوحاً ولا يبعده عنها سوى التقدم لخطبتها من ابيها الذي لا يرى زوجاً لابنته الوحيدة افضل منه للتحول إيما الى مدام بوفاري .

يسترسل الكاتب الفرنسي فلوبير في وصفه حياة إيما وما رافق ذلك من روتين الحياة ورتابة الواقع الذي دائماً ما يكون كفيلاً بسكب مياه الحقيقة الباردة على نار الرومانسية ولهيب احلامها، فيصبغ المشاعر بصبغة الواقع، ولكن في حالة مدام بوفاري فالأمر مختلف فان ايما تبقى تكتوي كل يوم بهذه النار التي تحرقها من الداخل وتحيل حياتها الى جحيماً من العاطفة المستعرة التي تبحث عن أي نسمة عشقٍ او هوى ترتوي بها نفسها وتعيش من خلالها مغامرات الحب الذي طالما حلمت به وظنت انها وجدته في شارل الذي يثبت لها كل يوم انه نموذجا للرجل الرتيب " فقد أصبحت أوقات انطلاقه وتحلله منتظمة، وهو يقبلها في مواعيد معينة وكأنما يمارس عادة من العادات، او كانه يتناول حلوى مرتقبة بعد عشاء ممل، واغاظها انه لم يبدي أي انتباه الى عذابها، وبدا لها اعتقاده بأنه حقق لها كل سعادة إهانة وقحة، واطمئنانه الى هذا الاعتقاد جحوداً، فكان كل مجهود للتخفيف من هذه الأحقاد انما يضاعفها، وكان تلطفه معها يزيدها تمرداً، وضِعة حياتها المنزلية تدفعها الى أحلام ملؤها البذخ، وكانت الملاطفات الزوجية تسلمها الى شهوات داعرة، ولكم ودت لو ان شارل ضربها حتى تجد مبرراً لان تكرهه، وتعمل على الانتقام لنفسها منه، ومع كل ذلك لم يكن هناك بد من ان تستمر في الابتسام، وان تسمع الادعاء انها سعيدة يردد مسامعها كل الأوقات، وان تتظاهر بالسعادة، وتدع سواها يعتقد انها سعيدة" .

ان رغبة إيما الملحة في ركوب سفن الهوى وولوج درب العشق حتى وان كان ممنوعاً او محرماً يجعل منها فريسة سهلة لمدعي الهوى وتجار المشاعر الذين خبروا حياكة الشباك التي يصطادون بها فريستهم من النساء فتتحول إيما من تلك الفتاة الرومانسية الحالمة الهادئة الى امرأة مسرفة ومثارة تقودها رغبتها الجامحة وترى في الخيانة ضالتها وفي الاقتراض والبذخ استقرار نفسها لتكشف لنا عن وجه ثاني  يخالف ويعاكس كل الصور الناصعة والبريئة التي ترتسم على محياها وعرفها الناس بها، فتنشر لعنتها على من حولها وتغرق سفينة حياتها مع شارل وابنتها الوحيدة في مستنقع العار والشقاء بعد ان صودر كل ما تملكه الاسرة لسداد الديون التي انفقتها إيما في سبيل شهواتها ونزواتها.

لاشك ان غوستاف فلوبير قد برع في كشف النقاب عن خفايا ودواخل قد تكون مخفية في أعماق العديد من يعيشون التناقض بين ما طبع في اعماقهم من تصورات وبين الواقع الحقيقي، بل انه قد ذهب لأبعد ما يمكن من خلال وصفه ما يبلغه الانسان في اندفاعه وهو يحاول ان يعيش بعيد عن العقل والمنطق والاصطدام بجدار الواقع الصلب من خلال إيما فبدلاً من ان تستفيق من أحلامها وخيالاتها وحتى مجونها وتعود الى الواقع الذي يجب عليها ان يدركه ويتقبله كل شخص ولكنها بالعكس من ذلك تحطمت كلياً وقبلت العيش بمستنقع الخيانة وهي لا تراه الا حديقة زهور روته بمياه الغواية والعشق المحرم، ولبست انقى ثياب العفة على جسدٍ انهكه واقعها المأثوم ولحمها المباح.

