 أقلام فكرية

دوركين ومبدأ القانون الواحد (1)

علي رسول الربيعيهل يمكن فرض الوحدة من خلال منعطف تفسيري؟

سوف نناقش في هذه الدراسة أطروحة رونالد دوركين الشهيرة في تأكيده الثابت على أن هناك إجابة صحيحة واحدة للحالات الصعبة التي تتحدى حلًا منطقيًا أو تفسيرًا واضحًا يبدأ من الواحد والكثير في وقت واحد ويسعى إلى إقامة روابط قوية بينهما من خلال التفسيرات القانونية. تستمد الوحدة، بالنسبة إلى دوركين، من الصلاحية الشاملة لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام المتساوي، وسنفصلهما لاحقا . مقابل هذا، تنبثق التعددية من القرارات المتنافسة المتعددة التي تظهر عادة في سياق الحالات الصعبة.

كما سوف نناقش، تقع أطروحة دوركين ومقاربته أونهجه التفسيري للتوفيق بين واحد والكثير أو المتعدد داخل المعسكر الليبرالي الذين هم أحاديون في طبيعتهم في النهاية. علاوة على ذلك، سواء وافق أو لم يوافق المرء:  تفشل أطروحة دوركين في تحقيق مبتغاها في النهاية فيما يتعلق بشروطها الخاصة، فمن الواضح تمامًا، كما سنرى، أنها تفشل من وجهة نظر التعددية الشاملة. ومع ذلك، فإن نهج  دوركين مهم ومفيد لأغراض تحديد نطاق وقيود البحث عن إمكانية التوفيق بين الواحد والكثير.

1- أطروحة دوركين ومبدأ القانون الواحد:

أصر دوركين وعلى مدار عدة عقود، على وجود إجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة.[1] لقد اتخذ هذا الموقف على الرغم من العديد من النقد والاعتراضات، وعلى الرغم من اعترافه بأن الديمقراطيات الدستورية المعاصرة التعددية عادة ما شهدت خلافات واسعة النطاق فيما يتعلق بالأخلاقيات والسياسة.[2] يبدو أن استنتاج دوركين متعارضًا، ومعاكسا لما هو بدهي هنا نظرًا لأنه لا يعتبر التفسير القانوني مجرد ميكانيكي أو قياسي، ولكنه يعتبره تفسيريًا شبيهًا بالتفسير الأدبي.[3]

يجب تقييم أطروحة دوركين التي تتعلق بالإجابة الصحيحة في ضوء جهوده المنهجية لإعادة بناء السمات أو الخصائص الأساسية للأنظمة القانونية المتقدمة والمعقدة، بشكل عام، وممارسة أصدار الحكم القضائي داخال هذه الأنظمة، بشكل خاص. علاوة على ذلك، يتعارض مسعى  دوركين  في إعادة البناء مع نظريات معينة في القانون والحكم القضائي، والوضعية اساساً، والواقعية القانونية والنظرية القانونية النقدية اللاحقة لها، ونهج القانون والاقتصاد التي طرحها ريتشارد بوزنر[4] وترتكز على فلسفة سياسية  تفترض أن جميع الأشخاص لهم الحق في الاهتمام والاحترام على قدم المساواة[5] وهي تقترب  جدا مع موقف جون راولز في  المساواة الليبرالية.[6] أخيرًا، لايقتنع دوركين بقصر إعادة البناء التي يقوم فيها على مجال النظريات المجردة، ولكنه يسعى إلى التوفيق بين المبادئ المجردة والممارسات الملموسة ودمجها في كيان متماسك. وعلى وجه التحديد، على الرغم من أنه يشبه التفسير القانوني بالتفسير الأدبي، إلا أنه يراعي الفروق بين التفسير الدستوري للأمور والتفسير القانوني وتفسير القانون العام، مصراً على أنها متوافقة مع التفسير الأحادي جميعًا.[7] وهذا على الرغم من حقيقة قد يكون التفسير القانوني قابلاً للتعديل وللأستدلال أو القياس المنطقي أحيانًا، الأ أن تفسير القانون المشترك العام يتطلب نهجًا استقرائيًا غالبًا ما ينتج عنه أكثر من إجابة واحدة معقولة.

