 أقلام فكرية

الأنا واللغـة.. مقدمةٌ فلسفيةٌ لنبذ الوهم

سامي عبد العال"الأوهام وسائد وثيرة تأخذ عقولَّنا إلى نوم عميقٍ"

"حتى لو كُّنا نحن زارعيها، ليست اللغة إلاَّ أرضاً تنبت الغرائب حدَّ الإدهاش"

في عبارته النافذةٍ فلسفياً، يقول أوسكار وايلد:" الأنا هو مَوضِّع لأوصافِ الآخر واختلافاته، وكذلك هو لوحةٌ لنقراتِ أفكاره، حتى أنَّ العواطف- التي هي أخص ما يَمْلُك الأنا- مقتبسةٌ من الآخر". إذن لا يَمْثُل الأنا داخل نفسه إلاَّ تمهيداً لمعرفة ماذا يكون، لتنشأ مفارقة أنَّه لا يُوجد وحده، بل الوحدة المفترضة لكل أنا هي مقولة تمُر مروراً خادعاً. ففي كل وحدة مفترضة يكمن الشيطان، يظل برأسه الماكر.

وإذا كان الأمر بهذه الطريقة، هل يمكننا تنشيط العبارة لتطال مسائل الفكر والوجود؟! ماذا لو أننا نسكن اللغة ليس إلاَّ (اللغة صورة الحياة)؟! كيف تخفف اللغةُ حدة حضورنا العنيف إزاء الآخرين؟ ومن ثم: بأي منطقٍ نفض انغلاقاً على الذات (بأشكاله الدينية، المعرفية، الاجتماعية)؟!

خاصةً أنَّ الأدب كان إيقاعاً قديماً لرتم الذات والفكر والأشياء، لأنَّه التعبير الاستعاري عن الوجود وأشكاله. والاستعارات هي الشكل الأولي لبدء التفكير في قضايا العالم والحياة. ومنها خرج التفكير العقلاني بطريقة الكل (اللوغوس logos). تاريخياً كان الأدب رئةً أخرى للتفلسف حيث ثراء الدلالة وخصوبة العاطفة وتنوع الأخيلة، هو كنصوص ابداعية بمثابة الدرجة القصوى لاستعمال اللغة. وأيُّ تعبير يعدُّ وسيطاً لغوياً لا يخلو من معالم أدبيةٍ، ذلك باعتباره تقنية رمزية لتجسيد المعنى.

وبغض النظر عن تصنيف التعبيرات (بحقول المعرفة والتفكير)، فإنِّها تنطوي على وسائل إيضاح وصور استعارية مطموسة وبارزة وصيغ متلونه بتلون المعاني. ولو تخيلنا ساحراً يلمسُ الأشياءَ فتتجمد أو تذوب كنتف الثلجِ، فاللغة كمجازات بلاغيةٍ تُموْضِّع الأنا وتُطلقه بهذا النحو. هي تدعه يمخر عبابَ المجهول، تمنحه معنّاه كإمكانيةٍ يقتفي آثارها. وحين يسير، يمتطي الأنا الكلمات كأوتار مشدودةٍ فوق فراغ مفتوحٍ، ولا يحُول دون سقوطه المُدوي.

هناك شكلان لعلاقة الأنا باللغة...

أولاً: الأنا يُوجد فقط داخل اللغة حين يوجد أمام آخر وحين يتواصل معه وحين يدَّعي شيئاً. فلا يقول الأنا أنا إلاَّ إزاء شخص ما ضمناً أو صراحة. وسلخه عن هذا الوجود يعني اعطاءه وضعاً انطولوجياً ليس له. وضع قد جعلَّه نقطة متضخمة( غليظة) في تاريخ الفلسفة بحجم ميتافيزيقا العلة والإله والاستبداد والسبب والحقيقة والذات العارفة.