 

فراس زوين

 

 

تحت عنوان دعوة عاجلة لحرية صناعة الأفلام وبالنظر إلى احتجاز السلطات في إيران السينمائي المعروف محمد رسولوف، اصدرت بالامس 9 مارس 2020 في برلين، أكاديمية السينما الأوروبية، ومهرجان كان السينمائي، وأكاديمية السينما الألمانية، وهامبورغ شليسفيغ هولشتاين للتمويل السينمائي، ومهرجان هامبورغ السينمائي، و IDFA - مهرجان أمستردام السينمائي الدولي للأفلام الوثائقية، ومهرجان روتردام السينمائي الدولي IFFR والصندوق الهولندي السينمائي، وأكاديمية السينما الإيطالية تود ديفيد دي دوناتيلو، بيانا اعربت فيه عن عميق قلقها إزاء سجن المخرج الإيراني محمد رسولوف.

حصل رسولوف Mohammad Rasoulof، الذي فاز بجوائز في مهرجان كان، قبل ايام على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي السبعين "برليناله" Berlinale عن آخر أعماله "لا يوجد أي شر" Es gibt kein Böses وهو الفيلم الذي كما في أفلامه السابقة، يلقي من خلاله نظرة فاحصة على عواقب الحياة في ظل الحكم الاستبدادي في ايران. 

ولد في عام 1972 في شيراز، إيران. أثناء دراسة علم الاجتماع، بدأ في إنتاج أفلام وثائقية وأفلام قصيرة. بعد فيلمه الثاني، آيرون آيلاند، أصبحت قدرته على إنتاج وعرض الأفلام مقيدة بشكل متزايد. وقعت جميع الأفلام الروائية السبعة التي انتجها ضحية الرقابة في إيران. في عام 2010، قُبض عليه أثناء عمله مع جعفر باناهي في مكانه وحُكم عليه بالسجن لمدة عام، لم يُسمح له بمغادرة إيران رسميا منذ عام 2017.

بناء على طلب من قبل المدعي الخاص لجرائم الإعلام والثقافة، تم تنفيذ الحكم على محمد رسولوف بالسجن لمدة عام فورا. وكانت المحكمة الثورية الإيرانية قد حكمت في 23 يوليو 2019 على المخرج بالسجن لمدة عام وفرض حظر لمدة عامين على العمل كمخرج بسبب الدعاية المزعومة ضد الحكومة، وفرضت أيضا حظرا لمدة عامين على مغادرة البلاد والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية أو السياسية. 

1414  جائزة 1

  نيابة عن والدها، تستلم باران رسولوف (المقيمة في مدينة هامبرك) جائزة الدب الذهبي من فيلم والدها محمد رسولوف "لا يوجد شر" في مهرجان برلين السينمائي 2020

وتعرض البيان الى: إن الدعوة إلى قضاء عقوبة السجن لا تُظهر سوى جزء صغير من التعصب والغضب الذين يميزان رد فعل النظام الإيراني على النقد. ويوجد العديد من النشطاء الثقافيين في السجون الايرانية لانتقادهم الحكومة. وان الانتشار الواسع الذي لا يمكن السيطرة عليه لفيروس COVID -19 في السجون الإيرانية يعرض حياتهم للخطر بشكل خطير وهذه الظروف تتطلب استجابة فورية من المجتمع الدولي.

