ناجي احمد الصديقكانت ايران على أجندة الرئيس الامريكى دونالد ترامب منذ الوهلة الاولى، فقد وعد الرجل مؤيديه وهو فى مرحلة الدعاية الانتخابية بان اول ما يفعله حينما يدخل البيت الابيض هو اخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الايرانى وقد صدق الرجل وعده واخرج الولايات المتحدة بالفعل من ذلك الاتفاق وكانت تلك هى البداية لضغوط شتى ظل يمارسها ترامب وهو يأمل – كما كان يقول- فى ان تأتى ايران اليه صاغرة لابرام اتفاق جديد يلبى رؤيته ويحقق طموحاته

مضت سنوات طويلة على انتظار دونالد ترامب عمل خلالها بكافة السبل على الضغط المتزايد على ايران بدءأ من فرض العقوبات الاقتصادية والتى ظلت وتيرتها تتصاعد يوما بعد يوم وانتهاءا بإعادة العقوبات الدولية بشكل احادى على ايران بعد ان انتهت فترتها دون ان يجد دعما من حلفاءه المقربين من الدول الاوربية .

لقد وضح ألان تماما اكثر من اى وقت مضى نية الولايات المتحدة الامركية الصادقة فى الضغط على النظام الايرانى مهما بلغت التكلفة حتى يقدم على المفوضات وهو صاغر دون تقيد بالقانون الدولى او اهتمام بمعارضة الدول، وان كل ما قامت به الولايات المتحدة منذ مجىء الرئيس ترامب الى السلطة ينم عن تلك النية الصادقة، ويرى الكثيرون بان الضغوط المتزايدة من الرئيس ترامب على جمهورية إيران هى وسائل تهدف الى إخضاع نظام الحكم الاسلامى فى إيران الى مواضعات الراهن الذى وضعها ترامب بنفسه فى منطقتي الشرق الأوسط والخليج العربي ومن اهمها صفقة القرن التى ستعيد صياغة الحغرافيا السياسية والاقتصادية فى تلك المناطق وانه بات مقتنعا اكثر من اى وقت آخر بان هذا النظام سيكون حجرة عثرة كبير فى طريق هذا الحلم الكبير

لم يكن الرئيس الامريكى فى حاجة على ان يقطع على نفسه وهو فى مرحلة التصويت على الرئاسة بأنه سوف يخرج بامريكا من الاتفاق النووى مع إيران لان الخروج من الاتفاقيات الدولية يحتاج الى دراسات معمقة لمعرفة مآلاته البعيدة والقريبة، كما انه لم يكن فى حاجة الى تهويل الخطر الايرانى فى اعين دول الخليج حتى نشأ فى بواطنها رهاب ايرانى هو اقرب الى رهاب المرضى الذين يتصورون الخطر تصورا هو ابعد ما يكون من الحقيقة، ولكن ها هى الايام تثبت ان كل ما فعله الرئيس الامريكى تجاه النظام الايرانى كان يهدف الى إخراج نظام الملالى من المشهد الاقليمى لان ذلك المشهد قد اخذ فى تصوره مجتمعا منسجما بين دول الخليج من جهة ودول الشرق الأوسط من جهة اخرى وواسطة عقده إيقونة الشرق أوسط دولة اسرائيل اليهودية. فنظام الملالى فى أجندة ترامب هو نظام بال لن يفيد الدول المعاصرة التى يتصورها ترامب ولن يفيد الانفتاح الذى يخطط له لتنداح العلاقة مع إسرائيل من المحيط الى الخليج وتضيع فلسطين لتى يقاتل من اجلها عباس وهنية، وتبرز الى الوجود فلسطين اخرى منزوية فى ركن قصى متكئة على زراعى اسرائيل وومعتمدة على المنح والمساعدات ويعيش اهلها فى رغد وسلام واستسلام .

كان وما يزال فى أعماق الرئيس ترامب شئ من حتى تجاه نظام الحكم الاسلامى فى إيران، فإيران هى الدولة الوحيدة فى العالم التى قامت بتهديد الدولة العبرية تهديدا يستهدف وجودها على هذه الأرض وان تناسى قادة إسرائيل كل الهزائم والانكسارات التى تعرضوا لها فى حرب أكتوبر 1973م فأنهم لن يتناسوا ما أطلقه النظام الايرانى من تصريحات علنية بأنهم سيمحون اسرائيل من الخريطة، وإسرائيل هى اكثر من يخشى مثل تلك التهديدات لأنها تعلم بأنها قامت على ارض مغتصبة وان صاحب هذه الأرض يتربص بها فى كل ساعة وجين. ولعل دخول الرئيس الامريكى الى البيت الأبيض محمولا على أكتاف اليهود هو ما يجعله يزداد إيمانا بانه لا امان لإسرائيل الا بزوال النظام الذى يحكم إيران اليوم

كان مؤملا من الرئيس الامريكى استعمال كافة الوسائل التى يتيحها له القانون الدولى فى الضغط على ايران ولكن لم يكن مرجوا منه – برغم ازدراءه المستمر للقانون- ان يختلق الأحابيل ليرغم بها المجتمع الدول للوقوف ضد إعفاء إيران من العقوبات الأممية التى فرضها عليها مجلس الأمن الدولي بقرار منه، فبموجب ذلك القانون فان العقوبات الدولية بحظر تصدير السلاح سترفع بحلول اليوم العشرين من سبتمبر 2020 ولكن الرئيس الامريكى يرى ما لا يراه الناس فأعلن منذ وقت مبكر انه لن يسمح برفع تلك العقوبات بل وقام من فوره بتكليف وزير خارجيته لاقتراح مشروع قرار فى مجلس الامن يمنع رفع العقوبات ولكنه منى بهزيمة تاريخية برفض جميع الدول الأعضاء ذلك القرار ما عدا دولة واحدة ومع ذلك فقد تواصل سعى الإدارة الامريكية لاستمرار الحظر واعلن بومبيو ان الولايات المتحدة ستلجأ الى آلية (سناب باك) المضمنة فى الاتفاقية النووية وهى إعادة فرض تلك العقوبات بالرغم من انه قام بالانسحاب بإرادة منفرة منها فى عام 2018 فور تسلمه سدة الحكم.

لم تكن إيران ببعيدة عن السعي المحموم للرئيس ترامب بتطبيع العلاقات بين اسرائيل وبعض الدول العربية .. بل يمكن القول بان من بين أسباب اختيار الإمارات العربية والبحرين كأول تلك الدول هو ايجاد موطئ قدم لإسرائيل داخل منطقة الخليج العربى لمراقبة الأنشطة الإيرانية عن قرب بل يمكن ان ان نمضى اكثر من ذلك ونقول ان الإمارات والبحرين ما كانت لتنصاع لرغبات الولايات المتحدة بالتطبيع مع اسرائيل لولا تضخيم امريكا للبعبع الايرانى من جهة وتهديدها برفع الحماية العسكرية منها من جهة اخرى .

إيران اذا فى عين العاصفة الاميركية دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا فقد ظل سيف العقوبات يزداد حدة يوما بعد يوم تماما كما ظل التصعيد العسكري ينحو نحو الارتفاع بعد ان توجهت حاملة الطائرات الامركية نحو الخليج العربى فى إشارة واضحة بان الخيار العسكري أصبح مطروحا هو الأخر وهوعين ما قاله الرئيس الامريكى بان اى تهديد او اعتداء ايرانى على امريكا سيقابل برد مزلزل

فهل يستطيع الرئيس الامريكى إخضاع نظام الحكم فى إيران ليوقع صاغرا على اتفاق نووى جديد برؤية ترامبية محضة ؟؟ ام ان تحمل ايران لقسوة تلك الضغوط ما زال حتى الان فى مراحله الاولى؟؟

 

ناجى احمد الصديق الهادي - السودان

 

رائد الهاشميكما عودتنا الطبقة السياسية في تفضيل مصالحها الشخصية دائماً على مصلحة البلد والمواطن تم مصادقة قانون موازنة عام 2020 من قبل الحكومة بعد مرور تسعة أشهر على موعدها المقرر ودفعت بها الى قبة البرلمان لتدخل في دهاليز الخلافات والمصالح والصفقات السياسية المريبة والخلافات الأزلية مع الاقليم لغرض المصادقة عليها رسمياً لتصبح نافذة المفعول والتنفيذ، وهذا ليس غريباً علينا ففي كل عام تتكرر مهزلة تأخير اقرار قانون الموازنة ونشهد المهاترات والخلافات السياسية وتتسرب أخبار الصفقات المريبة خلف الأبواب المغلقة بين الكتل السياسية لغرض الحصول على المكاسب الغير مشروعة والتي تكون دائماً على حساب الوطن والمواطن.

السيد الكاظمي رئيس مجلس الوزراء اضطر الى المصادقة على الموازنة والاسراع بدفعها الى البرلمان ولم يترك الأمر كما حدث في عام 2014 لعدة أسباب أولها لضمان ديمومة رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية للأشهر الثلاثة المتبقية وثانياً للحصول على غطاء قانوني للاقتراض بمبلغ سبعة وعشرون تريليون دينار لتغطية نفقات الموازنة الضرورية وثالثاً لضمان الايفاء بوعوده التي قطعها للشعب وأهمها الدرجات الوظيفية لبعض الشرائح التي وعدهم بالتعيين أمام وسائل الاعلام،وبدون المصادقة على الموازنة لن يستطيع أن يعين مواطن واحد في هذا العام، ورابعاً لكي تتمكن حكومته من العمل بحرية تحت غطاء قانوني ومالي لاجراء التغييرات المختلفة التي أعلن عنها في عدة مناسبات.

اقرار موازنة عام 2020 أثبتت حقيقة دامغة وهي فشل الحكومات التي تعاقبت على العراق منذ عام 2003 ولحد الآن في ادارة البلد وخاصة الملف الاقتصادي وأثبتت عجزها وفشلها في اخراج الاقتصاد العراقي من عباءة الاعتماد الكلي على النفط في تمويل موازنة البلد وفشلها في النهوض بالقطاعات الاقتصادية الأخرى والتي بالامكان الاعتماد عليها في تعظيم موارد الموازنة وتقليل الاعتماد على النفط وخاصة القطاع الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي.

جاءت أرقام الموازنة مخيبة للآمال ومقلقة حيث بلغت حجم النفقات الكلية 148 تريليون دينار فيما بلغت حجم الواردات الكلية 67 تريليون دينار وبذلك أصبح العجز أكثر من 81 تريليون دينار وهو أعلى رقم بلغه العجز بتاريخ البلاد، ومن الطبيعي أن تكون الموازنة خالية من أية تخصيصات استثمارية بسبب الظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد نتيجة انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا.

التحديات الاقتصادية القادمة على البلد خطيرة جداً وحجم المشاكل الرئيسية يتضاعف ومعدلات الفقر والبطالة والأمية تتضاعف بشكل مقلق والنقص في كل الخدمات الرئيسية لازال قائماً والقدرة الشرائية للمواطن العراقي في هبوط مستمر وعجلة الاستثمار والبناء متوقفة وحجم الديون الخارجية والداخلية وفوائدها في صعود مقلق.

الخروج من هذه المآزق الكبيرة يتطلب وقفة ونيّة جادة من الحكومة الحالية أو من الحكومات القادمة في وضع خارطة طريق جديدة ورسم خطط تنموية حقيقية تتضمن توقيتات زمنية دقيقة للاسراع بالنهوض بالقطاع العام والقطاع الخاص والمختلط واعادة الحياة للقطاع الصناعي والزراعي والسياحي ومن الممكن الاستعانة بالاستثمارالأجنبي والمحلي ووضع أسس حقيقية للاستثمار وتوفير الحماية الكاملة للمستثمرين من الفساد والتهديد وتقديم كافة التسهيلات في المعاملات الاستثمارية وكذلك التأكيد على مبدأ احتضان القطاع الخاص العراقي بشكل حقيقي وتذليل كافة العقبات والصعوبات أمامه وفسح المجال له لأخذ دوره الحقيقي في بناء البلد وتحريك الاقتصاد العراقي واستيعاب جيوش العاطلين من الشباب.

أخيراً أقول بأن البلد مقبل على هاوية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي،  والشعارات والتصريحات الاعلامية الرنانة لن تنقذ البلد من الخطر،بل نحتاج من حكوماتنا وبرلماناتنا الى نيّة حقيقية وولاء حقيقي للوطن وتخطيط علمي سليم وضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين لكي ننقذ بلدنا الحبيب وشعبنا المسكين الذي أثقلته الهموم والمعاناة وبدأ صبره بالنفاذ.

 

د. رائد الهاشمي

باحث وخبير اقتصادي  

 

 

عدنان ابوزيدصورة الكمامة أصبحت من مبدئيات المشهد اليومي في أغلب دول العالم، يتخذ منها الناس، حائط صدّ أمام فايروس كورونا، ومن المرجّح انها ستبقى لفترة طويلة تغطي الأنوف والافواه، متناغمة مع موجة تظاهرات عالمية تنتقد "تكميم" الأصوات المعارضة حتى في أكثر الدول عراقة في الديمقراطية، ولعلها مصادفة، لا ميعاد، حيث كوفيد 19 يتزامن مع احتجاجات عالمية، ليختلط مفهوم "التكميم" بين الصحة والسياسة، وحيث مفردة الكمامة، مقتبسة في الأصل من الفعل كَمَّمَ، الذي يعني في العربية، الستر، والسد، والمنع.

وقبْل الكمامة، التي يُؤرًّخ لظهورها في العام 1897 على يد الجراح الفرنسي بول بيرغر، كان هناك "تكميم" الافواه، لتحصين الأنظمة من عدوى تفشي الرأي المعارض الذي يفضح الملفات ويكشف الأسرار.

ومن دون مزاوجة قسرية، في المفهوم، فان من الواضح ان اللغة المشتركة بين الصحة والسياسة، هي الفايروسات التي تصيب الجسم، والخطاب الذي يستهدف العقول، وفي كلا الحالين، فانّ الفم هو المطلوب تحت شفرة المقصلة.

الذي اكتشف الكمامة الطبية، لم يكن يجهل تلك القطع القماشية التي يضعها المتظاهرون في انحاء العالم على أفواههم، احتجاجا على سياسات خنق الأصوات وحرية الرأي، وربما لاحت في مخيّلته مشاهد الأفارقة الذي يرتدون الكمامات وهم يجتاحون الغابات للصيد، وثورات العبيد في القارة السمراء، الذين خيّطوا أفواههم احتجاجا على القمع والعبودية.

 حصد وباء الإنفلونزا الإسبانية نحو 50 مليون شخص بعموم العالم قبل نحو قرن من الزمن، عاش فيه العالم رعبا حقيقيا، أدى الى فرض حرض التجول، وأغلِقت الأماكن العامة والأسواق، والطرقات، وانتشرت شرطة خاصة تفرض العزل القسري، وألزمت حكومة سان فرانسيسكو، السكان ارتداء الكمامة في أكتوبر 1918، وحين انتهت الأزمة، لم تنحسر هذه القطعة التي تغطي نصف الوجه، اذ ارتداها الآلاف من المتظاهرين من جديد في احتجاجات على السياسة المحلية، في قمع حرية الرأي، وتكميم الأفواه.

في ذلك الوقت، اعتبرها الناس انتهاكا للحريات العامة، وتأُسّست رابطة تحت اسم "ضد الكمامة" رافقتها احتجاجات وعصيان، وعدوها أداة فاعلة ضد الحرية، وكان ذلك نتاج عدم الثقة بين الشعب والسلطات، وما ينجم عنه من شك وريبة من أي اجراء حكومي، حتى لو كان غرضه، صحّيا بحتا.

بسبب الحساسية السياسية للكمامة، أمر مجلس الصحة في ولاية أيوا الأمريكية، بتصنيع أقنعة قياسية، تتيح الكلام الواضح، وتم رسم الهامش العلوي بإحكام فوق جسر الأنف، مباشرة تحت العينين، فيما اكد التعليمات على ان هذه الكمامات غرضها صحيّ بحت، في إشارة الى ضرورة تجنب اللغط والشك، وفيما اذا هناك دوافع سياسية للانتفاع من أزمات الوباء.

 في 17 سبتمبر 2019 وصف الصحافيان برنارد كين، وجنين خليك، الحكومية الكندية الفيدرالية، بانها "نظام كمامات"، ولم يكن القصد من ذلك، سوى التبرم من قيود الحريات.

 ينتهي المطاف بالكمامة الى تحوّلها الى شاكلة اجتماعية ترفية، اذ ظهر الكثير من المترفين والاثرياء والمطربين في

أقنعة باهظة الثمن، وتحولت لدى بعض الساسة الى رسائل عبر رسوم وتصاميم في رموز من الألوان والاعلام.

 ظهر يساريون في فنزيلا بكمامات حمراء، وارتدى مناصرو حزب الخضر، كمامات خضراء، وارتدت ماكرينا أولونا نائبة رئيس حزب فوكس الاسباني اليميني المتطرف، الكمامة الخضراء العسكرية.

الرئيس إيمانويل ماكرون، صبغ كمامته باللون الازرق، مفتخرا بانها فرنسية الصنع في حديثه لتلاميذ المدارس، وفعل وزير الخارجية الإيطالى لويجى دى مايو، الأمر ذاته، لكنه تعرّض للانتقاد للريبة في الأغراض السياسية لسلوكه.

في العراق، سبقت الكمامة، كورونا، وُتظهر الصور، متظاهرين، ارتدوها قبل هلع الفايروس العظيم، وحين استفحلت العدوى، تحدى المتظاهرون، السلطات بنزعها والتوجه من جديد الى معاقل الاحتجاج، بل ان البعض شكّك في أغراض سياسية وراء الإعلان عن توسع انتشار المرض.

 

عدنان أبوزيد

 

 

عبد الجبار نوريوهل ينسى العراقيون جريمة نفق الشرطة ببغداد في أبادة عائلتين بكاملهما عددهما 14 نفس عراقي عام 2005، وهي واحدة من تلك الشركات المشبوهة في التهريب والأغتيالات والتدخل في حرمة السيادة الخارجية والأمن الداخلي، والذي أثار قلق الشارع العراقي تعليمات السفارة الأمريكية في بغداد تعلن: عودة مؤسسة بلاك ووتر السيئة الصيت للعمل في العراق !؟ .

والكارثة أن العراق ألزم نفسه بقانون سنهُ بنفسه للأعتراف بتلك الشركات الأجنبية الأمنية في أقراره في البرلمان العراقي في 26 كانون الثاني 2017، وهو التخبط السياسي العشوائي بعينهِ، وبناءً على ما أقرّهُ مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية أستناداً إلى أحكام البند (أولا) من المادة (61)  والبند (ثالثا) من المادة (73) من الدستور العراقي النافذ في 2005 بسنْ " قانون الشركات الأمنية الخاصة " Private Military and Security Companies في 26 كانون الثاني2017 جرى التصويت في البرلمان العراقي على أقرار عمل هذه الشركات الأجنبية في مجالات عسكرية ومؤسساتية وخدمية أستناداً إلى القرار البرلماني . 

وهكذا قد أقرّ وشرعن من قبل العراقي نفسهً، وللأسف فتح باب الشركات الأمنية الخاصة ربما هو جرحٌ  جديدٌ غائر قد لا يندمل في جسم الوطن المثخن بالجروح من أسهم الغدر الأقليمي والدولي وحتى من (بروتس العراقي) الذي شارك في طعن وطنه العراق في زج أرضه وشعبه في الشبكات العنكبوتية لمتاهات المستعمرين بصيغة العولمة والحداثوية السياسية والعسكرية وممارساتها الوحشية التي يتستر عليها البيت الأسود الأمريكي، ومن أهم الشركات الأمنية الخاصة العاملة والتي جدد العراق عقود عملها في مطلع 2017 هي : بلاك ووتر الأمريكية، تيتان العسكرية، واين كرون، أنترنشنال تربيل كانوبي، وشركات بريطانية مثل : شركة آرمر كروب، ووايجيس ديفينس سيرفيس البريطانية، وقد دخلت هذه الشركانت الأمنية إلى العراق عقب الأحتلال الأمريكي للوطن عام 2003 وما رافقهُ من هشاشة أنهيار أمني، وخاصة حاجة الهيئات الدبلوماسية وشركات الأستثمار، لذا أن أكثر من 60 شركة أمنية أجنبية تعمل في العراق غالبيتها في بغداد والبصرة وأربيل والسليمانية . 

المعطيات التدميرية المرعبة للشركات الأمنية الخاصة !!!

-الكل يعلم التأريخ الأسود لشركة بلاك ووتر الأمريكية السيئة الصيت والتي قتلت 14 مدني عراقي وجرحت 18 آخرين في أطلاق نار في 16 أيلول 2007 في أحدى ساحات بغداد على أناسٍ لم يكونوا أهدافاً مشروعة، ولم يكونوا يمثلون أي تهديد حقيقي بل هو الحقد الأسود والكراهية للمخابرات الأمريكية تجاه الشعوب المقهورة بدليل أعترافات العسكري المتهم بالقضية (سلاتن) أمام محكمة المحلفين الأمريكية والذي حُكم عليه بالمؤبد قال: أني غير نادم على ما فعلت لأني أثأر أنتقاماً من العراقيين المشاركين في أحداث سبتمبر 2011، بعد فضيحة هذه الشركة في العراق سُلطتْ الأضواء على دور الشركات الفاحشة والذي يتضح أن هذه الشركات وراءها أجنداتٍ أجنبيةٍ تروّج لها أعلامياً في أسواق نشر السلام على الطريقة الأمريكية وعلى ما يظهر أن هناك العشرات من المعاهد في أمريكا وبريطانيا وألمانيا تروّج لقوة هذه الشركات الأمنية الخاصة بأن لديها معدات ألكترونية في أستخدام الطائرات بدون طيار، وأن هذا الترويج الأعلامي هو ليس فقط لأغراض عسكرية بل لعقد صفقات تجارية مع تلك الدول التي تعاني من صراعات سياسية وأجتماعية وضعفٍ في البنية الأمنية والعسكرية، وان لها كيانات تجارية خاصة تقدم خدمات عسكرية وأمنية وهي أحدى تجليات العولمة الأقتصادية العسكرية والأمنية والسياسية . 