ثانياً: يترك الأنا في اللغة آثاراً هي جوهره الناقل لحقيقته. والأنا بذلك هو الشكل المؤول (كالخط والعلامة والصورة والنقطة)، أي أنَّه يتحول ولا يقف صامداً في وجه التلقي. بكلمات واضحة: الأنا بصمة لغوية تتحرك على خطوط تواصلية وتُفهم في سياق أبعد مما يزعم ويقول. إنه المقول بطريقةٍ ما مرمياً في فضاء اللغة دون توقف.

لأجل ذلك ستنطلق البداية لنبذ أوهام العنف والتعصب من الأنا، من صورته عن ذاته بوصفها امتثالاً يجمده ويعطيه قواماً هشاً. وليست بداية الموضوع من نقد الدعاية السياسية ولا من كشف الترويج لأيديولوجيات شمولية. بمجرد وجود الأنا داخل اللغة غارقاً عبر التعبيرات، لا يستطيع الهيمنة على حضوره، يبقى مرهوناً بقدرات اللغة ليس أكثر. اللغة حينئذ صورة الأنا ونقض مركزيتها، هي القيد والانفكاك، هي الصيغ الثابتة والمتلاشية. لأنَّها تُعدِّد الأنا بالوقت الذي يقبض فيه على ذاته. ولن تتراكم أية أوهام سوى كضباب عابرٍ تحملها رياح اللغة حيث لا تكون.

وهذا بؤكد أنَّ التعصب للدجما الفكرية العنيفة غير ممكن أصلاً، فإذا كان الأنا لا يملك تأثيراً ثابتاً في اللغة، فكيف يزجي ما يعتقده للآخرين، بل اللغة تسدد إليه المحاولة  في هيئة أسئلة جديد: من يكون هو ابتداء؟! كيف يعدُّ نفسه متماسكاً؟! هل هو مفرد أم متعدد؟ فالأسئلة ليست هامشية، لكنهاً واقعة في صلب اللغة وماهيتها، كما أنها في صلب الأنا وماهيته. كلُّ أنا يطلق أحكاماً من شأنها معاقرة الوهم بالاستحواذ والتماثل، سيكون مصيره التيه في متاهات لغوية.

علاقةٌ مُريبة

علاقةُ الإنسان بــ" الأنا "- أو ما يُسمى كذلك-علاقةٌ مُريبة. إذ تكفيه (أي الأنا) اشارةٌ ليسقطُ صريعاً في فخِ الكائن الموصوف. لأنَّه في حالة استحضار دائم لمعنى وجودي يريد أنْ يكونه. وفي هذا لا يجد سوى الوصف لذاته كمادة شمعيةٍ سُرعان ما تسيل أمام حرارة الآخرين. إنَّ متاحف الشمع لا تمنع هجير الواقع، ولا تنبض روحاً داخل أي كائن رغم سماته البارزة على أعتاب الحياة.

خلال مواقف كثيرة يتكلم الأنا عادةً: أنا كذا... ولست كذا. أنا قوي... ولست ضعيفاً، أنا ذكي... ولست غبياً، أنا سيد... ولست عبداً، أنا حاكم... ولست محكوماً، أنا ثري... ولست فقيراً. إذ بجانب وجوده العيني، يصف الأنا شيئاً داخله موافِقاً لحالٍّ يراه حدَ التصديق. حيث يختزل الأنا كعدسةٍ لاقطةٍ أزمنةً متباينةً ذهاباً وعودة وذاكرة.

وبالمقابل فإنَّ الأنا كإنسان موصوفٍ يحدده الآخرُ في وضعية لغوية قيد التواصل: أيا هذا ... أَلَاَ تسمعني، ها أنا بدوري أتحدث إليك؟!  فلتكن على مستوى اختلافي عنك وأنت لست بمنأى عما أقوله لك. ولا تحسبن أنَّ قولي يمرق بجوار سمعك فقط، إنه يستقر في اعماقك، هو قرين اللغة التي هي أصل وجودك مهما ابتعدت. والافتراض الحي أن لغتنا ليست انعكاساً بطريقة المرآة، لكنها وجودك المختلف حيث أنت. لا تحاول أن تقف داخلها كما هي، لن تعطيك أية فرصة لذلك. وكلما أردت تدعيما لما تعتقد وترى، لن تمارس ما تريد، بل هناك ممارسات لغوية أخرى خارج إمكانية السيطرة عليها.