واكدت المجموعة: "على اثر اجراءات الاعتقال بحق "محمد رسولوف": نحن نحتج بشدة على استدعاء محمد رسولوف ونحث السلطات الإيرانية على ضمان سلامته وصحته. كما ندعو إلى سحب التهم الموجهة إلى محمد رسولوف ورفع حظر السفر ضده فوراً ودون قيد أو شرط". ووضح ويم ويندرزWim Wenders  رئيس أكاديمية السينما الأوروبية Europäischen Filmakademie  "زميلنا محمد رسولوف فنان يستمر في إخبارنا بالحقيقة التي بالكاد نعرفها. فيلمه "لا يوجد أي شر" والذي حصل على جائزة "الدب الذهبي"، هو فيلم عميق صورة إنسانية لأشخاص في أوضاع قاسية، مواقف لا ينبغي إجبار أحد على ذلك، نحن بحاجة إلى أصوات مثل صوت محمد رسولوف، أصوات تدافع عن حقوق الإنسان والحرية والكرامة" .

1414  جائزة 2

محمد رسولوف

وأضاف أولريش ماتيس Ulrich Matthes رئيس أكاديمية السينما الألمانية Deutschen Filmakademie "محمد رسولوف" فنان بارز وصلت أفلامه الإنسانية عن الحرية والاضطهاد إلى الكثير من الناس في جميع أنحاء العالم خلال مسيرته المهنية. إنه أستاذ تمثيلي للسينما الإيرانية: ثقافة سينمائية غنية أعطتنا بعضا من أكثر القصص إبداعا عن الحالة الإنسانية. أفلام محمد رسولوف لا تدل على الحياة في إيران فحسب، بل تتحدث إلينا أيضا بلغة السينما العالمية لتعزيز التعاطف والسلام. نحتاج إلى فنانين مثل محمد رسولوف ليكونوا قادرين على التحدث دون خوف من الانتقام.

تلقى مواقف رصينة كهذه من قبل مهرجانات سينمائية عالمية ومؤسسات الانتاج وتمويل صناعة الافلام، ترحابا واسعا لدى الاوساط الفنية والثقافية والاعلامية والسياسية، ايضا بين جمهور واسع يحترم حقوق الانسان ولا يبخل بتضامنه لاجلها. ولم يكن في الحقيقة هذا التحرك وعلى هذا المستوى الاول من نوعه. فقد شهد تاريخ السينما العديد من مثله خلال العقود الماضية كان اهمها ما يتعلق بنضال الشعوب من اجل الحرية والانعتاق من براثن التبعية والاستعمار حملة التضامن مع الشعب الفيتنامي والثورة الكوبية، وعلى مستوى الافراد اشهرها كان الحملة الواسعة على مستوى المؤسسات الثقافية والسينمائية لنصرة الكاتب سلمان رشدي اثر اصدار روايته المثيرة للجدل "آيات شيطانية" عام 1988، وبسببها أصدر الخميني الفتوى بإراقة دمه. 

 

عصام الياسري

 

عبد الجبار نوريأنهُ حقاً  شاعرشغل الدنيا وملأ زمننا المعاصر بهجة وألماً بأشعارهِ التي جسدتْ عذابات شعب في أمّة وأمّة في كون، وشغلنا أستلاباً يوماً بعد يوم، وهل من مصادفات أستفزازات القدر أن يرحل هذا الجبل الفلسطيني الشامخ عن عمرٍ 67 عاماً --- 1941-2008، وهل هي مصادفة الزمن الأهوج ؟ أن يُعرفْ " محمود " من خلال أوجاع الجرح العميق في جسد الأمة في ذلك الرقم الهمجي المستفز (67 ) الذي غرس مخالبهُ المتوحشة في أعماق كل عربي حيث عام النكسة التي فُجعت بها فلسطين والوطن العربي أرضاً وشعباُ ---- وهو يتمتم ترنيمة ذلك العشق الصوفي لمعشوقته " غزّهْ

غزة لم تتقن الخطابة

ليس لغزة حنجرة

مسام جلدها هي التي تتكلم

عرقاً ودماً وحرائقاً

من هنا يكرهها العدو حتى القتل

ويخافها حتى الجريمة

" محمود درويش "