- أنفاق هائل وكبير في أستهلاك الدخل القومي على حساب الموازنة التشغيلية، وغياب الرقابة الحكومية على هذه الشركات حيث يتخلل الغش والتلاعب في حساباتها لصالحها النفعي والربحي، وقد وصل أجور المرتزقة في الشركات الأمنية إلى ألف دولار في الساعة، والقناص المحترف من هؤولاء الميليشيات يتقاضى 15 ألف دولار يومياً . والكارثة الكبرى أن من بين بنود الأتفاقية الأمنية مع تلك الشركات هي (حصانة) الجنود من الملاحقة القانونية لأي جرمٍ يرتكبوه، وأن القضاء الأمريكي هو المرجع الوحيد وليس القضاء العراقي علما أن الحكومات العراقية بعد 2003 مسلوبة الأرادة تجاه المحتل ولا تستطيع محاسبة المحتل على جرائمهِ، وثبت أن لهذه الشركات معسكرات تدريبية وسجوناً داخل العراق لا تخضع للقوانين المحلية وهو ما يشكل تهديداً وخرقاً للسيادة الوطنية والتي هي هيبة الدولة لأفتقاد تنظيم قانوني لنشاط هذه الشركات، وأن الأعتماد على هذه الشركات الأمنية تؤدي بالتالي إلى أهمال الأمن الوطني وتدهوره وضياعهِ . 

- تدخلات عسكرية بحجة تقديم خدمات عسكرية لوجستية بمثابتة تأثيرات سيادية على هيبة الدولة السياسية والدبلوماسية، أضافة إلى فقدان لأحتكار الحكومي للسلطة العسكرية جراء تدخل الشركات الأمنية في مهامها العسكرية، بل ذهبت أبعد والأبعد في أقحام نفسها في بؤر النزاعات المسلحة والتي تعتبر شركة بلاك ووتر أبرز مثال لهذه الخطوة الخطيرة حيث شاركت في الأعمال العسكرية في العراق وأفغانستان لصالح الجيش الأمريكي، وتمتلك هذه الشركات قاعدة بيانات نحو 21 ألف جندي سابق من القوات الخاصة فهي طبعاً تعتبر تهديداً للأمن القومي للعراق، علما أن هذ الشركات الأمنية لها صلات غير مباشرة وقد تكون مباشرة بقوات التحالف الدولي في العراق وسوريا وأفغانستان وغوانتنامو وهي حاملة فايروس الأنتقام من العراقيين الذين قتلوا أكثر من ستة آلاف من المارينز وجنود الأحتلال الأمريكي على يد رجال المقاومة الشريفة .

هذا ويمكن أن يذهب الحقد أبعد أنتقاماً من أحداث سبتمبر 2011 تحت شعار السي آي أي (التزوير السياسي) في تبرير أحتلال العراق وأفغانستان، وأن هذه الشركات الأمنية تنتشر ضمنها الميليشيات الصربية أصحاب الخبرة في الأبادة العرقية ضد الجماعات المسلمة في البوسنة والهرسك، وكذلك رجال من شرطة جنوب أفريقيا والتي لها خبرة في أبادة اللون الأسود، ومن شرطة ساوباولوا شركاء العصابات المنظمة في بيع البشر والمخدرات وترويج الدعارة عبر الموانيء الخطرة للعالم، وأن أغلب المشتغلين ضمن هذه الشركات الأمنية الخاصة هم من المرضى النفسيين أو المرتزقة ومن بقايا النظم العنصرية في أفريقيا فهم قتلة بالأيجار، وأن القوانين الدولية وأتفاقيات جنيف للحروب لا تنطبق عليهم أي ليس هناك ما يعرقل تصرفاتهم، وللعلم أن الشركات العسكرية الخاصة تحتل مرتبة متقدمة في أسهام العسكرة الأمريكية والبريطانية في العراق اليوم .

الخاتمة/ لا يليق بنا سوى صرخة بوجه الباطل فليكن شعارنا قول سيد البلغاء الأمام علي " لا أبقاني الله أن أبقيت عدوي خلفي " الكل يعلم أن هناك خاصية لأرض العراق التي ضمت بجنباتها عظماء الرجال كتبوا صفحات الظالمين والعتاة بوجوه متعددة، وأن وراء أحياء هذا القانون العدواني وفرضه هم شلّة من سياسيي الفرهدة ونهب المال العام بحجة أعمار العراق وهو بالحقيقة أفقار العراق وأهانتهِ وسلب ما تبقى من ملابسه الداخلية ليبرروا للمحتل بقاءهُ بعد تلميع صورته، يا لهُ من وطنٍ مضرج بأشعار محمود درويش ورؤى نجيب محفوظ وحزن كنفاني، أو كما كتب الكاتب المتألق " عزيز دفاعي "{أن حكوماتنا اليوم أما هم خارج الحدث أو ينامون في كهفٍ معزول أو أنهم غير مدركين ما يرسم للعراق} . 

 

وأضيف : السياسيون في العراق يفتقدون المشروع المستقبلي، وهم اليوم من يؤجج النعرات الهوياتية والشعبوية، ودخلوا إلى تبني هذه الشركات من باب المساومة والأبتزز وأستعمالها كورقة ضغط على الحكومة المركزية . 

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب

 

جواد غلوممن غرائب ما يجري في بعض أوساطنا الاجتماعية وبتأثير من الاوساط السياسية العربية وبالذات في العراق الان وفي لبنان وسوريا وبدرجة أقل في البلدان الاخرى انك ترى كثيرا ممن يشتم الطائفية ويلعنها ويبدي مساوئها، لكن قلبه يفيض بها وتحنو نفسه الى طائفته متمرغا في ترابها الملوث بالكراهية للآخرين كمن يأكل ورق الخسّ وينسى سماده الذي توغل في وريقاته يعلكها بأسنانه منتشيا زابدا ماءً يسيح حقدا وانتقاما وعداوة للأطراف الاخرى وكما يعلم العراقيون وقد يجهل أبناء بقية الدول العربية ان سماد ورق الخسّ هو من الفضلات البشرية " الخراء " ولا شيء غيره لينمو ويكبر وترتوي أوراقه من تلك الفضلات .

 فالطائفية سواء ان كانت عِرقية أو دينية أو مذهبية يمكن توصيفها انها رائحة كريهة تنبعث من فم حاملها دون ان يشعر ويعلم بنتانتها ويحسّ بعفنها لكن القريبين منه الذين يسمعون انبعاثات لسانه يشمّون ما فاحت من جيف الحقد والضغينة والبغضاء.

فالعقل حين يضيق ينحو منحىً طائفيا لأن الوطن أكبر بكثير من الطائفة التي لا تعدو ان تكون كيانا دينيا او عِرقيا أو تمذهبا لفئةٍ معينة؛ فمن يختار ان يكون طائفيا لا يمكن ان يكون وطنيا مخلصا لبلاده ابدا ، فالطائفي الضيق الصدر ابعد مايكون عن عقيدة حب الوطن المقدسة وكلما تفاقمت الطائفية واشتد اوارها برزت العنصرية قرينا لها وليس بعيدا عنّا تجربة جنوب افريقيا والتي عانت طويلا من نظام " الابارتيد " الموغل في العنصرية قبل ان يتوحّد سكانها البيض والسود بزعامة نلسون مانديلا.

 نقول لساستنا "الكرام جدا" ان الوطن اكثر اتساعا واكبر بكثير من الطائفية ولمن يريد ان يرهن نفسه للعمل من اجل الوطن فلينسَ الطائفية والتمحور لهذه الفئة او تلك.

اكتب عن هذه الظاهرة المقززة وانا أسمع في الوقت الحاضر دعوات لأحيائها والتعويل عليها والنفخ في رمادها لإشعالها مرة اخرى بشكل أشدّ سعيرا مما كانت في السنوات السابقة المريرة التي ذاق أهلنا طبختها العفنة السامة القاتلة قبلا .

ولمن يريد الرقيّ والنماء لعراقنا ديمقراطيا فليطمر الطائفية في أعمق غور لأن الديمقراطية عمادها المواطنة والسواسية بين السكان بلاد على اختلاف مللهم ونحلهم ومشاربهم وأعراقهم وعقائدهم فالتمحور الطائفي لا يؤسس دولة عدلٍ كما ان الدولة التي تنشأ وتتأسس على نظام طائفي تخلق أزمات طائفية حتى تستمرّ ويبقى الوطن عرضة لأزمة اثر أخرى الى أن يصل الأمر الى استحالة العيش المشترك بين مواطنيه .

من هنا يبدأ النزوع نحو التقسيم والتفتت والتشرذم والمحاصصات على طريقة هذا لرهطي وهذه لفئتي كما يحصل الان فذلك الموتور يدعو الى اقليم سني وذاك يهيئ نفسه للاستقلال بذريعة استحالة العيش المشترك مثلما حصل سابقا في السنوات التي تلت الاحتلال حين دعا بعض سياسيينا الغارقين في الطائفية الى تكوين كيان لطائفة معينة على شكل اقليم فيدرالي او كونفدرالي في وسط وجنوب العراق والأمر لا يعدو كونه حنكة سياسية امريكية المحتوى جاءت بمشروع التقسيم للسيطرة والتحكّم بالكيانات الصغيرة التي ستنشأ لاحقا وفق ما جاء به اليانكي الاميركي الديمقراطي (جو بايدن) في مشروعه الخبيث الطويّة قبل عدة سنوات ؛ تماما كما وصلتنا هدية الديمقراطية الملوثة بالطائفية واتضح بعد فتح غلاف سيلفونها الجميل ظاهريا فاتضح انها هدية مسمومة أطاحت بشعبنا العراقي وملأت أحشاءنا بالأوجاع والقيء الى يومنا هذا ؛ والخوف  كل الخوف ان يفوز هذا البايدن في الانتخابات الاميركية المقبلة ويعود الى برنامجه الاول التقسيمي ويعمل على ترسيخه ويبدو ان جمهوريي اميركا وديمقراطييها  الحزبين الرئيسيين فيها يعملان على توجيه سياسيينا بالرمونت كونترول لإثارة فكرة التقسيم الطائفي بين آونة وأخرى .

 فيا أيها الطائفيون ، انتم تشتمون انفسكم وتسيئون لأتباعكم ، لستم وطنيين مهما ادّعيتم كذبا وبهتانا ومَيْنا فمن يعمل خيرا لوطنه كلّه محال ان يكون طائفيا ومن يتحزّب لمجموعة معينة يضيق صدره بالوطن فلا تقولوا بألسنتكم مما ليس في قلوبكم ؛ فالعراق أشمل بكثير من الطائفة مهما كثرت أعدادها واكبر من الحزب مهما اتسع في صفوف الرعيّة.

لا نغالي اذا قلنا ان الميل الطائفي هو علّة ترافق غير الأسوياء ومنهم المرضى غريبو الأطوار المليئة قلوبهم كراهيةً للآخرين ظنّا منه انه سيرفع شأن طائفته اذا بثّ المقت والحقد والكره كي يهلل له الجهّال من بني جلدته لكنه سيخسر وطنه حتما ومن يختار اللعب بخزعبلات الطائفية لا يكون وطنيا أبدا وفاقدا للحرية أيضا لأنه مرتهن بطائفيته ومحبوس في أسارها ، فأينما تكون الحرية يكون وطني على حدّ تعبير الشاعر البريطاني البصير (جون ميلتون).

أكاد أوقن انه كلما رأيت طائفيا وسمعت منه شيئا أتحسس منه سمات الوحشية لأنها - ايّ الطائفية - لابدّ ان تخلق أعداءً لتكون فريسة لها، ولكي تستمر بمنطقها الاختزالي المبنيّ على اتهامات الغير لتستعدي وتخلق أهدافا حتى ترمي سهامها سواء كانت صائبة ام طائشة .

ويخطئ من يظنّ ان رعاة الطائفية يجنحون للسلم وكيف للسلم ان ينمو في نقيع ماءٍ راكدٍ لفئة واحدة وزمرة معينة على العكس من العدالة والمساواة التي لابدّ ان يجري شريانها لتعم الوطن كله وتشمل أهل هذا الوطن دون النظر الى طوائفهم وعقائدهم وألوانهم العرقية ومذاهبهم الدينية. فالطائفية لعنة مركّبة بكل لوثات ضيق الأفق، ابتليت بها بلادنا ، دخلت علينا خلسة من دروب التضاريس الدينية الوعرة المسالك والغريب انها تسمح وتأنس لمريديها بشتمها وإظهار شرورها مثل مجرم ينتشي لذكرِ أعماله الشريرة ودناءة إجرامه وعنتهِ وقوتهِ وتعسّفه وتنتفخ أوداجه طربا لمسلكه المشين الذي يظنّ انه بطوليا ، فالطائفي مجرم لا يثق بمواطني بلاده متعددي الأعراق والمذهب والعقيدة الدينية وان لم يلوّث يديه ظاهريا وإنما يلوّث لسانه حقدا وكراهية للغير ولذلك يستحقّ اللعنة والعقاب الصارم معاً.

 

جواد غلوم

 

 

احمد سليمان العمريالحديث عن التطبيع البحريني مع دولة الإحتلال لم يبدء حقيقي وعلى أرض الواقع مساء الثلاثاء 15 سيتمبر/أيلول 2020م

وقت احتضن البيت الأبيض التوقيع على معاهدة السّلام بين دولة الإمارات العربية والبحرين مع إسرائيل ولا 11  سيتمبر/أيلول 2020م، من خلال تصريح الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» على تويتر لتوصّل الصديقين الرائعين إلى إتفاق لتطبيع العلاقات بينهما، ويعتبره انفراج تاريخي آخر - حسب وصفه - إنما بدأ بإستضافة المنامة مؤتمر «السّلام من أجل الإزدهار» يوم الثلاثاء 25 يونيو/حزيران من العام الماضي ويعرف في الصحف الغربية بـ«Peace to Prosperity» الذي انعقد ضمن خطة للسّلام المزعوم في المنطقة بإدارة أمريكية، وتحديداً بجهود صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره «جاريد كوشنير».

مع أول أيام ورشة العمل تزامنت موجة غضب شعبي عارمة في بعض الدول العربية كالأردن ولبنان والمغرب وامتدت لتصل العاصمة الألمانية «برلين» رفضاً للمؤتمر.

افتتح الورشة في يومها الأول المستشار الأمريكي  كوشنير بكلمة استمرت عشرين دقيقة عن ضرورة تهيئة الأجواء الملائمة للإستثمار، مشيراً إلى رغبة كثير من رجال الأعمال الفلسطينيين بحضور المؤتمر، إلّا أنّ عدم مشاركتهم كان وراءه منع السلطة لهم، في نفس الوقت أرجأ كوشنير عدم إمكانية إبرام إي مشروع استثماري في الضفة الغربية وغزّة إلى كونهما معزولتان، بالإضافة إلى الخوف من الإرهاب في المنطقة، على حدّ تعبيره، مضيفاً أنّنا بالسّلام فقط نستطيع جلب المستثمرين إلى الضفة وقطاع غزّة لتشمل مصر والأردن ولبنان.

إذن، أصبحت دولة البحرين رابع دولة عربية مطبّعة مع إسرائيل بعد أن تزامنت هذه الخطوة تقريباً مع الإتفاق الإماراتي، ومن قبلهما مصر والأردن، حيث عزمت الدولتان في بيان مشترك صدر عن الولايات المتحدة والبحرين وإسرائيل يوم الجمعة، وهو ذات اليوم الذي صرّح به ترمب عن «إتفاقية السّلام»، التي أبرمت هذا المساء في واشنطن البيت الأبيض برعاية عرّاب السّلام ترامب وصهره كوشنير ومعهما رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، وكبار المسؤولين في الحكومة الأميركية ووفود دولة الإمارات والبحرين وإسرائيل.

وتزامن توقيع السّلام المزعوم بتجمعات أمام البيت الأبيض إحتجاجاً على توقيع اتفاقيتيّ التطبيع ملوّحين بالعلم الفلسطيني وهتفات «لا للتطبيع... التطبيع خداع».

سبق وأعلن ترمب يوم الخميس 10 سيتمبر/أيلول عن سلام محتمل في الشرق الأوسط لأنّ دول أخرى ستحذوا حذو الإمارات، وهي تنتظر الإنضمام للسّلام، حيث كشف الآخر عن محادثات ومباحثات مع العاهل السعودي الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، مؤكّدا إنضمامهما إلى السّلام، بالإضافة إلى سلطنة عُمان والمغرب والسودان.

وأكّد نتنياهو أيضاً خلال الأيام الماضية إبّان مؤتمر صحفي بثّته قناة «كان» العبرية أنّ دولاً عربية أخرى ستقيم عن قريب علاقات مع إسرائيل.

إذا صدقت إرهاصة ترمب ونتنياهو فستعترف جميع هذه الدول قريباً جداً بإسرائيل. 

 ومن الجانب الألماني فإنّ وزير خارجيتها «هايكو ماس» يعمل مع السعودية بجدّ لإتمام ما بدأه ترمب، حيث التقى وزير خارجيتها الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود في الرياض 19 أغسطس/آب وأوضح ماس ضرورة العلاقات السعودية الإسرائيلية في المنطقة.

 كامب ديفيد

لو وضعنا الإتفاقيات التي سبقت دولة الإمارات والبحرين تحت المجهر لنبحث عن المفارقات بينها لننصف بعضها أو نُعيبها، لوجدنا الأولى بتوقيعها معاهدة سلام - ولا تزال سارية حتى الآن - في منتجع «كامب ديفيد» قبل أربعين عام في17 سبتمبر/أيلول 1978م، في الولايات المتحدة الأميركية، بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «مناحيم بيغن» برعاية الرئيس الأميركي الأسبق «جيمي كارتر» تستعيد شبه جزيرة سيناء في 1982 وتفكّك المستوطنات الإسرائيلية المقامة عليها وتنهي 30 عاماً من الحرب، والتي بدأت بين مصر والدول العربية منذ تأسيس دولة الإحتلال في عام 1948م، هذا على الرغم من تقدّم القوات المصرية والسورية في تشرين الأول/أكتوبر 1973م في البداية على الأرض، إلّا أنّ القوات الإسرائيلية تمكّنت من حسم المعركة، فتجد الكثير يعتقد أنّ مصر لم تكن مجبرة آنذاك على توقيع إتفاقية سلام مع العدو.

مؤتمر مدريد

وهو المؤتمر الأول الذي التقى فيه ممثلون فلسطينيون وإسرائيليون وجها لوجه، بمبادرة من الرئيس الأمريكي الأسبق «جورج بوش» الأب والاتحاد السوفييتي السابق في العاصمة الإسبانية مدريد في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1991م للعمل على أساس مبدأ «الأرض مقابل السّلام» وتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242 المتمثّل في انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتُلت عام 1967م، وقرار رقم 338 الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر، غير أنّ المؤتمر تعثّرت محادثاته ولم يفضِ إلّا ببدء المفاوضات الثنائية بين إسرائيل والدول العربية المشاركة فيه، وعلّ إتفاق أوسلو هو أهم ما تمخّض عن مؤتمر مدريد.

إتفاق أوسلو

أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية على توقيع «إتفاق أوسلو» في سبتمبر/أيلول 1993م، والذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «إسحق رابين» ورئيس اللجنة التنفيذية بالمنظمة الراحل ياسر عرفات برعاية النرويج وتوقيع كّل من الولايات المتحدة وروسيا من أجل تأسيس حكم ذاتي فلسطيني.

معاهدة وادي عربة

ربّما كانت المعاهدة الأردنيّة الإسرائيليّة الموقّعة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 1994م بين رئيس الوزراء الأردني الراحل عبد السّلام المجالي ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين ضرورة لتحقيق تسوية شاملة ودائمة لمشكلة مياه نهريّ الأردن واليرموك والمياه الجوفية لوادي عربة، وحريّة الملاحة والوصول إلى الموانئ بين الطرفين، بالإضافة إلى استعادة الباقورة في محافظة إربد والغمر من أراضي وادي عربة من خلال إبرام عقد كراء استمر 25 عاماً، بدل الإحتلال والذي انتهى العمل به يوم الأحد 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2019م، هذا بالإضافة إلى البند الذي يلزم إسرائيل بإحترام دور الأردن في الأماكن الإسلامية المقدّسة في القدس والعمل على توطين اللاجئين والنازحين الفلسطينيين.

وأُعتبرت الإتفاقية الأردنيّة الإسرائيليّة واحدة من مخرجات إتفاق أوسلو.

