محمد عرفات حجازيخلال منتصف شهر مارس سنة 2020م، خرج العديد من الناس في مسيرات تظاهريّة، في العديد من المدن والعواصم العربيّة، ضدّ فيروس كورونا. لم تخل تلك المسيرات من دلالات عميقة، حتى قال البعض: الخوف يسبب الجنون..

كانت مدينة الإسكندرية المصريّة الأوفر حظًّا من بين جميع العواصم والمُدن العربيّة، وفيها تنوّعت الشّعارات، إلى جانب الشّعارات التهكّميّة التهكُّمية. ففي الوقت الذي خرجت فيه الجموع مُهلِّلة ومُكبِّرة في الشوارع، جاءت شعارات الثورة الموازية، على الفضاء الالكتروني، أكثر ثراءً، وسادت إفيهات من قبيل: قول متخفشي الفيروس لازم يمشي؛ يا اللي ساكت ساكت ليه جبت كحولك ولا ايه؛ بالطول بالعرض هنجيب كورونا الأرض؛ يا كورونا يا جبان يا عميل الأمريكان؛ ارحل يعني امشي ياللي مبتفهمشي؛ يسقط يسقط حكم الفيروس؛ وغيرها..

وخلال المُظاهرات الواقعيّة، قام البعض بصُنع عَلَمٍ لكورونا ثمّ أحرقوه في منطقة محطّة الرمل، بمدينة الإسكندرية، كذلك فقد خرجت النّساء بالزغاريد من البلكونات، لدرجة سخر معها أحدهم: إنّها حنّة الكورونا..

وأمام ذلك المشهد الذي يشي عن تدهور الأحوال النفسيّة، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، يجدر بنا استدعاء الفيلم المصريّ (النوم في العسل)، والذي قد يكشف لنا، على أقلّ تقدير، عن بعض اختلاجات النفس في ذاك الفعل..

تبدأ أحداث الفيلم بحفل زفاف عروسين، جمعهما الحبّ والتّفاهم، ومع إشراقة فجر يومٍ جديد؛ يضع العريس، بطريقة مأساويّة دامية، حدًّا لحياته؛ ليتخلّص من وجوده الذكوريّ المهزوم أمام أسباب مجهولة، على قضبان إحدى السكك الحديدية.

تدور حبكة الفيلم حول وباءٍ مجهول يُصيب الرجال مُسبّبًا العجز الجنسيّ، كرمزٍ للتعبير عن إحباط المجتمع ككلّ. يظهر فيه العميد مجدي نور (عادل إمام) رئيس مباحث القاهرة، الذي يبدأ يومه بحادثين غريبتين؛ سبّاك يذبح زوجته في نوبة غضبٍ هستيريّة، تلت حادثة العريس المُنتحر. وخلال لحظات، غصّت ساحة قسم الشرطة بعشرات الأزواج المتناحرين، وفى مشهد ميلو درامي كبير، يتوسّط مجدي الجمع مُعلنًا: "أنا عارف إيه اللى حصل.. الرجالة ما عرفتش". وخلال مُحاولته إيصال القضيّة للمسئولين، يُنكر وزير الصّحة الأمر تمامًا؛ خوفًا من المُواجهة، بل ويرفض أعضاء مجلس الشّعب استمرار النقاش؛ لعدم الجدّية.

بعد يوم شّاق، يعود نور إلى منزله ليكتشف أنّ الوباء المجهول قد طاله، وتبدأ الكوميديا السوداء بتولّيه التّحقيق في أمر الوباء. تتوالى الأحداث، يلتقي مجدي بوزير الدّاخلية الّذي يطلب من منه تحرّيات وحقائق ثابتة. ولأجل رصد حالة الشّارع، معرفة أحوال النّاس، وقياس التّأثير السلبيّ؛ ينتقل رئيس المباحث لأحد بيوت الدّعارة، وهناك تُخبره صاحبته: "ده زمن الكلام مش الأفعال". ويُنصت للخطاب الدّينيّ، بنوعيه، فإذا به يُطالبنا بالاستغفار والتّوبة؛ كون آلامنا ومصائبنا إنّما نزلت بنا لإثمنا وظُلمنا. ويمرّ بعطّار يبيع خلطة سريّة (من الفول السوداني وجوزة الطيب والجنزبيل والقرفة) يُوهم بها الناس أنّ لها مفعول السّحر، وينتهي به الحال عند دجّال يبيع للناس "ريش دجاج" بـ 20 جنيه. أمّا العيادات، فقد غصّت برجال منكوبين أمام ذكورة تتسلّل من بين أيديهم..

لقد وجد مجدي نور نفسه أمام جريمة قتل جماعيّ؛ إذ يعيش الشّعب حالةً من الفتور، وانتابهم إحساسٌ بالعجز، بالانكسار، بالخمول، بالكسل، بالرّكود، بموت الرّغبة في الحياة، بانعدام المشاعر، بفقدان القّدرة على الفعل، وأمام ذلك الموت والفقد اللّعين، الّذي لا جنازة له ولا نعي، واندثار كافّة الغرائز إلا الأكل كالخنازير، وجد رئيس المباحث نفسه أمام قضيّةُ أمنٍ قوميّ، وإحباطٍ عام، رآها الطبيب مُتعدّدة الأسباب، منها: البرامج التليفزيونيّة، الجرائد، سماع الأكاذيب، والخوف من المُستقبل المجهول. وأمام تلك المعيشة السيّئة، وارتفاع مُعدّل الجريمة، وموت الإرادة، فقد تمثّل الحلّ: العلم..

وإزاء العقل الشعبيّ المُتمسّك بالوهم والحلول الخُرافيّة، ووزارة الصّحة والبحث العلميّ المُنكرة للوباء، ومنع نشر تفاصيل الموضوع في الصّحف، وحالة الانقسام داخل البرلمان فيما يخصّ مُناقشة القضيّة ـ والتي انتهوا إلى غلق باب مُناقشتها قائلين: حتى لو ثبت وجود حالات فلا يعني ذلك وصولنا لمرحلة الوباء، والحلّ العبثيّ الّذي قدّمه وزير الصّحة في خطابه الارتجاليّ، وتشكيكه في إمكانيّة اكتشاف ضابط للمرض، واتّهامه إيّاه، بصورة ضمنيّة، بالفسق وترويج الإشاعات، وقرار نقل مجدي من جهاز المباحث؛ انحاز الضابط لصفّ الشّعب، لتلك الملايين الّتي اعتقدت أنّ الحكومة هي سبب مُصابهم لأجل تحديد النّسل، وخرج بهم في مسيرة حاشدة، انتهت، بل بالأحرى ابتدأت أمام البرلمان حيث النوّاب والوزير المُتجاهل والضّارب بهويّة وكرامة وطنٍ عرض الحائط.. إنّها مسيرة آاااه..

آهٍ المُعبّرة.. آهٍ الصامتة الفاضحة.. آه الأنا المُتألّمة.. آهٍ الموجوعة. تلك (الآه) التي مزجها، ببراعته الفائقة، عمرت خيرت، بموسيقى حزينة مُتفائلة أعادت الحياة لآلامنا، لآمالنا، لأوجاعنا، لدرجةٍ لن تصمد فيها أمام دموعك المُختلطة. إنّها كوميديا شريف عرفة السّوداء، الّتي تسلّلت إلى المشاهد وجعلته يتساءل، جعلته يضحك كثيرًا ولكنّه ضحكٌ من نوع آخر، ضحكٌ تليه لحظة صمتٍ عميقة تنقله إلى واقع أليم: حكومة ضعيفة، ومسئولين فاسدين، وإسلاميّين يصطادون في الماء العكر، وقبل كلّ هذا ـ أو بعده ـ شعب غرق في الجهل والظّلم والفقر.

إنّها "آه" رمزٌ لطلب الخلاص لكلّ هؤلاء الذين عانوا ولم يُسمح لهم بالتعبير عن آلامهم، وربّما، هي ما استدعاها شعبنا من ذاكرته؛ مُعبّرًا بها عن قلقه ومخاوفه حيال الجائحة، واحتماليّة تجاهل الدّولة له.

وأخشى، ما أخشاه، أن يبقى شعبنا العربيّ نائمًا في العسل، وألّا يُراجع حساباته، ويختبر قوّة إيمانه، ويتعامل مع هذا الوباء من باب أنّه آية وقدر واختبار، وألّا يستفيق من غفوات الماضي..

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية وعلوم المجتمع ـ مصر

 

مع اصدار اي كتاب ما زلنا نعاني من وصول الكتاب او المطبوع الى القراء "الجمهور" تعتمد اكثر دور النشر العربية على معارض الكتاب التي تقام سنويا في الدول العربية وهناك شروط على دخول الكتب والمطبوعات تختلف من دولة الى اخرى او المشاركة بهذه المعارض .معارض الكتب اهم المنافذ لبيع الكتاب سواء بالتجزئة او الجملة، وتتيح كذلك الفرصة للاتصال المباشر بين الناشرين ومنافذ البيع "اصحاب المكتبات الخاصة والعامة" .

وهذه عملية خاسرة يتكبد المؤلف نتائجها لان عدد النسخ المباعة لا تساوي او تسد عملية نشر وتسويق الكتاب او المطبوع .

المصادر الاعلامية  نادرة المخصصة لكيفية تسويق المنشور او الكتاب واهم ما يسبق ويعقب صدور الكتاب او اي منشور او مطبوع اخر وما هو الفرق بين التسويق والدعاية؟ التسويق يحتاج الى ميزانية مالية تتطلبها عملية تسويق المطبوع اما الدعاية لاتحتاج الى ميزانية مالية وهناك رأي ان الدعاية كذلك ذات تكلفة مالية ومبرر الفرق ان الدعاية اختيارية رغم ضرورتها اما التسويق فهو اجباري لوصول المطبوع الى منافذ البيع .

التسويق

المصادر المتوفرة لديناجميعها غربية تعطي الاولوية لما يعرف اعلاميا "تحديد جمهور الكتاب" وكيفية الوصول اليه وتقترح جملة من الاقتراحات للوصول الى جمهور الكتاب تعتمد بعضها على ارسال نسخ من المطبوع الى وسائل الاعلام، ويعد هذا النشاط ضمن جهود الدعاية التي لا تحتاج الى ميزانية مالية . والمراجعون او "المحررون" في وسائل الاعلام التقليدية والانترنيت وتسمى هذه العملية التي من الممكن ان يقوم بها المؤلف او الناشر على السواء : "البراهين". والتسمية اعلاميا وعربيا تعني "اثبات حضور المطبوع او الكتاب" .     

ثم يلي ذلك تحديد الجمهور الرئيس وهذه العملية الاهم تشترك بها كلا العمليتين التسويق والدعاية باعتبارها الهدف الاساس . وتحديد منافد البيع  .

اما ما يعرف بالدعاية العامة فيمكن استخدام المواقع الاكثر شهرة لترويج المنشور او المطبوع كـ فيسبوك وتويتر ولنكودين وانستغرام وسواها من المواقع التي يكثر فيها تواجد الجمهور على مدار الساعة.

واتاح العالم الرقمي وسائل نشر الاعلانات على شكل مقاطع فيديو او يوتوبي "YouTube" وما الى ذلك من وسائل اعلام مسموعة ومرئية .

 وفي احدى الرسائل الاعلامية لصانعي الكتب الرقمية جاء ما يلي "في عصر تهيمن عليه مؤتمرات الفيديو أكثر من أي وقت مضى ، يختار بعض المؤلفين القيام بحدث عبر الإنترنت - قد يأخذ ذلك شكل Google Hangout أو مكالمة زوم جماعية ، أو Facebook Live - مما يساعد على إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول والسماح بالتحدث إلى القراء في جميع أنحاء العالم ".

وهذا يعني الاستغلال الامثل للترويج للكتاب اي اتاحة الفرصة للجمهور للتحدث مع المؤلف عبر "Faesbook Live" h, Googl Hangout" .

او استخدام وسائل الاتصال بالجمهور بشكل مباشر او مقابلة القراء عبر هذه الوسائل الرقمية .

وبعض المؤلفين يضعون الضرائب للاتصال المباشر مع الجمهور وبشروط مالية للمسوق بعيدة وبعيدة جدا عن واقع الكتاب والمؤلفات وحقوق المؤلفين في العراق اوالوطن العربي .

ولي في هذا الموضوع رأي للتخلص من مشاكل التسويق او مشاكل الرقابة على المطبوعات والسماح بدخولها او منعها، اتاح العالم الرقمي وسيلة يمكنها اجتياز هذه العقبات وسواها للوصول الى القراء او "الجمهور" وهو "الكتاب الرقمي" وهناك وسيلتان لنشر الكتاب الرقمي مجانية ومدفوعة الثمن، المجانية ان يتيح المؤلف للقراء الكتاب مجانا على الانترنيت او يعمل للكتاب رقمه الخاص بحيث لا يتمكن القاريء من الوصول الى الكتاب او قراءته قبل دفع ثمنه الذي يحدده المؤلف او الناشر .