 هوأحد أكبرشعراء العربية المعاصرين، وهو فعلاً حالة شعرية فريدة، وسوف أقارب تجربة درويش بعين محب وعاشق لشعره منذ بواكير الصبا عند محطة النكبة في 67 حينها أدمنتُ قراءة دواوينه وأعتنقتُ قصائده بتحيّز خصوصا عندما قال في شعراء العراق: {-- أذا أردت أن تكون شاعراً فكن عراقياً}، وكل ما كتب محمود من أجل وطن، ومات بلا وطن، لا تأسى يا محمود لست وحدك مات بلا وطن فكلنا يا صديقي نعيشُ بلا أوطان ونموتُ بلا أوطان وكلنا حلم أوطان –وموتى منافي !؟ .

والذي يرصد خصائص تجربة أحد أكبر شعراء العربية المعاصرة بدءاً من عدم ركونهِ إلى الأتكاء على القضيّة الفلسطينية كحامل ومسوّقْ لشعرهِ، ومروراً بتجربتهِ الطويلة والفنية في تطوير أدواتهِ الشعرية ووصوله بالشعر إلى تخوم الفلسفة من دون أن تفقد قصائدهُ غنائيتها المدهشة ودفقتها الأنفعالية الشجية، وصولاً لعبورهِ بالهم الوطني إلى الفضاء الأنساني الواسع (مقتطف من كتاب – محمود درويش / حالة شعرية للدكتورصلاح فضل)، يعتبر الشاعر محمود درويش أحد أبرز الشعراء الفلسطينيين والذي كُتب أسمهُ على أبرز صفحات تأريخ الشعر والأدب العربي والغربي، فهو شاعر ثوري مرتبط المشيمة بالوطن والثورة والذي توغّل في أعماق الأنسان المضطهد، فعانى الشاعر ما عانى فقدمها بكل أناقة وشفافية في أشعارهِ بأجمل الأوصاف وأقربها إلى قلب القاريء وأبناء اللغة، فمدوناتهِ وموروثاته الأدبية والشعرية ظهرت تأثيراتها على الجيل المعاصر ووصلت إلى الأجيال القادمة، أهم مؤلفاته: عصافير بلا أجنحةعام 1960 /أوراق الزيتون عام 1964 / عاشق من فلسطين 1966 / آخر الليل 1967 / يوميات جرح فلسطيني/عرائس/شيء عن الوطن /وداعاً أيتها الحرية وداعاً أيها السلم .

أرتبط أسمهُ بأشعار الثورة والوطن كما أنهُ من أبرز الشعراء الذين طوروا الشعر العربي الحديث، وأدخلوا الرموز أليهِ، ألّف أكثر من ثلاثين ديواناً من الشعر والنثر، ألف ثمانية كُتب وترجمت إلى مختلف اللغات في العالم، ورحل هذا الشاعر الأستثنائي مبكرا في أب2008 كما هو الديدن الأهوج للموت اللعين الذي يسمى سارق اللذات، وهو الموت الذي يأخذ كل شيء عدا الدموع لتحفر أخاديد الحسرة والوجع على ملامح المحبين وعشاق الحياة، وأبدع محمود درويش حين قال فيه:{ --- أيها الموت أنتظرني في خارج الأرض، ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقى من حياتي قرب خيمتك، أنتظرني ريثما أنهي قراءة " طرفة بن العبد "}، وتلك هي مرثية الذات عند الشاعر المعدوم سبق الأصرار والترصد، أستطاع محمود أن يبني أسطورتهُ الجميلة من ركامات وعذابات وجراحات شعبهِ الذي لن يعرف التأريخ ألماً مرّ بشعب سواه، لذا كان الموت ضيفاً ثقيلاً عند سريرهِ بشكلٍ عاجل ليستوطن عندهُ، وتأثر محمود درويش بجملةْ من الشعراء هم نزار قباني وأليوت ولوركا وأراغون ونيرودا .