لو تمعّنا الإتفاقيات المصرية والفلسطينيّة والأردنيّة لوجدنا أنّ الحاجة - مع كثير التحفّظ - هي التي دفعت هذه الدول لإبرام معاهدات سلام مع الإحتلال، فجميعها ترتبط مع إسرائيل بحدود بريّة وبحريّة ومقرونة بإسترداد أرض محتلّة، بالمقابل مرتبطة أيضاً بإضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي.

فما هي إذن الذرائع التي دعت الإمارات العربية والبحرين لتوقيع إتفاقيات إذلال ويسمّى حيناً سلام مع الإحتلال؟ وهل اتخذت الإمارات والبحرين وحدهما قرار التطبيع مع إسرائيل دون الرجوع إلى السعودية وموافقتها؟ سؤال ستجيبه نتائج المساعي الأمريكية والألمانية مع السعودية الأيام القادمة.

وجزئية أخرى لا بدّ من ذكرها في هذه المعادلة، وهي موقف جامعة الدول العربية يوم الأربعاء 9 سيتمبر/أيلول الذي أسقط إدانة الإتفاق التطبيعي بين الإمارات وإسرائيل من برنامجه، بل أضاف بنود تضفي الشرعية على اتفاق أبو ظبي وتل أبيب، ناهيك عن الإطراء الإمراتي الشعبي والحكومي المتبادل المبتذل والمهين في آن بين الدولتين، بينما المعاهدة المصرية نجم عنها ولغاية اليوم غضب مصري وعربي، ووصفت بتقويض الوحدة العربية والقضية الفلسطينيّة، بالإضافة إلى تعليق عضويّة مصر في الجامعة العربية، والتي نُقل مقرّها جرّاء المعاهدة من القاهرة إلى تونس، هذا واستدعت معظم الدول العربية سفراءها من القاهرة، مقرونة بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، عدا الإنتقادات اللاذعة التي واجهها السادات، والتي انتهت بعد ثلاث أعوام بإغتياله.

كذلك حراك الشارع الأردني المتواصل، الذي يواجه أي قرار حكومي من شأنه إقامة علاقات مع الإحتلال، ويقف أمام السياسات الإسرائيلية بشكل دائم ومستمر، يعيد توازن المعادلة من جديد. كما ويرى الفلسطينيون بالحراك الشعبي الأردني واسع النطاق ضد العلاقات مع الإحتلال عنصر قوة داعم للفلسطيني في صراعه ضد الإسرائيلي، ودعمهم للتحرّر وإقامة دولة ذات سيادة مستقلّة.

نهاية وقبل أن نسيئ الظنّ بدولة الإمارات والبحرين، التي بدا من ظاهر اتفاقيتهما مع الإحتلال تطبيع وإذلال، فهل من وراء هذا الإبرام الضغط على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينيّة؟ أمّ أنّ هاتين الدولتين ظنّتا التنفّذ في المنطقة فقط من خلال الإحتلال؟

والمخجل والمعيب في الأمر أنّ ترامب أثناء المهانة، أو كما أُطلق عليه إعلامياً «حفل توقيع السّلام» صرّح بقطع التمويل عن الفلسطينيين، ليرد بن زايد على نتنياهو بالشكر لوقف الضّمّ المؤقت للأراضي الفلسطينية.

إنهم بهذه المعاهدات يتبرؤن من رابط العروبة والدين من الفلسطيني والأرض، وإن كان الأمر هكذا وكما يبدو، فكيف لمثل هذه الهياكل من حُكم بلاد برمّتها، وتسليم أمّة رغم إرادتها إلى غاصب مُحتلّ؟

 

أحمد سليمان العمري

 

 

كاظم الموسويلم يكن خبر موافقة الاتحاد السوفيتي على قرار تقسيم فلسطين في وقته عاديا، ولا معبرا عن موقف مبدأي او قرار مدروس بابعاده الاستراتيجية، بل كان قاسيا وصعب الهضم عمليا، (كما يقال)، ليس لدى قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي وحدها وقيادة الدولة وحسب، بل ولدى الاحزاب الشيوعية، و"المعسكر الاشتراكي "، والابرز فيها طبعا الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي. كان أغلبها في موقف رافض لاي قرار  معاد للشعب الفلسطيني ومن مبدأ احترام نضال الشعوب وتقرير المصير واعتبار الغزو الصهيوني استعمارا. وموقفها منطلق ايضا من كون القرار سن شرعة قيام كيان مصطنع وتحت حجج فيها كثير من عنصرية وعوامل معارضة لواقعها، من جهة، ولا تبرر التفسيرات التي برر بها، من جهة ثانية، وربما سقط الموقف السوفييتي تحت ضغوط المصالح الدولية او التنافس الدولي، من جهة اخرى، وهي الأبرز في الواقع والممكن في فن السياسة. فلا فلسطين ارض الميعاد السياسية التي ادعوا ولا الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن قتل اليهود في اوروبا وطردهم من مدنهم وصنع الهولوكست لهم، بل حدث بالعكس تماما، حيث اقترف الصهاينة واسيادهم هولوكست فعليا بالشعب الفلسطيني وعلى ارضه وتراثه وتأريخه، ولا يمكن التعويل على جاليات مهاجرة ان تبني وطنا للاشتراكية والديموقراطية في المنطقة. ولهذا ادت الموافقة الى كارثة ما يحصل الآن، وصنعت ارتباكا سياسيا واحراجا تاريخيا لا تعوضه التبريرات والاعذار الرسمية، فقد ارتكب اغتصاب ارض ماهولة وتشريد شعب آمن، وقيام كيان استيطاني عدواني وأداة للإستعمار وقاعدة عسكرية متقدمة للامبريالية العالمية، تقاسمته القوى الغربية ذات المصلحة والقوة، البريطانية والأمريكية وبالتنسيق والتخادم الغربي عموما والعربي خصوصاً. وارتكب الكيان مجازر وحروبا عدوانية وشكل منذ اعلانه خطرا على الأمن والسلم في المنطقة والعالم. وكل هذا حصل في ظروفه وصراعات المحاور والتحالفات الدولية ومشاريع تنظيمات عنصرية استثمرت في قدرات وتمكنت في فرض خيارات لها على حساب الحق والعدل والانسان.

وهذا الامر اصبح معروفا لكل ذي بصر وبصيرة، كان المركز الشيوعي قائما ومؤثرا في القرار  السياسي وبما انه لم يعد بعد الانهيارات التي حصلت والتي تارخت بسقوط جدار برلين فلابد من تصحيح الموقف والنظر اليه من منطلقات واقعية جديدة تعبر عن المصالح الوطنية والقومية والعمل بجدية لدور مؤثر وفعال في حركة التحرر الوطني. وكما انتهت الاحزاب الشيوعية في اجتماعاتها المشتركة من تاثير المركز وضغوطه فلابد لها الان من الوضوح مع نفسها ونظريتها وموقعها من الصراع الفكري والسياسي والتحرري.

جاءت خطوة التطبيع المعلن الان بين دول عربية والكيان بقرار صهيو امريكي فرصة للاحزاب السياسية عموما، واليسارية خصوصا، لاعلان موقف واضح منها، وتبني الموقف الصريح والصحيح والمعبر فعلا عن التغيير المنشود فيها كاحزاب يسارية وفي إطار تطورات الواقع وصيرورة العملية الثورية التحررية.

وقد اصدرت الاحزاب الشيوعية وبعض القوى والمنظمات اليسارية والعمالية في البلدان العربية بيانات ادانة واستنكار منفردة وفي ادبياتها ووسائل إعلامها المحدودة، مما يعني انها متقاربة في موقفها العام مما جرى وحصل عمليا، وجاء لفائدتها سياسيا وطبقيا، فالحكومات التي اقدمت على التطبيع والغدر بالقضية الفلسطينية حكومات رجعية وراثية متخلفة ايديولوجيا ومرتهنة بمصيرها بالامبريالية العالمية ومتواطئة مع المشروع الصهيوني منذ البدايات ولكنها تتغطى دائما بالغطاء الديني الاسلامي والقدس الشريف، ومسرى الرسول و.، وتعمل في الوقت نفسه في تخريب العلاقات الاخوية الفلسطينية الداخلية والخارجية  والعربية عموما.

ما نشر وعرف من بيانات عن الاحزاب الشيوعية في مصر ولبنان والأردن والعراق وسورية والسودان ومنظمات واتحادات وقوى يسارية في تونس والمغرب والجزائر والبحرين والكويت، وربما في غيرها ايضا. واجمعت هذه البيانات التي صدرت ونشرت على إدانة التطبيع واعتباره مذلة واستسلاما ومجانيا وغدرا بالقضية الفلسطينية وانكارا لحقوق الشعب الفلسطيني واستهانة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وكل القوانين والاتفاقات الدولية التي يستند إليها نضال الشعب الفلسطيني وداعميه من العرب واحرار العالم. وهذا الموقف في هذه اللحظة سليم ومطلوب ولكن الرفض والاستنكار والشجب لا يعني التجريم والتحريم وقد يتحول الى مهادنة واتفاق وتبرير للاحوال والمتغيرات والضغوط كما حصل في عام النكبة..! وهنا السؤال والتأكيد على تصحيح الموقف واصدار توضيح يبين موقف اليسار التاريخي من القضية الفلسطينية والتحرر الوطني وتقرير المصير وعدالة قضايا الشعوب.

امام هذه القضية الحساسة والمهمة والراهنة الان أكثر من أي وقت اخر، يتطلب التفكير في أمور اخرى، تتعلق بطبيعة المرحلة والقضايا الراهنة والموقف الطبقي والعلمي منها. من بينها مصطلح اليسار، الذي يتطلب اعادة نظر معاصرة، اذ يتوجب تعريفه ليس كما كان لكل من يحمل اسمه او الشيوعية لفظيا، وانما ارتباطا بالمواقف والعمل الثوري الذي يقوم به ويقوده نظريا وعمليا. فليس صحيحا ان تكون يساريا وتتعانق مع القوى الراسمالية والامبريالية، مصيرا ومسيرة، او التقارب الى ادواتها وركائزها السياسية والاجتماعية في الكفاح الاستراتيجي وتبني برامجها ومناهجها في العملية الثورية وقبول قيادتها لها حتى في ظروف انحدارها وتذبذبها السياسي والفكري على مختلف الصعد. حيث يصح السؤال هنا: كيف تميز اليوم بين اليسار واليمين في السياسة والمواقف الفكرية والعملية؟.

كشف اعلان التطبيع السياسي بين عواصم وحكومات عربية والكيان الاسرائيلي بقرار امريكي وبتغريدة رئيس امريكي في الاسابيع الاخيرة من موعد الانتخابات الرئاسية، عن استسلام رسمي عربي مهين ومذل، لا يشفع او  يعطي اي تبرير  لما اعلن وقرر لهم ما لم يستطيعوا البوح به علنيا ورسميا... وهذا الوضع لابد من تحليله واقعيا وتقييمه عمليا ووصفه في إطار صيرورة العملية التحريرية لشعوبنا العربية ولقضية الشعب الفلسطيني خصوصا، وعاجلا.

المحك الآن لكل من يعتبر نفسه من اليسار، في توضيح صوته وصورته، لا تلاعب في الألفاظ والعبارات ولا دوران حولها. الكيان الاستيطاني في فلسطين المحتلة صنيعة استعمارية لمشاريع وخطط تفتيت الوطن العربي وتدمير وحدته وحرمانه من التحديث والتطور والتقدم، ولا يمكن في الحالة هذا التفرج على ما يقوم به وانتظار  نتائجه، وهذه مجرد إشارة وانتباه وعلى الاحزاب والقوى معرفة مكان اقدامها من الان وقبل فوات الاوان.

 

كاظم الموسوي

 

 

يقول الكاتب الروسي أنطون شيخوف: "كم اصبحنا ضعفاء في وطننا. وما أبشعنا. حين نستسلم لمن سرق حقوقنا وجعلنا نعيش على الفتات المترامي". وفي كتابه "جوهر الفلسفة" يشير الفيلسوف الألماني "فيلهلم دلتاي" إلى ضرورة "ردم الهوة بين الذات والموضوع ـ وأن لا يكون "المنهج" من حيث جوهر القضية قابلاً للتأويل والاحتمالات".  

مع هاجس التحديات الخطيرة وتفاقم الأوضاع الأمنية وإنتشار السلاح المنفلت وتسويف احزاب السلطة ومحاولاتها تجيير قانون الانتخابات لصالحها. واحدة من أهم الموضوعات التي تخيف الكتل السياسية الماسكة بسلطة الدولة العميقة مسألة تحقيق الانتخابات المبكرة بالشروط التي يطالب بها المجتمع العراقي وحراكه الشعبي في أغلب المدن العراقية. ورغم تأكيد المرجعية الدينية في بيانها الأخير لمطالب المتظاهرين، إلا أن الطبقة السياسية التي تتشدق بالتزامها بآراء المرجعية، لا تزال تتصرف بمنطق: "المصالح الشخصية والفئوية فوق رأي المرجعية، ولا يمكن التفريط بها بأي حال من الاحوال". وعلى قدر أهمية البيان ودلالاته فيما يتعلق والقضايا التي يتطلع لها الشعب العراقي، هناك مسألتان لا بد من الوقوف عندهما: (تركيبة الأحزاب في الدولة المدنية ومفهوم الانتخابات في المجتمعات الديمقراطية)، للخروج من المسارات الفاشلة للدولة العميقة. الامران في العراق من الناحية الواقعية، لم يقتربا 5% مما هو قائم في الدولة المدنية للمجتمعات الديمقراطية.

وإذا ما استمرت التجاذبات السياسية بالاتجاه المعاكس لما هو منشود، فلم تعد الانتخابات المبكرة لاعتبارات محقة، مطلباً حكيماً، بالنسبة للمتظاهرين الذين يهمهم بالأساس، الكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم للعدالة، لتبيان مصداقية مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومدى تحقيق مطالبهم الأخرى ومنها إقرار قانون الانتخابات وتشريع قانون الاحزاب وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وحصر السلاح بيد الدولة. واذا لم تتحقق هذه المطالب، فليس أمام المتظاهرين والقوى المدنية التي تسعى الى التغيير، من الناحية المنطقية والموضوعية، إلا مقاطعة الانتخابات والذهاب الى المؤسسات الدولية لقطع الطريق امام الاحزاب الطائفية. ومطالبة رئيس الوزراء، ان كان جادا بتنفيذ شعاره بأنه "رجل أفعال وليس أقوال" أن يمارس صلاحياته الدستورية لحل مجلس النواب، وإعلان حالة الطوارئ ليستطيع معالجة الازمات المتراكمة.

ينظر القانون الدولي للدولة: أجهزتها، شعبها، مناطقها، اشكالها ـ يرتبط بموجبها الناس بعضهم ببعض لحماية مصالحهم المشتركة. في شأن ذلك، يعتمد على وجه التحديد، وفقا لعقيدة العناصر الثلاثة ـ الدولة والشعب والسلطة، على أهم الوقائع والمعايير، لضمان التوازنات المتبادلة بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع تحت رقابة أحزاب فاعلة داخل وخارج المنظومة البرلمانية. لكننا نتساءل ببساطة: ما هو دور الأحزاب لبناء دولة المواطنة؟ وكيف يمكن ان تكون فاعلة داخل المجتمع؟ لنحكم بينها وبين قراءة الحدث السياسي وما يحيط مؤسسة الدولة من إشكاليات كما هو حال العراق.

الأحزاب السياسية في البلدان الديمقراطية، لديها مهمة أساسية: تمثيل المصالح الاجتماعية والسياسية للشعب. لكي يتمكنوا مرشحيها من أداء هذه المهمة، يتمتعون بحقوق والتزامات خاصة. ووفقا لاحكام "قانون الأحزاب"، فإنها تعتبر من الجماعات المجتمعية التي تؤثر بشكل دائم أو لفترة طويلة على صنع القرار السياسي وتمثيل الشعب في "البرلمان"، تبعاً للقواعد الفعلية العامة. فيما يحظر "القانون" في الدولة المدنية "الاحزاب" التي لها أذرع مسلحة من المشاركة في الانتخابات، ويطالبها تقديم تعهداً يتضمن مادة واضحة بذلك. وعليها بيان مواردها المالية قانونياً، كيف ومن أين؟ كذلك طبيعة عملها وأماكنها المحددة وعدد أعضاءها. والاهم اعترافها بالقانون الاساسي للدولة "الدستور" والالتزام بمبادئه.

للمشاركة في تشكيل الإرادة السياسية للشعب، تتمحور أنشطة الأحزاب عادة حول، تأثيرها على تحريك الرأي العام، وتشجيع المواطنين على العمل في الحياة السياسية وحرية إشراك القادرين منهم على تحمل المسؤولية العامة في الحكومة "الاتحادية" أو المحلية بالشكل الذي يساعد على نجاح عمل البرلمان والحكومة. بيد ان مبدأ حرية تأسيس الأحزاب بالإضافة إلى حرية الحزب فيما يتعلق بأهدافه وبرنامجه ونشاط أعضائه في سياق العمل الحزبي ـ لا يمكن تبرير أعمال إجرامية بحرية النشاط الحزبي. ويلزم القانون الأساسي، الحكومة بمعاملة جميع الأطراف على قدم المساواة، وتطبيق مبدأ التعامل بين الدولة والاحزاب الفاعلة بحيادية تامة. ويلزم أيضاً جميع السلطات، بما في ذلك هيئات البث العامة، بمعاملة الأطراف من حيث المبدأ بنفس الطريقة عند تقديم التسهيلات والخدمات الانتخابية. وذلك لضمان المنافسة العادلة بأحدث الأساليب المعروفة باسم "تكافؤ الفرص المتدرج" للحصول على أصوات ودعم المواطنين الناخبين وفقا لأهمية الحزب ونزاهته.

وفيما يتعلق الأمر بالانتخابات وكيف؟ فالمفوضية "المستقلة؟" العليا للانتخابات، كما يطلق عليها في العراق، يختلف تشكيلها وإدارتها وعملها، بالمجمل، عما هو عليه في النظم الديمقراطية. حيث يقوم بتنظيم ومراقبة الانتخابات المركزية للبرلمان أو الأقاليم والاستعداد لها في أوقاتها المحددة، "المشرف الانتخابي الاتحادي"، ويتم تعيينه ونائبه من قبل وزير الداخلية الاتحادي دون الرجوع لأية مؤسسة لفترة غير محددة. تقليديا، يتولى رئيس المكتب الفدرالي للإحصاء منصب رئيس اللجنة الانتخابية الاتحادية بأكملها. ويعد مسؤول المنطقة الانتخابية، واحداً من عدة هيئات انتخابية مكلفة بإعداد وإجراء الانتخابات، جنبا إلى جنب مع اللجان الانتخابية. وأعضاء هيئات المراقبة الانتخابية هم من الأفراد ومنظمات المجتمع المدني، الذين ليس عليهم أية جنحة قانونية، ويخضعون لتعليمات المسؤول الاتحادي، الذي يلتزم بالأحكام القانونية. ومن مهام الموظف الاتحادي، مراقبة السلوك السليم للانتخابات بما يتوافق مع المواعيد والتواريخ القانونية، إبتداء من إعداد سجلات الناخبين ومراسلة الناخب خطياً لتذكيره بموعد وعنوان الدائرة الإنتخابية الخاصة به منعاً للتزوير، وحتى نشر نتائج الانتخابات النهائية.. أيضاً تلقي ومراجعة إشعارات الترشيحات من "الأحزاب السياسية" التي لم يتم تمثيلها منذ الانتخابات الأخيرة، ورفع نتيجة فحصه الأولي إلى اللجنة الانتخابية الاتحادية لإصدار قرار بها كحزب في الانتخابات القادمة. ويتمتع بصلاحية جمع الوثائق الخاصة بالأحزاب والجمعيات السياسية كبرنامج الحزب ونظامه الأساسي ومراكز تواجده وأسماء أعضاء مجلس الإدارة مع تفاصيل وظائفهم لتدقيق مصداقية الحزب القانونية.

يتولى المشرف الانتخابي الاتحادي "رئيس اللجنة الانتخابية الاتحادية" بإختصار، المهام التالية: تشكيل اللجان الانتخابية الاتحادية ورئاساتها، إعلان قرارات اللجنة الانتخابية الاتحادية، مراقبة قرارات اللجان الانتخابية في الدوائر بشأن قبول أو رفض مقترحات انتخابات الدوائر مع الحق في الطعن أمام لجنة انتخابات الإقليم، تلقي وفحص الشكاوى ضد قرارات لجان الانتخابات في الأقاليم "المحافظات"، التسجيل والمقارنة بين المسجلين المؤهلين للتصويت في الخارج، فحص المتقدمين للانتخابات للتأكد من عدم قبول ترشيحات مزدوجة، فحص الانتخابات للتأكد من صحتها وتحديد إعلان النتيجة الأولية للانتخابات في المنطقة الانتخابية، إقرار النتيجة النهائية للانتخابات الاتحادية التي تعدها اللجنة الانتخابية الاتحادية، إعلان النتائج النهائية في الدوائر الانتخابية.

الانتخابات هي عمليات مباشرة لمشاركة المواطنين في السياسة. يتم إجراؤها عن طريق التصويت السري لصالح حزب أو "مرشح أو مرشحة" تم ترشيحهم من قبل خمسة أعضاء على الأقل دون انقطاع عن البرلمان الاتحادي أو الاقليم.. تتبع الانتخابات، كما في معظم الدول الديمقراطية، خمسة مبادئ أساسية، مدرجة في القانون الأساسي ـ الدستور: عامة ومباشرة وحرة ومتساوية وسرية. وبالتالي، فإن القانون الانتخابي حق ديمقراطي، يحظر أي تأثير على الناخبين بالكلمة والصوت والوجه والصورة والمال والتهديد، ويحظر كذلك كل توقيع أو جمع التواقيع للبرامج السياسة للاحزاب. 