على سبيل الإيضاح أثناء دروسه الفلسفية، أشار أرسطو لأحد تلامذته: تحدث حتى أراك؟! فأنت أيا هذا غارق في اللاوجود بالنسبة إلىَّ، عيناي بعيدتان لا تراك، وكلماتي لا تطالك، والغياب على مقربة خطوات، انت تثير ظهوراً من نوعٍ ما. إذن اللغة تجعل الإنسان موضُوعاً مؤوَّلاً ومختلفاً عبر رؤيتنا المشتركة. اللغة تنبش هنالك حيث وجود الأنا باستمرار: ماذا عنك؟ ماذا لو أنّك كنت هكذا...؟ تتذكره جيداً وإنْ نسي نفسه، تُبْقِيه فائضاً دلالياً داخل العبارات وتفاعلها مع المواقف والأحداث.

هكذا ينقسم الأنا مراراً داخل اللغة: هو الواصف والموصوف ونقيض الوصف، هو النفي والإثبات والتردد، هو القرب والبعد والنأي، هو الداخل والخارج والبين بين، هو الكيان والمعنى والخيال، هو الحال والمآل والتأجيل، هو أناي ولا أناي والأنتنا، هو الآخر واللاآخر والغير، هو التملُّك والفقد والضياع، هو الوجود والعدم والتلاشي، هو الماضي والحاضر والمستقبل، هو الكلام والتلقي والتواصل، هو العبارة والإشارة والتأويل ... جميعها تقع كأطياف في أعماق الأنا، الصور الكامنة فيما أكُّون داخل ذاتي.

حتى أنَّ فعل الكينونة (هو- is) يلخص الاختلاف الوجودي. إنَّ الهو معبرٌ عن الغياب بحد اللفظ (ضمير الغائب: هو)، فلا يطلق عادةً إلاَّ عن ضمير مقصود لإنسان غائب. الشخص متى يغيب هو فلان الذي ليس هنا وليس الآن. ومنطقياً يمثل الهو( is (الرابطة التي تجمع بين موضوع ومحمول. فحيث يظن الأنا حضوراً ثابتاً مع حاله، يمثل غياباً بالتوازي، الغياب من واقع اللغة وإن كانت حاملة لمعانيه. كذلك يشير فعل الكينونة إلى الهوية التي ليست هوية، إنها نقيض مركزها، نقيض أصولها، تُفرق بمقدار ما تُجمِّع، تبذّر، تسرف كلما ادَّخرت، تغيض كلما تفيض.

ولذلك قد ينزع الآخرُ ما يملك الأنا من صفاتٍ تبعاً لرؤيته وأناه هو الآخر. أي باللحظة التي يظن فيها الإنسان أنَّ وصفاً معيناً لصيقٌ بكيانه يُوجد داخله آخر بشكلٍّ ما. وكأنَّ صلاحية الأنا إزاء نفسه وصلاحية الآخر داخله لا تمران عبثاً، لكنهما تخضعان لعلاقة منقسمة على ذاتها. والطبيعي أنْ تنال العلاقة قبولاً لديه حيث يتفاعل والمعاني التي تفرزها بمحددات سواه الذي هو. من أنت أيا هذا؟! أنت هو بالنسبة لي..

إذن تنهض اللغة باعتبارها رغبة  في التواصل إلى درجة التجاوز. رغبة مزدوجة على ما يتسق الأمر في أفعال الكلام والحوارات والخطاب. كلَّ أنا مسكون بتجسير الهوة بين ضفتي الازدواج الذي يشغل مظاهر الحياة. فلا لغة إلاَّ وهي حاملة لتنوع المتكلمين دون نهاية وهي تفترض ذلك افتراضاً. الأصوات والأصداء والآثار والهوامش التي تتردد في جنبات الكلام غير قابلة للحصر. وعلى مستوى الفهم يصعب أخذ الجُمل دون اعتبارٍ جدي لما يعتمل بجوفها من أطياف. ليس شرطاً أنْ يكون المتكلم والمتلقي هما المحددان للسياق، هناك تواريخ اللغة والمعجم والتأويل. فوجود المعاني عملية معقدة وهي حالة تحددها عوامل عدة ليس أبرزها الطفو على سطح الوعي من مقاصد المتكلم والمتلقي.