قصيدة " جدارية محمود درويش " هي سيرة شعرية بمتاهات بعيدة متشابكة تحكي أرهاصات الروح المعذبة والوطن المستلب مع الضمير العالمي المغيّبْ بمؤشراتٍ واقعيّةٍ ملموسةٍ، كتبها عام 1999 ترقى إلى ملحمة وسيرة وتأريخ وأسطورة ورؤيا، فجدارية محمود ملحمة تخترق جدار الصوت والصمت معاً أنطلاقاً من تجربة حياتية ووجودية كيانية أساسها الأنسان الفلسطيني، هنا  يقول في مطلع القصيدة  برثاء أستباقي للذات البشرية :

هذا هو أسمك ------ قالت أمرأة

وغابت في الممر اللولبي

أرى السماء هناك في متناول الأيدي

ويحملني جناح حمامة بيضاء

صوتُ طفولةٍ أخرى

ولم أحلمْ بأني كنتُ أحلمْ

وأطيرُ سوف أكون  ما سأصير في الفلك الأخير

أما أنا فقد أمتلأت

بكلِ أسباب الرحيل فلستُ لي

أنا لستُ لي ----أنا لستُ لي ؟!

بأعتقادي الشخصي : فهو خطاب الموت في جداريتهِ أو رثاء أستباقي للذات البشرية وربما هي تلك الضحية لمارد الموت، وأجزم وأجزم أنها الوريث الشرعي للقصيدة العربية، وما أطرها بتراثٍ فنيْ وجماليْ عبر محطات التأريخ، والجدارية أثارت سيلاً تسونامياً جارفاً من الأسئلة حول الوجود وماهية الموت وصراعات حب الأرض وأرهاصات فواجع الزمن، والقصيدة عبارة عن خارطة لجغرافية الكون الواسع عبر جدلٍ واقعي وخيالي وسردي درامي غنائي ملحمي الغرائبي والفجائعي والأغنية والنشيد والمستقبل المستحيل ولوعة الغياب وفوبيا الرحيل الأخير، وقلتها قبل زمنٍ غير بعيد : 

أن الجدارية تجاوز القصائد القصيرة والخاطفة، فهي قصيدة مركبة حيث يتوسع في النص السردي بالأستعانة بالأسطورة والتصوّف والمزج بين الواقع والفنتازيا الفولكلورية بمسحة درامية دامية في أحيانٍ كثيرةٍ .

وتظهرالتفكيكية الشفافة بأوج لمعانها في " الجدارية " بدلالات رمزية أيحائية تؤشر بوصلتها إلى شاعر عاشق منكسر قريب من برزخ الفناء الأبدي الذي يهدد وجوديته، فيتعامل بجمالية مرهفة مع الموت بعناصر ووسائل أسلحتهِ الفنية بأستثمار خبرتهُ الجمالية الثرّة من أجل القبض على الموت، ويصوغ تلك الأفكار والرؤى بمحاور شعرية فهي بالتأكيد حالة ذهنية وشعورية يعيشها الشاعر في الجدارية، ويقول فيها :

يا موت !!! يا ظلي الذي سيقودني

يا ثالث أثنين

يا لون التردد في الزمرد والزبرجد

أجلس على الكرسي

وضع أدوات صيدك تحت نافذتي

لا تحدق يا قوي إلى شراييني

لترصد نقطة الضعف الأخيرة

 والغريب أني أكتشفتُ أن الرجل يعلم يوم تنفيذ مقصلة الأعدام الرهيبة الموت وقد قرأتُ لهُ مقالة في هذه النهاية الرهيبة قبل أشهر من غيابهِ الأبدي في جريدة النهار البيروتية حيث يقول: {---

وعند الفجر أيقضني نداء الحارس الليلي

من حلمي ومن لغتي:

ستحيا ميتة أخرى فعدّلْ في وصيتك الأخيرة 

قد تأجل موعد الأعدام ثانية

سألتُ إلى متى ؟

وقال أنتظرلتموت أكثر

قلتُ لا أشياء أملكها لتملكني}

هكذا وفي عبارةٍ واحدةٍ يكشف الشاعر محمود في جداريتهِ ما حاول أن يقولهُ بأساليب متنوعة : أنّها لحظة التحدي الأخيرة بين لغةٍ وذاكرةٍ من جهة ونهاية كانت تقترب بسرعة ، فمن غير الشاعر يستطيع منازلة الموت بهذه الطريقة وذاك الدفق وهذا البوح وبحداثةٍ شعريةٍ غير مسبوقة حيث يتصاعد الخط البياني إلى قمة شرفة الموت ليهدي لنا تلك التجربة الأقتحامية شعراً آسراً يتوقف فيه الزمن ليكتشف المتلقي سفراً جديداً في الخلود من أبتكارات محمود درويش كلكامش العصر الحديث، وتتنوع فيها المشاهد من أجل نقل هموم الذات وأشجانها في تكثيف شعري فياض وأخاذ أعتبرها حسب رأيي الشخصي أنّ محمود درويش أرتقى بجدارية مؤطرة بهيكلٍ سماويٍ مقدس وبطقوس صوفية ملكوتية وكنائسية لاهوتية بجوٍ ممزوج بضجيج أذان الفجر وأجراس كنائس يوم الأحد الحزين ترجمها إلى كل لغات العالم بحزائنية تراجيدية فلسطينية ل(معلقة) برسوم حداثوية.

تقول معلقة درويش:

هذا البحرُ لي

هذاالهواء الرطب لي

وهذا الرصيف وما عليه من خطاي وسائلي المنوي --- لي .

ومحطة الباص القديمة لي .

ولي شبحي وصاحبهُ، وآية الكرسي

والمفتاح لي والباب والحراس والأجراس لي

وقصائد الورق التي أنتزعت من الأنجيل لي .

أما أنا فقد أمتلآتُ بكل أسباب الرحيل فلستُ لي .

أنا لستُ لي .

سأحلم كي أرمم داخلي المهجور من أثر الجفاف العاطفي  .

فالجدارية وجه آخر للشاعر أضافة إلى وجههِ الشاعري الأنيق، فهي مفرد لوني منسوب لأسمهِ، فهي معانقة للروح وتحريك للوجدان لكونها تغوص في الذات والتأريخ والأسطورة وإلى الأرتباط بالأرض بحائط أورشليم --- بعكا العتيقة، وأذا أردت أن تفتش عن محمود درويش أستعن بهذا المقطع الجميل من تلك الجدارية :

كلما فتشتُ عن نفسي وجدتُ الآخرين و

كلما فتشتُ عنهم لم أجد فيهم سوى نفسي الغريبة  .

والجدارية نشيد الذات وهي تواجه مصيرها الفاجع والأليم، يقول :

لا شيء يبقى على حاله، للولادة وقت، وللموت وقت، وللصمت وقت .

كل نهر سيشربهُ البحر، والبحر ليس بملآن  .

وينتقل درويش في الجدارية إلى جدارية التأريخ يقول : 

أعلى من الأغوار كانت حكمتي، أذ قلتُ للشيطان :

لا لا تمتحني ---

لا تضعني في الثنائيات .

وأتركني كما أنا زاهداً برواية العهد القديم .

وصاعداً نحو السماء هناك مملكتي .

خذ التأريخ --- وأصنع بالغرائز ما تريد ---  .

وأخيراً : الجدارية رثاء أستباقي للذات، تعالج ظواهر لغوية وتشكيلية كالتناص والرمز والأسطورة والصور الشعرية الأنيقة والجميلة والتكرار الغير ممل، وخاطب حبيبته في الجدارية وأظهر شعر المقاومة المقدسة وهو يقول :

علمتني ضربة الجلاد ---- أن أمشي على جرحي.

وأمشي --- وأمشي وأقاوم

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

..........................

هوامش ومراجع

عبده وازن /محمود درويش --- الغريب يقع على نفسه – 2006 / ألكتروني

د- صلاح فضل- محمود درويش حالة شعرية / القاهرة/

جمال بدران – محمود درويش – شاعر الصمود والمقاومة 1999 .

