الحوار من التعقيد يصعب تنميطه او تأطيره كما يحاول بعض النقاد والمحررين تأطيره في العمل الروائي

وهناك نوعان من الحوار الحوار مع الذات والحوار مع الاخر "بين شخصيتين روائيتين" .

وبعض النقاد يدرج المنولوج ضمن الحوار مع الذات

وكما نلاحظ ان النقاد غير متفقين على تصنيف المنولوج او ادراجه ضمن الحوار الذاتي ولكن كما نعلم المنولوج يقسم الى نوعين : منولوج خارجي ومنولوج داخلي .

  من الصعوبة تحديد التكنيك الروائي مسبقا كما يريد بعض النقاد لان الحوار بجميع انواعه يدرج تحت مسمى التكنيك الروائي .

ولا بد ان يدرك النقاد ان الروائي لا يمكن ان يسير وفق النمط الذي يختارونه لروايته ولا بد من حرية ابداعية تاخذنا الى اكتشاف اشياء جديدة سواء على صعيد الكتابة او سبر اغوار شؤون حياتية مجهولة بالنسبة للقاريء .

اضافة الى الحوار مع الطبيعة بكل موجوداتها كالانهار والحجر والاشجار والنباتات بشكل عام والحيوانات خاصة الاليفة وتوظيفها ليست فقط في الحوار وانما لاسباب لها علاقة باحداث الرواية او مسارها لكي لا تكون طارئه او مقحمة علي الرواية تفقدها وظيفتها وتجانسها .

وميزة الحوار انه يرتبط بشخصيات الرواية وهذا سبب اخر لصعوبة تنميطه بسبب اختلاف الشخصيات .

الحوار الروائي يذكرنا بالحوار الصحفي او الاعلامي . ان الروائيين الذين لهم خلفيات صحفية واعلامية يبرعون في الحوار فهم لا يعطون المحاور  معلومات صحيحة او لمن يحاوروه لدرجة الاثارة او اثارته احيانا وبطريقة بعيدة عن موضوع الحوار .

هذه الخبرة اي ان يحتوي السؤال على معلومة صحيحة وباقي المعلومات غير صحيحة ولكن لها علاقة بالمعلومة الصحيحة تدفع المحاور للادلاء بمزيد من المعلومات وتصحيح المعلومات وتصحيح الاحداث والتواريخ و.. الخ وبالتالي تضفي على الحوار حيوية وتنوع وتميز عكس الحوار الروتيني الذي نصادفة كثيرا في اعلامنا .

برع في الحوار الروائي العالمي غارثيا ماركيز بسبب خلفيته الصحفية وممارسته للعمل الصحفي بداية حياته المهنية .

وقد نصادف في روايته منولوجات تشتبك بها المنولوجات الخارجية والداخلية وتمتد على صفحات وفصول كاملة من رواياته . وكذلك حوارات شخصياته الروائية غير نمطية او مؤطرة كما يحاول النقاد تأطيرها وتنميطها او تحديد وظائفها مسبقا .

السؤال الصحفي اوالاعلامي المحترف غير روتيني او نمطي ولكن يشترك بميزة واحدة اعطاء معلومة صحيحة وباقي المعلومات غير صحيحة وهذا ما يميز الحوار الصحفي المحترف من غير المحترف وكذلك ما يميز الحوار الروائي المحترف عن الحوار الروائي غير المحترف او النمطي الذي يسعى اليه النقاد .

هدف النقاد من التنميط ليسهل عليهم الاحاطة بعوالم الرواية مساراتها وفق الاطر التي يعتبرونها كنماذج روائية سواء على مستوى الحوار او الاحداث او الشخصيات

ولم استطع اكمال قراءة مقالة احد محرري دور النشر عن "الحوار الروائي" لانه يحاول ان يضع القواعد الصحيحة للحوار اي تنميطه او ما يجب ان يقال او لا يقال في الحوار .. وكيف يقال ؟

 

قيس العذاري

 24.11.2020

 

 

نيرمين ماجد البورنوقد تظن نفسك أنك رهينة أسلوب حياة وأنه ليس بمقدورك النهوض بينما أنت شمس وروح في قلب أحدهم تشرق كل صباح، نعم نحن نعيش على هامش الحياة وواقع مليء بالأشواك والعقبات والصراعات والحروب وحياة ليست وردية،  وليست فيلما ولا رواية ولا قصيدة تلامس وتداعب مشاعرنا، كل ذلك لأنه اشتبكت علينا المفاهيم واختلطت علينا الحياة فلم نعد نفرق ما بين ما نحتاج وما نشتهي، وما بين ما نحب وما نكره، ولأننا بتنا نقارن أنفسنا بغيرنا ونسرح بخيال بعيد كل البعد عن الواقع، ونقارن حياتنا بحياة ما تراه أعيننا فهذا أسوأ ما نرتكبه بحق أنفسنا وقلوبنا ومشاعرنا وعقولنا.

هناك أنواع من البشر تحت هذه المظلة يعيشون خارج بوتقة التاريخ والحياة ،أحياء أموات، اختاروا أن يكونوا سلبين سطحيين مزاجيين متعجرفين  أعداء لأنفسهم وللـآخرين متشائمين يغلقون نوافذ الأمل والاشراق حتى لا يدخل بصيص الأمل من أي خرم الى قلبة وروحة وعقلة، لا يعرفون الاستقامة في السير نحو تحقيق هدف واضح، يكرهون التجديد والمغامرات والمجازفات فتجدهم لا ينخرطون في صناعة الأمل والحياة بل هم متفرجين على النجاح بل هم أعداء النجاح، ولكن الغريب بالأمر أن تلك الفئة من البشر تحب أن تعيش وتتنفس وتتكاثر وتتثعلب وتتفلسف على هامش الحياة، فتجدها تقرأ الغلاف وهوامش الكتب ونبذة مختصرة من مضمون الكتاب فتدعي العلم والفلسفة والحكمة دون معرفة الكاتب وسيرته وأفكاره.

وهناك من يعيش على هامش العمل، انسان متواكل بطيء عالة على المجتمع جاهل وغبي وخامل متقلب المزاج يعيش على الراتب فتجده يقضي يومه متسكعا مترنحا بين الممرات والمكاتب، كمن يقضي يومه على كرسي في أحد المقاهي والمطاعم يتباهى ببطولات وانجازات واهية كاذبة ثم يعود الى بيته مدعيا الانهاك الفكري والعقلي والبدني والنفسي ليوحي لأهل بيته وجميع من حوله انه انسان ملتزم بعمله ونشيط وذو كفاءه وعبقري وانه منهك من كثرة المسؤولية والمهام الموكلة على عاتقه وكاهله وأنه اليد اليمني للمدير ولا أحد يستغني عنه وعن أفكاره وانجازاته.

الحياة على الهامش لا تشبه الحياة التي يعرفها الكثيرون، فقد تكون مملة منهكة لثلة ومريحة أمنه ساكنه لثلة أخري، أنت فقط من يحدد المسار والسير على الحياة لأنك أنت من ستتقبلها بحلوها ومرها ولأنك أنت من سيضع القانون والمعيار لسعادتك ولحزنك ولبؤسك ولتعكير صفوك، أنت من تختار أين ستحيا في الدنيا هل على الهامش أم في غياهب الحياة تصارع وتكابد بدون جدوي، وأنت فقط الذي سوف يقرر من يسكن روحك ويرممها ويطيب جروحها، فلا تبخل بحروفك ولطفك وكلماتك على من تحب وتهوى لان بعض الكلمات تدخل القلب دون استئذان فتطيبها  رغم بساطتها كمن يهمس بأذنك" أنا بجانبك مهما حدث" كان لك نصيب من دعائي" "أحب طريقة هدامك وتفكيرك ومنطقك وفلسفتك " وضحكتك المميزة وإشراق عيونك، ببساطة أنا أحبك.

كثيرة هي المواقف والأحداث والقصص التي نقرأها ونلمسها يوميا في حياتنا وكثيرة هيا المرايا التي تسرق الذكريات في خباياها، ستحيا مرة لتسعد ولتصارع ولتكابد فلا تسمح لأحد أن يمحو هويتك وابتسامتك ووجودك ومكانتك ليصعد على أكتافك ويجعلك سلم للصعود متي ما يشاء يصعد عليه ويحقق مصالحه ومآربه ويرحل لأن الله خلقك لتسير قويا ذو عقل سليم وليس للمشي بالزقاق والجلوس في الزوايا والتصفيق والتطبيل للآخرين والعيش في الظل، أنت من ستحدد نظرة الناس لك ، من خلال ردة فعلك في المواقف، وطريقة كلامك، والاهتمام بمظهرك الخارجي، وتثقيف نفسك بالاطلاع الدائم على كل ما هو جديد، لا تقلق من الأخطاء والعثرات، والإخفاقات، وتذكر بأنه لا يوجد انسان كامل، فمن لا يخطئ لا يشعر بقيمة تطوره، الأخطاء والتجارب تكسبك اللقاح الكافي لخوض الحياة فتصبح أكثر حكمه ونضجا، وتحلَّ بالفضائل، وتخلَّ عن الرذائل، ولا تقل ضاع الأمل لان الحياة جولات ستتعلم من كل جولة، فمهما طال الليل والطريق ستشرق شمس الانتصار  كن مقاتلا شرسا ضد اليأس فجرعة من الحياة تستحق النضال من أجلها فقط كُن أنت ولا تكن نسخة من غيرك، لذا لا تقبل أن تحيا على هامش الحياة ،وكن بلسماً إن صار دهرك أرقما.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

 

يسري عبد الغنيرجل يعرف معنى الكرامة (1892-1955)

ولد أحمد زكي بحي عابدين بالقاهرة في التاسع من فبراير سنة 1892 وكان والده محمد أبو شادي (بك) نقيباً للمحامين وأحد كبار الوفد البارزين، وتلقى أحمد زكي تعليمه الابتدائي بمدرسة الهياتم الأولية بحي الحنفي ثم بمدرسة عابدين الابتدائية، وأكمل تعليمه الثانوي بالمدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا في القسم الداخلي بعد افتراق والديه بعضهما عن بعض سنة 1905، وتخرج فيها من القسم العلمي سنة 1911، وكان في أثناء دراسته الثانوية ينظم الشعر ويؤلف الكتب ويكتب المقالات في الصحف. وكان يشارك في الحركة الوطنية مؤيداً الزعيم مصطفى كامل.

والتحق أحمد زكي بمدرسة الطب بقصر العيني، وقد تعرف في مجالس أبيه على أشهر شعراء عصره: شوقي وحافظ ومطران.

وفي سنة 1913 وعمره عشرون سنة سافر إلى انجلترا ليدرس الطب، حيث أتقن اللغة الانجليزية واطلع على آدابها، ثم تخصص في البكتريولوجيا، ثم تحول إلى النحالة وأسس «نادي النحل الدولي»، كما أسس جمعية آداب اللغة العربية. وفي سنة 1922 عاد إلى مصر أو أعيد إليها لنشاطه الوطني. وأنشأ في سنة 1933 مجلته «ابوللو» ودعا فيها إلى التجديد في الشعر العربي والتخلص من التقاليد التي تحجرت، فووجهت دعوته بحرب قاسية من الشعراء المحافظين ومن أنصار التجديد (مدرسة الديوان التي يرأسها العقاد والمازني) فأصيب بخيبة أمل شديدة. وهاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1946 حيث قضى فيها بقية عمره.

وكان أبو شادي شاعراً صادق الحس رقيق الشعور، وقد مكنته حياته في انجلترا وأمريكا من أن يقف على التيارات الفكرية المعاصرة فتأثر بها وتحمس لها. واشتغل بالأدب والنقد ونظم الشعر بالعربية والانجليزية، وأسس في أمريكا جماعة أدبية سماها «رابطة منيرفا» وقام بتدريس اللغة العربية في معهد آسيا بنيويورك، واختير عضواً عاملاً في «لجنة حقوق الإنسان». وكان هواه موزعاً بين أغراض مختلفة لا تقارب بينها، أراد أن يكون شاعراً فأخرج دواوين كثيرة أنفق عليها ما ورثه عن أبيه وما كسبه من أعماله وغلب على شعره في هذه الفترة الحنين إلى مصر.