جسم هلامي

حين نشعر بـ"الأنا" ربما نقف على شيءٍ ما، شيءٌ مثل جسمٍ هلامي يحجب ثقوب الرؤيةَ أثناء دراما الحياة. بتلك الطريقة يقوم الأنا بوظيفته غير المباشرة، أي يؤدي دُورَ البطل الذي يمثِلّ كل حياة في أعماقنا آتياً من وراء المشاهد. ومن زاويةٍ أخرى ربما يضيع ذلك الشعور الدرامي هباءً. وقد يغفله المرءُ بل يجهل: ما حقيقته، ما طبيعته، من أين يأتي وإلى أين يذهب؟

وبالأساس هذه آفاق تخص كل إنسان ليست موضعَ سؤالٍ بحكم أنَّها تلقائية. لكنها تصادف أُناساً كثيرين من وقتٍ لآخر، حيث ينشغلون بإجابتها عبر أعمالٍ وعلاقاتٍ وأنماط للتفكير. إنَّ ثمة تشبثاً بمآرب يريد هؤلاء أو أولئك تحقيقها وينفقون جهداً دون واقعٍ إلاَّ من تأكيدٍ محمومٍ لديهم. الأنا بؤرة لتكثيف الاستحواذ بلا طائل. وإذا كان هو عدسة مُجَمِعّة إزاء الآخرين، فبالإمكان تحويلها إلى طاقة حارقةٍ.

هنا المعنى مهمٌ في مجالات الفكر... فمن أين يأتي الكلام القاْطِع عندما يتحدث أحدُنا عن رأيٍ أو يدافع عن قضيةٍ؟! فإذا كُنا لا نملك" أنا" فكيف بالادعاء المتواصل بصدد ما يقول!!

هذا العمل أشبه بإرجاع اللغة إلى مرحلة أسطورية في تاريخ الإنسان. مرحلة خلق الأشياء بالكلمات. لعلنا نلاحظ أنَّ كلَّ نزوع تعصُبي، كلَّ خطاب أيديولوجي يزعم ذلك المنحى الأسطوري. فاللغة مسكونةً بالوظيفة الأنطولوجية للأنا منذ القدم. لأنَّها حاملة لمشكلة فيها، أنها أي اللغة: " تُشيّئ المعاني وتُروحِنْ الأشياء". والأنا يستغل خاصيةً كهذه في عبارات التمركز حول نفسه egocentrism. ويتحرش بالمختلفين لطردهم من ساحته كما يقول بسكال. لا يعني ذلك اهمال اللغة، فحتى مع عصر التقنيات الالكترونية وعصر الخيال الافتراضي باتت العبارات أشد تأثيراً. مجرد ضغطة زر أشبه بعبارة على بابا "افتح يا سمسم" فإذا بكهوف العالم تنفتح على لآلئ وكوارث أيضاً.

التعبير العنيف هو الوهم بتضخم الأنا حاجباً ما سواه. وهو ما يجري استعماله خلال الخطاب السياسي والديني وضوحاً لا حصراً. فالأنا كدالٍ في العربية يحمل وقْعَ التأكيد النفسي الوجودي لما يعتقد، نبرةَ التشديد من جهةِ الحضور الذاتي. ويحمل من جهةٍ أخرى الآنية أو دلالة الدازاين Dasein بمصطلح هيدجر. هذا الزمن الآني للإنسان لكونه مؤكِّداً لذاتهِ ومتآنياً عبر حالٍ يظنه كذلك. ولهذا ليس في عصور الاستبداد من أهمية للتطور لأن الحياة متوقفة داخل الإنسان.