يجعل دوركين، من خلال وضع نفسه ضد نظريات معينة عن القانون واعتناق فلسفة سياسية خاصة وموقف أخلاقي معين، من الصعب للغاية دحض أطروحته عن الإجابة الصحيحة الواحدة من قبل أي شخص يشاركه في فرضيات المساواة الليبرالية. من ناحية أخرى، يدع دوركين إثبات أطروحته أكثر صعوبة وتحديًا، من خلال اللجوء إلى Hermeneutics (التأويل) ومحاولة تفسير التعقيد الكامل لقانون عام  قائم على نظام تشريعي يحده دستور مكتوب (قانون الولايات المتحدة مثالاً). لا شك في أن دوركين على علم بهذا التحدي الذي سعى إلى مواجهته من خلال إعادة بناء موقف معاكس للواقع (أيً واقع متخيًل كما  الموقع الصلي وحجاب الجهل الذي يستعمله راولز  بقصد أجرائي). يعترف دوركين أنه بالنظر إلى التعقيدات التي ينطوي عليها السعي إلى التوفيق بين الدستور والقوانين والمعايير ذات الصلة الصادرة من القانون العام، قد لا يتمكن القضاة العاديون من اكتشاف الإجابة الصحيحة في كثير من الأحيان، وبالتالي قد يتم ابعاد هذه الاجابة الصحيحة من بين عدة إجابات أخرى قد يختلف حولها القضاة المعقولون. لكن دوركين يصر بحق على أن هذا لا يعني أنه لا توجد إجابة صحيحة واحدة، ولإثبات وجهة نظره، يلجأ إلى الاستدلال المتمثل في تخيل قاضي خارق، يسميه هرقل، قادرًا على فهم جميع أسئلة التفسير القانوني بكل تعقيداتها وانعكاساتها.[8] يدعي دوركين أن هرقل يمكن أن يأتي بإجابة واحدة صحيحة لكل الحالات الصعبة. ولإثبات ذلك، ينخرط دوركين  في مهمة شاقة لإعادة بناء مضادة للواقع. تتوج هذه المهمة بإعادة صياغة القانون كنظام موحد قائم على مبدأ يتماشى مع رؤية دوركين الأخلاقية والسياسية – وهو ما يمكن أن نشير إليه باختصار بـ "مبدأ القانون الواحد".

وعليه، تصل أطروحة دوركين إلى أنه : إذا قام القاضي هرقل بإعادة صياغة القوانين وفقًا لمبدأ القانون الواحد، فهناك إجابة واحدة صحيحة لكل سؤال قانوني يتطلب التفسير القضائي. لكني سوف أسعى لإثبات أنه حتى لو نظر المرء في أطروحة دورين في سياقها الصحيح، ويشاطره قناعاته فيما يتعلق بأهمية مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام لكل شخص، ويتبنى فضائل إعادة البناء المضادة  للواقع، يجب على المرء رفض أطروحته على اساس التعددية. بمعنى آخر، إذا أخذ المرء التعددية على محمل الجد بأبعادها الواقعية والمعيارية، فيجب على المرء أن يرفض مبدأ القانون الواحد وأطروحة الإجابة الصحيحة الواحدة. باختصار، إذا، كما يؤكد دوركين، لا يمكن فصل القانون عن الأخلاق أو الخير، وإذا كان هناك، مفاهيم مختلفة للخير في المجتمعات التعددية المعقدة مثل تلك الموجودة في مختلف الديمقراطيات الدستورية الغربية، إلى الحد الذي يؤدي فيه تفسير القانون نفسه في ضوء المفاهيم المختلفة للصالح العام (بما يتوافق مع مبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام) إلى إجابات مختلفة في بعض الحالات الصعبة، فأذن لا يمكن أن يكون هناك إجابة واحدة صحيحة في مثل هذه الحالات.[9]

لتقديم وصف وتفسير أكثر شمولًا لأطروحة دوركين وتأثيراتها على التعامل التعددي للعلاقة بين الواحد والكثير، سأضع نظرية دوركين  في القسم 2 في سياق مقارن، من خلال مقارنتها بالنظريات المتنافسة ومن خلال فحص الفارق أو الأختلاف النقدي الذي يرسمه بين المبدأ والسياسة. وساقيًم في القسم 3 دور إعادة بناء الواقع المضاد في سياق نظرية التفسير عند دوركين. واقدم  في القسم 4 تحليلاً نقديًا لإعادة بناء دوركين للواقع المضاد لنظام قانوني معقد يتوافق مع مبدأ القانون الواحد، مع التركيز بشكل خاص على تمييزه بين المفهوم والتصور، وعلى اعتماده على مبدأ النزاهة لتبرير شرعية التفسير القضائي. أخيرًا، يصف القسم 5  تضمن التعددية لمبدأ المساواة في الاهتمام والاحترام  بما يتناقض مع نهج دوركين  تجاه التعددية الشاملة في السعي لتحقيق المصالحة بين الفرد والكثير.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously. Cambridge: Harvard University Press.ch. 4.

Dworkin, Ronald.2003. Response to overseas commentators. International fournal of Constitutional Law (I.CON) 1: 660-2.

[2] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :123-30.

[3] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire. Cambridge: Belknap Press.ch. 7.

[4] Posner, Richard. 2002. Economic analysis of the law. New York: Aspen Publishers.

[5] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously :180-3.

[6] Rawls, John. 1971. A theory of iustice. Cambridge, MA: Belknap Press.

[7] Dworkin, Ronald. 1978. Taking rights seriously 1978: ch. 4.

[8] Dworkin, Ronald.1986. Law's empire: 239, 264-5.

[9]

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5069 المصادف: 2020-07-22 03:21:28