ومن ذلك قوله:

وددت قبل مـماتي أراك يا "مصرُ" مَرَّة

وإن أكن في جنانٍ فريدةِ الحُسْنِ حُرَّة

ومن مؤلفاته : أطياف الربيع – أنين ورنين – أنداء الفجر – شعلة – الشفق الباكي – أشعة وظلال – فوق العباب.

كما أن له عدة مسرحيات : إحسان – الزباء ملكة تدمر – أردشير وحياة النفوس – الآلهة – اخناتون فرعون مصر. وقد صدر عدة دراسات عنه وعن تأثيره الفكري والثقافي في تطور الشعر العربي المعاصر من خلال مجلة «أبوللو».

وقد عاش أبو شادي حياته يكافح من أجل حياة كريمة، وقد باع كل ما يملك ما عدا إنسانيته وكرامته وقلمه، حتى مات في واشنطن في الثاني عشر من أبريل سنة 1955 وهو يهتف:

وطني لو دعيت أن افتديه ما تمنيت غير تخليد رمسي

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

شاكر فريد حسنالمرحوم مؤيّد إبراهيم شاعر عريق ينتمي لجيل عمالقة الشعر الفلسطيني، أمثال إبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي وعبد الرحيم محمود وبرهان العبوشي وحسن البحيري ومعين بسيسو وسواهم، لكنه لم يشتهر ولم يحظ بالاهتمام النقدي والبحثي والدراسة مثلهم، وذلك لأنه كان محايدًا بعيدًا عن السياسة والكفاح.

ولد مؤيّد إبراهيم في عكا سنة 1910 لعائلة من أصول وجذور ايرانية، تلقى علومه في عكا ثم انتقل مع والديه إلى عروس الكرمل حيفا، وفيها التحق بكلية الفرير وتخرج منها، بعدها عمل موظفًا ومحاسبًا في بلدية حيفا مدة 46 لحين تقاعده سنة 1975. وأشغل رئيسًا لقسم الثقافة العربية في المجلس الشعبي للآداب والفنون، وساهم في خدمة مجتمعه العربي في ميادين مختلفة، وحاز على مواطنة شرف مدينة حيفا، تقديرًا لخدماته وأعماله على المستوى الاجتماعي والأدبي والإنساني.

عاش في فرنسا فترة من الزمن، وفي العام 1983 هاجر للولايات المتحدة، عاد بعدها إلى البلاد، وفي العاشر من شهر كانون الثاني 1987 وافته المنية، بعد حياة عريضة حافلة بالعطاء والإبداع والعمل الاجتماعي.

نشر مؤيّد إبراهيم كتاباته ونصوصه الشعرية في الصحافة الفلسطينية والعربية، منها مجلة الفجر والجامعة الإسلامية وفلسطين والدفاع في يافا، والكرمل والنفير في حيفا، والبلاغ الأسبوعي والسياسة الأسبوعية في القاهرة، وفي حقيقة الامر واليوم والهدف والرابطة ولقاء والانباء وآفاق والشرق وغيرها.

وإلى جانب الشعر اهتم مؤيّد إبراهيم بالترجمة، وقام بتعريب الكثير من الأعمال الشعرية والقصصية من الأدب العالمي، إذ أنه كان يتقن بالإضافة للعربية والفارسية عدة لغات منها العبرية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية.

ومن أهم ترجماته الشاهنامة للفردوسي وأزهار الشر لبودلير وقصائد للشاعر الهندي طاغور.

من إصداراته ومؤلفاته: الدموع، مجنون ليلى، من الأعماق، إلى الآفاق، نشيد انشاد السلام، والشاهنامة لأبي القاسم الفردوسي ( تعريب).

تنوعت مضامين وعناوين وأغراض مؤيّد الشعرية، وتراوحت بين الرومانسية والوجدانية التأملية، ولكن ظلت النزعة الرومانسية هي الميزة الأكثر طغيانًا وحضورًا عنده.

وفي كثير من المواقف والمشاعر يصدر مؤيّد إبراهيم عن صدق داخلي أصيل، وشاعرية حقة وخصبة، وانفعال عنيف متدفق، محاولًا أن ينقلنا من الخاص إلى العام، من التجربة الفردية إلى التجربة الإنسانية، وإن كان في بعض المواقع الأخرى يتركنا داخل إطار فردي مغلق، ولكنه في كلا الحالين، نجح في شحن كلماته بالإيحاءات والدلالات وزود القارئ والمتلقي بتجربة وخبرة إضافية في الحياة.

والمواضيع الدينية من الخصائص المهمة التي تتسم بها أشعار مؤيّد إبراهيم، ونجد أصداء غير قليلة لها في عدد كبير من قصائده، لا سيما قصيدته الإلهية " مجنون ليلى"، التي كان يرى فيها أهم إنتاج في حياته وتجربته الشعرية.

ففيها يكشف لنا ملامح جديدة لقصة الحب والغرام التي جمعت بين قيس بن الملوح وابنة عمه ليلى، لم نكن نعرفها، فالمغناة عبارة عن حوار بين الإنسان وخالقه، وفيها يكلم الخالق مخلوقه ويعلمه بما قسم له في حياته.

وعلى صعيد الصورة الشعرية، فصوره في غاية الجمال والبهاء، ونجده في أشعاره الغزلية والعاطفية متأثرًا بالشعر الغزلي العذري القديم، فالبكاء على فراق الحبيبة، والبعد عنها هي تيمة طالما تكررت وترددت في شعره.

لمؤيّد إبراهيم قصائد وأشعار في وصف الطبيعة والجمال، وعن الربيع والنيروز والربيع، وفي الحب والغزل، والصبا والشباب. وقد تغنى بوطنه وهواه وانتماءه، وصور شاطئ حيفا، وأنشد لمسقط رأسه، عكا، مدينة الأسوار التي عجز نابليون عن اختراقها، ومما قاله فيها:

يا (لعكا)وهواها ما أرقه

            لاسمها يخفق قلبي ألف خفقة

وقع أقدامي في تلك الأزقة

          لم يزل يثبت فوق الارض حقه

وعلى ارض البلاط المستدقة

           لم أجد في لمس آثاري  مشقه

السها في البعد قد ضيع افقه

          وعلى قلبي طغت للشوق دفقه

يا طيوف الامس ضميني برقة

            لك في عنقي ديون مستحقة

وانا طيف خيال ما ادقه

          وشذا  تنهيدة  حيرى  وشهقة

ومن شعره الغزلي العاطفي قوله:

يا طيف ليلى زر خلال منامي

                     عيني واشفهما بسلام

فرط البكاء انال طرفى العمى

                فهما غريقا وحشة وظلام

لم أبغ في هذي الحياة سوى الهوى

          ان الهوى معنى الحياة السامي

وأرى الحياة به على ضنينة

             الا  بما يحوي من  الآلام

وفي حب وطنه وهواه يقول:

وطني محضت ثراك حبّي الطاهرا

          وعشقت من صغري هواك العاطرا

ووضعت حبّك مذ وجدت على الثرى

              من ثدي  والدتي  حليبًا   فائرًا

أنجبتَ محبوبًا لقلبي فاتنًا

                  لكنّه يحكي الغزال   النافرا

ولمؤيّد أشعار في الحنين طافحة ومفعمة بالشوق والأسى،  وعن معاناة سجين في بغداد، فضلًا عن مساجلات شعرية منها مساجلته مع الشاعر وديع البستاني الذي كان يسكن بجانب منزله قرب الخضر في حيفا.

مؤيّد إبراهيم شاعر مرهف الإحساس، طويل النفس، اعتمد المبنى العمودي التقليدي للشعر في كتابته، فضلاً عن التفعيلة، ولغته في منتهى البساطة والوضوح والسهل الممتنع. جاءت قصائده واشعاره معبرة عن خفقات القلب، واضطراب المشاعر، وجيشان الخواطر، واجتراح الألم. وكما قال في استهلال ديوانه " الدموع" :

ما نظمت الشعر الا بعدما

                  شعرت نفسي بحب طاهر

فبكى قلبي وابكى قلمي

                انما الشعر شعور الشاعر

وخير ما اختتم به هذه المداخلة عن الشاعر المرحوم مؤيّد إبراهيم ما كتبه الأديب محمود عباسي غداة هجرته إلى الولايات المتحدة، قائلًا: " من كبار رواد الشعر في هذه الديار، لم يدع يراعه يفلت من يده، منذ ولج هيكل الأدب ولبسته ربة الشعر قبل أكثر من خمسين عامًا، فأغنى شعرنا العربي بقصائد  وملاحم أصيلة، متينة وخالدة، ومعين شعره فياضًا متدفقًا. شاعرنا الكبير أبا إبراهيم الذي ولد وحبا وترعرع في هذه الديار الغالية، التي أحبها حب الطفل الرضيع لأمه، وعشقها عشقًا يفوق عشق بني عذره لحواريهم،  وتهجد فيها أيامه العذبة والمرة، ومنحها صفوة ما انعمت به عليه ربة شعره، شاعرنا هذا، تفرض عليه الظروف أن يهجر وطنه رغم انفه، ليلتحق بفلذات كبده، في بلاد المهجر، في الولايات المتحدة".

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيهذا الكتاب التعليمي القيم  تقديم أ.د محمد عبد الحميد خليفة / رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دمنهور الذي جاء في السطور الأخيرة من تقديمه: (وما عمل رجاء حسين إلا لبنة هائلة، سوف يحفظ التاريخ لها جميل صنيعها، ولو نطقت العربية لأوسعتها شكرا وتحية للوقوف بجانبها، وقبل كل ذلك وبعده فإن جائزتها الكبرى عند خالق الإنسان الذي علمه البيان).

وإنه وأيم الله لا يستغني عنه المدرس والمعلم والأديب والشاعر والطالب . تأخذنا أستاذتنا الرائعة في كتابها الجميل هذا إلى لغة القران الكريم ولغة أهل الجنة حسبما ورد في الحديث الشريف، وبأسلوبها المحرك للمشاعر تدغدغ الإحساس بتعبيرها الأدبي، وتكتب بأجمل الالفاظ لنفهم كل صورة من كتابتها. ولاريب فإنها باتباعها الأسلوب الأدبي في تناولها لموضوعات النحو  تجعل القارئ يشعر بأنه يقرأ قصة، وهذا ما يجعل هذا الكتاب التعليمي مختلفا عن الكتب المنهجية، وسائر المؤلفات الأخرى في هذا المجال. وبهذا فإننا نتعلم منها اللغة والآدب معا ، تالله هذه هي الطريقة المثلى في التدريس والكاتبة بتقديمها عدة طرق للتدريس لا تجعل الطالب يشعر بالملل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حبها للمادة وإخلاصها وتفانيها للعلم . إن كتب النحو والصرف متوفرة في المكتبات والقواعد معروفة لا تتغير، لكن جديد الأستاذة رجاء هو تقديم تلك القواعد بشكل مبسط؛ يتيح حتى لغيرالمتخصصين تعلمها بإتقان، وجعلت منه علما سهلا ومحبوبا من خلال حديث الصراحة والوضوح، فكانت عناوين الدروس أشخاصا تتبادل الحديث معهم وتتحاوروتتناقش، وتركت قواعد النحو تتحدث عن نفسها؛ لتبث شكواها مما تتعرض له من صعوبات، كذلك نشكو إليها الصعوبات في التعامل معها وفهمها وتطبيقها فأستاذتنا الفاضلة من خلال حديثها تجعل المادة والمتعلم أوالطالب والأستاذ يتعاونون فيما بينهم ويتكاتفوا حتى يصلوا إلى الهدف الأسمى الذي نتمناه جميعا وهو فهم حقيقة لغتنا الجميلة، وفهم قواعدها، بل الوصول إلى درجة من الصداقة والحب والآلفة مع قواعد لغتنا الجميلة . هذا الكتاب هو شجرة من أشجار بستان أستاذتنا/ رجاء حسين وكما قطفنا من ثمارأشجارها السابقة ها نحن اليوم نأكل من ثمرة جهودها العلمية، وهاهي تسطرأمجاد التعليم وتقدم لنا ثمرة سهر لياليها ومجاهدة أيامها على طبق من ذهب وبكل احترام . فلا يسعنا إلا أن نتقدم لهذه الأستاذة الكبيرة المرموقة كل الشكروالامتنان ونطلب من المولى عزوجل أن يلهمها المزيد من العفو والغفران ويمن عليها بالتوفيق والرضوان

 

الكاتب والباحث/ مجاهد الخفاجي

هاشم عبود الموسويكلٌ منا يعرف "يوليوس قيصر" من خلال انتصراته العسكرية وأمجاده وفتوحاته شرقا وغربا، حتى صار أعظم قائد شهدته روما وإنتهى به الأمر أن أصبح دكتاتورا مدى الحياة .