 

قيس العذاري

11.7.2020

 

 

عقيل العبودمقاربة اخلاقية بين سايكولوجيا العقل وقانون الفعل الأخلاقي

بايولوجيا السلوك موضوع مرتبط بالنشاط الهرموني الذي يؤثر في حالة الإنسان النفسية.

والسلوك انعكاس لنمط وطريقة التفكير التي يتصف بها هذا وذاك من الناس، وهو رد فعل تجاه موقف، أوحدث، أومشهد اوسلوك إنساني آخر [1].

فالإساءة لشخص معين تؤدي الى سلوك منفعل تسبقه حالة شعور بعدم الإرتياح، وهذا السلوك هو رد فعل عصبي ونفسي يترتبان على اثر تلك الإساءة، وهما استجابة نفسية مضادة لمؤثر سلبي. والسلب هنا مقصود به إنتزاع صفة التوافق المرتبطة بالمزاج.

ورد الفعل موضوع اختصت بمناقشته مادة الفيزياء في موضوع القوى والحركة، حيث وللتقريب نقول ان قوة اصطدام عجلة، بعجلة اخرى يؤدي الى حركة العجلة الأخرى صوب مكان آخر بنفس قوة الفعل الخاص بالعجلة الأولى[2].

وفي علم النفس يتم دراسة تأثير المشاعر الواقعة تحت تأثير الواقع على العقل، والوضع النفسي كونها المؤدى والطريق الى السلوك.

فالإنسان يفرح، ويحزن، ويغضب، ويتألم، يشعر بالخوف تارة، وبالأمان تارة اخرى، وكل ذلك يتأتى بنتيجة تفاعل هذه المشاعر، وهي الشعور الناجم عن التفاعل الحسي الذي يرتبط بالمنظومة الحسية، والمقصود بها الأحاسيس الخمس، والتي تشتمل على السمع، والبصر، واللمس، والشم، وحاسة التذوق.

وهذه الاحاسيس مرتبطة مع منظومة الجهاز العصبي الذي يشتمل على الجهاز العصبي المركزي، والجهاز المحيطي.

والعقل هو عبارة عن مصنع العمليات التي يقوم بها الدماغ، وهذا الدماغ يتأثر بايولوجيا ب بالغدد والأعصاب[3].

حيث ان هنالك تأثيرات سايكولوجية مرتبطة بالواقع تؤدي الى تأثرات عصبية بايولوجية نفسية سلوكية.

فالمصاب باضطراب في الغدد الصماء مثلا قد تكون أصابته ناتجة عن استجابة سلبية لوضع نفسي معين.

وخلاصة ما تقدم ان سلوك الإنسان سواء سلبا، أم إيجابا هو تعبير عن واقع قد يكون متفقا، أو غير متفق مع حاجيات الإنسان الفطرية وما يسعى إليه، وقد يكون هو التمرد على سلوك نتيجة لعدم التوافق بين الإرادة والواقع.

ولكن بقي ان نعرف ان هنالك عقلا عدائيا ينتج عنه سلوكا إجراميا، وهذا السلوك هو نتيجة افرازات حسية اواضطرابات سايكولوجية، منشأها تأثير المعتقدات والتجارب السلوكية، والأفكار المتطرفة والتي تفرز دائما أفعالا انتقامية تسوق الى عالم الجريمة وهذا ما سيأتي بحثه لاحِقا في موضوع الجرائم وأنواعها[4].

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان جامعة سان دييغو

باحث اجتماعي

..........................

هوامش البحث:

- https://ar.m.wikipedia.org/wiki/قوانين_بافلوف

- قانون نيوتن الثالث باب الفعل ورد الفعل: https://ar.m.wikipedia.org/wiki قوة_رد_فعل_الأرض

- https://mawdoo3.com/ما_هو_الجهاز_العصبي

- https://www.mohamah.net/law/أنواع-الجرائم-و-تقسيمها-حسب-القانون/

 

 

زيد الحليقبل انتقاله الى رحاب السماء في 13 تموز 1995 بسنتين، كان د. علي الوردي، ضيفاً على اللجنة الثقافية في نقابة الصحفيين العراقيين التي كنتُ أرأسها .. امتلأت القاعة التراثية في مبنى النقابة في منطقة العيواضية في رصافة بغداد .. بضيوف كان اكثرهم من غير الصحفيين .. تباين الحضور بين اساتذة الجامعات وطلاب كليات الاجتماع ومن محبي الوردي .. لم تسع كراسي القاعة لجلوس من حضر، فكان الوقوف، واللهفة لسماع الوردي هي الاهم عندهم .

قدمتُ د. الوردي بما يليق من كلمات الترحيب، وحينما جئت على كلمة (رائد علم الاجتماع) رفع يديه، ومسك الميكرفون قائلا: (انا باحث في الشأن الاجتماعي العراقي، ولستُ رائداً .. فقبلي كثيرون) .. ثم أكمل الحديث، دون ان يتيح لي فرصة التقديم، فعرج الى القول انه تأثر بالكامل بطروحات ابن خلدون (ولد في تونس 1332 توفي 1406م) وانني اعتبره منظراً حقيقياً، ودارساً متمعناً للمجتمع العربي والاسلامي، فهو يمثل بطروحاته شكلاً من أشكال سوسيولوجيا المعرفة، وشخصياً وجدتُ تقارباً في رؤاه مع المجتمع العراقي، فجعلته موضوعاً لأطروحتي للدكتوراه ..

بعد حوار، طال على المعتاد، انتهى .. وبدأ محبو الوردي، التقاط الصور معه، أحسستُ انه تعب بعض الشيء، فرجوته ان يرتاح قليلا في مكتبي بالنقابة .. استجاب مبتسماً، جلسنا سوية، وكان معنا تلميذه الزميل سلام الشماع، الذي رافقه الى النقابة، سألته : دكتور، هل ما جاهرت به في كتبك : مهزلة العقل البشري، وعاظ السلاطين، خوارق اللاشعور، أسطورة الأدب الرفيع، الأحلام بين العلم والعقيدة.. تمثل رؤاك الحالية، في الزمن الراهن .. بعد برهة اجاب : (نعم) واضاف : ليس عيباً، ولا دليل ضعف حين يرى المرء ان تغييرا مجتمعيا حصل، دون ان يعترف به، بل هو دليل النضج وعدم المكابرة، وقال ضاحكا ان الفيلسوف الالماني نيتشه قال مرة ان "الحية التي لا تغيِّر جلدها تهلك، وكذلك البشر الذين لا يغيِّرون أفكارهم تبعاً لغيير الزمن يهلكون " لكني ارى ان تغيير الافكار شيء وتغيير الآراء شيء آخر، واعاد عليّ كلمته الشهيرة (الأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام. والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة، هو كمن يريد أن يحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد)

واجابات الوردي، على اختزالها، تؤكد ان الرأي لا يصاحب الانسان منذ يفاعته، وحتى بلوغه السن التي تمتلأ بالتجربة والقراءات، فسعة الاطلاع، هو عبارة عن تطور طبيعي لمفكر يعمّق أسئلته أو أجوبته أكثر فأكثر كلما نضج حياتيا وتقدم في العلم والمعرفة والعمر.

ان د. الوردي، الذي نستذكر ذكرى يوم وفاته الاثنين المقبل هو أول اسم شغل الناس في العراق، منذ خمسينيات القرن المنصرم، حتى بات يشكل علامة فارقة في حياة العراقيين، من خلال كتبه وطروحاته المثيرة للجدل، وآخر اسم بهذا المقياس في نفس الوقت، فلم يحدث أن ظهر بعده اسم في الرؤية المجتمعية، معمقا روح البداوة وازدواج الشخصية، وبذلك أحدث تغييرًا جذريًا في مفهوم الاسم الاهم ممثلا بالكاتب الذي استطاع ان يجعل القاعدة العريضة من الجماهير أن تتوحد معه وتجد فيه نفسها.

 

زيد الحلي

 

صادق السامرائيالأمم تحقق نصرها بقائدٍ قارئ، أي لديه علاقة وطيدة بالكتاب، ومَن لا يقرأ ويتعلم كل يوم لا يمكنه أن يقود.

الرئيس الصيني ماو من أبرز القادة القراء في التأريخ، وكان شاعرا مفوها ولشعره صوت ثوري يقظوي مدوي في أرجاء المجتمع الصيني، ويُحكى أن جمال عبد الناصر كان قارئا نهما.

فالصين صنعها القائد القارئ، وكان صديقي الصيني يحدثني عن إدمان الرئيس ماو على القراءة، وأنه كان زاهدا في عيشته ولا يعرف سوى أن يقرأ ويتعلم طوال حياته، ومن قراءاته كان يتنور ويرتقي إلى مستوى إتخاذ القرارت النوعية القادرة على إستنهاض الصين، وكم كرر لي " أنه أعاد تصنيع عقولنا وتركيبها بأسلوب مغاير لما كانت عليه".

الرئيس ماو أوجد الصين وأحدث ثورة ثقافية قاسية فيها ترافقت بأخطاء وخسائر كبيرة، لكنها أنتجت رؤى ودروسا ذات قيمة حضارية معاصرة، أخذت بالصين إلى مواطن العلاء الإبداعي الأصيل، فتصدرت الدنيا في إبتكاراتها وتصيعها.

فالثورة المعرفية أو الثقافية الشرسة هي التي زعزعت العقول وأعادت ترتيب آليات تفكيرها، ومنحتها قدرات التفاعل والإنفتاح العلمي المنير.

ولولا إيمان الرئيس ماو المطلق بالمعرفة وأهميتها في صناعة القوة والإقتدار، لما تمكنت الصين من الوصول إلى ما هي عليه اليوم من تفوق في كافة الميادين.

وما يميز قادة الدول العربية، أنهم لا يقرؤون، وقد قالها الرئيس ماو بوجه الرئيس جمال عبد الناصر عندما طلب منه النصح فابتسم وقال له ما معناه: " أ تطلب مني النصح وأنت في أمة لديها خلاصات الأفكار والعلوم والتراث الكبير"!!

وكلما تصفحت كتب التراث العربي، أدرك بأن قادتنا لا يقرؤن، وأنهم في عمه وتيهان في ظلمات الأيام.

فلو إطلعوا على كتب التراث بصنوفها المتنوعة وحِكمها الرائعة ووصاياها الثاقبة، لتمكنوا من قيادة الأمة والوصول بها إلى آفاق الرقاء والنماء الأصيل.

لكنهم لا يقرؤون؟!!

ولماذا لا يقرؤون؟!!

فإلى متى سيبقى قادتنا على تلّ الأمية ويتوهمون بأنّهم يعرفون؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد السلام مسعوديالإنسان كائن حبري بإمتياز

-2-

الامتياز في تميز المدونة الحبرية للإنسان على مدونة بقية الكائنات

-3-

المدونة الحبرية هي الوسم الذي يعلن انتصار الجروح على قوة الروح

-4-

في التدوين تدمير وفي التدمير تفقد الإنسانية إنسانيتها

-5-

الاستئناس بإنسان الحبر هو استئناس بتزييف الحقيقة

-6-

الروح ملاذ الكائن العابر لمدونته الحبرية

-7-

من الجروح نجترح مدونة القصاص – من الروح نجترح مدونة الخلاص

-8-

خطيئة الإنسان في عدم تخطيه لخطيئة النص

-9-

النص في آخره تناص، والتناص ملحمة الكائن الذي أهدر طاقته في الفراغ

-10-

الروح تشحن الفراغ قبل أن يتفرغ الكائن لتدوين ملحمة الوجود

-11-

لن يجد الإنسان ضالته وهو قد تظلل بضلال رسمه الحبري

-12-

الوجود لا يوجد بل يمتد في رسم العقل، وإن وجد فهو يمتد في رسم معتقل

-13-

الإنسان يجد في الذود عن وجوده والنص يمتد في نسف ذلك الوجود

-14-

الكائن يسكن النص – في تقمص خارج كونية القصص

القصص تسكن الكون قبل تدوين النص

-15-

الخارج من النص صانع للقصص

-16-

الداخل للنص ناسف للقصص

-17-

الإنسان تفاصيل لسرد من القصص خارج النص

-18-

من البدء تاهت الحروف وأحترفت تحريف قصص صانع النص

-19-

المدونة الحبرية مدينة بحياتها للنص

-20-

مدونة الإنسان مدينة بحياتها للقصص

***

عبد السلام مسعودي – كاتب تونسي

 

 

محسن الاكرمينغير ما مرة كنت أبقي كل الأحداث حية في مخيلتي كتابة، رغم أن تلك الأحداث قد تكون اكتسبت موت الانحلال بين مشاهد ومسامع جسدي. قد أكون أعيش فزع كتابة الخوف من لحظات تاريخية متكررة في حياتي، ويمكن أن يشفع ضيق تأسف تذكرها بسمة عابرة ولحظية، مرات متتالية أكون أبحث عن التغيير الفارق في تحصيل قلب نمطية مصفوفات الحياة، مرات كثيرة تنتاب عقلي جزئيات أحداث غير مدونة قد تنتهي بسؤال، لماذا أنت مندفع نحو توثيق أحداث تاريخية مهما كانت معاناتها وشدتها على الذات والآخر؟.

