 أقلام ثقافية

أسر في صمت الخشوع

رشيدة الركيكلازال فيروس كورونا يقتحم بيوتنا ويحاصرنا داخلها، ولا زلنا نخوض معركتنا من أجل البقاء في حالة من التوجس والخوف على أقرب الناس إلينا من قدر مخيف.

لازلنا نعيش على صدى إحصاءات يومية للمصابين والمتعافين والمتوفين، وكأنه كتب علينا أن يطاردنا هذا الخوف من المجهول رهبة من قدر أحمق الخطى، كلما دخل بيتا إلا وساق معه كبيرهم قبل صغيرهم.

هي لعنة الفيروس تجرنا من نفس الإنتماء وتحاصر بيوتنا لحظة تفريط أحدنا، لذلك فأسرنا اليوم تعيش التضحية ببعضها البعض تحت شعار التماسك الأسري والعيش الجماعي، ولكن بمعاني مختلفة فيها من الحب ما يكفي لضمان البقاء للجميع.

لقد فرض علينا الوباء الإنعزال وتباعد المسافات حبا في بعضنا البعض، لكنه علمنا معان جديدة فيها حفظ مسافة الأمان تضمن الراحة  والعيش للجميع.

لقد أوقفنا زمن كورونا مع ملامح جديدة لأسرنا وعلاقاتنا العائلية، جعلنا نخاف على غيرنا مثلما نخاف على أنفسنا بعدما فرضت الحياة المادية نوعا من العلاقات البراغماتية تسودها النفعية والمصلحة الخاصة.

زمن كورونا يعيد حسابات الأسرة ويهدم ما راكمه التاريخ من أنانية وتبجح وكبرياء نتيجة تفاوت الأرزاق، ولكن نحن الآن نقف أمام قيم ومفاهيم أعم وأهم، فيها من الرحمة وبين ذاتية ما يكفي لإستمرار الإنسانية كلما فكرنا ببعضنا البعض.

لم يعد المال من يضمن البقاء أو الشفاء، لم تعد للحياة المادية ما يبررها، لم تعد الأنانية معيارا لكل سلوك، لم تعد قيم العدالة غير العدالة الإلهية التي تفرض قوانينها متجاوزة كل منطق إنساني لطالما تبجح الإنسان بعقلانيته تلك التي أسقطها زمن كورونا.

ومع أننا نخطط وندبر لحياتنا ولأبنائنا أسمعنا  كوفيد19 صوته وأخرسنا عن الكلام المباح، لقد فرض قوانينه الجديدة بيننا حتى داخل علاقاتنا الأسرية ضبط نظاما وألزمنا به.

علمنا كيف نسمع القدر في صمت الخشوع ولا نملك إلا الترحم على الموتى من بعيد دون صخب، أو تشييع للجنائز أو تجمع وإحياء ليلة نعي الميت بكل تفاخر وتظاهر بالكرم المجتمعي.

عموما وإن كنا ندعم بعضنا البعض ونأنس بوجودنا مع بعضنا في لحظات الفراق لنصبر ونقوي بعضنا، فرض علينا الحجر الصحي جلسة مع ذواتنا لننصت إليها.

و الحقيقة و إن منحنا الوباء فرصة العيش و التمتع بالحياة الأسرية بشكل يومي، إلا أنه ينذرنا في نفس الآن بلحظات العدم الممكن.

زمن كورونا أخرس العالم ليعيد نظامه من جديد بدءا بأسرنا ليغير ملامح حياة مادية طغت بشكل مفضوح وصاعق لإنسانيتنا، أيقظ فيها الكرم وحب العطاء والتضامن والخير بأيد ممدودة لبعضها في ملامحها البسيطة من منظور إنساني لا نفاق اجتماعي.

لقد تجاوزنا كل الصعوبات والألم بل استشعرنا الحياة في حب الخير للآخرين والعودة إلى الأصل، وهو إسعاد الآخرين من أجل إسعاد الذات كقانون بشري قديم تجاهلناه عندما وقعنا في شراك الفردانية والنرجسية، والتمتع بإيذاء الغير بنوع من المباهاة والإحساس بإنتصار وهمي، في حقيقته انهزام لكائن أخلاقي في حياة زائفة وبيوت باردة المشاعر.

 

بقلم رشيدة الركيك

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4966 المصادف: 2020-04-10 02:37:33