 

عصام الياسري 

 

علاء اللاميلماذا هذه الحرب الضارية على الربط السككي العراقي وقناته الجافة؟ لكي نفهم أسباب هذه الحرب الضارية التي تخوضها أطراف عديدة منها الكويت وإيران وأميركا ودول أخرى لإجهاض حلم القناة الجافة العراقية التي تربط بالسكك الحديدية بين الخليج العربية والبحر المتوسط، أو في الحد الأدنى لنفهم أسباب محاولة السيطرة عليها وعرقلة إكمال بناء ميناء الفاو الكبير العراقي واستبداله بموانئ أخرى كميناء مبارك الكويتي أو ميناء خميني الإيراني، لنقرأ هذه الفقرة من مقالة للكاتب ميزر كمال (العراق يمثل العمود الفقري لما يسميه الأمريكيون "الشرق الأوسط الجديد". فهو الطريق الواقع بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك أغلى 20 كيلومتراً في الخليج العربي، هذه العشرون كيلومتراً هي شبه جزيرة الفاو، التي بدأ العمل على تحويلها إلى ميناء الفاو الكبير. العراق طريق النقل العالمي الجديد. فمع ميناء الفاو الكبير، هنالك مشروع الربط السككي للقطار السريع، والذي في حال إتمامه ينقل البضائع بين المتوسط والخليج خلال 6 ساعات فقط، بينما يستغرق وصولها الآن من قناة السويس إلى الخليج العربي والعكس من 17 إلى 25 يوماً). وبحساب المسافة بين ميناء الفاو وميناء بانياس السوري مثلا تكون المسافة 1580 كم تقريبا، تقطعها قطارات الشحن السريعة في ست ساعات وربما أكثر قليلا بمتوسط سرعة بين 200 و250 كم /ساعة، وتزداد المسافة والوقت ساعة أخرى عبر مواني تركيا شمالا، وبتكلفة نقل قليلة جدا مقارنة بتكاليف النقل البحري / قارن الخط البحري الطويل على الخريطة بالخط البري العراقي القصير باللون الأحمر وعليه سهم احمر صغير/ الصورة.

ولكن ما هي الأطراف التي تتصارع وتتنافس على هذه القناة العراقية الجافة وربطها السككي. لنعد إلى المقالة السابقة ونقرأ فيها (الصراع على العراق الجديد (جغرافياً) أقطابه ليسوا إيران والولايات المتحدة الأمريكية فحسب. فهنالك روسيا التي تمهد لذلك منذ عام 2008، عندما ألغت موسكو ديوناً سابقة على العراق بقيمة 13 مليار دولار مقابل استثمارات نفطية... ودول الخليج العربي هي الأخرى دخلت على خط العراق الجديد... تركيا أيضاً لها نصيبها من العراق، فهي تُنشئُ "منتدى الأعمال العراقي -التركي" لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 20 مليار دولار في المستقبل القريب. وتركيا هي أكثر المعنيين في خط النقل العالمي الجديد الذي يُخطَّط لأن يكون العراق طريقه بين الخليج والمتوسط. ومصر والأردن تريان في العراق فرصة ذهبية لإنعاش اقتصادهما المتواضع، ولم تتأخرا بعقد قمة ثلاثية حرصتا من خلالها على أن يكون العراق أقل المستفيدين منها... تطالب مصر أيضاً بالانضمام إلى الاتفاقية لخصم 3 دولار لكل برميل نفط عراقي يأتيها من ميناء العقبة الأردني).

فهل فهمنا الآن سبب هذا الصراع الضاري بين دول الإقليم وشبه الفيتو الغربي الأميركي على الربط السككي العراقي وقناته الجافة؟ وهل استوعبنا خطورة اللعبة القاتلة والجريمة التي ترقى الى درجة الخيانة العظمي التي سيرتكبها نظام المحاصصة الطائفية العراقي وحكوماته في حال فرطت بالربط السككي العراقي ومنحته لأية دولة أخرى أو في حال واصلت الحكومات العراقية الفاسدة المرتشية عرقلة تنفيذ المراحل الأخيرة من ميناء الفاو؟

وأخيرا ماذا سيتبقى بأيدي العراقيين من أسلحة إذا فكر النظام الطائفي التابع للأجنبي بارتكاب هذه الخيانة العظمى وسلم القناة الجافة للكويتيين أو الإيرانيين أو غيرهم أو واصل عرقلة تنفيذ ميناء الفاو الكبير والقناة السككية الجافة العراقية سنوات أخرى؟

بكل تأكيد سيبقى بأيدهم أقوى سلاح لمنع أية قطارات أجنبية تمر بالأراضي العراقي بالأساليب السلمية على الطريقة الغاندية بالاعتصام وإغلاق السكك بالمتظاهرين السلميين وحتى بعرقلة مرورها بوسائل أخرى. وبإقامة دعوى قضائية والمطالبة بتقديم جميع المسؤولين عن التفريط بهذا الحلم والحق العراقي إلى المحاكم النزيهة حين يقوم نظام وطني استقلالي، بدءا من نوري المالكي ووزيره للمالية الأسبق رافع العيساوي وهوشيار الزيباري الذين وافقوا على التنازل عن خور عبد الله، وهادي العامري الذي رفع التحفظ العراقي على طلب الربط السككي الكويتي، وحيدر العبادي والجزار عادل عبد المهدي اللذين عرقلا وقطعا تمويل إكمال إنجاز ميناء الفاو، وبرهم صالح ومحمد الحلبوس وفؤاد حسين لجهودهم في تمرير الربط السككي و قاسم الأعرجي الذي يروج للربط السككي مع إيران!

التفاصيل واضحة والوقائع على الأرض صلبة والوسائل معروفة ولا عُذْرَ لمن أُنْذِر!

- خائن من يعرقل ميناء الفاو

- خائن من يفرط بالقناة الجافة – العراقية

 

علاء اللامي

...........................

رابط يحيل الى النص الكامل للمقالة المقتَبس عنها:

http://assafirarabi.com/ar/33294/2020/09/17/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%84%d9%85%d9%86%d8%9f/ 

 

ابراهيم أبراشما كان لخطوة التطبيع الإماراتي البحريني مع الكيان الصهيوني أن تأخذ هذا المنحى من الإثارة والضجيج لو جرت بهدوء كممارسة سيادية لدولة من حقها اقامة علاقات دبلوماسية مع من تشاء من الدول، ودون تحميلها كل ما رافقها من تهويل ومبالغات أظهرتها وكأنها خطوة ستغير وجه المنطقة بل وتاريخ البشرية وهي في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.

كان من الممكن للإمارات والبحرين أو أية دولة عربية أن تعلن عن إقامة علاقات دبلوماسية بينها وبين الكيان الصهيوني من خلال بيان رسمي تصدره وزارة الخارجية أو أية جهة أخرى دون الإساءة للفلسطينيين وتاريخهم وحقوقهم ودون تمجيد دولة الاحتلال وتاريخها بل والاستعانة بآيات قرآنية لشرعنة وجودها في المنطقة وتبرير السلام معها. صحيح أنه في جميع الحالات سيجد التطبيع رفضاً وإدانة من الفلسطينيين وغيرهم ممن لهم موقف مبدأي ضد الكيان الصهيوني والتطبيع معه ولكنها لن تكون ردود فعل بنفس الدرجة والقوة، وفي اعتقادي أن جزءاً كبيراً من الغصب على ما جرى سببه التخريج السيئ لإعلان هذه العلاقة، دون التقليل من خطورتها بطبيعة الحال.

ما جرى من حيث الشكل وطريقة الإخراج والبيانات الصادرة من واشنطن وتل أبيب وطريقة تعامل الإعلام الصهيوني مع الموضوع كان استدراجاً من واشنطن وتل أبيب لهاتين الدولتين ليبدو الأمر وكأنه تحوُّل جوهري في المنطقة يتم على يد ترامب ونتنياهو، وليس قراراً سيادياً لهاتين الدولتين يحقق مصالح قومية لهما، بل بدأ الأمر وكأنه امتداد للحملة الانتخابية لترامب ونتنياهو بما يصاحب الحملات الانتخابية عادة من صخب وتهريج وشعارات مُبالغ فيها.

أكثر ما يثير الغضب انجرار الإعلام الإماراتي والبحريني ومن يؤيدهما إلى تبني الخطاب الأمريكي الإسرائيلي حول السلام. فأن يُعلن ترامب ونتياهو أن التطبيع مع العرب سيجلب السلام إلى المنطقة معناه أن العرب هم الذين يعيقون السلام وهم سبب استمرار الحرب والصراع في الشرق الأوسط، وهذه مغالطة خطيرة والتساوق معها يبرئ الكيان الصهيوني وامريكا من المسؤولية عن الصراع في المنطقة ويُحمِّل العرب والفلسطينيين المسؤولية، بينما الحقيقة أن العرب توقفوا عن الحرب منذ 1973 وهي الحرب التي كان عنوانها استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في عدوان حزيران 1967 ورفض الكيان الصهيوني تنفيذ القرار الأممي 242 الذي يطالبه بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، كما وقعوا أكثر من اتفاقية سلام – مع مصر والأردن ومنظمة التحرير-، وكل الحروب والتوترات العسكرية في العقود الثلاثة الأخيرة يقوم بها الكيان الصهيوني سواء ضد دول عربية كلبنان وسوريا وقبلها قصف مواقع في العراق والسودان واغتيال فلسطينيين ومناصرين للشعب الفلسطيني في الإمارات وسوريا وماليزيا وتونس وعيرها، أو في مواجهة الفلسطينيين من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان ومواصلة الحرب في غزة والضفة حيث التزمت السلطة والرئيس أبو مازن بالحل السلمي وندد بالعنف والإرهاب بل وعمل تنسيقاً أمنياً مع إسرائيل حول هذا الموضوع، كما أن حركة حماس وقَّعت أكثر من اتفاقية هدنة مع الكيان الصهيوني خرقه هذا الأخيرة.

والغريب في الأمر أن تتحدث الإمارات عن السلام في المنطقة وتتغنى به وتند بالحرب والعدوان بينما هي ودول خليجية أخرى من ممولي فوضى الربيع العربي وجماعاته المتصارعة وبعضها إرهابية كما أنهم طرف رئيس في اليمن حيث تحدث جرائم حرب، فهل حربهم في اليمن ودعمهم لجماعات مقاتلة في بلدان أخرى يصب في مصلحة السلام؟ وهل قتال جماعات المعارضة ضد بعضها البعض أو ضد الأنظمة العربية القائمة وما تتلقاه من دعم عسكري ومالي وسياسي من عديد دول العالم يخدم السلام العالمي؟ بينما إذا ما قاتل الفلسطينيون من أجل الحرية والاستقلال يصبح قتالهم منافي للسلام؟!!!!!

 

إبراهيم أبراش

 

محمد كريم ابراهيمإنه العام 2033، هناك الكثير من التطورات التقنية والاكتشافات العلمية قد حدثت، السيارات لم تعد تمشي على الأرض، بل فوق السماء بفضل اليابانيين، ويمكننا الآن معالجة الأمراض النفسية كالقلق والأكتئاب عن طريق زراعة شريحة الكترونية داخل الدماغ بفضل رجل أسمه ايلون ماسك، وتعلن اليوم الأمم المتحدة قضاءه على الفقر والبطالة نهائياً في جميع بقاع العالم.

تغيرت سياستنا أيضاً كعرب، فمصر أصبحت من أضخم دول العربية أقتصادياً نظراً لكثرة أعداد سكانهم، والعراق تغيرت أحواله تماماً ووصل إلى نقطة التوازن ولديه الآن حكومة قوية ودستورٌ ثابت، وأنتهت الحرب في سوريا وأعيد إعماره بالكامل وهو الآن يعيش حياةً طبيعية خالية من أصوات القنابل والطلقات، وكذلك اليمن وضعت للحرب اوزارها وتصالحت مع نفسها ومع الآخرين، والسعودية باتت دولة معاصرة متقدمة لا تعتمد أقتصادها على النفط بعد الآن بل على صناعات الكبرى والخدمات المثلى.

أما الإمارات، فهي الآن أقوى دولة عربية عسكرياً، وتمتلك أجهزة أستخبارات ذكية، وجنود مجهزة بالكامل، وحتى صواريخ نووية.

لكن هناك شيءٌ ناقص في هذه المنطقة، دولة عربية صغيرة أختفت من الخارطة، وتهجرت أهلها إلى مختلف البلاد، دولة كانت تمثل قضية إسلامية مهمة في وقت ما، قطعة من الأرض المقدسة كانت في بال جميع الخلفاء والملوك وحكام المسلمين منذ زمن الرسول (ص)، إنها أرض الفلسطينيين، فهي لم تعد موجودة، وفلسطين لم يعد موجوداً.

ليس فقط هو لم يعد موجوداً اليوم، بل محو تاريخه بالكامل، لا يُدرس تاريخ فلسطين في المدارس العربية والمسلمة في هذه السنة، خشية من "إثارة الفتنة" بين المسلمين وغيرهم، وحتى لا يأخذ الغيرة الطفل العربي ويحمل على مطالبة بذاك الأرض من جديد.

الآن، يبدو هذا البلد على غير هيئته، فقليل من المسلمين يترددونه، وينظرون إلى البنايات والعمارات التي غيرت ملامحه، والسكان الأجانب الذين يعيشون فيه؛ لا يوجد فيه عباد مسلمين، ولا مساجد للمصلين، ولا رمضان للصائمين.

بات أهل فلسطين مجرد زوارٌ لمساكنهم، ولا يوجد أي أثر يدل على وجودهم في هذه المنطقة، أصبحت قبورهم وقبور جميع الذين حاربوا من أجله قاعدة للمنتجعات الترفيهية والسياحية، فتوارت عن أحفاد فلسطينيين الإسلام والوطن والتاريخ.

قد نرى بعض الأحيان كتابات على الجدران هنا وهناك في إسرائيل الجديدة، واليوم كتب أحدهم: لم يعد هناك فلسطين ... خاننا حكام العرب.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

كاظم الموسويمرّ قرن كامل على ثورة العشرين في العراق. التي اندلعت في الثلاثين من شهر حزيران/ يونيو 1920، هكذا أطلق عليها وهكذا تسمت وتم لها الإنجاز والتعبير عن مشاعر السكان، الشعب الذي ابتلى بتحكم الأجانب في أمور إدارة البلاد. فما أن انتهى زمن الأمبراطورية العثمانية حتى تمددت بعدها بواخر ومدافع الأمبراطورية البريطانية، لغزو العراق من الجنوب، من البصرة وامتدت إلى بغداد ومن ثم الموصل.

وأصبح العراق تحت الإحتلال البريطاني، وكعادة المحتل المستعمر في إدارة البلدان التي يحتلها القيام بفرض اجراءات هيمنة على السكان، وسيطرة واذلال، فضلا عن اعتبار البلاد عمليا تحت نفوذه الاستعماري، العسكري والسياسي، بمعنى اغلاق النوافذ عليها، وحرمانها من التقدم والتطور، وتعميم التخلف والفقر والمرض في سكانها. وحين دخلت القوات البريطانية بغداد في آذار 1917 اعلن قائد القوات المحتلة في  بيانه/ رسالته التي اشتهرت باسمه، الجنرال مود، (فردريك ستانلي مود ( Frederick Stanley Maude) (1864م - 1917م) "اننا أتيناكم محررين لا فاتحين!. ونقل عنه إنه لم يكن راضيا عن البيان، وان الذي صاغه في لندن مارك سايكس، الذي عرف بمعاهدة التقسيم المشؤوم للمنطقة العربية، معاهدة سايكس - بيكو، وأرسل له لقراءته. وربما احس بتضليله وخداعه، فالاوضاع التي أوصلته إلى بغداد لا تتطابق مع الكلمات المعسولة، وربما اراد الصمت بديلا عن هذا الخداع الاستعماري، ولكنه اكره عليه.

جاء في "بيان مود " مخاطباً سكان بغداد، بعد الكذبة الاولى، "... ولكن انتم، يا اهل بغداد، الذين يجب ان تكون مصالحهم التجارية، وسلامتهم من الظلم والسيطرة، محل اكبر اهتمام من جانب الحكومة البريطانية. يجب الا تظنوا ان الحكومة البريطانية تريد ان تفرض عليكم انظمة غريبة. ان الحكومة البريطانية تأمل ان تتحقق مرة اخرى، أماني فلاسفتكم وكتّابكم. ان اهل بغداد ستزدهر امورهم، وسيتمتعون بثرواتهم وممتلكاتهم، في ظل انظمة تتفق وشرائعهم وامانيهم القومية".

وواضح من النص النفاق السياسي واستخدام ما يتصوره المستعمرون من ألفاظ تؤثر في كسب القلوب والعقول وتعمل على غسل الأدمغة المطلوب منهم لأي بلد يبتلي بهم. فكيف تتحقق أماني الفلاسفة والعلماء والكتاب والقوات العسكرية تكتم الأنفاس، وقد وصلت بغداد بعد أن حوصرت في الكوت وقدمت ضحايا كثر من اعدادها ومعداتها؟!. وكيف تزدهر التجارة والصناعة والزراعة والقوانين الاستعمارية مرتبطة بالمركز وبسياسات المركز وعلاقاته السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية والاجتماعية؟. أن الرسالة بمضمونها العام تقديم واضح لتمرير الاحتلال وتسهيل الهيمنة الاستعمارية وتدبير شؤون المحتل مع السكان واقناعهم بكل ما تقوم به القوات والسياسات البريطانية، وتبين ذلك من اغراءات الحكم وشراء الذمم ومن التفريق بين الشعب تحت سياسة فرق تسد، وابرز نموذج لذلك الرد العسكري على كل انتفاضة أو حراك شعبي، واستخدام كل أنواع الأسلحة الثقيلة وحتى الطيران في القصف والتدمير. وكل مرة تضع السلطات البريطانية شبحا لمحاربته وهدفا للانتقام من الشعب والوطن.

هذا الواقع فرض على رجال العراق الأحرار من مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة المرجعيات الدينية، الى الاجتماع والمناداة الى مقاومة الاحتلال وانهاء الاستعمار المباشر والدعوة لحكم وطني مستقل، فكثرت الاجتماعات واللقاءات متأثرة بما حصل من ثورات تحررية وانتصارات ثورية في العالم، ولاسيما ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا، وكشفها الوثائق الاستعمارية والمخططات الغربية ودفع الثوار لأخذ العبرة والدروس منها والانطلاق وطنيا والتحضير والاستعداد للمواجهة ورفض سياسات الاستعمار والاحتلال. كما لعبت الأحزاب السياسية، التي أخذت بالتأسيس، والشخصيات الوطنية في بغداد والمدن الأخرى دورها المشهود. وبعد تمكن المستعمر من السيطرة العسكرية وإعلان العمل على انتخابات واتفاقيات وغيرها وقفت قيادات حركة التحرر موقفا حازما وادارت الصراع معه.

فعقدت اجتماعات عامة في بغداد وكربلاء واصدرت بيانات تطالب بالاستقلال والحرية والعدالة للعراق. منها البيان المشترك الذي رد على تصريح الوزير البريطاني حينها ونستون تشرشل، حسب ما أورده الشيخ محمد مهدي البصير في كتابه: تاريخ القضية العراقية، ط2 ص 237 : “لقد أثبت العراقيون رغبتهم الأكيدة في الإستقلال التام ورفضهم اي انتداب كان رفضا باتا"، ووقعه كل من: محمد الخالصي، وأحمد الداوود، ومحمد الصدر، وحمدي الباجه جي، ومحمد المهدي البصير. كما كانت الرسائل والبرقيات الموقعة من رؤساء العشائر وشيوخها ترسل إلى الخالصي والصدر تأييدا ودعما لبلاغهم المنشور. واعتبارها مواثيق وطنية، نقل البصير واحدا منها (ص238)، ورد فيه ما يلي: “أن الميثاق العربي العراقي الذي وقعنا عليه بصفتنا سادات وزعماء أصالة عن أنفسنا ووكالة عن أفراد قبائلنا وتابعينا هو البرنامج السياسي المشتمل على المواد الآتية التي اقسمنا على رعايتها واتخاذها غاية لجهودنا الدينية والوطنية وعاهدنا الله على أن نعمل بمقتضاها وان لا نعدل عن أية جزئية من جزئياتها:

المادة الأولى: تأليف حكومة نيابية ديمقراطية مسؤولة أمام الأمة العراقية مستقلة استقلالا تاما لا شائبة فيه من أي تدخل أجنبي.

المادة الثانية: تأييد سياسة الملك فيصل الاول على أساس استقلال العراق السياسي التام بحدوده الطبيعية.

المادة الثالثة: رفض الانتداب وكل معاهدة تمس كرامة الأمة العراقية واستقلالها التام فعلى هذه المواد الثلاث المنتظمة حقوق العراق الطبيعية قرن رغباتنا الصميمية والله حسبنا ونعم الوكيل”.