نظرت إلى مؤثثات مكتبي فوجدت قلم الرصاص  يلازم الصمت والسكوت وحتى الخمول. فرغم أني أحسن به الكتابة خطا وأعامله برفق المبراة، فإنه لم يترك لي اليوم فرصة لصناعة كتابة الثرثرة. اليوم قد حطمت رأسه مرارا من شدة ضغط نفسي متنام من السؤال، وضغط عليه كي يحسّن لغة الكتابة ولا يصمت. قد يصنع حواجز الكتابة بالحق حين ينكسر رصاصه، ويصيرني إلى الهوان، ولما حتى وضعية إعاقة في إنجاز تمرين تخطيط الأحرف السوداء. لكن أشفق حنانا على لونه الأسود في الرسم والتخطيط المعرض للضبط، أفرح أنه لا يولي للعنف متسعا من الحروب، ولا للحقد وضعية متنامية، ولا للكراهية قيمة نفعية، ولا للانتقام عنوان حياة من التاريخ غير الحادث. في مناوشة لصديقي قلم الرصاص والذي يحمل عنوة ممحاة مثل عمامة فقيه متشيع، تساءل بكلام من قاموس المتصوفة وهو بين أناملي منتصب القامة، تساءل ببراءة وعفوية غير محرجة، هل سبق أن شعرت أنّ حياتك تتغير بتنوع علامات تشوير الاتجاهات؟.

الآن، أحسست أني رأيت وجها آخر من رداد  صوت الإنسان المتحول في حبر قلم الرصاص الثابت، رأيت فيه تحديا وتطاولا حضاريا في الكلام المباح، فمن منا يستطع أن يجب عن هذا السؤال المدلل بالترديد؟ لم أكن أعلم أن قلم الرصاص برأس عمامة ممحاة فقيها أصوليا يحاورني في سنة الحياة والموت، والذي كنت أستعمله طيلة كتاباتي كمستشار رفيع القرار، هو نفسه اليوم حين يأمرني بفعل أمر متعد و قال: تخل عن خوفك الآن وليس غدا، ثق بذاتك وبقوتك وبأفكارك، انس قلقك وجهدك الفارغ في تلاطم العبارات الشحيحة والحاقدة، لا تنس حاجيات نفسك بالكفاية، انجح من أجل نفسك، لا شيء يدوم إلى الأبد ولا أحد اخترق قلب القطيع ، وختم نصائح الفقيه هي التجارب قد علمتنا أن الحياة أنثى وولود بالكلمات.

لم تنته تلميحاته المشفرة وتمرير الصور البلاغية السريعة، حتى حركت مخيلتي رياح نفض غبار التقادم عن كلماتي، ولأترك ما هو عرضي وأجيب بجهر الكلام، وبلا رفاهية تدليله واستعماله على الورقة البيضاء بالكتابة تعسفا. حينها تساءلت: عن أي حياة تتحدث؟ وحياة من؟ لكن قلم الرصاص آثر استعمال عمامة ممحاة المفتي وعمل لزاما على محو كل كلمات "حياة من؟" حتى رمز علامة الاستفهام أعدمها رجما بالموت، وقد ترك لي حرية الإجابة عن سؤال "عن أي حياة تريدني أن أتحدث عنها؟".

لم تكن إجابتي تخصه بالتخصيص بل عومت المسارات، فقلت: فإن كانت تلك الحياة التداولية بين الناس، فبئس العقد والتعاقد على ترسيم الفوارق. تلك الحياة الفقيرة من المشاعر وروح السعادة و غياب حلم الأفق، فما أسوأ الوجود في المستقبل الحارق. تلك الحياة التي تبقينا أسيري ماضي المستنقع غير المقدور على تخطيه بأمان، فلن تلزمنا مجاديف سفينة سيدنا نوح للإنقاذ البشرية وتوابعها بالنجاة والخلاص. تلك الحياة التي تمثل الزهرة الحمراء و تحمل شعلة الدمار وتحرق في لمساتها الوجود، فلن أحتمي بها بردا و حتى في وحدتي لن أمنحها ثقتي مهما كان الدفء بجنابتها. تلك الزهرة الحمراء التي تمثل قوى الشر الحارق في نعومتها ولونها المتوج بين الاصفرار والاحمرار، فنعم المقاومة وماء الإطفاء وصدق تخطيط المقاصد.

في غفلة مني وجدت أن قلم الرصاص ورفيقي في مشقة الكتابة اليومية قد دون كل كلماتي بالتنوع والتتابع، قد منحني نقطة امتياز دون أن يصحح أخطاء تركيباتي، وجدته قد أشعل نور لغة التفاؤل وعيش الحاضر والتفكير في النجاح كجهد جماعي، وجدت صديقي قلم الرصاص في طوله الأنيق قد رمى كليا عمامة الممحاة وصنع بسمة على الورقة البيضاء بلا تعليق لغوي. 

 

محسن الأكرمين.

 

الطوب احسن لو مكواري..

تعرف الاهزوجة على انها نوعا من الاناشيد الشعبية الغنائية، وهزج المغني اي ترنم في غناءه، والهزج بحر من بحور الشعر العربي وسمي كذلك لتقارب اجزاءه، ولايصاحب الاهزوجة اي نوع من انواع الالات الموسيقية، بل تعتمد على المد الطويل للكلمات مع اصدار الصوت الواضح الدال على هذا التمديد.

كما وان الاهزوجة تولد من رحم محيطها وبيئتها متاثرة ومؤثرة بحدث معين القيت لاجله، فهي تتبع اللهجة المحلية "الشعبية" لتؤدي الغرض منها وهو اثارة الحماس بين الجماهير، وتتخذ تسميات مختلفة حسب البلد، ففي العراق مثلا تسمى"الهوسة" ويسمى مؤديها"المهوال"وغالبا مايؤديها الرجال لاشعال الحماس خصوصا في الظروف الاستثنائية كالمظاهرات والحروب.

والاهزوجة فن ادبي عربي قديم له جذور في الاسلام وماقبل الاسلام، بل ان العهد السومري تميز بوجود الاهازيج وهذا ما تؤكده الوثائق المكتوبة التي وصلتنا، ومنها ماذكره عالم الاثار العراقي فوزي رشيد عن الملك السومري "كوديا"وعلاقته بالاهازيج.

والاهزوجة بشقيها الجاد والساخر تعتبر جزء من الشعر الشعبي او العامي المرتجل ويسمى كذلك "زجل "او"الحداء" حسب البلد ويكتسب قوته من مؤديه ثم تسلقه الالسن وتتوارثه الاجيال، وقد كان الانسان البسيط يستخدمه في مواسم الزراعة والحصاد والقحط وكسوف الشمس او خسوف القمر حيث كان الناس يرددون وقت الخسوف والاطفال كذلك وهم يطرقون بايديهم عل الصفيح مرددين

ياحوتة يامنحوتة..هدي كمرنا العالي..(لاعتقادهم ان القمر قد ابتلعه الحوت)..وغيرها من الاهازيج التي لازال الاجداد وكبار السن يروونها بشيء من الحنين.

وللاهزوجة قوة حماسية تؤثر بمشاعر الناس وتشحذ هممهم فهي تؤدي دورا كبيرا له اهميته على المضي والاستمرار..

تمر هذه الايام ذكرى ثورة العراق الكبرى"ثورة العشرين" ضد الاحتلال البريطاني الذي كان مخيما على العراق بكل مايحوي الاحتلال من مطامع استعمارية وتعسفية تنخر جسد البلد المحتل.

انطلقت الشرارة الاولى للثورة عندما قام الحاكم البريطاني "ليجمان"باستدعا ء وسجن "شعلان ابو الجون" رئيس عشيرة الظوالم، ومحاولة ترحيله عن طريق القطار لانه بات خطرا على المحتل بسبب افكاره الرافضة للاحتلال.

ومن المعروف ان ثورة العشرين سبقتها عدة محاولات و ثورات في عموم العراق كثورة النجف وبغداد لكنها جوبهت واقمعت بالقوة.

والسؤال هل كانت ثورة العشرين ثورة عشوائية وليدة لحظتها!!

لا ابدا لم تكن الثورة عشوائية بل كانت على درجة من التنظيم والوعي بمسؤولية القضية التي ادارها علماء دين ومثقفين ورؤساء عشائر تميزوا بالحكمة والقدرة على ادارة الرحى مع قلة العدة والاسلحة مقارنة بجيش عتديد مسلح هدفه اصلا الاحتلال، فالامر لم يكن هينا ابدا، بل كان يمتاز بالجدية العالية والقدرة الكبيرة على بذل كل شئ في سبيل انجاح الثورة .

استمرت الثورة خمسة اشهر تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر فادحة في الارواح والمعدات، ورغم عدم التكافؤ بين الثوار الذين لم يكونوا يمتلكون غير اسلحة بسيطة وقليلة وكان لل"مكوار" دور الريادة في القتال وهو عصا غليظة راسها من القير الصلب، والفالة وهي الاداة المستخدمة لصيد السمك مقارنة بعتاد الجيش البريطاني من طائرات ومدافع واسلحة متطورة.

استخدم الثوار طرقا ستراتيجية دقيقة لتضليل المحتل وكان الهجوم من اربع جهات يبدا من غروب الشمس ويستمر طوال الليل، وبسبب الظلام فقد كان المحتل يرمي بصورة عشوائية دون ان يكون له تاثير، وهنا برز احد المقاتلين زاحفا محتميا بالظلام حتى وصل الى المدفع فوثب على الجندي وقتله ثم اعتلى المدفع واطلق هوسته المشهورة (الطوب احسن لو مكواري) والتي كانت رمزا فاعلا ومؤثرا في صفوف المقاتلين، خصوصا بعد استشهاده وعمله البطولي الذي كان ولازال حديث الاجيال..

وبعد قتال دام خمسة اشهر اضطر الجيش البريطاني الرضوخ وتغيير سياسته ووضع الخطوات الاساسية لتشكيل حكومة عراقية مؤقتة في 25 تشرين الاول 1920.

وبقي "المكوار"رمزا للبطولة والفداء رغم بساطته فيما تحول

 "الطوب" الى رمز ايضا مستخدما لحد الان لاطلاق اطلاقة الافطار في الشهر الفضيل..

"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين"..البقرة 249

 

مريم لطفي

 

ضياء نافعمارينا تسفيتايفا وفلاديمر ماياكوفسكي دخلا – وبكل جدارة واستحقاق – تاريخ الادب الروسي في القرن العشرين بشكل عام، واصبحا بالذات فصلا متميّزا (بنكّهة واضحة المعالم) في تاريخ الشعر الروسي ومسيرته بشكل خاص . كلاهما ولدا بالامبراطورية الروسية في تسعينيات القرن التاسع عشر، وكلاهما انهيا حياتهما انتحارا بالقرن العشرين في الاتحاد السوفيتي، ماياكوفسكي انتحر عام 1930 باطلاق النار على نفسه وكان عمره 37 سنة، وتسفيتايفا انتحرت بشنق نفسها عام 1941 بعد عودتها من الغرب وكان عمرها 49 سنة (هاجرت تسفيتايفا الى اوربا الغربية عام 1922 مع الموجة الكبرى للمثقفين الروس الذين هاجروا من روسيا السوفيتية احتجاجا على ثورة اكتوبر الاشتراكية، وبقيت هناك طوال ذلك الوقت، ولكنها - بالتدريج - اقتنعت بضرورة العودة الى الاتحاد السوفيتي، وعادت فعلا عام 1939، ولكنها انتحرت بعد سنتين من عودتها).

ماياكوفسكي – كما هو معروف – كان شاعر الثورة الاشتراكية، اما تسفيتايفا فقد رفضت الثورة اصلا، والمقارنة بينهما - للوهلة الاولى - تبيّن طبعا التباين الجوهري لموقفهما من أهم واكبر حدث في تاريخ روسيا آنذاك، فماياكوفسكي يمجّد الثورة البلشفية، وتسفيتايفا ترفضها بشكل واضح وصريح وتهاجر من بلد الثورة احتجاجا، ولكن - مع هذا التناقض الواضح بالموقف من ثورة اكتوبر1917 ونتائجها - توجد بين ماياكوفسكي وتسفيتايفا مع ذلك روابط وعلاقات تستحق التأمّل والدراسة والتحليل، وهي وقائع تناولها الباحثون في تاريخ الادب الروسي الحديث، ونود ان نتحدث عن اهم ملامح هذه الوقائع للقارئ العربي في مقالتنا هذه، اذ اننا نظنّ ان هذه الوقائع غير معروفة بشكل متكامل لهذا القارئ، وربما تساعدنا للوصول الى بعض الاستنتاجات المفيدة بشأن معرفتنا لتاريخ الفكر الروسي الذي غالبا ما نتحدّث عنه – نحن العرب - ونستشهد بوقائعه دون معرفته بعمق، وفي كل الاحوال، فان هذه المعلومات يمكن ان توضّح لنا بعض الجوانب الفكرية في مسيرة حياتنا المتشابكة.