ينفلِّت الأنا في السياسة مع السلطة والاستبداد. وينشط اجتماعياً ضمن تراتب القيم والهوس الجمعي بالظهور العام. الأنا يتسلق كما يتسلق حيوان من القوارض سريع الحركة ومزعج الأثر. يأتي للإنسان زاحفاً فوق جلده كأنَّ هناك شيئاً يلْعق أنفه. ففي الثقافة البدوية الأنف رمز الشمم دالاً على خُيلاء الأنا. كما عبر ابن الأعرابي مفاخراً بقومه: "بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. في كُّلِّ نائبةٍ عِزازُ الْآنُفِ". المعنى ذاته قاله حسان بن ثابت:" بِيضُ الْوُجُوه كَرِيمةٌ أحْسَابُهُم.. شُمُّ الأُنُوف من الطِّرازِ الأَوَّلِ".

والأنف أيضاً هو مصدر اخلاقي لألم الأنا. هناك تعبير يدمغ المعنى فيبرزه إزاء شخصٍ لم يستطع التعبير عن نفسه وتحقيق ما يريد: الموضوع مرّ "رغم أنفه". تهشمت إرادته ولم يقو على مجابهة التحديات ورضخ للأمر الواقع. أما التعبير الحاد: تمرَّغ أنفُه في التراب، وهو كنايةٌ عن اسقاط مهابته أرضاً، فأصبح علامةً على الحط من قدْره. وذات الأنف هو ما ينال حَكْاً بالأُصبع مع المواقف الحرجة.

وعلى أهميته بهذا المجاز، يعدُّ الأنا وهماً اذا بحثنا عنه. هو في الصيغ اللغوية يعطينا إحساساً بوجود محتوى. غير أنّه ليس إلا "صوت الاحتواء" ذاته، حيث يتعين علينا الانغماس في التوهم والتّجَسُد. وكم ارتبطت الكلمات تاريخياً بفعل الإيجاد. "في البدء كان الكلمة" كما تقول الأناجيل المسيحية. ومن منظور التوراة كان الناسُ شخصاً(أنا) واحداً يتكلم لغة واحدةً. لكن عندما غضب الرّبُ عليهم، بلبل ألسنتهم ثم كان تفرقُهم وشتاتُهم في الأرض.

بئرٌ من فخارٍ

تاريخياً كانت اللغة لُّحمة مجازيةً لهذا الأنا المُصاب بالشتات في شخص الإنسان. هي حين لم تستطع جمع فوضاه توافرت على خطابه الدال إذ تعطيه بُعداً غير محسوم من نوعٍ ما. الشبه هنا قريب جداً من رجلٍ يمد رأسه عميقاً داخل بئر من فخار ويتسمّع أصداءً سحيقةً. وربما يصدر صوتاً مكتوماً، فيأتيه الصوت أقوى تردداً وأضخم تجسيداً. عندئذ سيحتوي الصوت - صادراً وآتياً- على أكثر من نغمةٍ. هناك تقطُع، نقرات كعناصر صوتية منفصلة، وهناك نغمة متصلةٌ غير بارزة لكنها في الخلفية، وهناك أصوات جانبية، رنين، تراجع وارتطام الصوت بالأصداء المنعكسة. هذا إجمالاً عُمق الأنا إذا تمكننا من بلوغه في اللغة التي تنقله للآخرين. بالتالي: لا يكون الأنا أنا إلاَّ حيث لا يكون!! أي حيث نفشل في بلورة كيانه رغم توافر معناه.

هل سنعثر على الأنا لاحقاً؟ بالطبع المحاولة دون جدوى. لأنَّ الأنا سيتسرب من الوعي إذا عرف أنه تحت المراقبة. ماذا نفهم لو قال شخص" أنا"؟ أهو الجسد، أهو المعنى، أهو الكائن بالأمس أم المفترض غداً؟! السبب الوجيه: أنَّه في تلك اللحظة هو ما يبحث عن نفسه. فكيف لمن يبحث عن نفسه أنْ يجدَّه؟! وتلك هي مشكلة المتصوفة ... أنَّهم لا يعثرون على أناهم مهما استغرقوا قليلاً أو كثيراً في ترحالهم الروحي. الأنا لديهم غير متوافر، ضائع. لقد تلاشى أمام الحقيقة الإلهية كما تتلاشى قطرةُ ماءٍ داخل البحر. لأنَّهم لا يرون ما سوى الله إلا فيه. يقول الحلاج: "نحن روحان حللنا بدنا فإذا ابصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتني". أنا المتصوف ملق على بساط الألوهية بلا حدود. لقد قذفه دون استعادةٍ محتمياً بالخالق ومنسياً في جلالِّه.

