 أقلام ثقافية

جداريات الحج.. فن خالد

يسري عبد الغنيرسومات أو جداريات الحج فن شعبى فطرى تميزت به مصر عن غيرها من الدول العربية الكعبة والروضة الشريفة والحجر الأسود أبرز الرسومات المنتشرة على حوائط المنازل باحثون أجانب تحدثوا عن رسومات الحج المنقوشة على بيوت الصعيد فى عدد من الكتب فرسومات الحج فن فطرى هو امتداد للفن المصري القديم المنقوش فى المقابر والمعابد وبكل أسف فأن المنازل والتقنيات الحديثة قضت على فن رسومات الحج

عقب انتهاء موسم الحج وعودة الحجاج إلى ديارهم سالمين، تتزين واجهات المنازل برسومات ونقوش تعبر عن تفاصيل رحلة الحج، يطلق عليها الكثير رسومات الحج، وهى فن فطرى خالص تميزت به مصر عن أى مكان آخر فى الوطن العربى، وكان لصعيد مصر الاهتمام الأكبر بهذه النقوش والرسومات التى تعبر عن أداء فريضة الحج، فالشعب المصري من أكثر الشعوب حبًا للأراضي المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة.

لقد كانت الرسومات التصويرية التي ينقشونها على جدران منازلهم بعد عودتهم سالمين إلى ديارهم وأهلهم من رحلة الحج أبلغ دليل على هذا العشق الذي لا ينافسهم فيه أحد، فهم يقومون برسم ونقش الأماكن المقدسة لكي تظل أمام أعينهم يتذكرون من خلالها رحلتهم الروحانية المقدسة إلى بيت الله الحرام و مسجد وقبر النبي (صلى الله عليه وسلم).

حملت حوائط منازل الحجاج بصعيد مصر العديد من الرسومات التى تتغير من بيت لآخر، لكن أكثرها نقشًا وانتشارًا على حوائط وواجهات المنازل "الكعبة المشرفة، الروضة الشريفة، صورة تخيلية للبراق، مقام سيدنا إبراهيم، الحجر الأسود، وسيلة المواصلات سواء طائرة أو باخرة وقديمًا الجمل"، لكن تبقى الكعبة المشرفة هى الأهم والأبرز.

رسومات الحج لم تقتصر على الأشكال والصور، فقد انتشر بجانبها عدد من الجُمل المشهورة التى لا يخلو منها أى بيت عليه هذه الرسومات، ومن أهم هذه الجمل قول الله تعالى"وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" سورة الحج27 والحديث الشريف: "مَا بَيْنَ بَيْتِى وَمِنْبَرِى رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ"رواه البخاري" 1196"ومسلم"1391" وبعض الأقوال مثل"من زار قبرى وجبت له شفاعتى".

وقد كان لكل قرية أو منطقة فنانوها المعدودون الذين يجيدون رسم وتصوير هذه النقوش، ولكل منهم أسلوبه الخاص الذى يتفرد به عن غيره فى هذا الفن، فمنهم من كان يكثر كتابة بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية أو الأقوال المأثورة باستخدام الخطوط المختلفة، ومنهم من يكثر استخدام الرسومات والمناظر على حساب الكلمات، وقد كان لرسام هذا الفن الجميل أهمية خاصة فى صعيد مصر، فكانوا يكرمونه ويغدقون عليه بالأموال من قبل الرجال والنساء على حد سواء، وتبدأ عملية رسم الحوائط وتزيينها قبل عودة الحاج بأيام قليلة من فريضة الحج، حيث يقوم أبناؤه باستئجار "رسام محترف" لكى يرسم وينقش تفاصيل الرحلة المقدسة التى قضاها فى بيت الله الحرام على جدران المنزل.

وقد اهتم الباحثون الأجانب بهذا الفن الفطري الذي اشتهرت به مصر عن سائر البلدان العربية، فخلال جولاتهم بصعيد مصر لفتت أنظارهم الرسومات المنقوشة على معظم البيوت الصعيدية، حتى أن بعضهم قام بتأليف كتب عن رحلة الحج المصرية منها كتاب يحمل عنوان "لوحات الحج" صدر عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من تأليف الكاتبة آفون نيل والمصور آن باركر"Ann Parker؛ Avon Neal" فى سبتمبر 2009، وكتاب آخر للمستشرق الإنجليزي إدوارد لين"Edward lane" يحمل عنوان"المصريون المحدثون" ذكر فيه أنّ المصريين كانوا يقومون بتزيين بيوتهم برسومات الحج فى القرن الثامن عشر، فقبل عودة الحاجّ بثلاثة أيّام يقومون بتلوين الباب والحجارة باللونين الأبيض والأحمر بطريقة بدائية، وكان يتم ذلك بناءً على طلب مسبق من الحاج لأهله قبل سفره، ويشير إلى أن جذور الحضارة الفرعونية وتأصلها في نفوس المصريين هي التي أدّت إلى انتشار هذا الفنّ، حيث تحوّل البيت الجنوبي إلى صورة مصغرة من معبد فرعوني، فالمصري القديم كان يستخدم الأدوات البسيطة في الرسم على المعابد من ريشة وجبس وألوان وجير، وهى الأدوات نفسها التي يستخدمها الفنان الشعبي في الرسومات الآن، وهي رسومات استُلهمت في الحقب التاريخية الماضية مثل العهد المملوكي والعهد العثماني.

جداريات الحج فن مصرى فطرى وامتداد للفن المصري القديم - جداريات المقابر والمعابد - وهو لا يرتبط بدين معين، فالفراعنة استخدموا هذه الرسومات والنقوش بكثرة داخل المقابر للتعبير عن رحلة البعث والخلود، واهتم به الأقباط من خلال الرسومات الموجودة على جدران الكنائس والتى تسمى بـ "جداريات الفرسك"، مستخدمين فيها ألوان الأكسيد الطبيعية المختلطة بزلال البيض، ثم انتقل هذا التراث إلى العصر الإسلامى الحديث، فبدأ الإنسان المسلم يرسم الرحلة المقدسة للحج وما تحمله من رموز مثل "الكعبة، الطائرة أو الباخرة، غار حراء، الجمل.. إلخ".

و أحيانًا يقوم بعض الأشخاص برسم صورهم الشخصية على جدران المنازل بعد تأديتهم لفريضة الحج، ويحرص معظم المصريين على تسجيل الرحلة على جدران المنازل لأنهم يعتبرونها مدعاة للفخر والتميز بتأديتهم فرض الله وحصولهم على لقب "حاج"، وهو اللفظ الذي له مكانة خاصة لدى المسلمين.

 

د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5077 المصادف: 2020-07-30 12:55:02