من الوقائع الثابتة والموثّقة (والطريفة ايضا) في تاريخ العلاقات بين تسفيتايفا وماياكوفسكي ما كتبته الشاعرة نفسها عام 1928، اي بعد ست سنوات من هجرتها الى الغرب . لقد وصل ماياكوفسكي الى باريس في تلك السنة، وكانت تسفيتايفا هناك، ونشرت في جريدة روسية كانت تصدر في باريس وهي (يفرآسيا) (اوروآسيا) بتاريخ تشرين الثاني / نوفمبر كلمة قصيرة بمثابة تحية موجهة لماياكوفسكي، وقد جاء فيها، ان تسفيتايفا التقت ماياكوفسكي في الشارع بموسكو صدفة قبيل رحيلها من روسيا عام 1922 وسألته – (ماذا تريد يا ماياكوفسكي ان ابلّغ اوربا عنك ؟)، فقال لها بلّغيها (ان الحقيقة – هنا)، وتكتب تسفيتايفا في مقالتها القصيرة تلك لاحقا، انها عندما كانت في مقهى فولتير بباريس عام 1928، حيث ألقى ماياكوفسكي قصائده، وخرجت لتوّها من المقهى، طرح أحدهم عليها سؤالا، وهو – (ماذا تقولين عن روسيا بعد قراءآت ماياكوفسكي؟) فأجابت تسفيتايفا رأسا، دون ان تتمعن بالتفكير قائلة – (ان القوة – هناك)، اي انها استخدمت – واقعيا - نفس شكل ومضمون جملة ماياكوفسكي، التي ذكرها لها عند اللقاء معها في موسكو .

لم يتقبّل اللاجئون الروس في باريس هذه الكلمة – التحية لماياكوفسكي، التي نشرتها تسفيتايفا، واعتبروها انحيازا للنظام السوفيتي ومواقفه الفكرية، واتخذت الصحيفة قرارا بمنع تسفيتايفا من النشر لاحقا في تلك الصحيفة، وقد كتبت تسفيتايفا رسالة الى ماياكوفسكي بتاريخ 3 / 12 / 1928 حول ذلك، ولازالت هذه الرسالة موجودة في روسيا، وقد تم نشرها . وطلبت تسفيتايفا من ماياكوفسكي في رسالتها تلك، ان يحكي هذه الحوادث لباسترناك وللآخرين عند عودته الى روسيا السوفيتية، وتختتم تسفيتايفا رسالتها الى ماياكوفسكي بالقول – (اني احبكم). هذه الرسالة تبيّن بوضوح ودقّة، ان تسفيتايفا لم تكن بعلاقة جيدة مع اللاجئين الروس المحيطين بها، وربما يمكن القول، انها البداية لفكرة العودة الى روسيا، هذه الفكرة التي ستتبلور بالتدريج لديها، وستنفذها فعلا عام 1939، وهي الخطوة التي ادّت الى نهايتها التراجيدية والانتحار شنقا .

هناك وقائع اخرى في تاريخ العلاقات بين تسفيتايفا وماياكوفسكي، منها مثلا، انها كتبت قصيدتين حوله، الاولى اهدتها له في روسيا عام 1921، والثانية بعد انتحاره عام 1930، بل توجد جملة لديها، وجدوها في مسوّدات احدى رسائلها عندما كانت في الغرب، تقول فيها، ان ماياكوفسكي أقرب اليها روحيا من كل الذين يمجّدون العالم القديم، اي روسيا القيصرية .

لا يمكن الاستطراد اكثر في اطار مقالتنا هذه، ولكننا نقول ختاما، ان تمثال ماياكوفسكي وتمثال تسفيتايفا يقفان الان شامخين في موسكو، وتحولت بيوتهما الى متحفين . صحيح، ان تسفيتايفا عادت الى مكانتها متأخرة عن ماياكوفسكي كثيرا، لان الحكّام لم يرغبوا بذلك، ولكن الشعراء أقوى من الحكّام، وهذه هي الحقيقة الخالدة، التي يحاول الحكّام تجاهلها دائما، ويفشلون دائما ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

حين كتبت عن مجموعة محمد خضير "المملكة السوداء" في جريدة القدس العربي اللندنية في منتصف التسعينيات، أو في تاريخ مقارب كنت في عشرينيات العمر، سألني أكثر من صديق من الصحفيين والكتاب العرب، في المهجر على الأخص، بدافع الفضول أو معرفة المزيد عنه، فأخبرتهم بأنه ليست لدي أي معرفة سابقة به، ولكنه من أبرز كتاب القصة العراقيين والعرب، لا أدعي انه كان مجهولا لدى الاكثرية، ولكن كان المقال بمثابة اعادة لمجموعته المذكورة الى الواجهة من جديد، على الاخص في المؤسسات الصحفية والاعلامية العربية والقراء في المهجر الذي يكاد أن يكون عالما منفصلا عن الاعلام العربي الرسمي الروتيني والممل، ويتمتع بهامش كبير من الحرية، ولا بد من اعادة تسليط الأضواء على الأعمال الابداعية المتفردة أو المميزة.

تناولت في نفس المقال قصته المعنونة :"بصرياثا"، فقد كانت حقا قصة جديدة بعوالمها وبنائها الشبيه بالبناء الهندسي المنظم، ولكن بالكلمات وليس بمواد البناء التقليدية.

 قصص محمد خضير، اضافة الى لغتها المتفردة تمتاز بعوالم مثيولوجيا وشعبية تكون واضحة وأحيانا خفية، اضافة الى بنائها الهندسي المتفرد، ولكن الطبيعي أو غير المفتعل، سواء مخطط له بعناية او بشكل عفوي، وحين تبدأ بقراءة المجموعة تستحوذ عليك لدرجة تنسى العالم الخارجي المحيط بك وتنغمس في عوالم القصص.. وعند توقفك عن القراءة تحتاج الى وقت اضافي للتخلص من تأثير القراءة، لأن كل قصة عالم بذاته تحتاج الى استكشافه بعيدا عما يحيط بك من عوالم مختلفة مقاربة معها او متوازية او متناقضة او بعيدة عنها .

ووردت لدي فكرة اعتبرها غريبة ان "المملكة السوداء" ممكن أن تكون رواية على درجة عالية من التفرد، لأن شخصيات المجموعة أكثرها تنتمي إلى الوسط الشعبي إن جاز التعبير، فأجواؤها مشحونة ومميزة تختلط بعوالم ميثولوجيه بشكل عفوي او منظم احيانا سواء في السلوك أو المقتنيات أو الأفكار أو حتى في الأماكن والبيوت التي تقيم فيها وتدور احداث القصص فيها .

وعادت لي تلك الفكرة  بعد ان قرأت قصة "بصرياثا"، كان معمارها او بنائها عملا متفردا هو الآخر، يصلح لعمل روائي على درجة عالية من الاتقان، اخذت منه المشاهد الوصفية والخيال وهندسة المكان مساحة كبيرة من القصة بحيث اصبح دور الشخوص احيانا ثانويا في القصة.

حين نطالع الان ما هو سائد من رثاثة وتراجع في ثقافتنا نشعر باننا بحاجة الى التوقف ولو قليلا عند الاعمال الأدبية المميزة التي تركت أثرا كبيرا في الحياة الادبية العراقية والعربية واساليب الكتابة والتقنيات الجديدة في الكتابة التي ادخلت فيها منذ الستينيات حتى الان رغم اتساع رقعة النشر والتسويق سواء للكتب او المجلات اوالجرائد، وظهور ما يعرف بمواقع التواصل على الانترنيت لانها لعبت دورا سلبيا وايجابيا في نفس الوقت لسهولة النشر والانتشار من خلال هذه المواقع والتسويق لاعمال هابطة وليست بالمستوى المطلوب واحيانا لا تستحق القراءة .

 

قيس العذاري

 

عقيل العبودالصمت معناه عدم الكلام، وليس عدم التفكير، وهذا معناه ان في الصمت مساحة من التفكير، لدى من يفهم في فن الإصغاء.

وهذه المساحة قد تكون طريقاً لإكتشاف معلومة جديدة، اوالبحث عن فكرة جديدة. ومن المناسب أن الكلام يقطع الصمت، كما يقطع التفكير، وفي الأمر نسبة، وتناسب.

 فإن كان للكلام أهمية تفوق أهمية الصمت، فهذا يوجب قطع الصمت، والعكس صحيح.

وهذا الأمر مهم في موضوع المناسبات، والمناسبات تعني فهم أوإدراك درجات النسبة، والتناسب في الأمور والقضايا. 

ففي وصفنا لحضور صديق الى محفل معين، نقول انه يحضر في المناسبات، أو أنه لا يمكن رؤيته إلا في المناسبات، أو أن فلانا لا يتكلم إلا في المناسبات.

وهذا مفيد في تعريف أهمية المناسبة ونوعها، فللأحزان حضور، وللأفراح حضور، ولكل مناسبة حضور، وكلمة حاضرة، ومتكلم.

من هنا يمكننا القياس بأن للصمت حضور، مثلما للكلام حضور، ولكن بقي أن نعرف أن في حضور الصمت كلام، بينما في حضور الكلام موضوع يحتاج الآخرون الإنصات إليه هذا أن كان مفيدا، إما إذا كان ثرثرة، اوتكرارا فلا مبرر للإنصات إليه.

 والسبب هنا يعود إلى أهمية الزمن، وهذه الأهمية هي شرط في إنشاء معادلة النسبة، والتناسب.

وخلاصة الكلام، هو أن حياتنا دائرة يتقاطع فيها الصمت مع الكلام، وهذا التقاطع مفيد في رسم خطوط علاقاتنا مع الواقع ذلك بموجب معرفة مناسبة الصمت، ومناسبة الكلام، والزمن هنا هو المسافة التي تجمعنا جميعاً لكي ننصت تارة، نفكر أخرى ذلك لنتكلم معلنين عن حضور غائب.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان

باحث إجتماعي: سان دييغو  

 

صادق السامرائيللشعر صوت هادر وفعّال في حياة الأمم والشعوب، ولا يخلو جيل من صوت شعري يمثله، فالشعر مرآة ذات الأجيال، والمسكوب مما فيها من التصورات والرؤى والأفكار.

والشعر صوت العرب منذ أقدم الأزمان، وسيبقى مصدّحا في نهر الأجيال، ولن يخفت أو يفقد صداه ودوره في صناعة الحياة.

وما يواجهه العرب أن الشعراء المعاصرون قد إنكسروا وتعثروا، وانغمسوا بالبكائيات والنواحيات والإمعان بتقليل قيمة الأمة ودورها في صناعة الحياة.

فالسائد في القصائد أنها تجلد الذات، ويخيم عليها الندب وذرف الدموع والبكاء الشديد على تردي الأحوال وسوئها الدوّار.

ومفرداتها تعبّر عن اليأس والقنوط وفقدان الأمل بالحياة، وبإستحضار ما يؤنّب ويعذّب ويدعو إلى الحزن والشقاء.

وتخلو معظمها من مفردات الإقدام والتحدي والرؤية المستقبلية، والصورة التفاؤلية الضرورية للتوثب والتحرر من الخمول والخواء.

ولهذا فأن صوت الشعر غير مسموع ودور الشعراء ضعيف في بناء الحياة وتنوير العقول، وما يطرحونه مكرر وممل ويدعو للهزيمة والإنحسار، فلا يجد القارئ مناصا من الفرار منه وإهماله.

ومعظم ما يُنشر يتم قراءته من قبل بضعة أشخاص يمكن تسميتهم بالنخبة إن صح التعبير، أما القارئ العام فلا علاقة له بما يُكتب مما يُسمى بشعر، ولا يحفظ منه كلمة واحدة، لأن آليات الكتابة الجديدة أو الحديثة لا تشجع على الحفظ، وتميل إلى أن يكون الشعر عينيا أو بصريا بدلا من التذوق السمعي.

وبذلك فقدت القصيدة حضورها وأهميتها ومعناها، وما عاد للشاعر قيمة وأثر في حياة الناس، وربما أصبح يمثل حالة أخرى لا فائدة ترتجى منها.

ومهما يصدر من دواوين فأنها تنام في الأدراج أو يعفو عليها الزمن، وتموت حال إصدارها، ولا يمكن لشاعر أن يطبع أكثر من بضعة مئات من أي ديوان يصدره، لأنه سيرمي به إلى أسواق الكساد والإهمال، لأنه شعر بلا صوت ولا قدرة على التفاعل مع الحياة.