من ثمَّ يتأرجح الأنا داخلنا كإحساس غائرٍ بالمصير، كرقاصٍ لساعة  قديمةٍ. حينئذ يساوى حجم "الرغبة في". ولنضع خلف الــ "في"... كل موضوعات الرغبة وآثارها. الرغبة في الوجود، الرغبة في الحياة، الرغبة في القداسة، الرغبة في السعادة، الرغبة في الآخر. جميعها تتشكل من أثر اللغة وتخمُرها. أوقات غير قليلةٍ نأخذ بالبحث هنا أوهناك عن شيء مثل القلم بينما نحن ممسكون به بين أصابعنا. هل نسينا القلم، هذا الذي على اتصال مباشر بذاكرة الكتابة. إنَّه مثل الأنا مُلق ببداهة اللحظة. فأثناء استغراقنا فكراً نفقد شيئاً منا. فإذا أردنا تذكرّه، سيحتاج إلى مساحة للاتصال بالواقع. مساحةٌ تساوي فضاءَ الأنا، هي صداه حين يعود عارفاً- مجرد المعرفة- بكيانه. وهي لحظة هشاشة حقيقية كما نستعيد حلماً ذائباً مع لاوعينا الشارد.

لا يتوقف الأنا عن هذا الامتلاء الفارغ. وعبارة الكوجيتوcogito الديكارتي "أنا أُفكر إذن أنا موجُود" واردة في هذا السياق. إنَّها ليست يقيناً إلاَّ من جهة الإيمان بشيء فاعلٍ الآن. أَطلقَ ديكارت عليه التفكير. بيد أنَّه ممارسةٌ للوجودِ المقلوب بصورةٍ ما. واليقين عندئذ امتلاء بصوت داخلي يترك صداه خارجاً. الأنا ذلك "البئر الفخار" الذي أشرت إليه. أخذ ديكارت بملئه بالتفكير تبعاً لإيمان أعم. لعلنا سنلاحظ في هذا الادعاء مستوى غير عقلاني بالمرة. أقصد مستوى تقديسي رغم تصريح العبارة بغير ذلك. على الأقل تقول العبارة: أفكر في شيءٍ ما، فأنا بناء عليه سأُوجد، ها أنا سأوجد. حتى يصل إلى السؤال...هل أوجد حقاً وذلك بمحاولة إثبات ذاته. لهذا يعتبر الله ضامناً للأنا عند صاحب الكوجيتو.

في هذا الصدد لن يعتبر "الأنا يفكر" هو نفسه "الأنا يوجد". صحيح رَبطَ بينهما ديكارت بالثابت المنطقي" إذا...إذن" كنوع من فعل الشرط وجواب الشرط. بالصيغة التالية: إذا كنت أُفكر إذن أنا موجود. وانصهرت نبرة الزمن الماضي بواسطة "كنت" لتصبح في الزمن المضارع، أي تفيد حضوراً بمعني الاستمرارية. لكنه لكي يتم المرور من الأنا أفكر إلى الأنا أُوجد، فإننا نحتاج عمليةَ خلقٍ، نحتاج إيماناً خفياً. فديكارت تغاضى عن غياب أنا بهذا القوام الذي يتملَّك المرء حين يقول أنا. بينما أعطاه كامل الصلاحية للوجود هنا. بالتالي الأنا الأول ليس مساوياً للأنا الثاني. إنَّ فعل الشرط غير كافٍ لإحداث جواب الشرط. لهذا ستكون فكرةُ اليقين لدى ديكارت (معلقة) على البداهة. وسيكون الشك بنسبيتِّه الظاهرة مرتبطاً بما سيأتي المرء من أهواء وعواطفٍ.