في كتابه، نصف قرن من تاريخ وطن، كتب سالم عبيد النعمان، (ص 134): "لقد كان الخالصي هذا المفكر الوطني والانساني البعيد النظر قد سطر أفكاره في برقيته المرسلة الى لينين، زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية والتي نشرتها جريدة New Times السوفيتية ونصها التالي: “أن الشرق الذي ايقظتم ينظر لحظة ترجمة أفكاركم الصائبة حول تحالف الأمم الشرقية وحق كل فرد وكل أمة كبيرة كانت أم صغيرة، مثقفة أو متخلفة، بالحياة والاستقلال الى واقع حي”.

تختصر البرقية وعي القيادات الوطنية والدينية وادراكها المسؤولية الملقاة عليها في التخلص من الاستعمار والتحرر منه وأتباعه، ولعل الشيخ الخالصي في موقعه ودوره عبّر عنها بشكل واضح وتقدير كامل للمهمات والمسؤوليات التي تتطلبها الأوضاع والقدرات. وهو رجل الدين والمرجع القائد يخاطب لينين زعيم الثورة الاشتراكية التي عمل المستعمر بكل جهد ووسيلة على إبعاد اي تأثير لها في العراق وخارجه، أو اي تواصل مع قيادتها.

ونشرت مقتطفات من رسالة لينين، رئيس الأممية الشيوعية، الجوابية، إلى قادة ثورة العشرين، وكانت المراسلات عن طريق القنصل الروسي في طهران. جاء فيها: قرأت رسالتكم باهتمام عميق، أن قصة استعباد بلاد الرافدين المأساوية تكشف في غاية الوضوح السياسة المرائية الغادرة التي تنتهجها الحكومة الإنكليزية، ولكن في اي مكان تصرفت الإمبريالية البريطانية خلافا لذلك؟، في الهند ام مصر  أم جنوب افريقيا. أن سياستها واحدة في كل مكان: الأكاذيب والغدر والوحشية والقسوة.. أن تحرير بلاد الرافدين لا يمكن بلوغه بمعونة ودعم دولة إمبريالية أو عن طريق عصبة الأمم. بل بالنضال المنظم للجماهير الواسعة في العراق ضد المحتلين. ان إقناع الجماهير بأن وضعها المادي سيكون ايسر وافضل بطرد الانكليز، وشجب كل الخونة في بلاد الرافدين. ان الأممية الشيوعية التي توجه ملايين العمال والفلاحين الثوريين في انجلترا وفرنسا وألمانيا وروسيا، الخ، تؤكد لكم تعاطفها ودعمها لنضالكم من أجل الحرية.. ايها الاصدقاء الشرفاء، أن كنتم تعتقدون أن من المفيد المجيء إلى موسكو فاني أتطلع إلى لقائكم،. تقبلوا فائق تحياتي القلبية. بتوقيع: فلاديمير لينين ، رئيس الأممية الشيوعية.

ولمقارنة الرسالتين رغم اختلاف توقيتهما، الا أنهما عبرا عن مشروعين وبرنامجين لبلدين كبيرين، وعن  سياسات وممارسات البلدين، المستعمر والمتحرر، بين الذي يفرض نفوذا واحترابا والذي كشف المعاهدات وفضح الاتفاقيات السرية، والخطط التي اريد بهما، ليس الاستعمار والاحتلال وحسب وانما تقسيم المنطقة وتمزيق نسيجها وزرع الكيان الإسرائيلي فيها والهيمنة على ثرواتها التي اكتشفت والتي وعدت باستثمارها والصراع عليها، ومنعها من النهوض الحضاري والثقافي والسياسي وتركها تابعة متخلفة وتحت النفوذ الإمبريالي.

 

كاظم الموسوي

 

 

سمير محمد ايوبكَفكِفوا دموعكم، صبرا وشاتيلا وصمةُ عارٍ

16/9/1982، كنتُ أسكن حيَّ المنشية في برج البراجنة، في الضاحية الجنوبية من بيروت، قضيتُ مع غيريَ كلَّ تلك الليلة، نرقب بقلق وخوف وتوجس ورعب، السماء المضاءة بالكامل وباستمرار بقنابل التنوير، بدءا من مستديرة المطار، صعودا إلى مستديرة السفارة الكويتية والمدينة الرياضية، حتى أرض جلول ومحطة الدنا، وتضم منطقة الحرش، صبرا، شاتيلا والمدينة الرياضية . وهي منطقة مكتظة بسكانها من الفقراء اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين .

في الصباح الباكر، إندفعت جموع غفيرة الى تلك المنطقة، لتعرف ما كان يجري طيلة الليل هناك . كنتُ والمناضلة أم أنور حرم صديقي وجاري الطيب / الشهيد العميد أحمد أبو طير – أبو أنور من أوائل المبكرين جدا في الوصول . يا لهول ما رأينا، كان الواقع أبشع من كل وصف . مجزرة جماعية لالاف المدنيين المذبوحين بكل ما قد يخطر في البال من ادوات قتل وتعذيب وتنكيل وهول . لم يتسع عجزنا الغاضب الا لبكاء المقهورين وتمتماتهم  .

كُلِّفتُ بإجراء تحقيق مسحي أوَّليّ للمجزرة . إستعنت بفريق عمل ميداني، إنتقيته آنذاك من بين طالباتي وطلبتي في جامعة بيروت العربية، وجامعة الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية . أجرينا خلال اسبوع، مسحا معمقا وجمعنا شهادات حية من الناجين، وُثِّقَتْ على 55 شريط تسجيل . نشرتُ خلاصتها في مجلة شؤون فلسطينية الصادرة عن مركز الابحاث الفلسطيني في بيروت . رسم التقرير مسار المجزرة وتفاصيلها، وخلص الى ان المجرمين كانوا خليطا من القوات اللبنانية، بقيادة شخص يسمى ايلي حبيقة .

المواقيت التالية تكشف الكثير لمن يريد ان يتبصر:

- صباح 6/6/1982، اجتاح العدو الصهيوني لبنان، غازيا بجنازير دباباته ومائة الف من قوات النخبة لديه،لأقتلاع الوجود العسكري الفلسطيني من لبنان، تمهيدا لفرض حلوله .

- 23/8/1982، الامريكان والصهاينة يفرضون العنصري الطائفي المقيت، بشير الجميل رئيسا للبنان، ليساعدهم في تصفية الوجود المدني الفلسطيني في لبنان .

- 30/8/1982، بعد 83 يوما من الصمود الاسطوري في مواجهة الالة العسكرية الصهيونية المدعومة من الولايات المتحدة الامريكية ومن اذنابها المحليين ومن بعض الانظمة العربية المتصهينة، يغادر بحرا وبرا، عرفات وقوات الثورة الفلسطينية الى المنافي من جديد .

- 4/9/1982، يسيطر الجيش اللبناني على غرب بيروت بالكامل.

- 10/9/1982، تغادر قوات حفظ السلام الدولية لبنان .

- 14/9/1982، لأنه باع لبنان لإسرائيل، تم اغتيال بشير الجميل في مكتبه في الاشرفية في بيروت وهو بين انصاره ومحازبيه .

- مساء 16/9/1982 حتى صباح 17/9/1982، تم ذبح آلاف المدنيين العزل من اللبنانيين والفلسطينيين والسورييين القاطنين في الحرش ومخيمي صبرا وشاتيلا في واحدة من أبشع وصمات العار المعاصرة .

ايها العرب الاحرار، المقاومون والممانعون، لتبقوا جِبالا لا يهزها ريح، إعلموا أنَّ :

- عدوكم لم يعد بحاجة لشياطين ولا لأبالسة .

- الحق بالسيف يُؤخذ كاملاً غير منقوص ولا مشروط ولا متصهين .

 - وأنه لا خير في أمة ليس بيدها سيفٌ مُشْهَرٌ .

لتبقوا أحرارا، كفكفوا دموعكم، ما عاد الرثاء ينفعكم، ولا البكاء ولا العويل . هيا إضربوا بدمكم منظومة اعدائكم . فالسيف على مدار الحياة أصدق إنباءً من الكتب .

رحم الله كل شهداء أمة العرب أينما كانوا، ألمجد والغار لأحرار الامة للممانعين والمقاومين . العار كل العار، للمتخاذلين والمفرطين والمتواطئين أينما كانوا ومهما تسَمَّوا .

 

الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 16/9/2020

 

 

 

سامي عبد العالهناك علاقة كيفية- لا نفتقدها من حين لآخر- بين المواد المخدرة والسياسة، فالاثنتان مرتبطتان بزيادة الأوهام اللذيذة وتناسلها، والاثنتان تجعلان تفاصيل الحياة سحاباً كالدخان دون رؤية حقيقيةٍ، وكلتاهما تذيبان الزمن ونقاطه الفاصلة كما تذيب الأخيلة جبالاً من الثلج حيث لا شيء ثابت. والأخطر أنَّهما تكونان على موعدٍ بتشكيل (ذهنية غرائزية) لدى الجماهير التي تتعاطى إفرازها. وتعد الاثنتان (المخدرات والسياسة) موضوعين للإدمان الذي يصعب التخلص منه. فمعروف أنَّ كثرة تناول المواد المخدرة يعني إدماناً غير محدد النتائج وعلى الطريق ذاته تمثل السياسة مادة لإدمان سلطةٍ لا نتصور العيش دونها. فالسياسي هو المدمن الوظيفي لما يفعل ويزعم ويتوهم، نتيجة الآثار المترتبة على امتلاكه للنرجسية والإحساس بالذات والهيمنة على الآخرين وبلوغ نفوذه إلى أبعد مدى.

هكذا فإنَّ بعض الأحداث السياسية لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي، لأنَّها نوع من التسكين غير المباشر لآلام الواقع ومشكلاته. والظاهر أنَّ التماثل ليس هو الوارد فيما أسلفت فقط، بل تعدُّ السياسة مجالاً للأفكار المخدرة حتى بالنسبة لمروجيها أيضاً على غرار مقولة ماركس (الدين أفيون الشعوب). إنَّ حياة القهر التي تعيشها الشعوب تقع الأحداثُ في محيطها المفترض بالمعنى ذاته. ألم تترك المواد المخدرة أثراً يُفقِد مدمنيها أيَّ إحساسٍ بالواقع جنباً إلى جنب مع الايديولوجيات؟ ألم تُولِّد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! إذن.. ماذا لو كانت الأحداث السياسية ذاتها أفيوناً رمزياً بالنسبة لصانعيها ومتلقيها؟ وهذا يدل على أنَّ السياسة توظف الأحداث لخدمتها وترويج الصورة التي تريد إيصالها للمتلقي سواء أكان محلياً أم دولياً.

على سبيل الشرح (بمناسبة هرولة التطبيع مع اسرائيل دون الحقوق)، يبدو أنَّ حدث نقل السفارة الأمريكية- في حينه- إلى القدس كان ومازال كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. لأنَّ رمزية القدس (أورشليم) تغذي التطلُع التاريخي لشعب الرب وتمثل مساحة احلام اليقظة في مملكة بني اسرائيل عبر منطقتنا الغائصة بالمطامع من كل حدبٍ وصوب. أورشليم على الأقل عقدة الدراما (المأساة) في التراث اليهودي الصهيوني. وإذا اقتربت كعاصمة- ولو قليلاً - بقرار أمريكي في القرن الواحد والعشرين، فإنَّها تداعب الوعي الشقي لشتات بني اسرائيل وتمسح عنهم بعضاً من الأدران التي لطالما حاولوا التخلص منها. كما أنَّ أورشليم بمثابة اليوتوبيا التي تغلق قوس التاريخ على الوعد الإلهي لهم بقيام الدولة والمجتمع.

ولذلك كانت اسرائيل حريصة على وضع لافتة "الدولة اليهودية" من ضمن أولوياتها حتى أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين. فرغم أن اليهودية صفة تخص اسرائيل لا أحد سواها بحكم أنها إشكالية (جيوسياسية لاهوتية theo-geopolitical)، إلاَّ أنها تغاير مفاهيم الدولة المعاصر. وتضع اليهود كل يهود العالم في دائرة الاهتمام، وتشغل حق كل ما هو يهودي في سكنى اسرائيل وتستعيد التراث العبراني إلى واجهة المستقبل. حتى أن رؤساء وزراء اسرائيل يطلبون دون مواربة من الفلسطينيين الاعتراف بتلك الصفة لدولتها، كأن اليهودية هو الاعتراف بحلم التاريخ والسياسة الذي يجلب النعمة على شعب الرب.

واسرائيل لو نلاحظ تستخدم المصطلحات بطريقة سياسية حتى الرمق الأخير، حتى تصبح واقعاً يمكن أن يجلب القوة الناعمة لمحيطها الفعال. فاليهودية ترتقي إلى مادة أفيونية تضيع مآسي شعبها طوال الوقت، باعتبارها من لحمة الأحلام اليومية التي يطمع الإسرائيلي في تحقيقها. فيكون مواطناً يهودياً في أية بقعة من الحياة في الكون وبالتالي يصبح تلقائياً مواطناً اسرائيلياً ويتقاسم مع شعبها الحلم ذاته ويتبني القضايا نفسها ويعادي الفلسطينيين أنفسهم ويكشر عن انيابه طالما رأى عربيا يمرق بجواره.

وبالمثل جاءت اتفاقيات التطبيع بين اسرائيل وبعض الدول العربية كالإمارات والبحرين وغيرهما... بالأثر المخدر للطرفين في غمرة التصريحات والصور. حيث أخذت بغمر طرفيها في خطابات من الرضا الذاتي واشباع الكلام بمزيد من الغموض بشأن المستقبل وتبادل الزيارات والأفكار والوفود وعقد الصفقات. ولم تسلم الشعوب من اغراقها بالآمال المنتظرة – كما رُوّج لذلك- بفضل النتائج الحاصلة من السلام والتطبيع. وهذا أفرز جدلاً ذهب إلى حد اعتبار المنطقة العربية آمنةً ومستقرة وداعب خيال العروش الحاكمة بأن مستقبلها مزدهر وأن أولاد العم يعقوب (بني اسرائيل) لن يكيدوا ثانيةً لأبناء اسماعيل (العرب) كما هو حال السرد السياسي الشائع. على الأقل أبعد الوضع عن الأذهان- تدريجياً- فكرة المكيدة والمؤامرات التي تلصق بإسرائيل في اللاوعي العربي. وأن التطبيع معاً سيجعل زيتنا العائلي (العائلة الإبراهيمية) في دقيقنا (الأحداث السياسية+ المنطقة العربية)، ليخرج العجين على هيئة أقراص المحبة ونذور لآلهة السياسة.

وتغدو عمليات التطبيع مخدراً على أكثر من صعيد:

أولاً: التخلص من الصداع (الصراع) الاسرائيلي العربي، لأنَّ العروش العربية دخلته وهي كارهة لدورها المنتظر. وأقول إنَّها غير مؤهلة له نظراً لفقدان وزنها الثقافي والحضاري بالمرة. لأنَّه صراع محسوم لصالح اسرائيل في الوجود والحضارة والسياسة. فلم تجد بداً من اصطناع حدث يزيل العبء عن كاهلها ويجعل مخرجها دون خسائر أمام الشعوب.

ثانياً: المساواة الزائفة بين الأطراف العربية واسرائيل نتيجة الجلوس على طاولة التطبيع، وكأنَّ العرب يقولون ها نحن قد جلسنا على مائدة واحدة مع اسرائيل الغالبة والمتفوقة عسكرياً ودولياً، وها نحن قد تساوينا بها ولم نعد أقزاماً، وأن الفارق الحضاري والسياسي يمكن تعويضه بمجرد توقيع اتفاقيات التطبيع.

ثالثاً: الثأر الرمزي من العدو، فإذا كانت اسرائيل قوية في الرد على اعدائها بالمحيط العربي وإذا كانت حريصة على التفوق العسكري والمعرفي والتقني، فالعرب الآن يهرولون للتطبيع من باب تقبيل الأيدي التي لا يستطيعون قطعها (اليد التي لا تستطيع قطعها قبلها). والتطبيع بهذا هو الوليد البديل والمشوه الناجم عن هذا الثأر، لكنه وُلد كالابن السفاح الذي جاء في غيبة الوعي والوجود بالنسبة للعرب. وقد استدرجت إسرائيل سذاجتهم الحضارية إلى غرف خاصة أسمها مكاتب التمثيل الدبلوماسي والتبادل التجاري.

رابعاً: الهروب الأقل عناء نحو الأمام، التطبيع حيلة هروبية من مسؤولية الحرية والاستقلال كطرفٍ له وجود وعليه مسؤوليات تاريخية. التطبيع انجاز وهمي كالمدمن الذي يسافر عبر الآفاق وعبر الزمن وهو مازال في مكانه ويفعل ما لم يستطع فعله في حالة الوعي، إنها عملية الإدمان الشديدة التي تفقد المُطبع إرادته وإحساسه بالعالم والأشياء.

خامساً: القتل الناعم لإرادة الشعوب وتزييفها، فهذا النظام العربي أو ذاك لن يكون دوما عند توقعات شعبه، لأن ممارسات اسرائيل ليست خافية عن أحد وتتابعها الشعوب العربية عن كثب، وعندما تطبع الأنظمة معها، فالأخيرة تقول لشعوبها: لن أكون عند مستوى التوقع، ليس فقط إزاء اسرائيل، بل إزاء أية حقوق سياسية أخرى داخلياً وخارجياً.

وطبعاً تدرك أمريكا كون الأحداث من هذا اللون صناعة ثقيلة ترسم واقعها على نحو افتراضي. إذ جاءت الطقوس المصاحبة لها هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة. ولم تخلُو الأوضاع من إطلاق الأطياف التي تنجز الأفعال من طرفي الأحداث ولا سيما في عملية التطبيع (بين طرفين) مثلما كانت بصدد الاعتراف بالقدس كعاصمة أبدية لإسرائيل (من طرف واحد). لأنَّ أمريكا كراعٍ تحشو الفراغ بين العرب واسرائيل تخويفاً ودغدغةً للمشاعر الإقليمية، كما أنها مافتئت تهدئ الهواجس نتيجة تخفيض حدة الصراع التاريخي. وبخاصة أنَّ الكلام الصامت على هوامش التطبيع كان أكثر مما قيل من الإمارات واسرائيل أو من اسرائيل والبحرين. ولنتذكر أن أمريكا هي من أعلنت عن عمليتي التطبيع، وفي الحالين مثلت مرجعاً أفقد الطرفين الإحساس بالمشكلات والمخاوف من الظهير الشعبي العربي.

ولذلك سيكون الخطاب السياسي في مثل هذه الحالات خطاباً تخديرياً. لأنَّه يأخذ زاوية التطمين لدرجة السذاجة، يقول إنَّ التطبيع قد انطلق لصالح الشعوب ولحل القضايا الفلسطينية العالقة. مع أن المشاهد معقدة ولا تبدو هناك أية آفاق مغايرة لما قبل التطبيع بحيث يرى الناس شيئاً جديداً يستدعي ذلك. مما جعل العبارات من قبيل "السلام أفضل من الصراع" وأنَّ "السلام فرصة للتنمية وتبادل المصالح" وأنَّ " السلام مع العرب يخدم المصالح المشتركة" عبارات أفيونية الطابع مع ترديدها الاعلامي، لأنَّها تنوِّم فقط الهواجس وتغلب الإيهام بالمعاني وأشباحها لا الحقائق. لأنَّ الجديد في هذا المسار لم يتحقق بعد ولن يتحقق بتلك الطريقة الظالمة لأصحاب الحقوق الأصليين، وكأنَّ الخطاب دعوة للتأمل السارح خلف الأخيلة، فليس هناك أكثر مما يفقدنا التركيز على الصور السلبية التي تركها الاحتلال وتدميره للوجود الفلسطيني.

ولكن تكشف مثل هذه الأحداث: كيف يتصرف عالم السياسة اليوم مع التاريخ والسياسات الدولية والصراع والجرائم الجغرافية والعولمة والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها وكيفية السيطرة على أطراف الصراع وبث التصورات التي لا تطابق واقعاً. فكل شيء دون مبالغة كان حاضراً في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية -الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأنَّ تأسيس إسرائيل قد تم الآن، الآن فقط رغم أنها قامت على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت التاريخ والمدن والحياة. ورأينا بالمثل مظاهر الحراك تجاه التطبيع مع اسرائيل بالمنطق ذاته، فقد بدا بعض مسؤولي الامارات وإسرائيل وهم يتحينون الفرصة للظهور سواء في المطارات أو على منصات الاعلام والإدلاء بكلمات مهدهدة. وتم ادماج الصور الاسرائيلية الراغبة بالسلام مع صور الضيافة العربية الراغبة باحتواء الضيف والإغداق عليه.

بينما نجحت إسرائيل- على الأرض- في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافةً إلى ذلك تطالب بحقوقها كدولة تدافع عن النفس. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من جغرافيا فلسطين، لكنها لم تبدأ إدارة ذلك بشكل خاص، إنما من خلال قوى العالم التي تعاطفت معها وكونت لوبيات فيها. إن إسرائيل طفيل جيوسياسي يتعلق بجسد القوى الكبرى (الصهيونية نزعة فيروسية)، حيث تعيش في كيان غيرها، وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها واقفة في مواجهة أعدائها من العرب. فالأحداث تغطي على هذا كله على نحو آمن وإزاءه تمثل تبريراً حالماً يواري أعمال التوحش الاسرائيلي.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْ يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأن يضع وظائفه سياسياً خدمة لتوسعاته. كان القرار الأمريكي بأن القدس عاصمة لإسرائيل دليلاً على هذا التضخم الأفيوني. وعد لترامب قال عنه نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدداً للمرة الألف بعد المليون: كان الوعد ممنْ لا يملك لمن لا يستحق. حتى نفذ القرار كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وجبناً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق.