فهل سنرفع صوت الشعر بإحترام اللغة والمفردة والمعنى والفكرة والغاية والإيقاع، بدلا من التوهم بكتابة ما لا ينفع؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

1618 بسمة الجموسيالرسم بما هوحلم والتلوين كبهجة عارمة بتقنية التنقيط وتجاور الألوان واستلهام من أعمال عالمية

هي عوالم التلوين بما حوت من وعي وهيام وأحاسيس تدعو أنامل قدت من رغبات وحلم  حيث الثنايا القادمة من خطاها الأولي ونعني البدايات السعيدة تجاه الأشياء والعناصر بكثير من حرقة الرغبات الدفينة قبالة حلم كامن في علبة تلوين...مثل أطفال لا يملكون غير دهشة النظر والحرص والاصرار على اللعب.. وهنا تكمن لعبة التلوين كمجال زاخر بالاعتداد بخوض التجربة.

هكذا هي ومنذ سنوات قليلة خاضت غمار العناق والانسياب في دوائر اللون ولا تلوي على غير القول بالبدايات وفي القلب أشياء من حتى التلوين...و الرسم وما بع تبرز حيزا من شواسع روحها ودواخلها المفعمة بالمحبة العارمة للفن والرسم.

قبل حوالي عقدين هي لم تلمس فرشاة للتلوين ولكن قفزت الى رأسها فكرة العمل على تعلم الرسم وهو عالم أحبت مبدعيه ورواده ومبتكري منجزه عبر أجيال وتيارات وأشكال وتجارب تونسية وعالمية متعددة.

من مجالات تخصص مغايرة لمسارات الفن التشكيلي حيث تعمل هامت بعوالم الفن قراءة واطلاعا ونشدانا للمعرفة والخبرات فاطلعت على تاريخ الفن التشكيلي فانطلقت في الرسم وفق عمل ورشوي باشراف الفنان خالد التركي لتعيد  بالأكريليك رسم أعمال لآخرين على سبيل التعلم وامتلاك الحرفية والخبرة والالمام بمقتضيات الرسم الفنية والشكلية وغير ذلك  وتماهت مع الأشكال والأنماط  الأحجام وجربت التلوين تجاه المشاهد والطبيعة الجامدة والبحر والبورتريه وحالات من التجريد وغيرها كل ذلك في سياق التعلم والاكتشاف واكتساب الخبرة وفق قراءات وتأملات لفنانين تأثرت بهم واستلهمت في تمارينها الأولى منهم مثل فان غوغ وشاغال وخوان ميرو...و في هذه التجربة من البدايات تقول "... كنت أتعلم وأنظر للأعمال وأسعى لفهم أهميتها الجمالية والى الآن لم أتبنى نمطا وشكلا معينين فقط أستمتع بالرسم وأصغي لذوقي ورغباتي بحرية وأسعى لأعبر بالرسم والتلوين بلا قيود وحواجز منها طبيعة الأشكال والألوان والأحجام وغيرها انها حرية الابحار في عالم الرسم.. و بالنسبة لي فان الرسم والتلوين مجال للراحة  والبهجة وبمثابة الحالة الفنية للعلاج المرجو من كائنات عوالمنا  في شؤون ومشاغل ومتغيرات الحياة اليومية الضاجة بالحركة والسرعة ...أرسم وأرى متعة لا تضاهى في كل ذلك وأشعر بسعادة فائقة عند انجاز عملي على بياض القماشة ويمثل ذلك لي مفاجأة أكون الأولى قبل الآخرين التي ترضى عنها ...هكذا أرى ما أنجزه من عمل فني ...".

و هنا ندخل عالم الفنانة بسمة الجموسي التي أنهت تكوينها  سنة 1998 بماجستير في التصرف المالي.و سنة 2007 بشهادة مديرة روضة أطفال مع خبرات مهنية كمساعد مالي بشركة  وكمسؤولة تغطية مالية ..و قد تنوعت مشاركاتها في المعارض التشكيلية كالتالي

في جوان 2020 بفضاءسانت كروا وفيأفريل 2019 بمتحف مدينة تونس وفي ديسمبر 2016 برواق HB وفي نوفمبر 2016 برواق داميي وفي أكتوبر 2016 بالمركز الثقافي "الطاهر الحداد" وفي المركز الثقافي "حمام الشط" وفي ماي 2016 برواق الفنون ببن عروس وفي مارس 2016 بقاعة سوفونيبه بقرطاج وفي جوان 2015 بدار الفنون وفي ماي 2015 برواق علي قرماسي وفي أفريل 2015 وفي فيفري 2015 برواق الباشا وفي جوان 2014 برواق حشاد وفي جوان 2014 بقاعة كاليغا  وفي ماي وجوان  2010 برواق بلال وفي أوت 2009 بقاعة سفونيبه بقرطاج وفي جوان 2009 بقاعة آر ليبر وفي سنة  2009 بقصر السعادة وفي جوان 2008 بقاعة كاليغا...

من أعمالها الفنية نذكر " بورتريه افريقي " بالأكريليك  وفيه خصائص الروح الافريقية في التلوين وبتقنية التنقيط وتجاور الألوان وذلك وفق تناسق جمالي  كذلك لوحة " حنين " في مشهدية بالمدينة حيث المرأة بالسفساري والرجال باللباس التونسي وبطريقة التنقيط أواخر القرن التاسع عشر من قبل جورج سورات وبول سيناك  تشتغل بسمة الجموسي على الخصوصيات التقليدية التونسية في السفساري والشاشية بفكرة النوستالجيا ...و لوحة " التمائم " بالأكريليك على الخشب في استلهام لعوالم العفوية والطفولة للفنان خوان ميرو لتقول بالعلامات والتمائم والعين والخمسة ومدلولاتها في المخيال الشعبي من حيث الحظ وغيره.في هذه التجربة من  دقة تقنية التنقيط le pointillisme .

هكذا تعمل الفنانة التشكيلية بسمة الجموسي في مرسمها الورشوي  بين الاستلهام والشغف وانجاز المواضيع لرسومات تبدو على لوحاتها بمثابة ما حلمت به مثلما يكتب الأطفال كلماتهم الأولى على بياض الحياة لا يرجون غير قول البراءة في جمالها المتعدد.

 

شمس الدين العوني

 

معمر حبارأثناء زيارتي للمعرض الدولي للكتاب سنة 1441هـ -2019 مع أصغر الأبناء شمس الدين. اشتريت مجموعة من الكتب وقرأتها وعرضتها. ومنها الكتاب الذي بين يديك، فقد شرعت في قراءته بتاريخ: الجمعة 4 ربيع الأوّل 1441 هـ - الموافق لـ 1 نوفمبر 2019، وأنهيت قراءته بتاريخ: 21 نوفمبر 2019. واليوم يعرض صاحب الأسطر قراءته للكتاب وهو:

FLORENCE Baugé « Algérie, de la guerre à la mémoire », CHIHAB EDITIONS, Alger, Algérie, 2008, et Cygne, France, 2008 CONTIENT 168 Pages.

أوّلا: الاستدمار الفرنسي يحرّض الكلاب المدرّبة لتمارس الجنس ضدّ الجزائريين:

1- المرأة الجزائرية "خيرة" التي تعرّضت للاغتصاب الجماعي على أيدي المظليين الفرنسيين السّفاحين الجلاّدين بإحدى ولايات الجزائر سنة 1957 إبّان الثورة الجزائرية وهي يومها في عزّ شبابها. ولم تخبر أحدا. وحين ولدت ابنها من الاغتصاب تخلّت عنه لأنّه ليس من صلبها، وليس ابن الحلال، ورفضت أن ترضعه حتّى أنّه عاش ضعيفا هزيلا. وكبر الطفل وجاء يبحث عن أمّه وعثر عليها سنة 1988 بإحدى مقابر الجزائر، ومنحته فرنسا الجنسية الفرنسية باعتبار المغتصب فرنسي.

2- جاء في الكتاب: أنّ الجلاّدين المجرمين الفرنسيين أجبروا الجزائريين المسجونين على ممارسة الجنس فيما بينهم وأجبروا الكلاب المدرّبة على ممارسة الجنس على السجناء الجزائريين.

1617  استدمارثانيا: اعتراف جندي فرنسي مجرم بجرائم الاستدمار الفرنسي:

3- الجندي الفرنسي المحتل André Bremaud قضى 23 شهرا بالجزائر كعسكري محتل سنة 1958، واعترف بجرائمه وجرائم الجلاّدين السّفاحين الفرنسيين ضدّ الجزائريين سنة 2000 فقال:

4- حين نكثر من شرب الخمر نراهن بعضنا في من يقتل سجينا جزائريا من أجل صندوق زجاجات الخمر.

5- الآخر يراهن للنزول إلى القرية المجاورة ويقطع أذن جزائري ويحضرها لنا وهو ما تمّ فعلا.

6- الآخر تعوّد للنزهة خارج المعسكر لاغتصاب الجزائريات.

7- لم يعاقبنا أحد ونفعل هذا دون حدّ ولا توقف.

8- كلّ فرحنا وتسليتنا تتمّ بقتل الجزائريين واغتصاب الجزائريات.

9- تعذيب الجزائريين واغتصابهم وإهانتهم من اليوميات العادية جدّا.

10- تعذيب الجزائريين بالنسبة لنا من التسلية وتمرير الوقت.

11- يتعامل الأقدام السوداء مع الجزائري على أنّه حذاء.

12- ننزل للقرية ونلعب لعبة macho (أي إبراز الذكورية) فنصفع الأب أمام زوجته وأبنائه وفي بيته.

13- أجبرنا الجزائريين على المشي على أربع وانهلنا عليهم ضربا ونحن نضحك ونقهقه ونسخر منهم.

14- فضّلت الحديث عن طلب الاعتذار.

15- أعتبر نفسي حقيرا.

ثالثا: شهادة الجنرال الجلاّد السّفاح المجرم أوساريس:

16- المجرم السّفاح الجلاّد الذي قتل الشهيد بن مهيدي يعترف وهو في 92 سنة من عمره ويقول: كنا نملك فرقة من القتلة المحترفين. 37

17- كنا نعدم المعتقلين. 38

18- حين نلقي القبض على الجزائريين نقول باستهزاء: "هل نرسلهم لإخوانهم؟ (أي نعدمهم كما أعدمنا إخوانهم الجزائريين). 39

19- الطائرة التي كانت تحمل الخمسة كنّا نريد تفجيرها فوق البحر المتوسط من طرف الحكومة الفرنسية ثمّ تمّ إلغاء القرار لأنّ طاقم الطائرة كان يحمل فرنسي يقول وزير فرنسي يومها Max Lejeune. ومعناه حسب الجنرال السّفاح ماصو: اقتل كلّ جزائري. 39

20- السلطات الفرنسية المحتلة ومنها الجنرال المجرم Robert Lacoste كانت على علم ودراية تامة بالتعذيب والاغتصاب والقتل الممارس ضدّ الجزائريين. 39

21- حين سئل أحد الجلادين السّفاحين وهو ضابط برتبة "كولونيل" وهو يعذّب جزائري على المباشر من طرف أحد المحقّقين: "كيف تثق أنّه يقول الحقيقة؟ " يرد الجلاّد السّفاح مستهزء ومستهترا: بإجبارهم على الحلف على le coran (القرآن الكريم) وهو يقصد le Coran électrique (الكهرباء). 39

22- قال الجنرال السّفاح: لو تطلب الأمر للعودة لتعذيب الجزائريين لعدت لأنّي لا أملك خيارا آخر، ولأنّي تحصّلت على نتائج باهرة بأدنى تعذيب. 40

23- حين كنت ألقي القبض على رؤوس الجبهة أقول لهم: هذا عنصر خطير، أقتلوه أو أقتله بنفسي. 40

24- قمت شخصيا بمجموعة من الإعدامات. 40

25- أتحمّل كعسكري الإعدامات التي مارستها ضدّ الجزائريين. 40

26- لن أتراجع عن الإعدامات التي مارستها في الجزائر. 41

27- حياة الآخرين (أي الجزائريين) لا تعنيني في شيء. 58

28- كنّا نملك كتيبة موت. 58

29- كنت أبحث عن المعلومة لربح الوقت ولم يكن لي الحقّ في التردد. التعذيب فعّال جدّا، الأغلبية تنهار وتنطق. 59

رابعا: شهادة الجنرال الجلاّد السّفاح المجرم جاك ماصو 43-46:

30- المجرم الجلاّد السّفاح "جاك ماصو" يعترف بجرائمه ويقول: لم يقل لنا أحد من السياسيين لماذا تمارسون التعذيب؟ بل لم يقولوا لنا حتّى "مارسوا التعذيب بهدوء". 43

31- التعذيب في الجزائر كان عاما ومؤسّس وله هيئة رسمية تشرف عليه من طرف الدولة الفرنسية. 44

32- نمارس التعذيب لأنّنا لا نملك الوقت الكافي ونتعامل مع المعلومة وهي طازجة ولا نقبل التأخير. 45

خامسا: شهادة المؤرخ "بيار فيدال ناكي" Pierre Vidal-Naquet 47-51:

33- لم يكن تعذيب الفرنسيين للجزائريين ردّا على "عنف؟ !" جزائري بل كان عقيدة راسخة وعن إيمان وتطوع. 48

34- أقام الاحتلال الفرنسي بالجزائر "ڤستابوا جزائري" تقليدا للڤستابوا النازي. 49

35- مارست فرنسا المحتلة على الجزائريين كلّ أنواع التعذيب من إهانة واغتصاب تشبه الممارسات النازية المستعملة يومها ضدّ الفرنسيين. 50

36- ممارسات التعذيب الوحيدة التي تخضع للعقاب هي الممارسة ضد أعضاء المنظمة السرية الإجرامية OAS ( أقول: أي التي تمارس ضدّ الفرنسيين وليس ضدّ الجزائريين). 50

37- الصهاينة يشبهون الأقدام السوداء في الجزائر الذين استولوا على أراضي الجزائريين. 51

38- السّفاح الجلاد الجنرال أوساريس هو الذي أعدم المحامي الجزائري علي بومنجل لأنّه تمّ العثور في جيبه على كراس مهم من العناوين. 61

سادسا: حقائق مرعبة عن اغتصاب المجرمين الفرنسيين للجزائريين والجزائريات:

39- ارتفعت نسبة اغتصاب الجزائريات بشكل كبير في السنوات الأخيرة من الثورة الجزائرية وبعد خط شال.

