 أقلام ثقافية

لقطتان تراثيتان عن شعر الهجاء والفلسفة والفن في الأندلس

علاء اللاميلقطة تراثية1/ شعر الهجاء من الحطيئة إلى ولادة بنت المستكفي

يضرب المثل في شعر الهجاء بالحطيئة الذي لم يترك أحدا من مشاهير عصره لم يوجه له سهام هجائه بل لقد هجا حتى زوجته وأمه بل أنه هجا نفسه ببيتين مشهورين هما:

أَبَت شَفَتايَ اليَومَ إِلّا تَكَلُّما ***** بِشَرٍّ فَما أَدري لِمَن أَنا قائِلُه

أَرى لِيَ وَجهاً شَوَّهَ اللَهُ خَلقَهُ ***** فَقُبِّحَ مِن وَجهٍ وَقُبِّحَ حامِلُه

وكنتُ على هذه القناعة الأدبية طوال سنوات دراستي الجامعية حتى قرأت ما قالت الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي من هجاء فاحش بحق عاشقها ابن زيدون حين اختلفت معه بعد أن تعلق لبّهُ بخادمتها السوداء لجمال صوتها فقالت فيه بيتين من الشعر هما من أفحش وأقسى شعر الهجاء قيلت بعد أبيات المتنبي الشهيرة بحق أم ضبة بن يزيد ومطلعها لمن يبحث عنها في الانترنيت (ما أنصف القوم ضبة..)، وليقارنهما ببيتي ولادة ومطلعهما (ولُقّبتَ المسدّسَ وهو نعتٌ)

ولُقّبتَ المسدّسَ وهو نعتٌ ***** تفارقُكَ الحياةُ ولا يفارقْ

فَلوطيّ ومأبونٌ وزانٍ ******   وديّوثٌ وقرنانٌ وسارقْ

وتقصد بالمسدس الحامل للصفات الست الواردة في البيت الثاني!

ولولادة مقطوعات شعرية غزلية جميلة أخرى واحدة منها مطلعها (لو كنتَ تنصفُ في الهوى***** لم تهوَ جاريتي ولم تتخيرِ)

* فائدة لغوية ع الماشي: اسم "الحطيئة" بهذا الرسم هو الحجة التي يشهرها القائلون بكتابة الكلمة بهذه الصورة إزاء من يفضلون كتابتها بهمزة على الألف في الكلمات المشابهة مثل هيأة، ويرون الأصح كتابتها على الياء: هيئة. الحطيئة شاعر مخضرم ومتمرد عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم ثم ارتد مع المرتدين ثم عاد وأسلم وقد حبسه عمر الفاروق بسبب هجائه للكثيرين، فتوسله الحطيئة بأبيات عاطفية يسترحمه بها وتعتبر من أجمل ما قيل في هذا الباب وما زلت أحفظ مطلعها حتى الآن، قال:

ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخٍ*** زغبُ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ

*يمكن العثور على جميع الأبيات الواردة في هذه القطعة للمتنبي وولادة والحطيئة بكتابة مطلع البيت في محرك البحث غوغل والنقر دخول.

1523  ابن رشد

لقطة تراثية 2: يخبرنا صاحب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / مج1 ص 463" بما قاله الفيلسوف ابن رشد في مناظرة له مع الطبيب المعروف أبي بكر بن زُهر، قال (إذا مات عالِم في إشبيلية فأريد بيع كتبه حُملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حُملت إلى إشبيلية)! ورغم أننا لا نعرف على جهة التدقيق سياق ومناسبة هذه المناظرة، ولكننا يمكن أن نرجح أنه إنما أراد إيصال فكرة مفادها أن الثقافة وشؤون الفكر كانت مزدهرة في قرطبة أكثر من إشبيلية، أما شؤون الفنون فمزدهرة في إشبيلية أكثر من قرطبة. ولكننا لو بحثنا بين سطورها عما يسميه النقاد وعلماء اللسانيات "المسكوت عنه"، فلن نجد أكثر من ذلك. وإذا زدنا عليه بالتأويل فقد نجد شيئا من التباهي بالفكر والثقافة القرطبيتين من قبل الفيلسوف العقلاني في مواجهة الطبيب الإشبيلي المذكور والمعروف هو الآخر بإنجازاته في ذلك العصر لدى الأوروبيين.