ولكن هنا أريد أن أُذكّر بشأن اهتمامه الأدبي... وبالرغم من أنه كان يتمتع بشخصية طاغية لقوتها وتفردها في عالم السياسة فان مؤلفاته هي أيضا تتمتع بسحر خاص وآخاذ..

كتب يولوس قيصر "عن القياس" دفاعا عن النقاء اللغوي الذي تميز به اسلوبه، وقد تم تأليف هذا الكتاب اثناء عبوره جبال الألب عام  54ق.م . وفي طريقه الى اسبانيا عام 46ق.م نظّم قصيدة شعرية بعنوان "الطريق" .. وللقيصر كتابان بعنوان " ضد كاتو".. وهما يردان على مديح شيشرون وبروتوس لكاتو الرواقي (الأتيكي) غريم قيصر، وكخطيب وضعه كونتليانوس ندا لشيشرون نفسه..أما الأخير فيمتدح نقاء لغة قيصر وصقلها علاوة على قوة تأثيرها ثم ينوه على نحو خاص باسلوبه الساخر في الإلقاء . ومن العجيب أن القيصر نفسه لم يأخذ عطاءه الأدبي مأخذ الجد، فبالنسبة له كانت المسألة مجرد تسلية وقت الفراغ من جهة ووسيلة للدعاية السياسية من جهة أخرى ..و هكذا يجب ألا نغفل رأي قيصر وهو يتحدث عن أعماله التي وضعته بين الأدباء، عندما ترك الكتب الآتية : " مذكرات عن الإنجاز " و"عن الحرب الغالية (سبعة كتب) " و"عن الحرب الأهلية (ثلاثة كتب) ".

وفي الأدب اللاتيني كله لا مثيل لإسلوب قيصر من حيث النقاء والصفاء، فهو صاحب الأسلوب الشهير : " تجنب الكلمة غير المسموع بها من قبل وغير المعتادة كما تهرب من صخرة تبدو لك عن بعد وأنت في عرض البحر "

 

د. هاشم عبود الموسوي

ناجي ظاهرثلاثة نجوم شقت طريقها في الظلام

كان ذلك في اواسط الثمانينيات عندما افتتح الاخوة في "حركة ابناء البلد" صحيفة "الراية" وبعدها "الميدان"، في الناصرة، ليوصلوا رسالتهم الوطنية النابعة من اعماق القلوب والارواح، وشكلوا طاقما حرصوا على ان يكون مهنيا إلى اقصى ما يمكن لإصدار صحافة تؤدي دورها على اتم وجوهه، وكنت واحدا من ذلك الطاقم واوكلت الي ادارة التحرير دور المحرر الادبي.

في تلك الايام تدفّق علينا في صحيفة الراية وبعدها الميدان، سيلٌ من المثقفين السياسيين والادبيين وقد تعرّفت على العديدين منهم، وما زالت تربطني ببعض منهم علاقات مودّة ومحبة حتى هذه الايام، وقد تعدّدت اهداف اولئك المتدفقين، فمنهم من يريد ان يقدّم الخدمة الاجتماعية ومنهم من يريد ان يقدّم الخدمة الوطنية الخالصة، ومنهم يريد ان يقدم عطاءه الادبي في مجال اهتمامه الشعري او السردي، وقد برز من بين هؤلاء ثلاثة من الاخوة الذين ترددوا على صحيفة الميدان تحديدًا بكثافة تكاد تكون يومية، وكانوا يفدون الينا مستقلّين الباص من وادي عارة، قرية مصمص ومدينة ام الفحم تحديدا، ليقدموا اسهامات في تقدّم تلك الصحيفة ورفعة شأإنها، وهؤلاء هم: عادل اغبارية، احمد ابو حسين وعبد الحكيم مفيد اغبارية، الاول قيل لي انه توفي مبكّرًا، ولم يُكمل المسيرة، والثاني انضم الى التجمع الوطني الديموقراطي الذي شكّل ابناء البلد، في بداياته الاولى، عمودَه الفقري، وقد احتل مكانة رفيعة فيه الى ان اغتالته يد المنون وهي لمّا يزل غضًا طريًا في ميعة شبابه. الثالث انضم في فترة تالية الى الحركة الاسلامية الشق الشمالي الذي وضعته السلطات الاسرائيلية خارج القانون، وقد تسنّم مراكز اعلامية وسياسية لافتة حتى وفاته في مثل هذه الايام قبل ثلاث سنوات(20‏/11‏/2017).

لقد شق كل من هؤلاء المرحومين الثلاثة طريقه حافرًا صخورَ الحياةِ بأظفارٍ صُلبةٍ وارادةٍ لا تلين لها قناة، وكنت انظر اليهم كزملاء واصدقاء بكثير من الاهتمام والاكبار، كونهم جاؤوا شبه خالي الوفاض من المعرفة والمهنية، وكان ما يلفتني اليهم تلك الرغبة الهائلة في العمل الاعلامي. وهناك العديد من المواقف التي ما زلت اختزنها في ذاكرتي، وهل امتلك سوى اختزانها؟.. عن هؤلاء، فقد كان كلٌ منهم يتّصف بنوع ما من التوجه الينا في الصحيفة، ففي حين كان احمد ابو حسين كثير الصمت كثير التفكير والتريّث، كان عبد الحكيم صاخبًا عالي الصوت عميقَ النظرات، وبين الاثنين وقف عادل مرتبكًا حائرًا ومتريثًا.

مما اذكره بكثير من المحبة والحنين إلى تلك الايام التي انطبق عليها ما قاله ابو العلاء المعري وهو:" رُبّ يومٍ بكيتُ منه ولما صِرتُ في غيرهِ بكيتُ عليه"، ان اولئك الاخوة الثلاثة، كثيرًا ما كانوا ينتظرون اشارة من رئيس تحرير الصحيفة الصديق العزيز عوض عبد الفتاح، للانطلاق في الاعداد لتحقيق صحفي، غير عابئين بما يتكبدونه من مصاعب وخسائر، وقد لا ابالغ اذا ما قلت انني كنت اشعر ان ما كنت اعتبره خسارة كانوا يعتبرونه ربحًا صافيًا، وكان كلٌ منهم عندما يعود وبيده تقريره الصحفي، المس ما يرافقه من حيرة، فهل سيوافق رئيس التحرير على التقرير؟ ام سيرفضه، اما رئيس التحرير فقد كان يتعامل بمهنية، فاذا اعجبه ما يُقدّم اليه، وقلّما اعجبه للحقيقة، فانه ينشره بعد اعمال قلمه فيه حذفًا وزيادةً، واذا لم يعجبه قام بوضعه جانبًا، حتى اذا ما غادر صاحبُ التقرير، القى بتقريره في سلة المهملات وهو يقول: هذه الكتابة لا تليق.. اريد صحافةً مهنية. وكان رئيس التحرير قد جاء من العمل في الصحافة الانجليزية وخبر اسرار مهنة المتاعب، وادرك ابعادها ومتاهاتها.

الان وقد مضت تلك السنوات، ومضى معها من اتحدث عنهم من عالمنا الى عالمهم الاخر، اسجل ملاحظتين اراهما غايةً في الاهمية، هما:

*ان اولئك الاخوة المتدرّبين، لاقوا الكثير من العنت والمعاناة ابان تلك الفترة، ويعود هذا كما هو واضح، الى انهم وفدوا للعمل في الصحافة من باب الهواية الذي لا يستهان به في جميع المجالات، ولو انهم درسوا الصحافة وتعلّموا اساليب عملها لما عانوا تلك المعاناة، وقد يكون ما اقوله هنا قاعدة في الحياة والنجاح، صحيح ان الهواية هي الدافع والمُنطلق لكل عمل نقوم به ونبغي الانجاز الحقيقي فيه، غير ان الدراسة تعزّز الموهبة، واعتقد من هذا المنطلق ان الموهبة وحدها لا تكفي وتحتاج للدراسة الى جانبها لنتمكن من تقديمها على اكمل وجه.

*ان اولئك الاخوة الثلاثة، باستثناء عادل الذي اختفت آثاره منذ سنوات، تمكّنوا كلٌ على حدةٍ ووفق قدراته، ان يتسنّموا اماكنهم في الحياة فقد تمكن احمد ابو حسين من ان يكون رجلًا مؤثرًا في التجمع الوطني الديموقراطي، وقد رحل قبل سنوات شابًا يانع الخُضرةَ والعطاء، مما ترك اثرًا محزنًا مؤسفًا لدى كل من عرفه وخبر مزاياه الرائعة، اما عبد الحكيم فقد انطلق بعد تلكم الفترة الاولى في حياته مثلَ صاروخٍ مُوجّه، فتألق في حياته العملية، فمن هذا الموقع الهام الى ذاك، ومن هذا العمل إلى غيره، يتنقّل بخفةِ غزالٍ مدرك لكل ما حوله، وقد جمعني به اكثر من عمل وموقف، ففي مركز يافا للأبحاث اجتمعنا معا في تحرير مجلة المركز، بالتعاون مع ادارة المركز، وفي النشاطات الثقافية الاجتماعية التقينا في اكثر من محاضرة ولقاء، بعدها كنت اتابع عبد الحكيم عن بعد، فهو يكتب وينشر في هذه الصحيفة او تلك، الى ان تسنّم موقعًا مرموقًا في صحيفة "صوت الحق والحرية". لقد احرز عبد الحكيم في حياته القصيرة نسبية الكثير من الانجازات، فقد وضع العشرات واكاد اقول المئات من المقالات التي دلّت على انه عرف اخيرًا طريقه، وبرع فيه. لقد رحل هؤلاء الاخوة الثلاثة عن عالمنا بعد ان رافقناهم في خطواتهم الاولى، وبعد ان تألقوا في سماء حياتنا الاعلامية، مثل نجوم قادرة على الاشعاع... حتى بعد رحيلها.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

عبد الجبار نوريأنبهرتُ وأنا أطالع فصول من كتاب (الغربال الجديد) للأديب العربي "ميخائيل نعيمه" وهومفكر وواحد من الجيل الذي قاد النهضة الفكرية والثقافية للأدب العربي، تعرض لمنجزات أدباء الشرق والغرب بنقد ذاتي بجرأة أديب متمكن لهُ أكثر من 34 منجز أدبي، يقول في مكسيم غوركي: {أنهُ مؤسس المدرسة الواقعية الأشتراكية وناشط ثوري من خلال رواية الأم والقاع، وإن مسرحية غوركي في القاع جاءت بمثابتة قرار هائل يتهم النظام القيصري الأستبدادي والأقطاعي بأنهُ يدوس الناس ويطرحهم في الحفرة ويشوّه أرواحهم، وإن رسالتهُ في الحياة أن يكافح من أجل رفع الأنسان من القاع إلى القمة حيث يجب أن يصنع الحياة صناعة ثورية جديدة مضيئة تحت راية الحقيقة }أنتهى.

إن مسرحية غوركي (في القاع) تعتبر أول دراما في الأدب الروسي بمعالجة القضايا الأجتماعية والفلسفية، فوجدته في الفصل الثاني من كتابه القاع أو الحضيض في نشوب الأختلافات والمناكفات بين سكان الطابق السفلي حول (الضمير والشرف) فيتدخل غوركي على لسان بطل المسرحية (بافل) تهدئة الضجيج بشعار (الآتي أجمل) بأنتظار الأمل بأشراقة الغد، فهو الأديب الحالم بحل لغز الصراع الطبقي بين اللبراليين المنحرفين وبين المثقفين الحقيقين الصامدين هم الذين ينورون طريق التحرر والذي هو سيمياء عنوان مقالتي في أيحاءات مكسيم غوركي عن ماهية الأديب وموقعهِ في التغيير القادم، الأدباء مهندسو النفوس البشرية. 