40- شملت الاغتصابات المدن والقرى معا.

41- من حيث العدد هناك: الاغتصاب الفردي والاغتصاب الجماعي.

42- من حيث التهم هناك: من تغتصب لاتّهامها بتهمة وهناك من تغتصب للنشوة.

43- هناك من تغتصب لأيام وهناك من تغتصب للحظة.

44- هناك من تتعرّض للاغتصاب من الخونة الحركى الجزائريين المجرمين، وهناك من تغتصب من طرف الفرنسي الجلاّد السّفاح المجرم.

45- يستعمل المحتلون المجرمون السّفاحون عمليات التمشيط للاستيلاء على الجزائريات والقضاء معهن ليلة أو ليلتين أو ثلاث أو أربع ولا علاقة للتمشيط بالبحث عن المجاهدين.

46- تغتصب المرأة الجزائرية التي تتعرّض للتعذيب عبر إدخال قارورة في رحمها ثم يأذن القائد الفرنسي المجرم المشرف على التعذيب لجنوده المجرمين باغتصابها جماعات جماعات.

47- القائد الفرنسي المجرم يطلب من جنوده المجرمين باغتصاب الجزائريات حين ينزلون بقرية وبأمر منه وبحماية منه.

48- كلّما نزلت القوات الفرنسية المجرمة المحتلة لقرية كان أوّل عمل تقوم به هو الاستيلاء على جزائريات لقضاء معهن اللّيالي التي يقضونها في القرية.

49- الفرنسي -الحالي- حين يفتح ملف الاغتصاب يقصد اغتصاب الفرنسية من طرف الفرنسي ولا يقصد أبدا اغتصاب الجزائرية من طرف الفرنسي.

50- لا يهم الفرنسي جمال الجزائرية إنّما يهمه إهانتها وإهانة الرجل الجزائري عبر إغتصاب المرأة الجزائرية.

51- الفرنسي المحتل المجرم يرى في الجزائري -وبشهادة الفرنسي- أنّه أقلّ من الإنسان والمرأة الجزائرية في نظره أقلّ من الكلاب -هكذا بالحرف الواحد أنقلها-.

52- لم يفتح ملف اغتصاب المرأة الجزائرية إبّان الاستدمار الفرنسي والثورة الجزائرية لأنّ المرأة الجزائرية لم تقرّ بذلك خشية أن تتعرّض للقتل من طرف أهلها، وهذا ما يدركه المجرم المحتل السّفاح الفرنسي جيّدا.

53- يقول المجرمون الجلاّدون السّفاحون: نفضّل الحديث عن التعذيب ولا نعترف به.

 

 معمر حبار

 

عقيل العبودوحقيقة الإنطباع اللغوي للمسميات

ثقافة المسميات[1]، هي الطريقة التي يجري بحسبها اختيار التعريف، والوصف المسمياتي للموضوعات سواء سلبا، أم إيجابًا، ويرتبط هذاالنوع من الموضوعات في حيثياته القريبة والبعيدة مع وعي المجتمع، وأنماط اتجاهاته السلوكية، والفكرية على المستوى الأخلاقي، والقيمي.

والمؤثر في هذا النوع من الثقافات من حيث السَّلب، مسألتان: الأولى، عدم نضج، أوإكتمال الصور الحقيقية للمفاهيم من حيث المكوناتالأساسية لها، أي عدم تطابق الفكر النظري للمسميات مع التجربة العملية للتصورات، والمقصود عدم إكتمال العنوان الحقيقي للموصوف.

والثانية، ترتبط بتدني الوعي الأجتماعي، والثقافي للمجتمع، وعدم تطابق الصياغات اللغوية، والتصورات الذهنية للموضوعات، مع حقائقالمفاهيم بشكل صحيح، ما ينتج عنه مسميات غير دقيقة[2].

فالعناوين في واقعنا الإجتماعي، هي لغة تقريرية وتصورية تحصل نتيجة لإنشاء المفاهيم بطريقة تكاد ان تكون متلازمة مع طبيعة التفاعلالسلوكي الحسي، المرتبط بالجانب السايكولوجي للشخصية، ما يؤدي الى سلب الدقة المطلوبة في مطابقة العناوين مع معنوناتها، وبهذاتصبح المعنونات غير خاضعة للمنطق العلمي الدقيق.

فحقيقة إيمان (س) من الناس في صورتها الظاهرية عند الوصف مثلا، يجب ان تكون متطابقة مع السلوك الفعلي الذي يثبت هذه الحقيقة،لكي تكتسب الصورة المعنى القطعي المراد لها [3]، أي البعيدة عن الشك.

وهذا ما لا يمكن رؤيته من خلال الصورة الشكلية، التي يظهر فيها (س)  أمام الآخرين مصليا، صائما، مؤديا طقوس العبادات، بل ان هنالكمؤديات أخرى يجب إدراكها، لتحقق المضمون الحقيقي للوصف، بعيدا عن المظاهر، والصور الشكلية.

ولذلك ولكي يتم إقرار مفهوم الإيمان الحقيقي لشخص ما، لا بد من تحقق البرهان الذي يثبت  هذه الحقيقة بعيدا عن المظاهر الشكلية.

وهذا معناه ان هنالك صورتين للموضوع؛ الاولى ظاهرية، أي شكلية، والثانية حقيقية خارجة عن دائرة اومحيط الواقع الشكلي، الذي يحيطبنا ظاهريا.

 فالحقيقة الصورية، غير الحقيقة الفعلية. والحقيقة الفعلية هي الصورة الواقعية، اما التصورات الذهنية فهي الإنطباع المرسوم في الذهن عن الصورة الظاهرية للشئ، كونها تقعخارج الدائرة الحقيقية للموضوع.

 وهذه المقدمة تفيد في ان هنالك مسميات نتداولها في واقعنا اليومي، ولكنها لم تقترن بحقائق المتبنيات المفهومية لها، ما يوقع الآخرين فيالوهم المخل بمحتوى الحقيقة الإدراكية للموصوف، وهذا بدوره يؤدي الى عجز اواضطراب في التعبير عن المحتوى الفعلي  اوالمنصف للكلمة، اوالمقولة.

وفي البحث اشكاليتان؛ الأولى، نقص، اوخلل في الفهم والتصور، بمعنى عدم مطابقة المفهوم الظاهري للوصف مع الواقع، كما في مثال إيمان زيد.

والإشكالية الثانية، هو خلل في منظومة الوعي المعرفي الخاص بالتداول اللغوي[4]، وهذه الحقيقة إنما يشار بها الى تدني الحالة الثقافية، اوالأخلاقية للمجتمع. 

ففي بعض الإحيان مثلا، يتم وصف الجبان والوصولي بالذكي، والشاطر، ويتم وصف الملتزم اخلاقيا والذي يتجنب المشاكل، بالجبان، ويتموصف الزاهد الذي لا يكترث للمظاهر، ب( البائس) ويتم وصف المنافق، والمتملق بالمتكلم، ويتم وصف المتكبر بصاحب الشخصية، ويتم وصفالجدي والقانوني بالمعقد، وبالنتيجة يتم تغيير المحتوى اوالمكون الحقيقي للمفهوم، وهذا هو انعكاس لخلل في طبيعة الاخلاق المرتبطة بتدنيالوعي الاجتماعي والثقافي.

وفائدة الموضوع هنا هو اننا نحتاج الى إعادة المنظومة القيمية للوعي والأخلاق بطريقة تنسجم ودستور المفاهيم اللغوية للمسميات، والتييجب على المجتمع مراعاتها، والإلتزام بها اخلاقيا، وقيميا.

ولكي يتاح لنا  الوصول الى تحقيق ما ينبغي ادراكه، نحتاج الى تعزيز الخطاب الثقافي من خلال الإعلام الملتزم، والمؤسسات الثقافية،والمنابر الخطابية، ومواقع التواصل الإجتماعي.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان:   جامعة سان دييغو باحث اجتماعي

...................

حواشي البحث:

[1]المقصود بثقافية المسميات هي إشكالية تغيير العناوين من معانيها المستَحَقَّة الى المضامين التي تم استبدالها بها فالثائر يسمى إرهابيابنظر الأجهزة القمعية، والجاهل يسمى باحثا اواخصائيا في الشأن الفلاني ذلك حفاظا على مقتضيات المصالح السياسية، اوالتجاربة، وماشاكل.  

[2] التصور الذهني هي لغة إرتسام الصورة في الذهن، وذلك من الموضوعات المهمة في علم المنطق ويدخل في باب التصور والتصديق.

[3] القطع في علم الأصول يدخل في باب حجية الخبر وهو من الموضوعات المهمة في هذا الباب، والقطع هو إقرار بصحة ما ورد.

[4] التداول اللغوي من المصطلحات المهمة في اللغة يدخل في علم التأويل أوعلم المقامية أوالذرائع،   Pragmatics في علم اللسانيات

هوامش البحث:

[1] الحمل الاولي والحمل الشائع، مركز الهدى للدراسات الاسلامية، المعجم الاصولي حرف الحاء  

[2]العنوان والمعنون في علم المنطق، مركز الهدى للدراسات اسلامية [3]تداوليات في علم اللغة:

https://ar.m.wikipedia.org/wiki/تداوليات

[4] اخلاقيات في علم الفلسفة- اخلاقيات فوقية https://ar.m.wikipedia.org/wiki/ أخلاقيات_فوقية

 

 

 

 

ضياء نافعالنقد – حسب تحديد بوشكين – هو (... علم يكتشف الجمال والنواقص في نتاجات الفن والادب ..)، ولكن بوشكين يضيف، ان هذا العلم يتطلب (.. الحب تجاه هذا الفن ... وعندما تحب الفنان، ابحث عن الجمال في ابداعاته...) . بوشكين لم يكن ناقدا ادبيا، ولكن مجموعة الآراء التي كتبها هنا وهناك من مقالات و ملاحظات ورسائل الى الآخرين  تمنحنا الحق ان نتكلم عن بوشكين باعتباره يمتلك نظرة نقدية واضحة المعالم، اذ يكفي ان بوشكين حدّد النقد الادبي بانه (علم)، وحدّد مهمة هذا العلم  بانه - (يكتشف الجمال والنواقص)، واستخدم بالذات فعل (يكتشف)، اي ان النقد هو (اكتشاف)، وعملية الاكتشاف هذه لا يقدر ان يمارسها اي شخص، وانما يقوم بها المكتشفون فقط، ووضع بوشكين (شرطا مهمّا) لهذا المكتشف، وهو (الحب !) نحو الفن والفنان، وذلك لأن (من يحب!) لا يمكن (ان يطعن!)، فما أجمل هذا الكلام الدقيق والواضح والحازم، الكلام الذي (يقلّ ويدلّ) حول النقد  . وهذا ما تناوله الباحثون الروس حول بوشكين و منذ زمن بعيد، وهذا ما نحاول ان نتحدث عنه بايجاز في مقالتنا هذه .