إله اللغة

مع الأهواء جاء الأنا في القرآن- أحد عائلة النصوص الإبراهيمية- لصيقاً بخطاب الطواغيت كفرعون والنمرود وقارون. فرعون:(أنا- السياسة والسلطة) والنمرود:( أنا– الإله) وقارون: (أنا– راعي الاقتصاد). وهم الثلاثة يشكلون الأخطر الأكبر في تاريخ الدين على فكرة الألوهية. فالحُكم يترصده الفرعون من أعلى وعملية الخلق يتنازعها النمرود مع الإله والمال ادعاء لا يبقي ولا يذر. استنطاقاً لذلك، دوماً يربط القرآن الأنا بادعاءٍ خطابي حاشد أمام الآخرين. قال الفرعون لقومه "ما علمت لكم من إله غيري" (القصص/ 38). هذه دلالة الأنا عندما يسمع الحاكم صداه مع صولجان الحكم وسلطة اللغة. غير أنَّ الصدى صدى رغبة سحيقة في القداسة التي هي قضية الوجود الأولى. بينما هذا الإنسان المتألِّه صورةً لا أصلاً بعبارة ابن خلدون.

وصحيح إنَّ الأنا نسخة مقلدة، لكنها تفرز لعباً سياسياً متبادلاً: "استخف قومه فأطاعوه".  لعبة "الاستخفاف والطاعة" ... تلك المباراة التمثيلية بين الحاكم والمحكوم. فكان الفرعون نموذجاً للوقوف على الوهم الداخلي بكيان غير موجود أصلاً. وهو إثبات استحالة امساك هذا الوهم إلاَّ في وضع كارثي كهذا. إنَّه المخدِّر الإنساني منذ خروج آدم من الجنة وقد مثل حلماً يراود البشر مع الجلوس على كرسي السلطة.

مخدِّر يفرز أثرُه سريعاً في مراحل الحياة. مثل استبعادنا الدائم لموت الأنا. هل تصور حاكم أو غيره موتاً لأناه؟ هناك استحالة تصور الموت مقترباً منه ولو كان على مسافة خطوات وكأننا في بروج مشيدة بحسب تعبير القرآن. تعبير يقع معناه بإمكانية استدراك الأنا لمصيره إذا ظن الهروب من النهاية المحتومة. وقول القرآن "كل من عليها فانٍ" إنما يقصد فناء الأناوات مقارنة بالله. وعلية سيبقى وجه الرب ذو الجلال والإكرام في عملية استعلاء وجودي لقانون الخلق والخالق. الوجه هو ما يميز الأنا وينسب إليه مباشرة. فالإنسان كائن ذو وجه بالدرجة الأولى، بينما الحيوان لا وجه له إلاَّ هو. غرائزه هي الوجه الطافح بالحياة. أما لدى الإنسان فالوجه يعبر عن جوانب النفس والمعنى. وإذا كان الإله والإنسان تفرقاً بفكرتي السمع والطاعة، فإنهما يلتقيان بالمصير، النهاية تترك بصماتها على الوجوه.

هناك علامات النضارة، التجاعيد، التجهم، العُبُوس، الزوال. إنِّه أيضاً مرآة تدل على النرجسية( نرسيس في الأساطير اليونانية الذي مات نتيجة رؤية وجهه في الماء ومحاولة التوحد به). وهو تباعاً ينقل الرغبة الدفينة في الخلود حيث الماء أصل الحياة واستمرار الوجه. وليس وقوفُ الإنسان يومياً أمام المرآة إلا لرؤية شيءٍ أكثر من الوجه. الوجه معتاد، بينما هناك الوجه الآخر الذي هو  كم من نكران المصير، من اختراق الصورة.