أن مسرحية غوركي (في القاع أو الحضيض) جاءت تحدياً وفاضحاً للنظام القيصري الأستبدادي الأقطاعي، وثمة قطارٍ يقودهُ أرعن يسحق الناس ويشوّه أرواحهم، بلغ غوركي فيها الذروة لا تقل عن رواية الأم، أختار للمسرحية قبواً قذراً رطباً منعزلاً ضيقاً أستعمل كمبيت تمتلكهُ أمرأة جشعة شرسة متهالكة على المال، يأوي خليطاً غير متجانساً من البشر فكراً ونزواتاً وطباعاً تكوّنْ نفايات بشرية ميتة حيّة ذات نزواتٍ مختلفة، فكانت رمزية غوركي في رواية (بالقاع) جغرافية روسيا، أما الكائنات الحية الميتة الشعب الروسي المستلب والمسحوق، لذلك مُنعتْ من قبل الحكومة القيصرية بعد أن عُرضتْ أكثر من ثلاثين مرّة .

وفي رسالة للينين إلى مكسيم في 16-11-1909 {بودي أن أشد على يدك بقوة فقد عادت موهبتك الأدبية على الطبقة العاملة الروسية وغير الروسية بالنفع العظيم، ولدي أمل أننا نلتقي معاً ---- لن نلتقي كأعداء بل كرفاق في الكفاح، وبدلالة شهادة أخرى من ستالين الذي يبدو أنهُ متأثراً بمسرحية غوركي (بالقاع) أستوحى منها " أن الأدباء مهندسو النفوس البشرية (يقصد مكسيم غوركي) .

مكسيم غوركي Maksim Gorky 

1868 – 1936 أديب روسي وناشط سياسي ماركسي، مؤسس الواقعية الأشتراكية التي تجسّدْ النظرة الماركسية للأدب، حيث يرى " أن الأدب مبني على النشاط الأقتصادي " في نشأته ونموه وتطوره، وأنهُ يؤثر في المجتمع لذا ينبغي توظيفهُ في خدمة المجتمع، وهو في طليعة أدباء عصره في أستقراء وتبني هذا الرأي كنظرية علمية في عالم الأدب والثقافة .

 فهو قصصي وكاتب وناشط سياسي ماركسي الهوى والأنتماء، عارض علناً النظام القيصري وأعتُقل مرات عديدة، وسُجن أكثر من مرّة إلى أن بزغتْ ثورة أكتوبر 1917 المظفرة، فأعطاها كل ما يملك من عبقرية وحيوية، وكرس نضالهُ الثوري ما تبقى من عمره حتى سقط مغدوراً بيد أحد التروتسكيين في 18 حزيران 1936، وقربه وصداقته لرموز الدولة السوفيتية مثل لينين الذي أصبح الصديق الشخصي له، وستالين ومن قادة الحرب والدولة، ووقف إلى جانب حزب البلاشفة ومن مؤيدي الحركة الأشتراكية الديمقراطية في روسيا، وشارك فعلاً في ثورة 1905، وسخر قلمهُ في دعم خطهم السياسي ضد المنشقين والتروتسكيين، فهو نذير الثورة الذي بشّر بهبوب العاصفة الثورية بقلمه الذي خط به خطوط الواقعية الأشتراكية، كان ثورياً ساهم بشكلٍ فعال في أشعال الفتيل الثوري، حيث كتب عدة مقالات ثورية يقول فيها : --- مزيداُ من الجرأة أيها الرفاق --- مزيداً في الأيمان بقوة الجماهير الثورية التي في طليعتها البروليتاريا .

وأن العذاب النفسي الذي يلازم مكسيم والمحتبس في ذاته منذ طفولته المعذبة بفعل التسلط والصراع الطبقي في المجتمع الروسي، خاض تحدياتٍ نضالية وكفاحية خطيرة --- بيد أنهُ ربحها في رواية " الأم " كتبها مكسيم بعد فشل ثورة 1905 وقبل ثورة أكتوبر المجيدة، وقد وصفها لينين يأنها جاءت في وقتها، صوّر غوركي العمال الكادحين بمظهر قوي كعملة نادرة مطلوبة عند الدولة كذراع يحرك أقتصادها بعكس ما ينظر بعض الكتاب إلى العمال بأنهم يستحقون الرحمة والعطف، تمكن في رواية الأم من فضح النظام القيصري القائم على الظلم والأضطهاد من خلال الحديث الشيّق والمنمّق بواقعية من خلال (ميخائيل بلاسوف) الذي عاقر الخمرة للهروب من واقعه المرير كأحد العمال البائسين فهو سكير لا أبالي عنيف يكره الأخرين حتى أفراد أسرته، غير مهتم بما يجري حوله، وجعل أم (بافل) هي بطلة الرواية تتحول فيما بعد إلى مناضلة بعد موت زوجها الشرير ميخائيل بلاسوف ونفي أبنها (بافل) إلى سيبيريا كسجين سياسي، فهي تعلم أن الدموع لا تنضب في عيون الأمهات، رغم خوفها وقلقها على مصير أبنها، ألا أنّها تشعر بالفخر بأبنها وهي تشاهدهُ يرأس الأجتماعات السرية ويتحدث بأشياء لا تفهمها، وعندما سُجن أبنها تابعت مسيرتهُ، وأصبحت توزع المنشورات السرية التحريضية ضد النظام مع أصدقاءه، وتبنت القضية وأصبحت كغيرها من الرفاق المناضلين متفهمة معنى التحرير فأندفعت أكثر وحين تجد جمهرة من العمال والكسبة والفقراء تندس بينهم وتخطب فيهم قائلة : تعرفون أيها الرفاق لماذا صدر حكم النفي على أبني؟ لأنهُ يريد أن يبين لكم الحقيقة التي هي عملكم المضني وسرقة جهودكم وقواكم ولا يكون نصيبكم ألا المرض والجوع والفقر، كل شيء ضدنا، والجميع يستغلوننا، وفيما نحن نغرق بالوحول حتى آذاننا بينما نرى التخمة والترف على الطبقة البورجوازية الطفيلية، وبينما كان الكاتب غوركي منهمكاً في كتابة الرواية يصمتْ برهة ويضع قلمهُ جانباً ويتمتم : متى يا رب يكون عندنا أمهات يفرحن في حين يرسلن أولادهن إلى الموت من أجل الأنسانية؟.

مثل هذه الأم التي رسم لها غوركي أن تكون صمام أمان للبروليتاريا لكسر القيود وهدم قلاع الطغاة والمستبدين، عندها لن يستطيع أحد من أن يغتال روحاً جديدة بُعثتْ من جديد.

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

يسري عبد الغنيأنا لا أبحث بحثًا مفصلاً في حكم الشعوب وأمثالها ودراسة شخصياتها، فهذا يحتاج إلى فصول طويلة تحتكم إلى منهج البحث العلمي، على أن أحق الأمثال علينا بالدراسة المفصلة أمثالنا، ففيها تقاليدنا وأساليب تفكيرنا، وشخصية وطننا الحبيب، ولها مميزاتها التي تطبعها إلى جانب البساطة والعمق وطابع الخفة والمرح الذي يتسم به شعبنا الضحوك، وإني لعارض شيئًا من زهورها الباسمة على سبيل المثال..

يتندرون على تلك التي لا تتأنق إلا خارج بيتها فيقولون: " بره وردة وجوه قرده ".. ويقولون فيمن يتدخل فيما لا يحسنه: " أخرس وعامل قاضي ".. ويقولون في معان أخرى: " البطيخه القرعة لبها كتير "..ويقولون: " لما يشبع الحمار بيعزق عليقه ".. و" قالوا للجمل زمر قال: لا فم مضموم ولا صوابع مفسرة ".. ويسخرون من القبيح الذي لا يحس عيب نفسه ولا يحاول التستر، فيقولون: " عورة ودخلتها الضهر ".. ويقولون: " على ما تتكحل العمشة يكون السوق خرب " و" المفلس يغلب السلطان " و" اتلم المتعوس على خايب الرجا "..

ويعرضون بمن ينصح غيره بالنزاهة ويبيح لنفسه أن يكون مطاط الذمة فيقولون: " يفتي على الإبرة ويبلع المدرة ".. ويقولون: " الخايب زي بياع الباذنجان ما يهاديش صاحبه إلا بالسودة ".. ويقولون: " النصاب ياخد من الحافي نعله ".. كما يقولون: " الخيبة عز تاني "، فيجملون في ثلاث كلمات المعنى الذي أراده الشاعر العربي حين يقول:

أفاضل الناس أغراض لذا الزمن

يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

هذه بعض أمثالنا الضاحكة، نعرضها على سبيل المثال لا الحصر مع مراعاة أنه من الواجب علينا تمجيد الممتاز من أمثالنا والتعريف بها، وفي نفس الوقت علينا أن نوضح أن بعض أمثالنا ربما كانت صالحة لوقت مضى إلا أنها لم يصبح لها مكان اليوم في عالمنا الحديث الذي تطورت أساليبه ومثله العليا الذي ينهج إلى السرعة والإقدام، وإلى مسايرة العلم ومسابقة الزمن .

وأذكر هنا أنني قرأت أن صحفيًا نابهًا، قال: إنه بعد أن تخرج في كلية الآداب، اختار العمل بالصحافة، وسأله عمه ذات مرة:

ـ انت بتشتغل إيه يا ابن أخويه ؟

ـ فقال له: صحفي

ـ قال له: يعني إيه صحفي دي ؟

ـ قال: يعني باكتب في الجرائد والمجلات

فقال عمه: قول يعني جرنالجي.. يا شيخ روح شوف لك استخدامه في الحكومة.. دول بيقولوا: " إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه ".. وسمع الصحفي من عمه ذلك المثل فضحك متعجبًا . ولكنه سار في طريقه، فلم يجر وراء الميري، ولم يتمرغ في ترابه، ولو اتبع ذلك المثل لما أصبح اليوم صحفيًا يشار إليه بالبنان، بل كان من أسرى الوظائف والدرجات.. وكم جنى هذا المثل على مواهب وعبقريات فربطها بعجلة الميري، وأقعدها عن العمل الحر، ميدان التجارب المفيدة والمغامرات المربحة.. فما أحرانا بأن نحيل مثل هذه الأمثال إلى التقاعد.. وكم بين أمثالنا العامية الخالدة من أقوال منحرفة من نوع هذا المثل يجب أن نطهر منه هذا التراث المجيد الذي نفخر به.. ونعتز بما فيه من روائع الحكمة وسديد المنطق..

وترى رجلاً ينفق بغير حساب إذا رزقه الله الرزق الوفير، غير عابئ بما قد يطلع به المستقبل، وإذا دعوته للاتزان في الإنفاق.. قال لك باستهتار: " يا سيدي إحيني النهاردة وموتني بكره.. ولا يهمك أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب "، أليس من الأنفع أن نعدل هذا المثل فنجعله هكذا: " وفر مما في الجيب لما في الغيب " .

أو تلك الأمثلة التي تقول لنا: " إمشي سنة ولا تعديش قنا "، أو تلك التي توصي الزوجة أن تنتف ريش زوجها أولاً بأول حتى لا يلوف بغيرها، وحبذا لو جعلته دائمًا على الحديدة لتضمن بقاؤه لها، أو ذلك الذي يقول: " يا عم خذ من عبد الله واتكل على الله " و" أسأل مجرب ولا تسأل طبيب "، والواقع يقول أن الله خلق الطب والدواء، والطب يتقدم كل يوم بحمد الله، فلا يصح أن نلجأ إلى العلاج البدائي المتخلف الذي يضرنا ولا ينفعنا، وليتنا نقول: " أسأل مجرب ولا تنسى الطبيب " .

وتلك الأمثلة عن الحماة التي تسمم العلاقات العائلية وتهدم بنيانها، أو ذلك الذي يقول لك: " رزقك حيجيلك لحد عندك.. الرزق مش بالشطارة "، وبالطبع هذا يخالف ما دعانا المولى عزل وجل إليه بأن نسعى في مناكب الأرض ونأكل من رزقها، أو ذلك الذي يجامل صديقه بالباطل ويقول لك: " الصاحب علة " .