ولذلك سنفهم عمليات التطبيع المنذورة لإسرائيل مجاناً كخُرافة آتية من غابر الأزمان. وبات العرب يؤدون طقوس التطبيع بدم بارد.. النظام تلو الآخر متسابقين على مذبح السياسات الأمريكية الإسرائيلية. لم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، وبدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية وأزقتها لا قيمة لها. لأن العرب لم يعدوا أن يكونا حتى ظاهرة صوتية، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الحياة الراهنة. إنَّ ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من الواقع رغم أنَّه تحت أعينهم وأيديهم.

الأحداث أمام الوعي تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. محشوة بالعنف المتضخم عولمياً والذي ينعكس في أعمال اسرائيل، ثم الأثر نفسه بالنسبة للكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات التراثية حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته. قال ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة. في المقابل يمضغ العرب (المطبعون وغير المطبعين) عبارات السياسة لعلهم يغيبون عن الوعي ولو للحظات خاطفة.

المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث بما يفيد: تجديد النكبة بالنسبة للفلسطينيين والتأسيس بالنسبة لإسرائيل، الدمار لفلسطين وإعادة الإعمار لإسرائيل. والمفارقة بادية للعيان في الوعاء الزمني والمكاني ذاته (القدس) ضد أية إرادة إقليمية. هؤلاء يصرخون وأولئك يحتفلون، هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

القاتل والمقتول يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى وعيسى ومحمد. والصراع بينهم ينتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيته المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت الأرض إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور سياسية متتابعة.

أيُهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلاَّ بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب وماذا يحدث لنسل العائلة الابراهيمية المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام كما ردد آنذاك!! وكل ذلك أدى للتطبيع وكأن التاريخ قد انقلب رأساً على عقب. القتل والاحتلال الاسرائيلي يؤدي إلى هرولة المطبعين بدلاً من أن يؤدي التطبيع إلى إرجاع الحقوق إلى أصحابها.

كان الحدث يضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الطائشة. لم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بحفريات الأرض ومجال المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك حقوق كوكب الأرض؟! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمرئ إذلال الشعوب وتخريب ممتلكاتها؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته الحربية ويضرب برماحه العابرة للقارات؟! وما المغزى من ظهوره في توقيع اتفاقيات التطبيع مثلما يظهر في اتفاقيات الحرب والاعتراف الاحادي باحتلال؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ الحدث سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنَّها دولة تغتصب حقاً ليس هو كيانها المشتت الآتي من دول العالم جرياً وراء أرض متخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل وقصصهم التاريخية. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم (أرض كنعان)، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال إنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة ثأرية وبأي منطق يبرمج خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم كانت هناك نكبة فعلية لدولة قائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد حولتها إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة (مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأب كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّ أُناس من قبل.

عندما قتلت اسرائيل - وما زالت تقتل- أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط برك ومستنقعات الديكتاتورية والاستبداد العربي، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البرك الشرقية الآسنة. الوعود المسروقة لم تأت من المستقبل بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين (إسرائيل وأمريكا) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها الممتدة بهذا الزخم. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين. إن الكراهية هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن، بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

نبوءة الواقع أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل منذ بداية الخليقة. حقيقي ظهر الاحتفال بالقدس بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر عبثي لا يتوقف. وها هي دول العرب تنبطح أما العبث لتمكن القتل من فريسته وتمنحه كل الوجود المجاني ليس نهباً لفلسطين التاريخية، بل لخريطة المنطقة العربية.

وبدأت أنظمة الدول العربية في نفث دخان الأفيون السياسي بأن التطبيع سيقضي على الإرهاب في المنطقة وأنه سيقلص فرص الفوضى وسيتم إعادة الأعمار لمجتمعات الربيع العربي وتوفير فرص العمل. والمشهد بدا بروائح الأفيون كالملهاة حيث يتراقص عرب التطبيع (قابيل) ويحتسون نخب السلام فوق جثة أخيه هابيل (كل فلسطيني معاصر)، عرب التطبيع هم عرب التطبيل الذين مازالوا يقتلون قابيل ملايين المرات في فلسطين ويوافقون على ترك جثته في عراء العالم.

الفلسطينيون يُقتلون يومياً ويعيشون خراب الحياة بالمعنى الحرفي للكلمة بينما أشقاؤهم يقدمون قرباناً (هو أنفسهم وعروبتهم) للإله في البيت الأبيض من وراء البحار والمحيطات... ولكن نسي العرب تحت نشوة الأحداث السياسية سؤال الرب كما ورد في التوراة بسفر التكوين: فقال الرب.. قابيل.. أين هابيل أخوك؟ فقال لا أعلم؛ أحارس أنا لأخي. فقال: ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ من الأرض. فالآن، ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك. متى عملْت الأرض لا تعود تعطيك قوتها.. تائهاً وهارباً تكون في الأرض.

 

سامي عبد العال

 

محمد مسلم الحسينيسيكون يوم الثالث من شهر تشرين الثاني" نوفمبر" 2020 يوما حاسما وتأريخيّا ليس في أمريكا فحسب وإنما في كافة أرجاء المعمورة، حيث سيعلن الشعب الأمريكي خياره الأدق والأخطر لرئيسه القادم!. فعلى الصعيد الداخلي يعني إعادة إنتخاب الرئيس الحالي للولايات المتحدة " دونالد ترامب" لدورة ثانية، تهديد بخروج أمريكا عن سياقات الديمقراطية الكلاسيكية المتبعة وتوغلها في عمق سلوك دكتاتوري قد يجرالى تغيرات جوهرية في روح النظام والقانون والصيرورة السياسيّة هناك والى تفاعلات شارع أمريكي ملتهب لا يمكن التخمين بمداها. أما إنتخاب المرشح الديمقراطي للرئاسة "جو بايدن" بديلا عن "ترامب" فقد يعني هذا عودة أمريكا الى سلوكها السياسي الكلاسيكي المتبع منذ تأسيسها ويعني أيضا إيقاف محاولات ترامب الإستثنائية في خرق المسار الديمقراطي وإعتبار فترة حكمه خللا تأريخيا عارضا في السياسىة الأمريكيّة تقتبس منه الدروس والعبر على المدى  الطويل أو غير المنظور.

نتائج هذه الإنتخابات لا تهم الولايات المتحدة وحدها فحسب، إنما تهم معظم دول العالم حيث أن "ترامب" أثر سلبا خلال فترة رئاسته على مصالح الدول وتعاملاتها من خلال إلغائه للمعاهدات الدولية المبرمة بين الولايات المتحدة وكثير من دول العالم مما سبب ضررا محسوسا عندها.  لقد أثرت سياسات " ترامب" سلبا على الإقتصاد العالمي فخلقت حالة من عدم الإستقرار من خلال الحرب الإقتصادية التي شنت على الصين، والتهديدات الضريبية المستمرة لدول الإتحاد الأوربي والمكسيك وكندا، وإلغاء إتفاقيات التجارة الحرة عبر المحيط الهادىء وأمريكا الشمالية وغيرها. حب الأنا وسياساته الإنعزالية المبنيّة على شعار أمريكا أولا جمدت والغت ثوابت والتزامات دولية كانت أمريكا مساهما كبيرا فيها سواء أكان ذلك على صعيد البيئة والإحتباس الحراري حيث أنسحب من " إتفاقية باريس للمناخ"، أوعلى الصعيد الصحي العالمي حيث ألغى التزاماته المالية أمام منظمة الصحة العالمية، أو على الصعيد الإنساني والأخلاقي حيث ألغى كثيرا من المساعدات الأمريكية للدول الفقيرة في العالم وأنسحب من عضوية منظمة اليونسكو. أما خروقاته السياسية للعهود والمواثيق الدولية فكثيرة أيضا ويتصدرها تصرفه الأحادي في نقل سفارة بلاده من تل أبيب الى القدس ودعمه اللامحدود لرغبات ومطامع أسرائيل الخارجة عن إرادات الحق والعدل والإنصاف.

إن إستمرت الإستطلاعات الإنتخابية التي تجريها مؤسسات محايدة وموثوقة في ترجيح دفة "جو بايدن" فقد يسعى" ترامب" الى إعاقة إجراء هذه الإنتخابات في وقتها المقرر أو الى عدم الموافقه على  الإسلوب المناسب لإجرائها، وقد يستخدم كافة الوسائل والسبل المتاحة وغير المتاحة ويختلق المبررات والحجج من أجل ذلك. إن لم يفلح في هذا السعي وأجريت الإنتخابات بطريقة أو بأخرى في وقتها، فمن المحتمل جدا أن يرفض نتائج هذه الإنتخابات، إن لم تكن في صالحه، وسيتهم الطرف الآخر بالتزوير والمؤامرة خصوصا إن كانت النتائج الإنتخابية متقاربة في نسبها. التقدم الثابت والمستمر في نتائج الإستطلاعات الإنتخابية لصالح المرشح الديمقراطي" بايدن" يشير الى ثوابت قد تختلف عما كانت عليه الحالة في الإستطلاعات الإنتخابية التي جرت عام 2016. ففي الإنتخابات السابقة بين المرشحين الديمقراطي"هيليري كلنتون" والجمهوري "دونالد ترامب" قد أخبر 41 بالمئة من الناخبين وكالة " بيو" للدراسات والأبحاث في إستطلاع إنتخابي آنذاك بترددهم في إختيار الرئيس، بينما أشارات الإستطلاعات الحديثة أن المترددين في خياراتهم أقل بكثير عما كانت عليه الحالة في الإنتخابات السابقة، وأن 56 بالمئة من الذين سيصوتون لـ "بايدن" قد أختاروه كرها بدونالد ترامب وكان هذا سبب أولي لخيارهم !

يختلف "دونالد ترامب" عن غريمه الإنتخابي "جو بايدن" بكل الأمور عدا شأنا واحدا فقط  يتشابه فيه معه وهو مساحة العمر حيث أن كليهما في السبعينيات من العمر والفارق العمري بينهما ليس كبيرا. رغم هذا فإن "ترامب" يبدي حيوية محسوسة ونشاط واضح يتفوق فيه على نظيره الذي يبدو خاملا متعبا في أكثر المناسبات حيث يفتقد لروح الحيوية والسرعة الحركية ولسلاسة الكلام التي يبتغيها منصب الرئاسة. رغم هذا وذاك فأن "بايدن" يتميّز بهدوء الطبع ونضوج الرؤى وإعتدال المواقف، كما أن له باع طويل في حقل السياسة وفي دبلوماسياتها، كما أنه يتسم بالتعاطف والمحبة وبروح البساطة والإنبساط . أما " ترامب" فهو على النقيض من ذلك، فهو رجل حاد الطبع والمزاج، نرجسيّ التصرف، مجنون عظمة، لا يمتلك الدبلوماسية المطلوبة وليس له خبرة سياسية لهذا المنصب الخطير. كما أنه ليس صادقا في أقواله ووعوده ومثير للجدل في أفعاله وتصرفاته، حتى صار مدار سخرية وإستهجان مما قللّ كثيرا من هيبة منصب رئيس لأقوى دولة في العالم!

رغم أن "ترامب" إستطاع الإفلات من مواقف معقدة وصعبة حصلت له أثناء ولايته وأهمها تحقيقات " روبرت مولر" التي دارت حول التدخل الروسي في الإنتخابات الأمريكيّة عام 2016 وما صاحبها من ملابسات وإعاقة التحقيق والقانون، وإفلاته أيضا من العزل عن منصبه كرئيس للولايات المتحدة عام 2019 بعد إتهامه بإساءة إستخدام السلطة وعرقلة الكونغرس الأمريكي خلال فضيحة أوكرانيا، فأن وباء كوفيد 19 يعتبر التحدي الأكبر له في إنتخابات 2020. يدرك غالبية الأمريكيين أن " ترامب" أخفق في التعاطي الصحيح للوقوف بوجه الوباء الجديد منذ البداية، حيث وصف هذا الوباء بأنه محض "خدعة" صنعها له أعداؤه من الديمقراطيين! ثم توهم بأن الوباء سرعان ما سيزول وينجلي بشكل سحري عن البلاد، ثم تهاون في تطبيق رؤى الأطباء وإرشادات أهل الإختصاص حينما نظّر في طرق الوقاية والعلاج فأعتبر لبس الكمامات أمر ثانوي وغير ضروري من جهة، ونصح بإستخدام أدوية غير صالحة للمرض مثل "الكلوروكوين" و"الهايدروكسي كلوروكوين" من جهة أخرى. أقترح أيضا إستخدام المعقمات داخل الجسم وغيرها من الأمور غير العملية وغير العلمية التي تدلّ على تدخله في الشؤون الفنيّة والعلميّة التي ليس له إختصاص فيها، مما جعلت تصرفاته هذه، أمريكا الأول في العالم في عدد الإصابات وعدد المرضى والمتوفين بسبب هذا الوباء!

النقاط الأساسيّة والعوامل الحساسة التي تستهوي الناخب الأمريكي اليوم وتستقطب خيارات الناس  وحسب أهميتها هي : الخلاص من وباء "كوفيد 19" حيث أن 35 في المئة من الناخبين يرون أن هذا الوباء هو المشكلة الأكبر في البلاد، بينما 22 بالمئة من الناخبين يرون أن القيادة في أمريكا اليوم هي المشكلة الأكبر، في حين يرى آخرون أن الإقتصاد هو الأولية، بينما النسبة الأقل ترى أن العنصرية تأتي في الصدارة في مشكلات البلاد وحيثياتها.. إنطلاقا من هذه الحقائق فإن " ترامب" يكافح بإصرار التحدي الأهم  وهو " كوفيد 19 " بعد أن فتت هذا الوباء ما بناه خلال فترة حكمه حيث تحوّل الإنتعاش الإقتصادي الى كساد وأنقلب تزايد الأيدي العاملة الى بطالة....وهكذا فأن فشل " ترامب" في الأسابيع القادمة أي قبيل يوم الإنتخابات في خلق معجزة تمحو آثار عجزه في إحتواء الوباء والسيطرة عليه، كـ " إنتاج لقاح أو علاج" له أو حصول إنحسار كبير في عدد الإصابات، سيؤثر سلبا عليه وعلى إمكانية سيرالإنتخابات الى صالحه.

رغم ضيق الوقت الذي يحاصر" ترامب" كي تسقط أمامه المعضلات، تبقى الفرص بإنحسار الوباء وتضائله غيرمستحيلة وإن كانت ضعيفة الإحتمال، وتبقى مقالب "ترامب" في لحظاته الأخيرة قائمة أيضا في التنكيل بغريمه وإضعاف شعبيته من خلال البحث عن العثرات ومن خلال ما سيحدث من أحداث وأمور وما سيكشفه من قضايا مختلقة أو صحيحة أثناء المناظرات المباشرة بين الطرفين قبيل الإنتخابات. كما أن ما سيستجد من تغيرات في الشارع الأمريكي الملتهب في بعض الولايات قد يدعو الى الحزم والقوة من أجل حفظ النظام والسيطرة على زمام الأمور، وستبقى هذه الحقيقة الوترالحساس الذي سينقر عليه " ترامب" وهو يرفع شعار الأمن والقانون أولا كي يخفي إخفاقاته في إحتواء وباء كورونا. التدخلات الخارجية الموالية والداعمة لـ " ترامب" ستبقى فعالة بكل أشكالها وستأخذ دورها في التأثير بسير الإنتخابات طوعا أو كرها. فوق هذا وذاك فأن محاولات " ترامب" الحثيثة في تغيير مسار الإنتخابات التي ربما ستفك الحصارعنه إن حصلت، لينطلق من مواقع قوة جديدة الى حلبة المنافسة في صراع الإنتخابات.... إن تساقطت المعوقات وتحقق لترامب ما يصبو اليه  وبقدرة قادر فلا غرابة من أن تتغيّر الدفة وتنقلب الأمور ويعلن إنتصاره ! دونها ستتفق نتائج الإستطلاعات الإنتخابية المعلنة التي يتقدم فيها "بايدن" على غريمه الإنتخابي بنحو ثمان نقاط وسيصبح " ترامب" ذكرى في دفاتر الذكريات.....ومهما يكن من أمر، يبقى للناخب الأمريكي القول الفصل في إتخاذ القرارالناجع الذي يرجع بلده الى المسار الصحيح أو خيار المغامرة في جولة خطيرة لا تعرف أبعادها ومداها !

 

د. محمد مسلم الحسيني

بروكسل

 

فاخر جاسمكنا صغاراً عندما صدرت فتوى تحريم الشيوعية، وكانت معرفة أغلبية الناس بالشيوعية وماذا تعني محدودة، وتقتصر على اقتران كلمة الشيوعية بالاتحاد السوفييتي، حيث مازالت الانتصارات التي حققها الجيش الأحمر على الفاشية في الحرب العالمية الثانية عالقة بالأذهان.

ورغم أن مدينتنا كانت قريبة من مركز الفتوى، إلا أن أحداً لم يتعرض للشيوعيين بسوء. وبعد مرور حوالي سنتين من صدور الفتوى، شاءت الظروف أن أتعرف على مجموعة من الكوادر الشيوعية التي استطاعت الإفلات من الإرهاب الأسود الذي انتشر في البلاد بعد انقلاب الردة في شباط 1963، والتي وجدت لها مأوى في ريف الفرات الأوسط ، حيث بدأت من هناك محاولات إعادة تأسيس المنظمات الحزبية من جديد، في ظل ظروف قاسية ، وخاصة الحملات اليومية التي كانت تشنها مفارز الحرس القومي على الناس خاصة في المناطق الريفية التي يشك بوجود شيوعيين فيها. ولكن، وعلى الرغم من الأذى والخسائر التي تعرض لها  الفلاحون وعوائلهم والعادات الاجتماعية الريفية التي لا تسمح بوجود غرباء في بيوتهم لفترة طويلة والأحوال الاقتصادية السيئة، احتضن الفلاحون الشيوعيين ووفروا مأوى لهم.

لقد نجحت هذه المجوعة من الرفاق في نشر الأفكار الماركسية والحس الوطني بين الفلاحين وأبناء المدن القريبة، ولم تقف مشاعر التدين ولا الرواسب العشائرية/ الإقطاعية حائلاً دون تأثر أبناء السادة والشيوخ وانتسابهم إلى الحزب لاحقاً، حيث أصبح العديد منهم كوادر شيوعية معروفة خلال الستينات والسبعينات، وكنت واحدا من هؤلاء الذين انتزعتهم الشيوعية من  تلك البيئة.

لقد تساءلت كثيرا، كغيري من أصدقائي في ذلك الوقت، وحتى بعد أن أصبحت شيوعيا، عن أسباب نجاح هؤلاء الرفاق، وهل أن المناخ الثوري الذي ساهم نضال الحزب في خلقه بين الفلاحين كان كافياً لتفسير هذه الظاهرة؟ فتوصلت إلى قناعة راسخة تشير إلى الدور الهام الذي لعبته السمات الأخلاقية الثورية التي تحلى بها هؤلاء المناضلين كان لها التأثير الإيجابي لنجاح مهمتهم في نشر الوعي الوطني/ الماركسي وجذب الناس إلى العمل في صفوف الحزب.

 لقد كانت السمات الاخلاقية للشيوعيين، الدافع إلى التحاق عشرات الآلاف من المواطنين بصفوف الحزب الشيوعي دون ان يعرفوا شيئاً عن الماركسة.

لقد أردت من هذه المقدمة أن أشير، وبشكل مكثف، إلى  دور الرفيق فهد في ترسيخ القيم والأخلاق الثورية في صفوف الشيوعيين، وخاصة الكوادر منهم، حيث كان يعلق أهمية على هذا الجانب، نظراً لأن الناس في ذلك الوقت لم تكن تميز بين الشيوعية كفكر وبين الشيوعي كإنسان، ولهذا السبب بالذات، شدد على أهمية تحلي الرفاق بالأخلاق الوطنية الثورية. و كان للممارسة دوراً مؤثراً في إقتداء رفاق " فهد " بسماته الأخلاقية العالية، حيث كان يقرن دعوته التربوية، بسلوكه اليومي مع الرفاق والمواطنين. كما إنه لم يكتف بذلك، بل ثبت الالتزام بالأخلاق الثورية الطيبة، كأحد التزامات العضوية، من خلال تثبيتها في النظام الداخلي الذي كتبه وأقره المؤتمر الأول للحزب عام 1945، حيث نصت المادة 51 على: أيها الرفيق: صن لقب( الرفيق) واسم الشيوعي من كل شائبة... تحل بالصفات الحميدة وكن على استعداد دائمي لنفع من هم حواليك.       

 وأود الإشارة هنا إلى أن الجهات المعادية للشيوعية، وخاصة في السلطة، آنذاك، قد أحست بالتأثير، المعنوي والمادي، التي تمثله السمات الأخلاقية العالية للشيوعيين للرفيق فهد في تكوين منظمة للثوريين العراقيين تسود فيها القيم والأخلاق الثورية. وهذا ما حدث بالواقع العملي حيث استطاع في فترة قصيرة، على الرغم من الصعوبات الكبيرة الاجتماعية والثقافية، في بناء حزب شيوعي، ذات فعالية سياسية وجماهيرية مؤثرة في بلد تسوده القيم العشائرية ويعاني من التخلف الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

إن نجاح الرفيق فهد في مهمته أعلاه، كان أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت السلطات الملكية تصر على تنفيذ حكم  الإعدام به ورفيقيه، حازم وصارم، على الرغم من ضعف المبررات والحملة العالمية المطالبة بعدم تنفيذ الحكم.