وبالعودة إلى لقطتنا التراثية نقول: إن هذه المقولة الرشدية تختلف تماما عن مقولة شعبية شائعة قد تشبهها شكلا وتقول (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) فهذه المقولة تنطوي على ثلاث إحالات سلبية قد لا يكون القائل قصدها ولكنها واضحة في معاني الكلام. الإحالة الأولى للمصريين لأنهم وفق هذه المقولة لا يقرأون لكتابهم المصريين بل لغيرهم، أو أنهم لا يقرأون لهم ولا لغيرهم. والإحالة السلبية الثانية في أنها تجعل اللبنانيين مجرد عمال مطابع يطبعون ما يؤلفه الكتاب المصريون ويقرأه العراقيون فلا هم ألفوا شيئا ولا هم قرأوا ما يطبعون، وهذا غير صحيح تماما؛ فحركة التأليف والترجمة في لبنان لا تقل عنها في أي من البلدان العربية الأخرى.

والإحالة الثالثة تخص العراقيين، فرغم المديح السطحي لهم في هذه المقولة بأنهم قراء جيدون، ولكنها تشطب على كتابهم وعلمائهم ومؤلفيهم وعلى إنجازاتهم وكأنها لم تكن، وهذا ظلم كبير للثقافة العراقية - يساهم فيه المصابون بنوع من المازوخية الثقافية وجلد الذات والدونية الحضارية ممن يجهلون أن موسوعة واحدة ألفها العراقي د. جواد علي - على سبيل المثال- تعدل مكتبة كاملة ولا تستغني عنها مكتبة أو باحث في التاريخ والثقافة وعلوم الأديان والمجتمع...إلخ، وأعني موسوعة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"! وعلى الرغم من أن هذه المقولة غير دقيقة مضمونا وأحكاما، كما بينت، ولكنها لا تخلو من بصيص من الحقيقة: ففي عقود الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي نشطت حركة التأليف والطباعة والنشر والقراءة في الدول العربية وخصوصا في مصر والعراق وبلاد الشام ولكل بلد من هذه البلدان مساهمته في التأليف والطباعة والقراءة ولكن بيروت تميزت بسبب أجواء حرية التعبير النسبية بأنها كانت تطبع ما لا يطبع في القاهرة أو بغداد لهذا السبب السياسي أو ذاك.

* استدراك: عُرف الطبيب أبو بكر بن زُهر بمؤلفاته وإنجازاته الطبية لدى الأوروبيين وخصوصا في عصر النهضة - من القرن الرابع عشر الميلادي إلى القرن السابع عشر- باسم أفينزوار (Avenzoar)، أما الفيلسوف العقلاني العظيم ابن رشد فكان يعرف عندهم بآفيروس (Averroes). وعن تأثيراته في الفكر الأوروبي نقرأ (كان لابن رشد تأثير قوي على الفلاسفة الأوروبيين المسيحيين أمثال توما الأكويني. وعلى الرغم من ردود الفعل السلبية من رجال الدين اليهود والمسيحيين إلا أن كتاباته كانت تدرس في جامعة باريس وجامعات أوروبا، وظلت المدرسة الفلسفية الرشدية مهيمنة في أوروبا الغربية حتى القرن السادس عشر الميلادي. وقد قدم في كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" مسوّغاً للتحرير الفلسفة من اللاهوت الأشعري، وبالتالي عدّ بعضهم الرشدية تمهيداً للعلمانية الحديثة/ أحمد جميل وعبد الوهاب المسيري).

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5010 المصادف: 2020-05-24 12:29:02