ويدعوك رجل للقعود عن الإصلاح بين الناس فيقول لك: " وانت مالك.. خليك على البر.. ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه ".. أين هذا من قولهم: " الناس للناس.. ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط ".. ما أجدرنا بأن نعمل بالتي هي أحسن وأن نترك اللغو عن القول !!. وللحديث بقية وبقية ان أحيانا المولى

 

بقلم/د.يسري عبد العني

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – كل شئ يمكن ان تجده في العالم، عدا الاب والام.

التعليق – الله ! ما أجمل هذا المثل، هكذا صاح صاحبي عندما سمع المثل الروسي هذا. أيّدته انا طبعا، وقلت له - لا يوجد عند الانسان – اي انسان – أعزّ وأقرب من الوالدين.

**

الترجمة الحرفية – اللسان الطويل ليس من أقرباء العقل.

التعليق – طبعا، اذ لو كان من أقرباء العقل لما أصبح (طويلا !). الصورة الفنية في هذا المثل مبتكرة بكل معنى الكلمة، وهي في غاية الطرافة والدقة ايضا. هناك امثال وحكم كثيرة عند مختلف الشعوب حول اللسان، وكلها تؤكد، ان اللسان الطويل ليس من أقرباء العقل فقط، وانما من ألدّ أعداء العقل ايضا. لنتذكر نموذجا واحدا من تلك الامثال، وهو المثل العربي – اللسان أجرح جوارح الانسان.

**

الترجمة الحرفية – لا تسأل الاطرش عن تغريد البلبل.

التعليق – قال صاحبي وهو يضحك، انه بعض الاحيان يسأل الطرشان حول تغريد البلابل متعمدا، كي (يتمتعّ !) بثرثرتهم ويحدد مستوى (طرشهم الثقافي !)، ولهذا فانه ليس موافقا على ما يدعو اليه المثل الروسي. ضحكت أنا، وقلت له، ان المثل لا يجبرك على ان تخضع له، خصوصا اذا كنت (تتمتع !) بالحديث مع (الاطرش بالزفّة)...

**

الترجمة الحرفية – العيش و الحياة ليس مع الثروة، وانما مع الانسان.

التعليق – هذا جواب حازم وصارم ورائع ل (اللواتي !) يبحثن عن زوج غنيّ ليتمتعن بثروته، بغض النظر عن كل شئ آخر، وكم من مآسي حدثت بسبب هذه المفاهيم (التجارية !) في المجتمعات كافة، وليس فقط في مجتمعاتنا...

**

الترجمة الحرفية – دون ان تتذوق، لن تعرف الطعم.

التعليق – مثل منطقي واضح المعالم، وهو ينطبق على كل شئ في الحياة، ف (النظرية دون تطبيق ميّتة) كما يقول المثل الاغريقي الفلسفي القديم. لنتذكّر مثلنا البسيط والعميق – التجربة احسن برهان...

**

الترجمة الحرفية – ليس الحصاد من الندى، وانما من التعرّق.

التعليق – الحصاد يأتي نتيجة عمل الانسان وجهده، اي (من عرق جبينه) كما يشير القول العربي المأثور. المثل الروس هذا – واقعي وحقيقي ورمزي ايضا.

**

الترجمة الحرفية – بالدموع لا يوجد حلّ للمصيبة.

التعليق – تسيل الدموع عند المصائب غصبا على الانسان وبلا ارادته، والدموع تخفف الضغط الهائل للمصيبة على النفس الانسانية، ولكن الدموع ليست حلّا لمعالجة المصيبة طبعا. المثل الروسي منطقي جدا، وهو يذكّر الانسان بضرورة التماسك والتحلّي بالصبر عند المصائب...

**

الترجمة الحرفية – البحر يحب الشجعان.

التعليق – والشجعان يحبون البحر ايضا. نحن نتذكّر ونتعاطف طبعا مع ابيات الشعر التي ذهبت مثلا، عندما جاءت معذّبة الشاعرالاندلسي (...من غيهب الغسق) وسألها – (... أما خشيت من الحرّاس في الطرق؟)، فقالت له الحبيبة الشجاعة يكل ثقة - (...من يركب البحر لا يخشى من الغرق).

**

الترجمة الحرفية – كل انسان حدّاد سعادته.

التعليق – نعم، هذا صحيح، و(الحدّاد!) يصنع كل شئ بالعمل اليدوي الشاق والصعب، اذ انه يتعامل مع الحديد. مثل جميل وعميق، ويؤكد على ان سعادة الانسان من صنع عمل ذلك الانسان، عمله الشاق والصعب، الذي يشبه عمل الحدّاد وهو يطاوع الحديد.

 ***

أ.د. ضياء نافع

.......................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

يسري عبد الغني(1909 - 1987 م)

ولد في قرية أم خنان (مركز قويسنا - المنوفية) - وتوفي في القاهرة.

عاش في مصر وزار بعض الدول العربية وغير العربية.

حفظ القرآن الكريم في كتاب قريته، ثم حصل على الشهادة الابتدائية، ثم حصل على شهادة الثانوية العامة بترتيب الأول على مستوى الجمهورية من مدارس دسوق ثم التحق بكلية الطب جامعة القاهرة، وتخرج فيها (1929).

عمل طبيبًا بمستشفى دسوق، وظل يرتقي في مناصبها حتى أصبح مديرًا لها، ثم فصل من عمله (1952)، فانصرف إلى العمل بعيادته الخاصة بالقاهرة.كان يعالج معظم أدباء أيامه بالمجان بل كان يعطينا الدواء بالمجان أيضا -أضف ألى ذلك أنه كان يجري لبعضهم بعض العمليات الجراحية البسيطة عنده أو عند زملائه دون أي مقابل-

قرأ أمهات كتب الأدب ودواوين الشعر العربي في مكتبة والده، فضلاً عن كتب الفلسفة والفقه والتفسير والأصول، وغيرها.

كان عضو ندوة شعراء الإسلام بجمعية الشبان المسلمين ورابطة الأدب الحديث بالقاهرة، وندوة كرمة ابن هانئ، ودار الأدباء بالقصر العيني، وترأس ندوة شعراء العروبة قرابة عشر سنوات كثالث رائد بعد خالد الجرنوسي وعبدالله شمس الدين.

أصدر الشاعر الداوين التالية: «مواكب الحياة» - المجلس الأعلى للثقافة - القاهرة - 1980، «مع الله ورسوله» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1987، «مع الحيوان» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1987، «رحلة العمر» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1988، «عودة الطائر» - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1990، وله قصائد نشرتها صحف ومجلات عصره وبخاصة الجديد، والهلال والثقافة، والفيصل، وجريدة الأهرام، منها: «دموع الشباب» - مجلة السياسة الأسبوعية - (ع77) - القاهرة - 27 من أغسطس 1927.«انتظار» - مجلة الشعر - القاهرة - أكتوبر 1978.«ليالي السقام» - مجلة الجديد - القاهرة - أول من مارس 1981.

شعره معظمه قصائد مطولة، فيه عواطف دينية ووطنية وحس قومي جعلته يتغنى بأمجاد الوطن وثورة يوليو وجمال عبدالناصر في كثير من قصائده، وتتنوع أغراضه بين وصف الطبيعة والحيوان، والغزل العفيف، والاجتماعيات والإخوانيات ورثاء أعلام عصره، والتفكر في أحوال الدنيا وتصاريفها. وتميل كثير من قصائده إلى القصص الشعري في أسلوب طريف، ومنه ما حكاه في رثاء ضرسه (قضى في صحبتي ستين عامًا)، وله قصائد مال فيها إلى السطر الشعري والشكل التفعيلي، في شعره طرافة وجدة خاصة في ديوانه «مع الحيوان».

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

........................

مصادر الدراسة:

1 - مؤلفات المترجم له.

2 - أحمد مصطفى حافظ: شعراء معاصرون - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1983.

: شعراء ودواوين - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1990.

: تقديم ديوان «عودة الطائر».

3 - سهام سيف الدين علي غنيم : الطبيب الأديب عزت شندي - رسالة ماجستير - كلية البنات الإسلامية - جامعة الأزهر - أسيوط 1991.

4 - الدوريات: مصطفى السحرتي: الشعر لدى عزت شندي - مجلة الثقافة - (ع81) - الهيئة العامة للكتاب - القاهرة - يونيو 1980.

مراجع للاستزادة:

- عبدالله شرف: شعراء مصر - المطبعة العربية الحديثة - القاهرة 1993

 

 

نبيل عرابييضفي الضوء على الحياة سحراً مميزاً، وله من المعاني والمزايا المختلفة قدر ما للكتب الجيّدة والموسيقى الرائعة. فالضوء الذي يسبح فيه العالم هو مصدر إدراك، ومصدر الحياة ذاتها بكلّ تأكيد، وكذلك الأمر يُمكن أن يكون مصدراً لمتعةٍ بالنسبة للعين اليقظى.

أحياناً، يكون الضوء ساكناً لامعاً وهو يضرب الأرض مباشرة. وأحياناً أخرى يكون صافياً متلألأً، يرسم المنازل والناس بأسلوبه الخاص، وفي مواقع أخرى يفيض حيوية تجعل الجمود ينتفض حركة وحياة، قاطعاً مسافة طويلة إلينا من قلب هذا النجم الملتهب.

والضوء، إضافة إلى كونه كيميائيّ مميز، وأوراق الشجر عبارة عن معامل كيميائية، يتحوّل فيها ضوء الشمس والماء إلى طعام، ويتدفق منها الأوكسجين مانح الحياة إلى الهواء لكي يستنشقه الإنسان،هو عنصر أساسيّ لا يمكن التهاون بشأنه في أغلب أنواع الفنون البصرية، كالرسم والتصويرالفوتوغرافي والسينما والمسرح .. ولكن أغلبنا ليس من الفنانين! لكننا نستطيع أن نأسر بريق الضوء، ونجعل له حيزاً في حياتنا اليومية، عندما نطلق العنان لعيوننا على امتداد الرؤية، لنرى مدى الجمال الذي يختزن في اقتفاء أثر الضوء والظل، عند أول شعاع ينسلّ فجراً ممهداً لتدرّج خلّاب، ومع مرور شمس الصيف بأمزجتها المتقلبة عبر حقل ما، وعندما يترقرق بشفافية على جناحي فراشة، ويتهادى كالثوب المزركش على جدار حجري خشن، أو ينعكس فوق صفحة مياه هادئة، وهو ينير سطح كوكبنا الصغير، ويمدنا بالكثير من عناصر الحياة التي نحتاجها، فكلنا نستطيع أن نرى الضوء بأعيننا أو بقلوبنا.. فلنتمتّع به.

 

نبيل عرابي

4.10

سبق ان طرح احد محرري دور النشر  على الكتاب والمؤلفين الذين يحررون كتبهم ومؤلفاتهم على منصته السؤال الاتي: هل انتم مستعدون؟ وتكرر نفس السؤال بصيغ محتلفة على مواقع دور نشر مشابهة .

المقصود بالسؤال : هل انتم مستعدون لمحاورة الجمهور؟ والسؤال يرتبط بسلسلة من الاسئلة ولكن الاساس الذي بنيت حوله هو:

هل انتم مستعدون؟

1 - للحوار المباشر وغير المباشر مع الجمهور "القاريء القراء"

2 - للرد على اسئلة القاريء؟

ونتوقف هنا قليلا لان القاعدة الاساسية اوالعامة : "القاريء اولا" بعد نشر الكتاب او المؤلف .

دور النشر العالمية لا تهتم بالمؤلف. اهتمامها الاول بالقاريء او الجمهور ولا تأخذ رأيه بنظر الاعتبار ، لان مهمتها تقنية وتسويقية وليست فلسفية او تقديم هذا الكاتب او المؤلف على ذاك حسب اهميته .

المشكلة تكمن هنا!

جمهور الكتاب هو من يحدد اهميته وليس خبرة او موهبة المؤلف او اهميته!

3 - هل تتقبل النقد اثناء حوارك مع القاريء؟

والمقصود النقد السلبي او وجهة النظر النقدية السلبية التي ربما تبحث عن المثالب بقصد او بدون قصد ، وهو اشبه بتنبيه للمؤلف او الكاتب اشار اليه ضمنا منذ البداية بالسؤال "المفتتح" : هل انتم مستعدون؟

ويمكننا ان نرجع لمعرفة المزيد من خفايا السؤال او الى ما يمكن ان نسميه: "تهذيب المؤلف او الكاتب"" .