توجد العديد جدا من المصادر الروسية حول علاقة بوشكين بالنقد الادبي، وتتفق هذه المصادر(الواسعة والمتباينة جدا) بالاساس على بعض النقاط العامة والمشتركة، واول تلك النقاط  المتفق عليها، ان بوشكين لم يساهم في حركة النقد الادبي الروسية بشكل واسع في بداية مسيرته الابداعية، ولكنه في العشر سنوات الاخيرة من عمره تقريبا (منذ نهاية العشرينات في القرن التاسع عشر الى تاريخ نهايته التراجيدية ومقتله في المبارزة عام 1837) ساهم بالكتابة في المجلات الادبية الروسية، بما فيها طبعا المجلة التي اصدرها هو، وهي مجلة (سوفريمنك) (انظر مقالتنا بعنوان – بوشكين صحافيا) . النقطة الثانية، التي اتفقت عليها ايضا هذه المصادر، هي ان مجموع كل ما كتبه بوشكين في هذا المجال يبلغ (160) فقرة، مابين مقالات وملاحظات ورسائل واحاديث سجّلها ونشرها الادباء الذين كانوا يحيطون ببوشكين في تلك الفترة، وهذا الرقم الدقيق (والطريف ايضا) جاء نتيجة عمل هائل قام به العديد من الباحثين في تراث بوشكين الادبي، بما فيه دراسة ومتابعة ما كتبه حوله الادباء والاصدقاء الذين عاصروه، وتبيّن هذه النقطة بوضوح تام، ان هذا التراث البوشكيني حول مفاهيم النقد الادبي قد تم جمعه وترتيبه على مدى سنين طويلة من البحث العلمي، وباشراف متخصصين كبار  في ادب بوشكين . ونتيجة لكل هذه الجهود وصل الباحثون الى انه يمكن القول بشكل عام، ان بوشكين كان ايضا ناقدا ادبيا، وقد صدرت فعلا عدة كتب بهذا العنوان بالذات، ومنها كتاب صدر في الاتحاد السوفيتي عام 1933 وكان بمقدمة لوناتشارسكي نفسه (انظر مقالتنا بعنوان – لوناتشارسكي الفيلسوف والاديب والوزير) . يرى البعض، ان النظرة العامة في روسيا الى بوشكين مبالغ فيها الى حد ما، وان تسمية بوشكين ناقدا ادبيا جاءت نتيجة لذلك . لقد قال الناقد الروسي في القرن التاسع عشر غريغوريف حول بوشكين، انه (كل شئ)، وأشاد كبار الادباء الروس ببوشكين من غوغول الى تورغينيف ودستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وغيرهم ، واختصر غوركي هذا الكلام بخلاصة محددة ودقيقة وهي، ان بوشكين هو (بداية كل البدايات) . ان بوشكين يستحق فعلا هذا (التكريم والتبجيل) في مسيرة تاريخ روسيا وادبها، وليس عبثا، ان الكثير من الروس يعتبرونه  حتى (رمزا لروسيا) كما حدث مرّة في احدى الندوات التلفزيونية عندما أدلى المشاهدون باصواتهم وشغل بوشكين المكان الرابع بعد نيفسكي وستالين وستوليبين، ولكن البعض الآخر – مع ذلك -  يرى ان بوشكين (بداية كل البدايات) في الادب الروسي  وليس (كل شئ) في هذا الادب .

 نعم، بوشكين شاعر روسي عظيم و رائد في كتابة الرواية الشعرية وقاص متميّز وكاتب مسرحي كبير و مؤرّخ وصحافي، ولكنه ليس ناقدا ادبيا، رغم انه أبقى في تراثه الكثير من الآراء العميقة في النقد الادبي، ولهذا نرى، انه من الاصح ان يكون عنوان هذه الدراسات عنه في هذا المجال - (بوشكين والنقد الادبي)، اذ ان هذا العنوان أكثر موضوعية ودقّة من عنوان - (بوشكين ناقدا ادبيا)، وهذا هو عنوان مقالتنا ايضا...  

 

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنكان قد وصلني قبل فترة من الزمن من الأخ الكاتب خالد علي، ابن بلدة كفر ياسيف، روايته الأخيرة " دائرة وثلاث سيقان "، الصادرة عن دار الشروق والتوزيع في عمان، ووقعت في 166 صفحة من الحجم المتوسط والورق الأصفر الصقيل، وجاءت بطباعة أنيقة، ويهديها إلى سكان الرواية الأحياء منهم والأموات.

وخالد علي هو من كتابنا المحليين المميزين في عالم القصة القصيرة والطويلة/ الرواية، وما يميزه أنه يمتلك ثقافة إنسانية وفكرًا منفتحًا على الآخر، لكنه من الكتاب المهمشين والمغيبين والمغمورين في المشهد الأدبي الثقافي المحلي، لا يجيد تسويق نفسه، ولم يأخذ حقه من الاهتمام النقدي والاعلامي.

وتأتي هذه الرواية بعد إصداراته القصصية والروائية والأدبية " ذات الانفاس، سبيل الطاسات، مذكرات الأمير، ومدينة الرواية ".

وتمتاز تجربة خالد علي الإبداعية بجمالية السرد، بما فيها من أوصاف وتصوير وتشويق، وشفافية الرمز، وغنى الإيحاءات، وعمق الدلالات والأبعاد الإنسانية.

تكتسب رواية خالد علي الجديدة " دائرة وثلاث سيقان " زخمًا وعفوية بمضمونها وواقعيتها وشخصياتها. فما أن يبدأ القارئ بقراءة صفحاتها الأولى ويتعرف على فكرتها وتفصيلاتها يجد نفسه مشدودًا لمتابعة أحداثها وقراءتها بشغف ومتعة.

وفي الرواية نعيش أحداثًا حقيقية، بوعينا وإحساسنا ومشاعرنا، ونقترب من الواقع المأساوي المر، إذ أن خالد يوفر أحداثًا واقعية ومنطقية.

تحكي الرواية عن النكبة وآثارها السلبية وثقلها على نفسية الطفل موازيًا لثقل صخرة على خوخة، ويتكسر شيء في أعماقه، ويحدث أول تشقق في الأعمدة التي تقوم عليها طفولته، التي كانت تعيش وسط حدائق خضراء، وايامها أيام عيد، وحين كان يلهو في عالم متعدد الألوان تجيء ريح صرصر وتعبث بالوردات. وكلما زاد الثقل على الخوخة، اصلب عودها، ويعرف اكثر السير على الطريق من تحت الثقل.

وتجيء النكبة الأخرى، ويجيء الشلل كعدو إرهابي ليستبدّ، ويغرز مخالبه، وتتم الحلقة من حوله، وتصفعه الحياة، لكنه لم ينكسر، ويبقى واقفًا بكل نبل أمام تيار الزمن. وفي النهاية ونتيجة كثرة التجارب التي مرّ بها، والدروس التي اكتسبها، تصبح الخوخة فوق الشجرة.

ونلاحظ اللغة الروائية تتحرك بتجاه وظيفتها، ونجده ينجح في رسم وتصوير شخصياته، يحاكيها ويحاججها ويتحداها. وأجاد وصف المكان والزمان لشخصياته وأزماتهم داخل الرواية.

ويستخدم خالد علي لغة بسيطة واضحة بعيدة عن التكلف والفذلكة التي تنتشر في الكثير من الاعمال الروائية، ورغم البساطة لم تخلُ الرواية من ومضات وصور شعرية وأدبية بلاغية بديعة.

إنها رواية ممتعة بجمالية السرد، وواقعية الشخوص، والصياغة المتماسكة، وأحسست بتقاطعها مع روايات أخرى تناولت وعالجت النكبة بكل ما تمثله مأساة وتراجيديا متواصلة، ومتسمة بحبكة جيدة، وسرد مشوق واسلوب سردي بالغ الجمال، ومقاربة واقعية لأحداث الرواية وطريقة رسم الشخوص.

وأخيرًا أننا أمام عمل روائي يلتزم الضوابط الفنية الشكلية المعروفة، وأسلوبه السردي الذي يكتب به يدل على مقدرة فنية، وبراعة في التعامل الفني مع الشروط والأساليب التقنية الحديثة للرواية المعاصرة.

فألف تحية للأخ الكاتب خالد علي، وأحيي جهوده ومثابرته في مجال الكتابة القصصية والروائية، متمنيًا له مزيدًا من التقدم والنجاح والعطاء.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

منير لطفيليس بدْعا من القول: إنّ المعارف الإنسانية كافّة تتناغم وتنسجم فيما بينها انسجام الحبّات بالمسبحة، والخيوط في الثوب، والألوان داخل اللوحة البديعة. ولا شائبة في القول: إنّ العلاقة بين الطبِّ والأدب متفرّدة تفرّد علاقات النسَب والمصاهَرة، حتى بات أيّها مَحْرَمًا للآخَر يلوذ بأكنافه ويحتمِي بحِماه.. وهذا القول الأخير تحديدا؛ فيه من نصاعة شمس الظهيرة أكبر من أثر، ومن سلامة الطرح أكثر من خبر..

 فإذا كانت وظيفة الأدب هي سبْر أغوار النفس، وفكّ طلاسمها، وتقويمها؛ فإنَّ مهمّة الطبّ هي العناية بالنفس، جنبا إلى جنب مع رعاية البدن، وصولا إلى حالة الكمال النسبيّ في السلامة البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية. وإذا كانت الكلمة الحانية الدافئة هي سلاح الأديب؛ فإنّها كذلك مِن ألزم  بضاعات الطبيب. وإذا كانت القراءة هي الحبل السّرّيّ للأديب؛ فإنّ للطبيب عليها جلَد يصون بها مبضعه من الصدأ وسمّاعته من الكلس. وإذا كان الأدب يستمدُّ خاماتِه ومفرداتِه مِن وصْف أطوار الحياة الإنسانية المختلِفة؛ فإنّ الطبيبَ هو أكثر مَنْ يُعايش هذا الإنسان الذي لا يجد حرجا في التعرّي بين يديه بدنيا ونفسيا واجتماعيا، وبالتالي هو الأقْدر على  وصف أطواره منذ الصيحة الهادرة في غرفة الولادة وحتى الحشرجة الواهنة على سرير العناية المركَّزة، ومن حمرة الخدود في فورة الشباب إلى صفرة تعتريه حال الفناء. ومن هنا جاء اقتراح الطبيب الأديب سومرست موم، بأن يمارس كل أديب عملا لبعض الوقت في مستشفى،  لتتعمّق خبرته البشرية أكثر وأكثر.

 وإذا كان الطبيب يمضي بياض نهاره وسواد ليله وسط الأسِرَّة البيضاء أو داخل غرفة العمليات؛ يعدّ نبضا، ويقيس حرارة، ويفحص ضغطا، ويضمّد جرحا، ليعالج الداء ويفتك بالمرض..فإن الأديب كذلك لا يني في خلوته وسْط مكتبته وأمام منضدته؛ يجسّ نبض الحروف ويضبط حرارة الكلمات ويُضمّد العبارات ويَخيط الأفكار؛ ليَنسج رواية ويَغزل أقصوصة ويَسرد مقالة ويَسبك شعرا؛ يُآسي بهم  قارئا ذا روح متعَبة أو أمل كسير أو قلب جريح، تماما كما فعل سوفوكليس بالإغريق قديما، ويرناردشو بالبريطانيين زمن الحرب العالمية. وعلى هذا فإننا نستطيع إجمال القول في أنّ الطبَّ نصفه أدب والأدبَ كلُّه طبّ.

ويؤازر هذا التلازُم؛ ذلك الإسهام  الثريّ والكفّ النّديّ مِن قِبَل أطباء كثُر اقتحموا ميدان الأدب وبلغوا فيه شأوا عظيما، حتى بلغ هيامُهم بالأدب حدّ العشق والصّبابة، فيمَّمُوا وجوههم شطره بينما وَلّوا ظهورهم للطبّ والدّواء؛ ربّما لأنّ معاناة الاشتغال بالكتابة الأدبية تبلغ مبلغ الداء ويصعب الجمْع بين الدّاء والدواء، أو ربما لأنّ مطاردة أرنبين في ذات الوقت هي قضية ليست ذات جدوى.

وبهذا الخصوص أذكر إبّان تحبيري لكتابي أطباء فوق العادة؛ كيف حلّت بي لعنة خراش حين أردتُ الكتابة عن عشرة من بين الأطباء الأدباء، إذا كانوا كالظّباء في كثرتهم، ولم أدْر ِأيّها أصيد وأيها أدع. بينما عانيتُ الكثير لأعثر على عشرة من الأطباء السياسيين، وكذلك الأطباء الدّعاة، إذ كانوا أندر من الحريّة في بلاد الضاد.

وقد يبدو للوهلة الأولى تضاؤل حظوظ الأطباء العرب من حيث الاشتغال بالأدب، نظرا للقطيعة الطويلة والغربة القسْرية حيال اللغة العربية التي هي العمود الفقري للأدب، وذلك مع البدء في دراسة الطبّ المحتلّة في كلّ مراحلها بحروف اللغة الإنجليزية! إلّا أنّ الواقع لا يتوافق مع تلك المقدّمة المنطقيّة؛ فالأدباء من الأطبّاء العرب هم مِن الوفرة بمكان كفراشات بستان، إضافة إلى أنّ البعض منهم وصلوا إلى أعلى مراتب الأدب حين حجزوا لأنفسهم مقاعد دائمة في المجامع اللغوية التي يقوم على أكتافها حراسة عرين اللغة.. وبهذا تنتفي العلاقة الشرطية بين ما هو منطقي وما هو صحيح، فبعض ما يبدو منطقيا ليس بصحيح.