على الصعيد العام تأخذنا عبارات الإطراء إلى آفاق الخُيلاء. لا نغفل في هذا حركة ثقافتنا السياسية اليومية. فخطاب الأعمال المتداولة يصوغ جُملاً للمناشدة والتزلف تجاه السلطة بأصنافها. لذلك ما لم نحرر علاقتنا باللغة العربية سنظل نجتر استخفاف الفرعون من عصرٍ إلى عصرٍ. لأنَّه أحد المؤلفين السريين للمعجم السياسي العربي. الفرعون قابع في الحاكم، الفرعون في الوزير، الفرعون في رجال البرلمان، الفرعون في عناصر الأمن، الفرعون في الكاتب السياسي، الفرعون في الشارع!!.

إلى أنْ قال الفرعون " أنا ربكم الأعلى"( النازعات/ 23). ادعاءٌ جعل الأنا السياسي غطاءً لغوياً كلياً إزاء أي ادعاء آخر. ولهذا فإنِّ اللغة، أي فعل القول العام، عنصر مشترك في الآيتين السابقتين. كانت قولاً صريحاً بخروج الإنسان إلى حال اللا كائن. ففرعون وقف بجانبه خطابٌ سياسي انطولوجي زاعماً ألوهيته. أي يقول أنا المقدس هنا والآن. وتكمن في عبارته اشارةٌ قرآنية حساسةٌ باعتبار الأنا لو تحدد فقد تألَّه. وفرعون لم يوارِ هذا الشيء إنما ذكر نتيجته مباشرة (ربكم الأعلى). فلو تمكن من اثبات علو أناه، فقد خرق قانون فناء الأنا وتلاشيه.

الأغرب أننا كثيراً ما نتلاعب باللغة سياسياً للتخلص من الفرعون القابع فيها. فلم يكد الرجل العربي يتحدث عن نفسه حتى يتمتم" أعُوذ بالله من كلمة أنا". وهو لا يدري لماذا ذلك الترديد؟ أصبحت الكلمةُ لازمة تواصليةً بين الناس كأسلوب للتستر وراء القول. لأنَّها تذكير ضمني بانتشار جينات الفرعون في جسم الخطاب الاجتماعي السياسي. هكذا أصبح معنى الفرعون فيروساً لغوياً لاهوتياً، حركته اللغة اليومية بهذا التوالد البيولوجي. لقد طُرحته الثقافة العربية كنمط مهيمن يخترق وسائط التعبير مبيناً انحرافها تجاه المُطلق السياسي.

ليس مصادفة أنْ يوثِّق ذلك أحد الشعراء القدامى: "أنا سَيْفُ العَشيرةِ فاعْرِفُونِي جَمِيعاً قَدْ تذريت السَّنامَا". فالعشيرةُ انتاج بيولوجي ثقافي. والسيف يجمع بين القوةٍ والعصبية. ثم يأتي الشعر كرأس حربة رمزي أثناء المعارك الاجتماعية إذا حمي الوطيس. واستمرت اللغة في حياتنا العامة سيفاً للأنا بين أصابع العشيرة. سواء أكانت الأخيرةُ بنية اجتماعية أم مؤسسة سياسية أم سلطة حاكمةٍ.

لو كان لنا أن نتعلّم من هذا "البئر الفخار" لكنا أهملنا التعصب المقْيت. ولبحثنا طوال عمرنا الجمعي عن التروي في فهم ماذا تقول اللغة. يقال إنَّ معجزة الثقافة العربية في شعرها وقرآنها. ومع هذا ما أعجزنا عن مواكبة عمل اللغة التي مازالت تتردد بيننا. إن الإنصات إلى لغة الشعر والقرآن، أقصد الانصات إلى طابعهما الإنساني، لهو أمر في غاية الأهمية. فالطابع الإنساني للغة لا ينفي أيَّةَ معجزةٍ، لكنه يكشف عن كيفية احتضانها وغرسها في تربة الثقافة. وتلك عملية تفترض انتظاراً لما هو قادم بصيغة المستقبل الماضي. وما لم نلتفت إلى تلك الصيغة لن نستطيع التحرر من القديم. فالسؤال المبدئي: كيف نتجاوز الأنا؟ سؤال رغم بساطته كما يبدو إلاَّ أنَّه يساوي حجم وجودنا الثقافي وتاريخه.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5073 المصادف: 2020-07-26 03:01:34