وقبل الحديث عن المبادئ التي ارتكز عليها مفهوم الرفيق فهد في معالجته لأهمية القيم الأخلاقية في حياة الحزب الداخلية ونشاط رفاقه بين الجماهير، لابد من الإشارة إلى أهم الصفات الأخلاقية  الثورية التي أكد عليها والتي وردت في كتاباته المختلفة، وهي بالإيجاز:

  ـ حب الوطن والدفاع عن مصالحه.

  ـ ثبات الموقف الفكري من الماركسية.

  ـ العمل بتفاني في سبيل قضايا الشعب والحزب.

  ـ الدفاع عن مبدأ التآخي بين الشعوب.   

  ـ الشرف والنزاهة الأخلاقية.

  ـ التواضع في الحياة الاجتماعية والشخصية.   

 وقد أولى الرفيق فهد اهتماماً خاصاً إلى تربية القائد الشيوعي من الناحية الأخلاقية مشيراً إلى جملة من المبادئ التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار بهذا الشأن:

 1 -إن النفوذ والهيبة  بين الجماهير وقوة التأثير على الرأي العام تكتسب من خلال السمعة الأخلاقية الحسنة.

 2 ـ أن الإنسان الشيوعي والكادر، بشكل خاص، يخلق سمعته ونفوذه بين الناس، بواسطة سلوكه اليومي وأعماله التي تعبر عن سماته الشخصية وليس على مركزه الحزبي. لذلك كان يطالب الكوادر أن تكون مثالاُ يقتدى به من الناحية الأخلاقية والاجتماعية. وقد طبق ذلك على نفسه حيث كانت قوة تأثيره متأتية من التزامه الشخصي بالمعايير والقيم الأخلاقية التي كان يطالب رفاقه التقيد بها في علاقتهم بالجماهير.

 3 ـ التعامل المرن مع أخطاء الرفاق والناس بشكل عام، ويشير الذين عاصروه أنه كان لا يفتش عن أخطاء رفاقه، بل يبحث عن النواحي الإيجابية عندهم. وتعامله مع الخطأ الذي ارتكبه الرفيق، زكي بسيم، عندما قال بان الأسماء الواردة في الدفتر الذي عثر عليه أثناء الاعتقال، تعود إلى حزب التحرر الوطني، حيث قال له الرفيق فهد: ما كنت أحب أن تقول ذلك.

 4 -الميل إلى الإقناع في نقل معارفه وخبراته وقيمه الأخلاقية إلى الآخرين بدلاً من مطالبتهم بالخضوع وتنفيذ الأوامر.

 5 - أهمية احترام القيم والأعراف الاجتماعية السائدة والابتعاد عن النقد المتطرف لما هو سلبي منها.

 6 - إن الثقة التي تحتاجها ظروف العمل السري تعتمد، إضافة  الى رسوخ الأيمان بعدالة القضية التي يناضل من أجلها الحزب، على السمعة الحسنة وتحلي العاملين في المنظمات السرية بالأخلاق الثورية الحميدة.

 7 ـ أن ظروف العمل السري تتطلب تعزيز مبدأ الرقابة الذاتية، وهذه لا تقوم إلآ إذا توفرت لدى المناضلين الصفات الشخصية الحسنة.                         

وأخيرا تؤكد التجربة الراهنة للأحزاب والحركات السياسية العراقية، الحاجة  الماسة للالتزام بالمعايير والقيم الأخلاقية والإنسانية في العمل الحزبي والوظيفي بشكل عام، واختيار الكوادر التي تتولى المناصب الحكومية، بشكل خاص، حيث نلاحظ غياب الالتزام بالمعايير الأخلاقية والوطنية، لدى أغلبية الذين تسنموا الوظائف العامة في الدولة العراقية، بعد الاحتلال، وانتشرت بدلاً عنها مظاهر التملق والمسايرة والتخضع والتكيف مع المصلحة الذاتية، والولاءات الشخصية والدينية والطائفية والقومية والعشائرية والمناطقية، ونزعات الارتزاق والوصولية، ومظاهر الاستعلاء والتسلط والغطرسة وميول الانتقام وتصفية الحسابات والابتعاد عن معايير الكفاءة والمعرفة الثقافية الوطنية.  

إن  المثالب السابقة التي أنتشرت بين كوادر الأحزاب العراقية التي تولت قيادة الدولة العراقية، بعد 2003، أدت إلى إضعاف هيبة وسمعة قيادات الأحزاب والحركات السياسية العراقية .

وكان من نتائج الابتعاد عن القيم الاخلاقية لدى كودار الأحزاب والحركات  السياسية العراقية التي ناضلت من أجل انهاء الاستبداد والدكتاتورية لعشرات السنين، وتتولى الآن المناصب الأدارية في الدولة العراقية بعد سقوط الدكتاتورية ، انتشار مظاهر الفساد الإداري والمالي والاجتماعي في كافة مؤسسات الدولة العراقية الأمر الذي عطل أعادة بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية على الرغم من مرور حوالي عقدين من السنين على انهاء الحكم الاستبدادي الدكتاتوري.

 

د. فاخر جاسم

 

 

ابراهيم أبراش(دراسة تحليلية لملابسات توقيعها وتداعياتها المتواصلة)

مقدمة : مرور سبعة وعشرين عاماً على توقيع اتفاق أوسلو والمعروف رسمياً باسم "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي يوم 13 من سبتمبر 1993فإن حالة من الغموض واللُبس تكتنف الحالة السياسية الفلسطينية الرسمية، سواء من حيث التحولات التي طرأت على النظام السياسي ومكوناته ووظائفه، أو من حيث طبيعة العلاقة التي تربط الفلسطينيين بالإسرائيليين، خصوصاً بعد وصول المفاوضات الرسمية لطريق مسدود وانتقال راعي التسوية –الولايات المتحدة الامريكية- من دور الوسيط إلى الشريك للإسرائيليين وانقلابه على حل الدولتين من خلال طرح الرئيس ترامب صفقة القرن، ثم إعلان القيادة الفلسطينية بأنها في حل من الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.[1]

الواقع الفلسطيني الراهن والذي وصل إلى طريق مسدود إن لم يكن الفشل سواء بالنسبة لمشروع السلام الفلسطيني أو مشروع المقاومة، يرجع في جزء كبير منه لاتفاقات أوسلو التي استطاع الكيان الصهيوني توظفيها لفرض وقائع على الأرض لا تتطابق مع نصوصها.

إشكالية البحث تدور حول التساؤلات التالية: هل ما زالت العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين محكومة بهذه الاتفاقيات، أم أن الكيان الصهيوني فرض واقعاً على الأرض يتجاوز كل الاتفاقات الموقعة؟ وأين الخلل في تسوية أوسلو؟ وما هي البدائل المتاحة أمام الفلسطينيين للخروج من تبعات أوسلو؟ وسبب التردد الرسمي الفلسطيني في اتخاذ خطوات عملية جريئة إما باتجاه الانتقال فعلياً نحو الدولة ووضع حد لاتفاقية أوسلو وملحقاتها وما أفرزت من وقائع ميدانية، أو العودة لمرحلة التحرر الوطني بجعل العلاقة التي تربط الفلسطينيين بإسرائيل علاقة شعب خاضع للاحتلال بدولة احتلال؟.

مقاربة التساؤلات أعلاه تتطلب بداية قراءة موضوعية للاتفاقات الموقعة مع إسرائيل من حيث معرفة ملابسات توقيع اتفاقات التسوية وحقيقة الموقف الإسرائيلي من وراء دخول عملية التسوية، وهل أن السلوك الإسرائيلي الحالي يُعتبر خرقاً لنصوص الاتفاقية ومتعارضاً مع منطلقات التسوية؟ أم أنه سلوك منسجم مع الرؤية الإسرائيلية الأولى للتسوية ومع قراءة إسرائيلية لنصوص الاتفاقات الموقعة وهي نصوص على درجة من الغموض مما أتاح للكيان الصهيوني تفسيرها بما يحلو لها؟ أيضا أين أخطأ الفلسطينيون سواء في توقيع الاتفاقية أو في كيفية تعاملهم مع التطبيق؟ وهل كان للفلسطينيين – السلطة والمعارضة -دور فيما وصلت إليه الأمور من انغلاق أفق التسوية؟.

سنحاول مقاربة هذه الإشكالات من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: تسوية اتفاقية أوسلو: مراهنات متعارضة

المحور الثاني: هل فشلت تسوية أوسلو بالفعل؟

المحور الثالث: الاستراتيجية الوطنية البديلة

اتفاقية أوسلو وملحقاتها: مراهنات متعارضة

لم يكن الدخول بعملية التسوية تعبيراً عن قناعة حقيقية لمختلف الأطراف بالتوصل للسلام، فما جرى كان مشروعاً لتسوية سياسية وإن كان البعض يأمل أن تؤدي العملية في نهاية المطاف إلى سلام. كان لكل طرف – الفلسطينيون والإسرائيليون – مبرراته وأهدافه الخاصة، وإن كنا نعتقد أن الرغبة الفلسطينية بالسلام وخصوصا لدى الرئيس أبو عمار وحركة فتح كانت حاضرة أكثر مما هي عند الإسرائيليين. ربما كان رئيس وزراء إسرائيل اسحق رابين جادا في التوصل إلى صيغة ما لتسوية النزاع العربي الإسرائيلي إلا أن أغلبية النخب السياسية والمجتمع الإسرائيلي لم يكونوا مهيئين للسلام الحقيقي .[2]

أولا: المراهنة الإسرائيلية من وراء توقيع اتفاقية أوسلو

ما ألت إليه أمور التسوية التي انطلقت مع اتفاق أوسلو تؤكد أن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية لم يكونا جادين في التوصل إلى سلام يقوم على أساس تمكين الفلسطينيين من دولة مستقلة في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، بل كانت لهما منطلقات وأهداف مغايرة وهي:

1- تغيير طبيعة الصراع. ذلك أن نجاح إسرائيل في أن تكون اتفاقات التسوية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 فقط معناه تغيير الرواية الفلسطينية وفرض الرواية الصهيونية بأن الصراع بدأ مع حرب 1967 وليس مع حرب 1948، وهذا معناه تكريس شريعة الاحتلال الإسرائيلي لـ 78% من فلسطين.[3]

2- محاولة إغلاق ملف القضية الفلسطينية نهائياً بإضفاء صفة شرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين وفي المنطقة العربية، وذلك باستدراج الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على وثيقة تعترف بحق الصهاينة بالوجود وباعتماد نهج التسوية السياسية الثنائية.

3- المراهنة دخول منظمة التحرير في عملية التسوية سيلزمها بمواقف يصعب التخلي عنها لاحقا، منها: إنهاء الصراع ووقف النشاط الثوري الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني والتخلي عن أي مطالب أو حقوق مستقبلية سواء بالنسبة لسكان الأرض المحتلة أو فلسطينيي الخارج.

4- الكيان الصهيوني ومعه الولايات المتحدة الأمريكية كانا يراهنان بأن الوضع العربي والدولي السائد آنذاك يمثل فرصة سانحة لترتيب الأوضاع في المنطقة بما يخدم أهدافهما وتغيير طبيعة الصراع وإدارته.[4]

5- محاولة إثارة الشقاق داخل الصف الفلسطيني، وتأليب الشعب الفلسطيني وخصوصا خارج الأرض المحتلة على منظمة التحرير.[5]

6- المراهنة بأن التسوية ضمن شروطهما قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية وانهيار النظام السياسي الفلسطيني سواء كان السلطة المُزمع قيامها أو منظمة التحرير.[6]

7- تكريس إقليمية القضية الفلسطينية من خلال المراهنة بأن الرابطة بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي والإسلامي ستتزعزع ولن يصبح لها محل إذا رأى العرب والمسلمون أن أصحاب القضية أنفسهم انعزلوا بقضيتهم عن الأمة العربية والإسلامية وقبلوا بالشروط الصهيونية الأمريكية واقفلوا ملف قضيتهم، في هذه الحالة ستصبح أي مطالب عربية مستقبلية، رسمية أو جماهيرية، بتحرير فلسطين، وكأنها تدَخُل في شؤون الغير.

8- تعزيز مقولة حياد الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع العربي –الصهيوني، وتحسين صورتها لدى المواطن وإضفاء صفة الحياد على سياستها وإظهارها بأنها أوفت بوعودها إبان حرب الخليج بفرض الشرعية الدولية على الكيان الصهيوني كما فرضتها على العراق !.

9- تطبيع العلاقات مع الدول العربية، اعتقادا منهم أن تسوية الخلاف مع الفلسطينيين أو مجرد الدخول في عملية سياسية معهم سيكسر المقاطعة العربية والإسلامية لإسرائيل، وهو ما جرى بالفعل.[7]

ثانيا: المراهنة الفلسطينية

في تقييمنا للموقف الرسمي الفلسطيني من عملية التسوية وللاتفاقات الموقعة مع إسرائيل يجب التفريق بين مرحلتين أو نوعين من التقييم، الأول تقييم موقف منظمة التحرير من الدخول بعملية التسوية، وما إن كان الدخول بعملية التسوية والتوقيع على الاتفاقات الموقعة أمراً صائباً أم لا؟ والتقييم الثاني لآلية إدارة المفاوضات قُبَيل التوقيع على الاتفاقية، والممارسة الفلسطينية مع الاتفاقات الموقعة وكيفية تصرُف السلطة والمعارضة بعد التوقيع على الاتفاقات.

1- بالنسبة لملابسات التوقيع على اتفاقات التسوية

كما سبق الذكر لم يكن ولوج منظمة التحرير لعملية التسوية خياراً مريحاً أو تتويجا لانتصارات حاسمة، دون تجاهل دور الانتفاضة 1978 في استنهاض الحالة الوطنية ولفت أنظار العالم إلى ما يجري في فلسطين، بل كان ممراً إجبارياً أو محاولة لوقف الانهيار والتراجع الذي أصاب القضية الفلسطينية بسبب الاختلال في النظامين العربي والدولي مما أثر سلبا على القضية الفلسطينية.

المشروع الوطني كما تمت صياغته في الميثاق الوطني وفي أدبيات فصائل منظمة التحرير كان متأثرا ومعبرا عن طبيعة مرحلة الستينيات، من حيث وجود حالة وطنية صاعدة ومد قومي ثوري عربي ووجود معسكر اشتراكي ومنظومة دول عدم الانحياز. عليه كان المشروع الوطني الأول سواء من حيث الهدف – تحرير كل فلسطين – أو وسيلة تحقيقه – الكفاح المسلح – محصلة مشاريع في مشروع واحد: المشروع الوطني، المشروع القومي العربي، المشروع التحرري العالمي، وكانت مراهنة الفلسطينيين على الحلفاء أكثر من مراهنتهم على أنفسهم.[8]

ما بين تأسيس المشروع الوطني مع منظمة التحرير وتوقيع اتفاقات التسوية مع إسرائيل حدثت انهيارات زعزعت مرتكزات ومكونات المشروع الوطني من أهمها: -

1- تفكك البعد القومي العربي بداية مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل 1979، حرب الخليج الثانية بحيث لم تعد القضية الفلسطينية قضية العرب الأولى بالنسبة للأنظمة العربية على أقل تقدير.[9]

2- انهيار المعسكر الاشتراكي – الحليف الاستراتيجي للثورة الفلسطينية – ومعه تراجعت منظومة دول عدم الانحياز.

3- انزلاق الثورة الفلسطينية كطرف مباشر أو غير مباشر في عدة حروب ومواجهات مع أنظمة عربية: كأحداث الأردن 1970 والحرب الأهلية في لبنان 1975-1982، وحرب الخليج الثانية 1991.

4- محاصرة الثورة الفلسطينية بعد حرب الخليج الثانية بسبب اتهام الرئيس أبو عمار بدعم الموقف العراقي، وكان حصاراً مالياً وسياسياً شديداً.

5- ظهور حركة حماس من خارج منظمة التحرير الفلسطينية وبداية تعامل دول وحركات عربية وإسلامية معها دون الرجوع لمنظمة التحرير.

6- تغلغل فكر التسوية عند غالبية الدول العربية ورغبتها في إيجاد تسوية سياسية للصراع مع إسرائيل وخصوصا بعد حرب الخليج الثانية وتداعياتها، وهنا نلاحظ أن مؤتمر مدريد للسلام 1991 سبق توقيع اتفاقية أوسلو، ولو لم يكن مؤتمر مدريد ما كانت اتفاقية أوسلو.

كل ذلك أضعف من قوة الثورة الفلسطينية، وبقي الفلسطينيون وحيدين في الميدان، الأمر الذي كشف الهوة الواسعة بين أهداف المشروع الوطني الأول والممكنات الفلسطينية، وكان مطلوب تدفيع الثورة الفلسطينية الثمن على سياسات وممارسات لم تكن خاطئة تماما بقدر ما كانت محصلة لتحالفات وتوازنات تلك المرحلة. وقد حاولت القيادة الفلسطينية التكيف مع هذه الاختلالات مع الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني من خلال نهج الواقعية السياسية وإعادة النظر في أهداف النضال الفلسطيني وطرق تحقيقها.[10]

لا نعتقد أن القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة ارتكبت أخطاء استراتيجية كبيرة كان عدم ارتكابها سيغير من مسار الأحداث بشكل جذري، فما جرى كان نتيجة متغيرات عربية ودولية وليس نتيجة تقصير فلسطيني. إلا أن ذلك لا يمنع من القول بوجود خلل وأوجه تقصير في الجانب الفلسطيني جعلت قدرة النظام السياسي الفلسطيني ضعيفة في مواجهة المتغيرات المحيطة به، مثل تغلغل المال السياسي مما أوجد أشكالا من الفساد، وغياب المحاسبة للفاسدين، وترهل بنية الفصائل، بالإضافة إلى عدم حدوث مراجعات استراتيجية بعد كل أزمة مرت بها الثورة الفلسطينية. ومع ذلك كانت لتلك المرحلة حصيلة مهمة وهي استنهاض الحالة الوطنية والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني في قمة الرباط 1974 والاعتراف بها مراقبا في الأمم المتحدة.

2-خلل في عملية المفاوضات وفي إدارة السلطة ما بعد توقيع اتفاقات التسوية

في الوقت الذي كان فيه فريق فلسطيني من الداخل بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي يقود مفاوضات علنية كانت منظمة التحرير تجري مفاوضات سرية في أوسلو، كان مهندساها محمود عباس واحمد قريع مع عدد محدود من السياسيين. بسبب خشية قيادة منظمة التحرير من التوصل لتفاهمات مع قيادات الداخل وتهميش منظمة التحرير الفلسطينية، تحركت القيادة بسرعة لتلوِّح للأمريكيين والإسرائيليين بالاستعداد لتقديم تنازلات كان من الصعب على فلسطينيي الداخل تقديمها، ومن جانب آخر كانت واشنطن وإسرائيل تريدان أن تكون منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني هي الجهة التي توقع على أية اتفاقية تسوية سواء لإنهاء الصراع أو تغيير طبيعته ونهج إدارته.

لم يكن الخلل في سرية المفاوضات فقط بل أيضا في تفرد أشخاص معينين بعملية المفاوضات وفي البحث بقضايا مصيرية دون توافق فلسطيني حتى داخل منظمة التحرير بل حتى داخل حركة فتح نفسها، ودون خبرة لهؤلاء بكثير من الملفات التي تم التفاوض عليها. بينما كان الوفد الإسرائيلي مدعوما بلجان متخصصة في كل المجالات. الأمر الذي أنتج اتفاقية أوسلو ولواحقها بصياغات مبهمة وتقبل أكثر من تفسير وغالباً ما كانت إسرائيل تفسرها لصالحها لأنه كان لها اليد الطولى في وضع هذه النصوص.

بسبب سرية المفاوضات والخوف من تهميش المنظمة أُسنِد أمر المفاوضات لسياسيين من حركة فتح وقلة من خارجها، وغالبية هؤلاء كانوا يعيشون خارج فلسطين وليس لهم أية خبرة أو معلومات حول جغرافيا الأرضي المحتلة وأسماء المناطق والقرى ، وتجمعات المياه الجوفية الخ ، وقد تسربت بعض المعلومات المثيرة للسخرية والألم معا، تدل على الجهل الكبير لهؤلاء السياسيين بالأمور التي كانوا يتفاوضون عليها، مع حسن نية في تعاملهم مع الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون في فلسطين ويملكون الجغرافيا ويعرفون كل صغيرة وكبيرة من جغرافيا فلسطين ما فوق الأرض وما تحتها.

ما بعد توقيع اتفاقية أوسلو سادت حالة من الإرباك وعدم الوضوح في كيفية التصرف والتعامل مع الواقع الجديد في ظل وجود سلطة فلسطينية وما عليها من استحقاقات بمقتضى الاتفاقات الموقعة. كانت أهم مظاهر هذا الإرباك انقسام الساحة الفلسطينية انقساماً حاداً ما بين من يؤيد عملية التسوية ويراهن عليها كفرصة ومنعطف مصيري يمكن المراهنة عليها للوصول للدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا الطرف الفلسطيني تعامل مع اتفاقات الحكم الذاتي المؤقت أو ترتيبات المرحلة الانتقالية وكأنها اتفاقات سلام، الأمر الذي دفع بكثير من الفلسطينيين والعرب إلى التعامل مع إسرائيل وكأنها شريك سلام والتعامل مع الصراع برمته وكأنه حُسم وأصبح من مخلفات الماضي.