لانه فيه تحذير من الاستخفاف بالقاريء "الجمهور" او النقد المباشر وغير المباشر للمؤلف او كتابه ، يؤثر على عملية تسويق الكتاب وتوسيع نطاق جمهوره وهو ما يعني دار النشر بالدرجة الاولى ولا تعنيه اهمية المؤلف او محتوى مؤلفاته .

 كيف تعرف دار النشر ردود فعل المؤلف او الكاتب وموقف القاريء "الجمهور" من كتابه؟

هذا السؤال يخص المؤلف بالدرجة الاولى ، لان مهمة دار النشر ان ترشد المؤلف الى قوائم تحتوي على عناوين وايميلات القراء المسجلين لديها او دور النشر الاقل اهمية التي تساهم بالتعاون معها في تسويق الكتب والمؤلفات،

 او ان تطلب من المؤلف ان ينشأ قوائم بريدية خاصة به وبمؤلفه تضم نبذة تعريفيه بالمؤلف والكتاب او محتوى كتابه او مؤلفه .

عند هذه النقطة او منها تشير  حجم المراسلات وردود افعال   المؤلف ومدى تفاعلة مع القراء واجاباته وتفاعله مع ردود الافعال السلبية او الايجابية اضافة الى قدرته على اقناع القاريء باهمية كتابه بشكل مباشر او غير مباشر .

وهذه العملية المشتركة رغم بساطتها وتوفر أدواتها تحدد مدى نجاح الكتاب وانتشاره على نطاق واسع او فشله .

هذا كل ما يتعلق بموقف دار النشر من كتابك .

لذا يحرص الكتاب والمؤلفين الذين يتعاملون مع دور النشر العالمية على التفاعل بشكل ايجابي مع القاريء"الجمهور" مهما كانت ردود افعاله سلبية اتجاه الكاتب او محتوى كتابه.

وباختصار: الجمهور بنظر دور النشر العالمية هو الذي يحدد درجة نجاح الكتاب، ونجاح الكتاب الشرط الوحيد لتحقيق ارباح .

اما دور النشر العربية فانها تعتمد على ما يدفعه المؤلف لقاء طباعة كتابه ومعارض الكتب التي تقام سنويا ولكن ليست لديها حرية المشاركة بجميع اصداراتها لذا فالمؤلف يدرك ان كتابه ليس بالضرورة ضمن معروضات دور النشر .

 نلاحظ من خلال ذلك مدى ضعف النشاط التسويقي لدور النشر العربية رغم ان بعضها عريقة ومعروفة في الدول العربية ولكنها لم تستطع مواكبة ما فرضته تطورات عصرنا على صناعة الكتاب اوعمليات التسويق الوجه الاخر لـ "لاعلام والعلاقات العامة" . 

 

قيس العذاري

20.11.2020

....................

هامش :

1 - بامكان دور النشر العربية الاستفادة من خبرات دور النشر العالمية والخطوات التي تتبعها في اصداراتها .

2 - لفت الانتباه ان : "الاعلام والعلاقات العامة" تخصص ضروري لدور النشر والصحف والمجلات "الورقية والرقمية" ويدرس كمادة رئيسية بجميع التخصصات الاعلامية وكتخصص مستقل في كليات الاعلام العربية والاجنبية .

عنوان الفصل : العلاقات العامة والتسويق .

 

سمية العبيدي(الأرض سَنة..)

مع إن مقدمة هذه الرواية لا تكاد تختلف عن كل ما كتبت العبيدي في بدايات روايتيها السابقتين.. حيث تُوظف البدايات عندها لتوضيح النص وإلقاء الضوء عليه، كما إنها تكون جزءاً مهماً منه . غير أن المقدمة هنا تتميز عن المقدمة في روايتيها السابقتين في أنها لم تُستق من واقع الحياة ولا من مجريات الرواية كما يحدث في تلكما الروايتين بل المقدمة هنا رأي في الحروب والمعارك وما يتبعهما من تغيير على النظم الاجتماعية و الانعكاسات الضارة والسلبية التي تنطوي عليها سواء أكانت نتائج الحروب سلبية أم ايجابية - وذلك ما لا يحدث الا نادراً - وقد أشار اليها بعض القراء والمتابعين بأنها دفق من تشاؤم وعلى النقيض من ذلك أنا أرى إنها تنطوي على نوع من التحذير يستبق الأحداث التراجيدية التي يمكن أن تتبع الحروب التي لا فكاك منها والتي بسطت راحتيها بقوة في جوانب وربوع الشرق الأدنى، كما تفعل ذلك الآن في الشرق الأوسط .

كما إنها تختلف عن سابقتيها في طريقة طرح الفكرة وترتيب أحداث الرواية وتسلسل أحداثها، في هذه الرواية تنقسم الأحداث الى قصص منفردة مفصولة تلم المقدمة شتاتها وتنظمها عقداً واحداً لا انفراط فيه . ولولا هذه المقدمة لقلنا إن هذا الكتاب ما هو الا بضع وعشرة من القصص القصيرة . وسبق للكاتبة نفسها ان شبهت هذه الرواية - في مقال آخر -بالاخطبوط  إذ تقوم المقدمة مكان الرأس منه أما القصص الفرعية فما هي الا أطرافه العديدة .

2019 سمية العبيديوهذه الفصول التي تبين طوايا البشر ونزعاتهم وأهواءهم وترصد طرقهم وآلياتهم في سبيل تحقيق أمانيهم ورغباتهم وتوضح التفرد البشري والإنساني في اختيار دروب وسبل النجاة بأرواحهم من عواصف الإبحار في الشر والخير ومنعطفات وزوايا الممكن والمستحيل حتى يناقض بعضهم بعضاً في طرق الهروب من الأذى والتشتت والفوضى الى أحلامهم أو الى واقع بديل نابذين واقعهم المرفوض الى ما قد يكون أسوأ منه أو متربصين في أماكنهم لا يريمون عنها بانتظار أن تطرق النهاية أبوابهم بهدوء وصمت . فركوب الطوف مغامرة خطيرة لا حدود لها غير إن الشاب سامر يخاطر وكلنا يعرف اندفاع الشباب وتهوره غير إن سامر درس الأمر من مختلف جوانبه ورأى الممكن والمستحيل ولذا وظف كل ما يعرفه لخدمة هدفه فحققه ولو بعد انقضاء عدة سنوات قضاها مفكراً في كل ما يمكن أن يخدم هدفه ويؤدي الى نجاح تجربته ووصوله الى البر الذي ينشده سالماً معافى .

وعلى النقيض من هذا نرى الفيلسوف يجزع من نهايته لذا يضع حداً لحياته فيهرب من تشوفه وانتظاره لهذه النهاية المفترضة بالانتحار. في حين تتشبث المرأة بالأمل وتنتظر من أولادها ما لم تربهم عليه وهو النجدة والاهتمام بالغير. أما سعاد فتفني نفسها في سبيل الواجب تجاه أطفالها - ومع إنها فقدت اتزانها ورشدها - غير إنها لم تزل متمسكة بذلك الواجب الذي يلزمها به مجتمع تخلى عن الأواصر التي تشد بعضه الى بعض بالود والمحبة حتى داخل اللبنة الصغيرة الأُسرة . وفي حين نرى العسكري يرفض أن يتنازل عن عرشه الوهمي أو يشارك به أحداً يحاول سامح أن يثرى دون تفكير أين سيستعمل وينفق هذه الثروة ويظل يجهد نفسه بلا جدوى . ونرى المرأة تنظر ببلاهة للجزيرة (الحقل) التي انشطرت لتبتعد بها عن زوجها مع إنها في غاية الحاجة لهذا الزوج فهي حامل . كما نرى الأب ينظر ببلاهة ويصطبر على فراق ابنه الذي لا يزال طفلاً ويرضى بتسليمه الى مستقبل مجهول لا ملمح من نور فيه .

ومع كل الطرق التي انتهجها أبطال القصص ومنهم سامر الا إن النهاية أدركته وهو يحاول جاهداّ الوصول الى مكان لا زالت الحضارة ترتع في أحضانه والكيان المتماسك يشده بقوة فهو يمثل إرتكاساً في الزمن الى الأحسن ونزوعاً الى الموروث الذي انقطعت أسبابه فهو هنا يعترف بلسان جيله بالخطأ المتعمد الذي ارتكبته الأجيال المتأخرة بهجرة أصولها وعادات أجدادها وملاحمهم ومشاعرهم التي خلدتها التواريخ المكتوبة على الورق فقط والتي نزعتها الأجيال المتأخرة من نفوسهم وعن جلودهم مثل ثياب رثة .

ونلاحظ بلا ريب إن الرواية تنتهج أُسلوب السرد من بعيد فلا سؤال ولا جواب ولا رد ولا تعليق وبذلك توحي لنا الكاتبة أن الرواية حدث غير متحقق واقعياً حتى الآن ولكنه يمكن أن يقع فهو عقوبة للموغلين في طرق الشر وانتهاج القوة والعنف وسيلة لاقتياد العنصر البشري الى الموت وتدمير الذات .

 

سمية العبيدي

 

 

يسري عبد الغنييعود إلى طه حسين كثير من الفضل في تحريك الركود الذي كان يحيط بالنقد الأدبي في مطلع القرن العشرين، وقد طرح طه حسين حول دراسة الأدب كثيرًا من الأسئلة، وأثار عدد من القضايا، كما دعا إلى تطبيق بعض مناهج النقد الغربي على الأدب العربي، ومن أهم القضايا التي أثارها طه حسين، ونشأت عنها مناقشات واسعة أحيت الدراسة الأدبية النقدية: قضية (انتحال الشعر)، وقضية (الشك) في وجود بعض الشعراء، وبخاصة الشعراء الذين عرفوا بقول الشعر العاطفي العفيف الذي يعرف بالشعر العذري.

على أن لطه حسين جوانب أخرى مهمة فيما يتصل بطريقة تناوله للأدب العربي، فقد طبق المناهج التي استفادها من المستشرقين، وكانت تعلق أكبر الأهمية بالبيئة التي أحاطت بالأدب من ظروف سياسية واجتماعية وجغرافية.

وطه حسين إلى جانب ذلك صاحب حس لغوي موسيقي مرهف، وقد وقف وقفات طويلة عند كثير من قصائد الشعر القديم، في كتبه (حديث الأربعاء) و (حديث الشعر والنثر) و(مع المتنبي) ، وقد أضاءت هذه الوقفات جوانب الشعر، وحببت إلى الناس قراءته.

كذلك اهتم طه حسين اهتمامًا كبيرًا بالشعر في العصر الحديث، وقدم فيه نظرات تنهض على أساس القراءة المتذوقة، والفقه اللغوي الصافي، وإن كان أحكامه لا تحظى باقتناع كل النقاد.

ومن العسير القول: بأن طه حسين صاحب نظرية نقدية كاملة ومتميزة، فلقد كان يستخدم مناهج عدة، فيها الحس بالتاريخ، والتذوق اللغوي، وفيها الاهتمام بالحياة الاجتماعية، وبمسيرة الكاتب الشخصية، وهو لم ينفذ إلى النفوس عن طريق دعوته إلى نظرية محددة، بمقدار ما نفذ إليها عن طريق خبرته الواسعة بالتراث العربي وفهمه النافذ لنصوص الشعر وتقريب كل ذلك إلى أذهان الناس وتذليل سبله أمامه، ويكفي لكي تطلع على طريقة تذوق طه حسين للنص الأدبي وتقديمه إلى القارئ أن تقرأ على سبيل المثال كتابه: (مع المتنبي).

 

بقلم/ د. يسري عبد الغني

نبيل عرابيمَنْ قطعَ لكَ بطاقةَ هذا الحزنِ المتدلّي من عينيكَ،

مَنْ أَوْقدَ هذا التنّورَ المتوهّجَ في أنفاسِكَ،

مَنْ سَوّرَ هذا الحلمَ في باحاتِ ذاتكَ،

مَنْ  أَخْرَسَ هذا الصوتَ المُجَلجِلَ في عَصْفِ روحِكَ،

وكأنّ التاريخَ سُلالةُ ريحٍ تعبثُ بقسماتِ الحياة،

فتُعيدُ تركيبَ تفاصيلها،

كُلّما خطرَ لها،

وباللونِ الّذي تراهُ مُناسباً،

فوقَ صفحةِ مياهٍ أضْحَت راكِدَةً،

إلّا مِنْ لُصوصيّة الحُشرية وما تبقّى من حُبِّ الفضول،

وكأنّ التاريخَ كتابُ أَرَقٍ،

لا يخجلُ من تقليبِ صفحاتِ الزّور المُستترِ بشوكِ الصبرِ المُتسلّقِ دوماً في الحَنجرة، والعين، ونمطِ العيشِ الرّتيب...