 

 

محمود سعيدقل للمَليحة في الخِمارِ الأَسوَدِ

ماذا أَردت بناســــــــك متعبدِ

 

قد كانَ شَمَرَّ للصَـــــلاة ثيابه

حتىّ قعدت له بباب المسجد

***

"ردي عليه صلاته وصيامه

لا تقليه بحق دين  محمـــــد"

وأضاف بعضهم بضعة أبيات أخرى، لكني لم أرها في ديوانه الصغير، كان زاهداً شجاعاً، عفيفاً، ويعلم الكثير سبب قوله هذه القصيدة، فقد رويت القصة على أشكال كثيرة، حيث استجاب لنجدة تاجر كاد يفلس لأن الخمُرالسود، التي استوردها، كسدت ولم يبع منها سوى القليل، فهرع إلى الزاهد النبيل، فنظم له هذين البيتين، وقال له اذهب إلى المغنية فلانة، لتغنيها، وحين قرأت المغنية البيتين أعجبت بهما، وغنتها ليلاً عندما بدأت سهرة القوم المعتادة، وفي اليوم التالي راجت الاغنية وأصبحت على كل لسان، وروجّت الخمُر، فنفدت كلّها.  معنى البيتين رائع، وأذكر أن ناظم الغزالي عندما صدح بالاغنية من إذاعة بغداد، وكان ذلك بعد الظهر، وكنت أتمشى في سوق السراي في الموصل، كانت الأغنية تعلو في أجواء دروب القيصرية كلها. وربما كانت الأغنية واحدة من أهم الأغاني من حيث الكمال، فاللحن رأئع، والكلمات ذهب مصفىً، والصوت صداح مطرب لا مثيل له، ثم أعاد غناء الأبيات أحسن المغنين في العالم العربي، لكن لم يجرؤ أحدهم أن يغنيها في حياة ناظم، بل أطربوا معجبيهم بعد وفاته رحمه الله.

في الحقيقة أنني لم أكن أبغي الكتابة عن الأغنية، كنت أريد أن أوجه النظر إلى أفكار هذا الشاعر الذي اشتهر بمواقفه الشجاعة، بل إلى نظرته العميقة في المرأة وحريتها، فلم يسبق أن نظر مفكر عربي مسلم إلى حرية المرأة وحقوقها بصورة تماثل نظرة مسكين الدارمي، أو شغلته ليغوص تفكيراً في دوافع ووجوب حريتها وتصرفها. لكن مسكين فعل وفكر بها ككائن مساوٍ للرجل فاقترح مبادئ عملية تقود إلى إلزامنا باحترامها وتنفيذها إن أصبحت زوجة في مجتمعنا:

1- عدم الشك فيها، وتقليم أظافر الغيرة عليها.

2- حث الزوجة على مشاركة الرجل في استقبال الضيوف.

3- كشف الزوجة وجهها للضيوف والمعارف.

4- عدم التجسس عليها.

5- حرية استقبال الضيوف في غياب زوجها.

6- عدم ممانعة الزوج في التجول في المدينة وحدها إن ضجرت من الجلوس في البيت.

7- الامتناع من حجرها في المنزل.

8- الامتناع عن خيانتها جملة وتفصيلاً، فالزواج يعطيها حق التصرف مثل الزوج.

9 - الطلاق وحده، هو عقاب الزوجة الخائنة، لا القتل ولا الضرب ولا التشهير.

10- على المتزوج أن يعلم أن الحب لا يفرض فرضاً.

عندما ننظر إلى هذه المبادئ نرى الدول المتطورة "الأوربية، الأمريكية في القارتين، الآسيوية كاليابان، كوريا" تطبقها، ولا تزيد عليها مطلقاً إلا حرية السفر منفردة. وإن نظرنا إلى هذه النقطة نعطي العذر لدارم، لأن السفر آنذاك محفوف باخطار لا تستطيع المرأة أن تتحملها.

 

محمود سعيد