وقد نتراءى تضاربا منطقيّا بين الطبِّ كمهنة تُعلّم والأدب كموهبة توهب، أو بين الطب كعِلْمٍ : غايتُه الحقيقة ووسيلتُه التجربة وأداتُه العقل، والأدبِ كفنٍّ: غايتُه الجمال ووسيلتُه الشعور وأداتُه القلب الذي يرتوي من نبع الخيال ومَعين الوجدان.. إلّا أنّ الشواهد بَرْهنَتْ على إمكانية المزاوَجة بين عقل العالِم الطبيب ووجدان الأديب الفنّان، وإنجابهما عُرْسا للحكمة ومتحفا للإبداع ولوحةً حافلةٌ بأبهى الألوان، وانظر في ذلك توظيف المعرفة الطبيّة في كتابة أدب شائق عند يوسف إدريس ومصطفى محمود وأحمد خالد توفيق فيما يمكن توصيفه بالأدب الطبّي..

وانظر في ذلك أيضا، قول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: "عندما يُبدع الطبيبُ فنًّا، فإنه يكون الأجمل والأصدق والأدقّ، لأنّه لا يَتخيّل المعاناة البشرية، بل يَعيشها ويُعالجها"، وشهادة نيرودا  هنا أنفى للشكّ وأعلق باليقين؛ لأنّه أديبٌ من الطراز الرفيع الذي خطّ اسمه في سجلّات نوبل للأدب عام 1971م، واعتُبر أعظم شعراء أمريكا الجنوبية في القرن العشرين، وعُدّ أغزر الشعراء نظْما باللغة الإسبانية في العصر الحديث، علاوة على أنه اقترب جدّا من طبيبيْن خلّاقيْن هما صديقاه سلفادور أليندي وتشي جيفارا.

والثابت: أنّ الطبَّ وإنْ سكن فصَّ المخّ الأيسر الذي يُعرَف بالفصّ العالِم، لا يخلو مِن فنّ. والأدب وإن سكن فصَّ المخِّ الأيمن الذي يُعرَف بالفصِّ الفنّان، لا يخلو كذلك من عِلْم. بما يَعني تهافُت ما طرحه الروائي البريطاني (تشارلز سنو)، الذي شيّد في محاضرة له بجامعة كمبريدج، حاجزا أسمك من سدّ ذي القرنيْن، بين الاتجاهيْن العلمي والأدبي، وعدَّهما ثقافتيْن مختلفتيْن منفصلتيْن! ومصداقيّة ما سطّره وليّ عهد الأدب الروسي (أنطون تشيخوف) الذي قال: بأنّ علم التشريح والفنون الجميلة كلاهما نبيل، ويمتلكان أهدافا واحدة، ولا يوجد بينهما صراع من أجل البقاء. وهذا ما تبنّاه الطبيب الشاعر (ريكان إبراهيم) بقوله: الطبّ هاجس كما الشِّعر، لأنّ كلّا منهما فنٌّ وفكر.. والهاجس –كما هو معروف في علم النفس- جمع جبري للعاطفة (الفن) والعقل (الفكر).

والواقع أنّ العلاقة بين الطبّ والأدب قديمة قِدم ما قبل الحارث بن كلدة الذي برع في الطبّ ونثر الحكمة ونظم الشِّعر، وابن سينا الذي تربّع على عرش الطبّ وصاغ بقلمه شعرا فلسفيا جيدا. ثمّ توثّقت عرى تلك العلاقة، وبقيت علامة استفهام كبرى لا تغيب حين يحاضر الطبيب الأديب في جمهور  يسمع أو يشاهد، وفيها أسهب الحرف  وتشعّب القول، حتى إنّ بعضهم أفرد لذلك صفحات ذات أغلفة ومساجلات ذات أصداء. وفي الوقت الذي أَدلى بعضهم بقوله فيها منثورا، فإنّ الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي قد نظم قوله شِعرا جاء كجهيزة التي قطعَت قول كلّ خطيب، فقال:

 "النّاسُ تَسألُ.. والهواجِسُ جَمَّةٌ،،،

طِبٌّ وشِعرٌ كيف يتَّفقانِ

الشِّعرُ مَرْحَمَةُ النُّفوسِ وسِرُّه،،،‏

هِبَةُ السّماءِ ومِنحةُ الديَّانِ‏

والطبُّ مَرْحمَةُ الجُسومِ ونبعُهُ،،،

مِنْ ذلك الفيْضِ العَلِيِّ الشَّانِ"

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب

 

 

عقيل العبودكيف لنا ان نستقرئ حقيقة النزعة الجمالية للوجود الإنساني للذات، وما هي الأسس، والمكونات، التي تعتمد عليها هذه الحقيقة؟

مما لا شك فيه انَّ هنالكَ التزامات، وقوانين لها علاقة بحقيقة الوجود الإنساني للذات، وهذه الإلتزامات تفرض أنماط قيودها، بناء على حقيقة التفاعل الإنثروبولوجي لهذا الوجود، بمعنى الخط، أوالحقبات الزمنية المرتبطة بتطور الإنسان، وعلاقة هذا التطور بثقافات المجتمع الذي ينتمي إليه كاللغة، والمعتقد، والإرث الحضاري، والعلاقات الإجتماعية، وتلك أُسيَّات، وجذور مهمة في تكوين الجانب السايكولوجي، والاجتماعي للشخصية.

وهذا التفاعل يرتبط بمقولتين الأولى؛ العقل، والثانية الذات، أما العقل فهو طريقة التفكير، الذي يفرض أنماط علاقاته المتنوعة مع الأشياء، والموضوعات، وكافة المسميات، بما فيها المجتمع.

ومن هنا يصبح للوجود الإجتماعي، ما يتعلق منه ب <قانون الذات> دورا أساسياً في تفويض العقل لخوض تجربة إرتباطه المعرفي، والاجتماعي، والأخلاقي وفقا لأبجديات المنظومة الاجتماعية، التي تخضع لتفاعل القيم، والمعايير التاريخية، والبايولوجية.

وهذا يدخل في دراسات التطوير الذاتي، والتنمية، ما يتعلق منها بالقدرات، والمؤهلات، والإمكانيات الخاصة بالذات، ما يدخل اليوم في موضوعة ما يسمى ببرامج التنمية والتطوير البشري.

فالإنسان بحسب نظريات علم الإجتماع، كائن بايولوجي اجتماعي، بمعنى ان هنالك قانونين، الأول يرتبط بالجينات الوراثية لهذا الكائن، وهذا له علاقة بتاريخ التطور الإجتماعي للإنسان، بناء على تأثير الطفرات الوراثية الجينية للعائلة، والنسب، والقبيلة. والثاني يرتبط بحقيقة الوجود الإجتماعي بناء على افرازات الثقافة الاجتماعية لمكونات القيم الاخلاقية، والثقافية لهذا الإنسان.

ومنه تنصرف سياقات النظريات الإجتماعية الخاصة بطبيعة الشخصية، ما يرتبط بنزوعها الى الحرية، والحياة والأمل، والتحدي، والتعلم، والميل للشعور بالأمن، بناء على نظام ضبط الذات، والإلتزام بالقانون، واحترام المجتمع.

ومما لا يخفى ان لكل مجتمع ثقافة، وتاريخ، وحضارة وطقوس، وغير ذلك من المكونات ما يسمى بالنظام الإجتماعي.

ومن الضروري الإشارة الى ان حقيقة التفاعل السايكولوجي بين الإنسان، والمجتمع، اي مدى التقبل والتطبع، والتعايش مع منظومة القيم، والجوانب السلوكية للذات يخضع للتأثيرات البيئية، وهذه التأثيرات تشتمل على البيئة البايولوجية، والبيئة الإجتماعية، والبيئة البايولوجية هنا تخص الإرتباط الجيني للعائلة، اما البيئة الإجتماعية فتتلخص بعلاقة الإنسان مع الآخرين.

والبيئتان هما أساس تكون الشخصية، ما يسمى بالقانون السايكولوجي. والمشاعر هنا تخضع لهذا القانون.

فشخصية الإنسان من حيث المبدأ، والتصرف تتأثر تأثرا كبيراً بالطبيعة السايكولوجية للمجتمع.

وهذه الطبيعة تتأثر بعوامل خارجية، وداخلية، ومن ضمنها طبيعة العلاقات الاجتماعية للأسرة، بما في ذلك أنماط العيش، والثقافة، فإبن الريف مثلاً، يتأثر بموضوع الزراعة، والأرض، والحشمة في ما يتعلق بموضوع العلاقة مع المرأة مثلا كنمط من أنماط القيم الاجتماعية، بينما ابن المدينة، تراه يعيش في مساحة أوسع، وعلاقات اوسع.

 وعليه تكون القيود التي تترتب على طبيعة العلاقات الإجتماعية الخاصة بابن المدينة، أقل من قيود أبن الريف.

وهذا البحث تكمن أهميته في تشخيص الملابسات الخاصة بتتبع السلوك، والشخصية، بما يفرض على المعنيين دراسة العوامل السايكولوجية، ووضع برامج ثقافية، وإعلامية تفيد في تحفيز العوامل المؤثرة لدى الفرد، والمجتمع بما يتناسب والحاجة الى استخلاص البعد الجمالي لتطوير الشخصية، والحياة، والمجتمع من خلال هذا النمط من البحث والاستقراء.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان:  جامعة سان دييغو باحث اجتماعي 

 

افييز والعالم الرقمي2

لا يمكن ان نتحدث عن تجمع افييز بدون العالم الرقمي والانترنيت .

شعارها :"نحو عالم افضل" الشعار الاساس لـ"افييز" ، سوف ندهش حين نعلم ان بين المساندين وكتاب افييز رئيس الوزراء البريطاني السابق ونائب الرئيس الامريكي ال غور ووزيرة خارجية سيراليون السابقة وقائمة طويلة من السياسيين الافارقة والالمان والفرنسيين .

وفي وقت قصير تحولت الى تجمع عالمي فاق عدد المساندين للتجمع 63 مليون ناشط من مختلف دول العالم .

ويعمل وفق شعاره الاساسي :"نحو عالم افضل" مجسدة اياه بالدفاع عن البيئة وعمل كل ما في وسع نشطائها لمنع تخريب البيئة او تكديس الاموال بواسطة المشاريع المضرة بالبيئة في امريكا اللاتينية او اي مكان اخر بجميع الدول والقارات .

واصبح العالم الرقمي سلاحها الفعال اتجاه تحشيد الرأي العام حول القضايا الانسانية التي تشغل عصرنا كما حدث مع مقتل جورج فلويد على يد شرطي عنصري امريكي وشكلت جبهة شعبية عريضة ضاغطة ضد الممارسات العنصرية ادت الى تغيير بعض الولايات الامريكية لشعاراتها التي تعتبرها افييز والمناهضون للعنصرية تحتوي على شعارات عنصرية تمس المشاعر الانسانية .

العالم الرقمي هو الاساس في نجاح هذا التجمع العالمي الاول من نوعه من مختلف الاجناس والاعراق والقارات ووصل عدد مسانديه الى 63 مليون ناشط وهو رقم لم يصل اليه اي تجمع اختياري او طوعي سابقا . وبوقت فصير اصبح التجمع المحور المحرك "الدينمو" لتحشيد الرأي العالم حول اهم القضايا الانسانية المتعلقة بالبيئة او العنصريةاو دعواتها الاخيرة الى عالم خال من الجوع .وعربيا ترجمت : "انه وجهي يا رجل" لميك بيللي عشرات المرات الى اللغة العربية وهي نفس الكلمات بجميع الترجمات تقريبا لانها كلمات حقيقية نطق بها فلويد قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة غير قابلة للتأويل او التغيير او الاجتهاد كما ترجمت الى جميع اللغات الحية في العالم وساهم انتشارها الذي سهله العالم الرقمي والانترنيت على زيادة الضغوطات الشعبية لمكافحة التمييز العنصري لتشكل مع مكافحة فيروس او وباء كورونا اهم القضايا في وقتنا الحالي .

وادى ما تركه فيروس كورونا او الوباء الى انتشار البطالة خاصة في الدول النامية والفقيرة الى شبه مجاعات واعطى زخما ل افييز لتشكيل و تحشيد اكبر عدد ممكن اتجاه تحقيق شعارها او طرحه على اجندة السياسيين : "نحوعالم بدون جوع" فكان الوباء احد الاسباب الرئيسية للتحشيد ومساندة هذا الشعار الانساني تحت تأثير الوباء او كورونا ولكن لا احد يعلم لحد الان مدى استجابة السياسيين لتحقيق هذا الشعار الانساني الذي طال انتظار تحقيقه وادى الى موت الاف البشر خاصة في افريقيا ومناطق النزاعات والحروب حول العالم .

واصبح نجاح الحملات الانسانية والتحشيد لاجل تحقيق اهدافها كليا او جزئيا مرتبط بالعالم الرقمي اكثر مما هو مرتبط بنشاط المساندين ل افييز كتجمع انساني يسعى جميع ناشطيه او مسانديه نحو عالم افضل .

 

قيس العذاري