وكأنّ فصولَ السنةِ الواحدةِ تشكو ألَمَ الفراق فيعودُ الخريفُ زائراً، ويُقيمُ الشتاءُ طويلاً، ويعتذرُ الربيعُ عن موعدِهِ، كعادتهِ، ويرحلُ الصيفُ إلى غيرِ عودة...

وكأنّ العدَّ العكسيَّ على أصابعِ اليدِ الواحدةِ يُكرّرُ نفسَه، كُلّما نما في الكَفِّ بُرعمٌ وكلّما حزمَ الطفلُ الشقيُّ أمتعتَهُ إستعداداً لأكثر من احتمال سفر، على دربٍ بانت ملامحُها في أكثر من قنديل، وغابت إنحناءاتها مع مواسم الضباب الآتي من احتراقٍ عبثيٍّ هادىء...

فغدا الدربُ الضبابيُّ صبحاً..

ومساءً..

لايهتمُّ لأمرِ القناديلِ المعتادةِ على شُحِّ مخزونها وانحسارِ نورِها، والإكتفاء بتعليقها دون الإهتمام للفتِ الأنظار إليها.

***

نبيل عرابي

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من ينام طويلا، يعيش مديونا.

التعليق – سبق وان أشرنا الى مثل روسي مشابه شكلا ومضمونا لهذا المثل، وهو – طويلا تنام خيرا لا تنال، ولكننا – مع ذلك - ارتأينا تثبيت هذا المثل هنا لانه اكثر دقة اولا، واكثر طرافة ثانيا.

**

الترجمة الحرفية – لا تمدح نفسك، دع الناس يمدحوك.

التعليق – مثل حكيم. يوجد مثل عربي يقول – من مدح نفسه فهو كذاب. المثل الروسي هنا لا يشير الى ذلك، ولكنه يقول – لا تمدح نفسك،  الا ان الجزء الثاني من المثل الروسي مهم جدا، اذ عندما يمدحك الناس، فان هذا يعني انك تستحق ذلك، اي ان المثل العربي والمثل الروسي يكملان بعضهما البعض -  من يمدح نفسه فهو كذب، ومن يمدحه الناس فهو حقيقة و صدق.

**

الترجمة الحرفية – لا تسرع بالموت، دع الشيخوخة تأتي.

التعليق – الموت حق، وكل نفس ذائقة الموت، ولكن على الانسان – مع ذلك - ان يحيا محافظا على نفسه وصحته. هناك امثال واقوال مأثورة كثيرة عند مختلف الشعوب تؤكد على ضرورة هذا المفهوم السليم للحياة. لنتذكر القول المشهور في تراثنا  - (اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا).

**

الترجمة الحرفية – الفأرة ليست كبيرة، لكن اسنانها حادة.

التعليق – مثل طريف جدا، وهو رمزي طبعا، اذ انه يذكّر الانسان بعدم الاستهانة بالظواهر الصغيرة حوله، والتي يمكن ان تؤدي الى كوارث هائلة في مسيرة حياته.  لنتذكرالمثل الشهير بلهجتنا العراقية، الذي يقول –  الحجارة الما تعجبك تفشخك. يوجد مثل ياباني يقول – التعاسات الكبيرة تحدث من اسباب صغيرة...

**

الترجمة الحرفية – ليس صعبا حمل الحقيبة، اذا كان الخبز فيها.

التعليق – مثل رمزي جميل وحقيقي فعلا. الخبز يعني الحياة واستمرارها، والمثل يؤكد، انه ليس صعبا على الانسان ان يقوم ب (حمل الحقيبة !) التي تطعمه، مهما تكن هذه (الحقيبة !) ثقيلة.

**

الترجمة الحرفية – لا تتفاخرعند الذهاب الى الحقل، تفاخر بعد العودة منه.

التعليق – رغم ان الصورة الفنية في هذا المثل ترتبط بطبيعة الحياة القروية، الا ان المعنى العام لهذا المثل عميق جدا، فما أكثر هؤلاء الذين يتفاخرون ويتبجحون قبل (بداية العمل !)، ولكن الواقع يبّين حقيقتهم (بعد العمل !). مثل صحيح وشامل في كل المجتمعات.  يوجد مثل بلهجتنا العراقية يقول – (رجّال اللي يعبي بالسكلة ركي) (السكلة – سقيفة لبيع الرقّي، او البطيخ الاحمر كما يسمى في   بعض البلدان العربية).

**

الترجمة الحرفية – ارتداء المعطف ليس للجمال، وانما للدفء.

التعليق – قال صاحبي، ان هذا المثل يجب ان تعرفه كل النساء. قلت له ضاحكا – كل النساء وبعض الرجال ايضا. استمر النقاش بيننا حول هذا المثل، وتوصلنا – بعد التي واللتيا – الى ان  الدفء هو الهدف طبعا، ولكن المعطف الجميل يمنح الدفء ايضا...

**

الترجمة الحرفية – الوئام يوسّع البيت.

التعليق –- مثل جميل ودقيق جدا. يقول المثل الياباني – الخصومات في البيت تزرع الفقر.

**

الترجمة الحرفية – دون ان تذوق المرّ، لن تعرف طعم الحلو.

التعليق – صحيح جدا، وما أكثر الامثال عند الشعوب، والتي تستخدم مفهوم المقارنة للوصول الى معانيها، ونذكر هنا مثلا من جورجيا يقول – اذا لم تر الظلام لا تعرف قيمة الضياء....

**

الترجمة الحرفية – الايادي العاملة لا تعرف الملل.

التعليق – الملل يتعارض مع العمل، وهذه حقيقة ثابتة وواضحة في الحياة الانسانية. قال صاحبي، انه يتذكّر الان المثل بلهجتنا العراقية عن – (الماعنده شغل يلعب..) فقاطعته وقلت له – لا تكمل، فالمثل معروف للجميع...

***

أ. د. ضياء نافع

..............................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

محسن الاكرمينمن مصفوفات الحياة التي لن تتغير منذ زمن بدء الخليقة، حين لا نتمكن بتاتا التنقل من أبعاد الظلام إلى أحياز النور إلا بقبس علم يقيني. من سنن الحياة الدائمة حين يكسبنا الخوف مجموعة من الأسئلة البديلة عن فزع النفس حتى من صورة المرآة التي تفتننا مرارا لترتيب الذات عندها. قد تراودنا الرؤى الروحانية المتأنية بسير الجذب، ولكنا نفزع مما نخلف وراءنا من آثار الأقدام على رمال متحركة وغير ثابتة. قد نثق بحتمية نتيجة مسألة المقلاع الفيزيائية ونحن في صغر السن ونتحايل على اصطياد روح متعة لا فريسة. قد نسقط أرضا حين تضعف سرعة الحياة الواقفة، ونصبح نحن الفريسة بعينها، فقد (يصطاد الفهد للضرورة فقط، لا مكان لصيادي المتعة في الغابة، القتل للمتعة عاهة بشرية). قد لا نستطيع معاودة الوقوف قياما من ثقل حمل الذات الذي يزيد كرها على كره حين نفقد توأم الروح.

من لفافات النور قد نصنع قطن الحياة والنجاحات، ومن صدق الحقيقة قد نقلع بامتياز أفقا وتحقيق الأهداف المرجوة، و قد نضبط منبهات ساعاتنا الجماعية باليقظة وبناء لبنات التغيير. قد تكون الحياة غواية تخرجنا من توجساتنا الضيقة وتعلمنا قانون الجذب بكل أعراضه. قد تكون حروف الحياة لا تمتلك حرفا واحدا من كلمة الموت، لكن الموت لن تكون مرادفا طيعا للحياة، بل ضدا بنهاية الغواية الحياتية.

من سيئات معاملاتنا أننا نعمل على ترتيب متممات الموت ولا نثق وثوقا كاملا في أحداث المستقبل القادم وما يخفيه من مآسي أو أحلام نجاحات، لكن لندع قلوبنا تقول للحياة (شكرا... وأهلا بأنفاس حب التغيير). قد نعايش الموت و الكل يخافه مهابة، لكننا جميعا نحترمه لكرمه الحاتمي حين ينهي ألم الحياة. قد تترك الحياة رسم الشفاه الأحمر على الخدود الذكورية، لكنه قد يزول موتا بماء حمام بارد.

نحتفي بالحياة كرما (ببسمة طيعة وبقلوب فرحة... وبسعي نحو أفق النجاح بكثير من الإيمان...)، كما نحتفي بالموت حسرة ودمعة، لكنها في الأخير هي القواسم المشتركة بالتمايز بين فيض الحياة و مثوى الموت. وقد يتغذى طرفا على الآخر(الموت تتغذى من الحياة). هي ذي الحقيقة التي نتعايش معها باحتشام، ولا نقدر على تغييرها بمعادلة التصويب البنائي نحو فهم إشارات الحياة. هي حقيقة بناءات الثقة في المستقبل نحو النجاح فقط، والذي قد يشكل لنا جميعا فزعا ونخاف من حلم  نجاح الذي قد ينقلب كابوسا مفزعا. هو نور الحياة المشع في كل منّا من خلال مكاشفة النفس، وتخيل الصورة التي تكون نموذجا ثم (السعي اليومي لتصبح هذا الشخص المتخيل...). هي الحياة التي تستلزم الوثوق في الذات واقتحام المجهولات بلا رجعة انتكاسة، وبمعاودة المحاولات. هو النجاح الذي يزيح تفكير الموت ويبعث في الحياة الصوت العالي والحماسي الداخلي (سأنجح في المستقبل...).

قد لا نمتلك الراحة النفسية في حياتنا اليومية إلا من خلال مسكنات ومنومات ليلية صيدلانية. قد يمتلكنا القلق والحزن ولا نقدر على خلق التوازن النفسي الداخلي (فلا أحد يستطيع أن يأخذ منك ألمك غير الموت...). قد يكون قانون الجذب ملائما كصيغة للتعود على فرح النجاح، والسفر خارج الزمان والمكان ثم (الوقوع في حب النفس أولا...). قد تفكر روحانيا في النجاح، فينجذب إليك بطواعية، ومرات عديدة يتحقق بمعاودة الكرّة مثل (نملة الإسكندر المقدوني)، فحين تقنع عقلك بأفكار النجاح فهي تمهد طوعا بأن تصبح على أرض الواقع مكسبا ميدانيا.

 

محسن الأكرمين

 

يسري عبد الغنيدارت حول معجم القاموس المحيط للفيروزأبادي مكتبة تشرح أو تنقد أو تستدرك، وكان أعظم كتاب اتصل بالقاموس شرحه للزبيدي، أبي الفيض، محمد مرتضى، المولود سنة 1145هـ، المتوفى سنة 1205هـ شهيداً بالطاعون، الواسطي العراقي أصلاً، الهندي مولداً، الزبيدي تعلّماً وشهرةً، المصري وفاةً، الحنفي مذهباً، الأشعري عقيدةً، كما كان يصف نفسه في كثير من إجازاته (فهرس الفهارس والأثبات 1/527)، إلاَّ الوفاة، فما تدري نفس بأي أرض تموت.

ابتدأ تأليفه حوالي سنة 1174، بعد قدومه إلى مصر بسبعة أعوام، وسنّه إذ ذاك تسعة وعشرون عاماً، وأكمله سنة 1188، وقضى في تأليف جزئه الأول ستة أعوام وبضعة أشهر، وصنع طعاماً بعد إكماله هذا الجزء، وجمع طلاّب العلم، وشيوخ الوقت، وذلك في سنة 1181، وأطلعهم عليه، فاغتبطوا به، وشهدوا بسعة اطلاعه، وكتبوا عليه تقاريظهم نثراً ونظماً، وأكمل الأجزاء التسعة الباقية في سبعة أعوام وبضعة أشهر، فالجزء الأول منه ألّفه في شطر زمن تأليف الكتاب كله، ومكث في تأليف الكتاب أربعة عشر عاماً. وطلب الملوك وواقفو خزائن الكتب تحصيله، وبذلوا فيه الأموال (تاريخ الجبرتي 4/142، ومقدمة عبدالستار فرّاج للطبعة الكويتية من التاج).

وطُبع من التاج أولاً خمسة أجزاء بالمطبعة الوهبية بمصر سنة 1287هـ، ولم تكمله، ثم طُبع كاملاً في المطبعة الخيرية في عشرة أجزاء سنة 1307هـ.

وعنها ظهرت مصورة دار ليبيا للنشر والتوزيع في بنغازي سنة 1386هـ = 1966م. ثم تولّت وزارة الإرشاد في الكويت إخراجه في طبعة محقّقة تحقيقاً حديثاً أشرف عليها الأستاذ عبدالستار فرّاج، ثم آل الأمر إلى الأستاذ مصطفى حجازي (معجم المطبوعات العربية 2/1727، وتاريخ نشر التراث للطناحي 44 و157 و170، والكتاب المطبوع بمصر في القرن التاسع عشر للطناجي أيضاً 88 و94). واحتُفل منذ سنوات بإكماله في أربعين جزءاً. وكانت مدة نشره سبعة أو ثمانية وثلاثين عاماً، من سنة 1385 إلى سنة 1423هـ، أي من سنة 1965 إلى سنة 2002م. (نقد هذه الطبعة الأستاذ حمد الجاسر في مجلة العرب في سلسلة مقالات طويلة، ابتدأت في الجزء الخامس من السنة الخامسة سنة 1390هـ = 1971م، وأكثر ما عني به المواضع والأنساب؛ إذ كان متخصصاً فيهما).

ومزيّة التاج في المعجمات سعته، فهو أكبر معجم عربي، واستفادته من مراجع كثيرة سبقته من المعجمات وغيرها من كتب فروع التراث، وأنه سدّ ما في القاموس من خلل، وقوّم ما فيه من اعوجاج، فأضاف إليه كثيراً من المواد والصيغ والمعاني، في أصل المادة، وفي المستدرك الذي يجعله في آخرها، وبيـّن المصادر التي أخذ منها القاموس، وذكر الروايات المخالفة، وخلافات اللغويين، ووضح وكمّل، وأتى بالشواهد، وذكر اختلاف نسخ القاموس، ونسخ أصوله، وفيه زيادات واسعة من الضبط ليست في أصله. ونقد مادته، وتتبع منهجه وبيّن اختلاله في أحيان، وانتصر للجوهري حين رأى الحق معه، وتتبع تصحيف القاموس وخطأه واضطرابه في التفسير، وعني بالتنبيه على المجاز، وعلى أصول معاني المواد ومقاييسها.

وعيب التاج ما انتقل إليه من القاموس من أجل محافظته على عبارته من الفوائد الطبية والأعلام والمصطلحات، وهذه كلها ليست من مادة المعجم، وفقد الترابط في سياقه في بعض المواضع من أجل التزامه أيضاً بلفظ القاموس، ومن أجل تفريقه استدراكه عليه بين أوساط المواد وخواتيمها، وأنه لم يطلع على بعض المعجمات ومنها البارع لأبي علي القالي، وأنه أهمل ألفاظاً قليلة في اللسان، وألفاظاً أتى بها في شروحه (انظر في مزايا التاج وعيوبه المعجم العربي 2/528 – 540. وأشار إلى أن له مقالاً في مجلة مجمع اللغة العربية بعنوان: فائت التاج)

ويُضَمُّ إلى ذلك أن الزبيدي عوّل على الجمع، ولم يُعنَ كثيراً بالتحقيق، ونقل عن مخطوطات بعضها غير متقن، فوقع في أخطاء كثيرة (مجلة العرب، السنة الخامسة 5/480)، وأن مراجعه لم تكن حاضرة بين يديه في كل المدة الطويلة التي ألّف فيها الكتاب، فكان يرجع إلى نسخ مختلفة بعضها غير تام.

ولكنه بقي أوعبَ المعجمات، وجمهرةَ علومٍ واسعة من التراث العربي العريض

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

......................

راجع كتابنا معجم المعاجم العربية، دار الكتب العلمية، بيروت

 

 

حيدر عاشوركلما أجدد لقائي بالأديب والشاعر رضا الخفاجي يدخل في قلبي بلا اذن ولا استئذان فأحبه أكثر واحترمه بشكل كبير، لا يمكن وصف الشعور والإحساس عند رؤيته، وكان قد طلبني بالاسم ان التقيه وفرحتي كانت لا توصف وهو يهديني كتابين الأول (ما زلت أسعى)  صدر عن دار الرقيم في مدينة كربلاء المقدسة والكتاب الثاني (فاتحة الكرنفال) مجموعة شعرية طبعت بمطبعة بغداد سنة 1988 حيث تجاوز توزيعها (4350) نسخة.. كان من الطبيعى، ان اقرأ (ما زلت أسعى) قراءة متفحصة ودقيقة فوجد فيها كل ما يريد ان يقوله عن نفسه أولا وعن الأصدقاء الذين كتبوا عنه منذ نصف قرن من الكتابة والسعي والبناء، فمجايلي الخفاجي عن قراءتهم للكتاب ستعود إلى أذهانهم ذكريات عزيزة، عن هذا الرجل الفذ، مما يطيب لىّ أن أشرك القراء معى فيه. لم أكن من الأشخاص المقربين جدا من رضا الخفاجي، مثلما كان أصدقائه المقربين، ولكنه كان يدعوني من حين لآخر للانضمام إلى لقاءاته المتكررة، وكنت أفرح دائما بهذه الدعوة ولا أتخلف عنها قط، إذ كان مجرد وجودي بقربه كنت اسمع خلالها كثيرا من الأفكار النيرة.

فكتاب (ما زلت أسعى) مسيرة نصف قرن في الشعر والمسرح الشعري والدراما، للشاعر المخضرم والاب الروحي لجميع شعراء مدينة كربلاء المقدسة (رضا الخفاجي).. يضم صوراً تذكرنا إذا نسينا، وتحفظ الملامح الجديدة لحقبتنا إذا حاول الزمن في محاولته، أن يطمسه. أعتقد أن هذا الكتاب كُتبْ تحت حسنْ النية وبراءات جمّة، منها براءة اللغة، وهي ذات ميزة احترافية، لا تخلو من عمق المعرفة والخبرة والنضوج الفكري. فالكتاب يضعنا أمام ذات تعّبر عن معاناتها بالصراخ التوثيقي، أو قد تضعك أمام فنّان يمتطي وسيلةً للتعبير عن هواجسه، وحيواته في سبيل التذكير ان نفع. ويقول -مظفر النواب- في احدى قصائده : ان النهر يظل لمجراه أميناً.

فـ(ما زلت أسعى) هو نوع من الاهتمام الخاص، يظل ساري المفعول مع امتداد الزمن، متزايداً بإبداعات الشاعر (رضا الخفاجي). وقد أعتبر بحق شاعر الرمزية الروحانية الحسينية.. ففي قصائدهِ وأعمالهِ المسرحية وجدت الروحانية الرمزية ايناعها الاقصى في التعطش للوصول الى النشوة الروحية. من هنا تتضح معاناة الذات الشاعرة لدى( الخفاجي)، وتطلعها الى الاحساس بالوصول الى القيم الحسينية الخالدة التي تفتح الطريق الى النور العظيم الذي صنعه الامام الحسين(عليه السلام) بدمه الطاهر، والتوغل في ابعاد ثورته الكونية، الالهية. فالخفاجي وقف وجهاً لوجه أمام عظمة المصيبة، وكأنها لاتزال قائمة، فيرى كل ما حوله مخلد دائم؟ يقول في احدى قصائده: 

2012 رضا الخفاجيخمسون عاماً من مسيرتنا ... في عالم الايثار والشعرِ

في عالم الاضداد نرصده ...   مستيقظون على مدى الدهرِ

نرثي مقاتلنا ونكرمهم ...  كي تحتفي الاجيال بالنصرِ

فالإيثار كما يراه يتولد في روح الانسان الشاعر غير عابئ بالزمان والمكان، يصنع مصيره الخاص، يحدوه أمل الديمومة والبقاء، ويحيا بكبرياء وعصامية، لأنه اكتفى بذاته بعد ان خلصها من رواسب الأنا. وبهذا كتاب رسالة واضحة تقول: بقدر ما تطرح نفسك من سواك تحقق وجودك.

فجمع في (ما زلت أسعى) بين الذاتي والموضوعي والشخصي والمعرفي. وقد يكون الكتاب يحكي سيرته الشخصية بالذوات الموضوعية والمعرفية.. شعور بضرورة الانتماء الى الجذور الادبية، بمعنى الاحساس بالفضل لأولئك الذين قدموا وعانوا الكثير لكي يؤسسوا خطوات واثقة ومهمة في تاريخ الابداع الكربلائي الاصيل بوجه الخاص. فقسم أبواب الكتاب الى عشرة اقسام أولها المقدمة التي حكى بها عن حلمه الاوحد في تصدير مجلة متخصصة بالمسرح الحسيني كمشروع عاقره منذ اواسط السبعينات من القرن الماضي باعتقاده ان المسرح الحسيني ليس بمسرح مناسبة بل هو مسرح رسالي ومشروع حضاري نهضوي يعتمد في منظومته الفكرية على الفكر الحسيني. بذلك شكل كادر صحفي ادبي متكون منه كرئيس تحرير والاديب (طالب عباس الظاهر) كمدير تحرير والشاعر والمسرحي (عقيل ابو غريب) محرر وكاتب.

وفي ثانياً تحدث عن الحركة الثقافية في كربلاء برموزها الادبية والصحفية. اما ثالثاً كانت سيرته الذاتية، وكان ينتهب فيها صور من أعماق الماضي، ومن أغوار النعيم الشعري وصياغته، الذي توارثه عن أبيه، كما توارث مهنة صياغة الذهب، ولا تزال روحه الشعرية مشدودة الى تقديم كل جديد في ظل ابوية العتبتين الحسينية والعباسية اللتان فتحن له الطريق الى حلمه بإصدار مجلة (المسرح الحسيني) بكادرها الذي ذكرناه مسبقاً. فيما ذكر في رابعاً، أعماله الشعرية والمسرحية والفكرية المطبوعة كمنجز ابداعي منذ عام 1988 الذي تجاوزت 25 مطبوعاً، و22 مطبوعاً تم طبعهما باللغتين العربية والانكليزية، اضافة الى 6 كتب منها (ما زلت اسعى). في خامساً، ذكر كل الأسماء والصحف والمجلات التي تناولت منجزه الابداعي، ورسائل الماجستير التي أخذت مسرحياته وكتبه كأطروحة فكرية علمية. وسادساً، ذكر 13 عمل مسرحي قدم على مسارح كربلاء وعدد من المحافظات العراقية وبعض الدول العربية . اما سابعاً، تناول 6 مسلسلات اذاعية كتبها بشكل خاص لبعض الاذاعات العراقية وما زال متواصل في عطاه الاذاعي. وثامناً، عد الجوائز والشهادات التقديرية التي منح بها في المهرجانات محلية وعربية ودولية. تاسعاً، جمع المقالات النقدية والانطباعات الفكرية التي كتبها في الصحف والمجلات. عاشراً، دوره في نقل فكره الشعري والمسرحي 12 فضائية عراقية اجرت معه لقاءات منفردة. ويختم (ما زلت اسعى) بصور لمراحل حياتية اضافة الى قصيدة كتبها قبل نصف قرن ونشرت في مجلة الف باء العراقية.

بذلك يريد ان يؤكد (رضا الخفاجي) بعد نصف قرن انه صالح للقراءة . فهو حقاً لون خاص من ألوان الشعر الحسيني ونمط من أنماط التجربة المسرحية الحسينية على الرغم من أنه كان بارزاً منذ عام 1988 بمجموعته الشعرية الاولى (فاتحة الكرنفال).. فهو شاعر انساني، روحاني حسيني بامتياز.. (ما زلت أسعى) مسيرة نصف قرن في الشعر والمسرح الشعري والدراما أخر اصداراته عن دار الرقيم للنشر والابداع في مدينة كربلاء المقدسة. 

 

حيدر عاشور