في المقابل رفض آخرون – حركة حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى وشخصيات من داخل منظمة التحرير -هذه المراهنة واعتبروا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وقيام السلطة الفلسطينية خروجاً عن الثوابت الوطنية ونهجا استسلامياً، ولم يقتصر الأمر على خلافات سياسية ونظرية بل تعدى ذلك إلى ما يشبه الانشقاق داخل منظمة التحرير وتشكيل جبهة وطنية معارضة لـ (نهج أوسلو) وقيام قوى المعارضة وخصوصا حركة حماس بعمليات عسكرية في عمق إسرائيل في أوقات دقيقة كانت تمر فيها المفاوضات.

بالإضافة التي التحديات التي واجهت السلطة من معارضيها ظهرت أشكال من الفساد وسوء الإدارة في السلطة فاقمت من مشاكلها. صحيح أنه لم يكن فساداً كبيراً، إلا أن واشنطن والغرب وظفوا الحديث عن فساد السلطة للتضييق على الرئيس أبو عمار وإجباره على إدخال تعديلات دستورية تحد من صلاحياته. [11]

بشكل عام يمكن الإشارة إلى أوجه الخلل في التعامل الفلسطيني الرسمي مع عملية التسوية منذ بداياتها وكذلك التداعيات السلبية لاتفاقية أوسلو وتطبيقاتها، وهي تتراوح ما بين الأخطاء الاستراتيجية والخلل في الإدارة، وعدم وضوح الرؤية والموقف:

1- القبول بدخول عملية التسوية على أساس قراري مجلس الأمن 224 و338 فقط وتجاهل بقية قرارات الشرعية الدولية، كقرار التقسيم 181 وقرار حق العودة 194 وعديد القرارات التي تتحدث عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه بمقاومة الاحتلال الخ. وهذا يتعارض مع إعلان قيام الدولة في الجزائر 1988 الذي قَبِل الدخول بعملية التسوية على أساس كل قرارات الشرعية الدولية.

2- القبول بأن تكون المفاوضات تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية فقط دون إشراف دولي أو محاولة تشريع الاتفاقية بقرار دولي من مجلس الأمن، الأمر الذي أسقط عن اتفاقية أوسلو صفة الاتفاقية الدولية.

3- تأجيل قضايا الوضع النهائي وهي قضايا استراتيجية، مما جعل المفاوضات تشكل غطاء للاستيطان والتهويد في الضفة والقدس.

4- الاعتراف المتبادل كان بين دولة الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير، فيما كان يُفترض أن يكون الاعتراف بعد نهاية المفاوضات مقابل اعتراف الكيان الصهيوني بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967.

5- القبول بالمفاوضات واستمرارها لسنوات مع استمرار الاستيطان والتهويد.

6- استمرار المفاوضات دون مرجعية واضحة أو هدف واضح.[12]

7- استمرار نفس الفريق المفاوض تقريباً واقتصاره على حركة فتح.

8- عدم تحيين فكرة الدولة مباشرة بعد نهاية المرحلة الانتقالية مايو 1999.

9- رهن الاقتصاد الفلسطيني كليا بالاحتلال من خلال بروتوكول باريس الاقتصادي.

10- المراهنة كليا على الخارج سواء تعلق الأمر بالشرعية الدولية أو الأمم المتحدة أو محكمة الجنايات الدولية، مع غياب استراتيجية واضحة في التعامل مع الشرعية الدولية، وماذا بعد الذهاب لمحكمة الجنايات الدولية ؟.

11- إهمال القيادة في عهد الرئيس أبو مازن للعمل الشعبي بل وعدم الثقة بقدرات الشعب ولو من خلال أشكال من المقاومة السلمية. هذا ما خلق فجوة ما بين القيادة والشعب لم تستطع الرواتب والإغراءات المالية أن تملأها.

12- تهميش منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها سياسياً ومالياً لحساب السلطة الوطنية لدرجة أن منظمة التحرير بكل فصائلها أصبحت تعتاش من ميزانية السلطة الفلسطينية.

13- إضعاف حركة فتح سواء كحركة تحرر وطني أو كحزب سلطة ودولة، وجعل سقفها السياسي نفس السقف السياسي للسلطة.

14- غياب أو ضعف مؤسسة القيادة وتمركز كل شيء بيد الرئيس أبو عمار ثم أبو مازن.

15- تمركز الرئاسات بيد واحدة – رئاسة الدولة ورئاسة منظمة التحرير ورئاسة السلطة ورئاسة حركة فتح.

16- قوة تأثير نخبة سياسية اقتصادية من خارج المدرسة الوطنية على عملية اتخاذ القرار.

17- استمرار التنسيق الأمني بنفس الوتيرة والضوابط التي كانت في بداية التسوية بالرغم من تنصل إسرائيل من عملية التسوية.

18- الصراع على السلطة بدلا من الوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال.

19- كسر حالة العداء أو تمييعها بين الشعب ومغتصبي أرضه. هذا أمر خطير لأن استمرار حالة العداء للخصم وتعبئة الشعب ضده يعتبر أحد أدوات المواجهة وحصانة للشعب من الاختراق الفكري والثقافي ومنع التطبيع مع الاحتلال.

20- بسبب التحولات التي طرأت على النخبة السياسية وبسبب تعثر عملية التسوية وتراجع خيار المقاومة، فقد سادت قناعات عند كثيرين من النخب السياسية بأن السلطة هي نهاية المطاف، لذا تعاملوا مع السلطة ليس كأداة نضالية بل كمصدر للرزق ومراكمة الثروة وتشكلت نخب سياسية اقتصادية في الضفة وغزة راكمت الثروات وأصبحت مستعدة للقتال من أجل السلطة حفاظا على مصالحها الشخصية.

21- تحويل الفدائيين والثوار إلى موظفين وكَتَبة يتقاضون رواتب من سلطة تموَّلَ من الخارج، وتحت إشراف ورقابة الاحتلال !. بدأ الأمر مع منتسبي حركة فتح وفصائل منظمة التحرير ثم انتقل لمنتسبي حركة حماس.

22- قطع طريق العودة إلى نهج المقاومة. لأن السلطة حلت محل حالة التحرر الوطني ولأن حركة فتح تحولت لحزب سلطة في الضفة الغربية وحركة حماس تحولت لسلطة في قطاع غزة، فإن المقاومة حتى السلمية منها باتت تتعارض وتهدد مصالح السلطتين الحاكمتين، لأن المقاومة تستدعي تدخل جيش الاحتلال مما قد يؤدي لإنهاء السلطتين، وبالتالي أصبحت السلطة والحفاظ عليها عائقا أمام مهمة المقاومة والتحرير.

23- إهمال فلسطينيي الخارج.

24- سوء إدارة ملف الانقسام.

25- تزاوج السلطة والثروة سواء في غزة أو الضفة.

المحور الثاني

هل فشلت تسوية أوسلو بالفعل؟

بالرغم من كل التصريحات الفلسطينية والإسرائيلية التي تُعلن نهاية مشروع التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا أن الوقائع على الأرض التي أوجدتها الاتفاقات الموقعة: كبناء جدار الفصل، استمرار الاستيطان، تغيير الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى، التنسيق الأمني، التداخل الاقتصادي، الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة والمحاولات الجارية لتكريس الهدنة في قطاع غزة، بالإضافة إلى الجدل الدائر في الأوساط الفلسطينية عما إن كان من المصلحة الوطنية إنهاء السلطة الفلسطينية أم الحفاظ عليها لأنها أوجدت مكتسبات يجب الحفاظ عليها، كل ذلك يجعل الحديث عن فشل اتفاقات التسوية أو تجاهل تداعياتها أمراً صعباً، كم يتباين مفهوم الفشل والنجاح عند كل طرف من طرفي التسوية.

إن أي حديث عن الفشل والنجاح يبقى نسبيا نظراً للأسباب المُشار إليها ولعدم وجود مشاريع تسوية سياسية بديلة، ولأن القول بفشل التسوية قد يكون صحيحا بالنسبة للفلسطينيين ولكنه ليس كذلك بالنسبة للطرف الثاني الذي لم يكن راغباً بالفعل في إنجاز تسوية تؤسس لسلام عادل يلبي الحقوق الوطنية الفلسطينية -دولة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين ـ-وعليه فإن الفشل من وجهة نظر الفلسطينيين يعني عدم تحقق هذا الهدف، مع أن هذا الهدف لم يتم ذكره في أية من الاتفاقات الموقعة ولم يلتزم الطرف الثاني بأي يوم من الأيام.

سواء أسميناه فشلاً أم تعثراً أم إدارة مغايرة للصراع، فإن تحديات كبيرة تواجه الخروج نهائياً من التزامات أوسلو أو عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل انطلاق مسلسل التسوية، لأن واشنطن وتل أبيب أخذتا في الحسبان بداية أن الفلسطينيين سيكتشفون حقيقة ما يحاك لقضيتهم الوطنية تحت شعار التسوية وبالتالي قد يرتدون عنها. عليه خلقت واشنطن وإسرائيل وقائع ومناخاً سياسياً لقطع طريق العودة، كما يلي:

1- احتكار واشنطن مسار المفاوضات وإدارة الأزمة، لأنها لا تريد أن تظهر بمظهر الفاشل في تحقيق السلام العادل مع أنها غير راغبة فيه، ومع كل إدارة أمريكية يتم طرح تصورات للحل بما فيها صفقة القرن مع الرئيس ترامب لا تخرج عن المبادئ الأساسية لأوسلو.

3- لم تبرز قوى دولية يمكنها انتزاع زمام مبادرة السلام من يد واشنطن، بل إن اللجنة الرباعية أصبحت مهمشةً وملحقة بواشنطن فيما كان يفترض حسب تمثيلها للاتحاد الأوروبي والروس والأمم المتحدة وواشنطن أن ترعى العملية السلمية، وفشلت كل الجهود الأوروبية لطرح مبادرات تسوية سياسية.

4- الوقائع التي فرضتها دولة الاحتلال على الأرض كالاستيطان المتعاظم والمستمر وبناء الجدار وتهويد القدس والطرق الالتفافية والحواجز، جعل عودة الأمور إلى ما كانت عليه أمراً مستحيلاً حتى وإن أعلن الفلسطينيون فشل عملية التسوية وتخليهم عن الالتزام بالاتفاقات الموقعة بشأنها.

5- وجود سلطة ومؤسسات وحكومة فلسطينية تقوم بمهام يُفترض أن تقوم بها دولة الاحتلال سواء تعلق الأمر بالمسؤولية عن إعاشة الشعب الخاضع لاحتلال أو فرض النظام والقانون أو التنسيق الأمني، ما جعل الاحتلال لا يشكل عبئاً على الإسرائيليين، وتردد السلطة في التمرد على هذا الوضع.

6- تحويل غالبية الشعب الفلسطيني لجموع تعيش على راتب السلطة والمساعدات الخارجية التي تستمر ما استمرت السلطة وحكومتها ملتزمة بالتسوية وبالمفاوضات، بغض النظر عن الممارسات الإسرائيلية المدمرة لفرص السلام وللمشروع الوطني.[13]

7- تحوُّل بعض مكونات النخبة السياسية لنخب مصالح ومشاريع اقتصادية مرتبطة بإسرائيل وبدول الجوار ودول خارجية، بحيث أصبحت هذه النخب التي يفترض أنها تحمل وتحمي المشروع الوطني معنية بالحفاظ على مصالحها وامتيازاتها وليس الدفاع عن المشروع الوطني أو التصادم مع سلطات الاحتلال.

8- انقسام حاد وغير مسبوق في الصف الفلسطيني نتيجة انقلاب حركة حماس في يونيو 2007 وتعززه تدخلات خارجية، مما ألغى استقلالية القرار الوطني وجعل المشروع الوطني واستقلالية القرار الوطني مجرد شعارات.

9- فصل غزة عن الضفة وقيام حكومة في كل منطقة معادية للأخرى وتسعى لشرعنة وجودها على حساب وحدة الشعب والأرض.

10- التهدئة ما بين دولة الاحتلال وحركة حماس في غزة مهدت لنوع من التعايش السلمي والاعتراف الواقعي بين الطرفين وتأبيد حالة الفصل ما بين الضفة وغزة.

11- استمرار القيادة الفلسطينية بالتلويح بإمكانية العودة لطاولة المفاوضات في حالة التزام إسرائيل ببعض الشروط.

12- والأهم من كل ذلك فشل الفلسطينيين في بناء استراتيجية عمل وطني سواء على مستوى قيادة وحدة وطنية أو استراتيجية مقاومة تملأ الفراغ الذي قد ينتج عن انهيار التسوية أو حل السلطة أو رداً على صفقة القرن.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن القوى المتحكمة بمسار عملية التسوية لن تعلن عن فشلها بشكل نهائي، حتى منظمة التحرير لم تُقدِم على ذلك بالرغم من سنوح عدة فرص للخروج من تبعات أوسلو وأهمها :

1- نهاية المرحلة الانتقالية في مايو 1999، وآنذاك كان الرئيس أبو عمار يريد إنهاء أوسلو والإعلان عن الدولة إلا أن ضغوطاً دولية وعربية مورست عليه وخصوصاً من الرئيس المصري مبارك الذي هدد بعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

2- فشل لقاء كامب ديفيد 2 بين الرئيس أبو عمار والرئيس الأمريكي كلنتون ورئيس وزراء الكيان الصهيوني ايهود باراك واندلاع الانتفاضة الثانية 2000 ثم اجتياح الضفة الغربية بعملية السور الواقي في مارس 2002.

3- وفاة أبو عمار في نوفمبر 2004 نتيجة تسميمه من طرف الإسرائيليين.

4- توقف المفاوضات 2010 نتيجة مواصلة الاستيطان وعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الموقعة.

5- عند تصويت الجمعية العامة في نوفمبر 2012 بأغلبية الأصوات (134) على الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة.

6- عند إعلان الرئيس الأمريكي ترامب في 6 ديسمبر 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ثم نقل مقر السفارة بالفعل من تل أبيب إلى القدس.

7- الإعلان عن صفقة القرن 28 يناير 2020 بدون حضور الفلسطينيين أو التنسيق معهم.

8- إعلان نتنياهو عن نيته بضم مناطق من الضفة الغربية لإسرائيل والتوافق على ذلك ضمن حكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها بين نتنياهو غانتس.

إلا أن القياد الفلسطينية لم تحسم أمرها وتعلن رسمياً الخروج من اتفاقية أوسلو وسحب اعترافها بإسرائيل. حتى بعد قرار القيادة الفلسطينية بأنها في حل من الاتفاقات الموقعة، وإن بدا خارج سياق التسوية فهو جزء من عملية إعادة صياغة تسوية أوسلو وتحسين شروط التفاوض، أو فلنقل بأن التسوية أصبحت كالحرباء تغير مصطلحاتها وأسسها حسب تغير الظروف والأحوال وحسب الديناميكيات التي تولدها التسوية نفسها.

كثيرون تحدثوا وما زالوا يتحدثون عن فشل السياسة الأمريكية ومشاريعها في الشرق الأوسط وعلى رأسها تسوية أوسلو ولو لم تفشل أوسلو ما كانت واشنطن طرحت مبادرة جديدة، وفي ظني أن واشنطن لم تفشل بل انجزت كثيرا من أهدافها في المنطقة فيما يتعلق بمصالح إسرائيل من خلال اتفاقية أوسلو وتداعياتها عربيا ودولياً، وواقع حال العرب والفلسطينيين اليوم مقارنة بواقع إسرائيل والمصالح الامريكية يؤكد ذلك ،فإسرائيل تعيش عصرها الذهبي منذ تأسيسها 1948 حيث لا توجد مصادر تهديد حقيقي لها تأتيها عبر حدودها – ما كانت تسمى دول الطوق - والنظام السياسي الفلسطيني، الآن وفي ظل الانقسام ومع نفس النخب السياسية الحاكمة ،أبعد ما يكون عن تشكيل تهديد حقيقي لإسرائيل، كما أن كثيراً من الدول التي كانت صديقة وحليفة للفلسطينيين أصبحت تعترف بالكيان الصهيوني بل ولبعضها علاقات استراتيجية معه، ومشروع صفقة القرن إن نجح فسيبنى على ما حققه اتفاق أوسلو للإسرائيليين.

ما فشل هي المراهنة الفلسطينية مشاريع التسوية وعلى رأسها تسوية أوسلو، وفشل المراهنة على حسن النية بالإدارة الأمريكية كوسيط نزيه في التسوية مع إسرائيل.

إدارة ترامب غير معنية بالسلام لا في فلسطين ولا في أية منطقة في العالم بل إن ما تروم هو إدارة الصراعات لتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها الاستراتيجية، ما دامت الصراعات والحروب خارج أراضيها ونفقاتها تأتي من أموال الدول المتصارعة نفسها أو بابتزاز حلفائها المُهدَدين من هذه الصراعات، كما أن هذه الحروب منحت الجيش الأمريكي فرصة و ساحة تدريب حقيقية وباللحم الحي لاختبار أسلحته المتطورة، دون تجاهل صفقات الأسلحة المُقدرة بمئات مليارات الدولارات، هذا بالإضافة إلى تحسين مواقعها الجيوستراتيجية في مواجهة منافسيها وخصومها الكبار كروسيا والصين وأوروبا .

مشروع التسوية الجديد والمسمى صفقة القرن لا يخرج عن سابقيه من حيث استراتيجية إدارة الصراع وإعادة الأطراف، وخصوصاً الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى طاولة المفاوضات، والمهم صمود الفلسطينيين وعدم خضوعهم للابتزاز، فإسرائيل وواشنطن يملكون ولا شك المال والسلاح ولكنهم لا يملكون الحق في التصرف بمصير الشعب الفلسطيني، فالقرار عند الفلسطينيين وخصوصا عند الجهة الممثلة لهم رسميا ودوليا منظمة التحرير الفلسطينية.

المحور الثالث

الاستراتيجية الوطنية البديلة

 

كرد على تعثر المفاوضات 2010 روجت منظمة التحرير وعلى لسان الرئيس أبو مازن خطاباً مفاده أن لديها خيارات متعددة لمواجهة إسرائيل والرد على عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الموقعة، بل تحدثت القيادة عن سبعة خيارات تبدأ بالذهاب إلى الأمم المتحدة وتنتهي بتسليم المفاتيح وتحميل إسرائيل كدولة احتلال المسؤولية عن الأراضي الفلسطينية، وقد لمح الرئيس أبو مازن في خطابه في الأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2015 إلى تعثر عملية التسوية وعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الموقعة، والاستعداد الفلسطيني لتجاوزها إن لم يتم تدارك الأمر بسرعة.

مع استمرار إسرائيل في سياساتها العدوانية والاستيطانية وما تجده من دعم غير مشروط من إدارة الرئيس الأمريكي ترامب وخصوصا بعد الإعلان عن صفقة القرن، وبعد تيقن القيادة الفلسطينية باستحالة الحصول على اعتراف كامل بالدولة الفلسطينية من خلال مجلس الأمن، قررت القيادة الانصياع لقرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية بإعادة النظر بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، وهكذا وفي خطاب متلفز بعد اجتماع القيادة يوم الثلاثاء 20 مايو 2020 أعلن في خطاب بثه التلفزيون بعد اجتماع للقيادة الفلسطينية في رام الله: "إن منظمة التحرير الفلسطينية، ودولة فلسطين قد أصبحت اليوم في حل من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الأمنية"... وأن "على سلطة الاحتلال الإسرائيلي ابتداء من الآن، أن تتحمل جمع المسؤوليات والالتزامات أمام المجتمع الدولي كقوة احتلال في أرض دولة فلسطين المحتلة، وبكل ما يترتب على ذلك من آثار وتبعات وتداعيات".

فهل يعني هذا أن القيادة الفلسطينية حسمت أمرها بتجاوز حقبة أوسلو؟ وإن كان الأمر كذلك فما هو البديل؟

أولا: ماذا بعد وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل؟

الإجراءات التي اتخذتها القيادة الفلسطينية من خلال (التحلل) من الاتفاقات مع إسرائيل وإن كانت خطوة في الطريق الصحيح إلا أنها أقرب لردود الفعل الانفعالية ما دامت غير مبنية على استراتيجية وطنية للمواجهة ولم يتم التنسيق بشأنها عربياً أو دولياً ولم تقطع نهائيا مع اتفاقية أوسلو، وهي حتى الآن أحدثت قلقاً في الساحة الفلسطينية وخصوصاً عند المواطنين المعتمدين على السلطة وخدماتها أكثر من القلق الذي أحدثته عند الإسرائيليين أو دولياً.

في ظل خروج قطاع غزة من ساحة الفعل الوطني بعد سيطرة حركة حماس عليه ثم توقيعها هدنة مع إسرائيل وصيرورة القطاع مجرد مراقب للأحداث وانتظار حركة حماس انهيار السلطة الوطنية لتحل سلطتها في غزة محلها، وفي ظل شبه غياب لنصف الشعب الفلسطيني في الشتات عن ساحة المواجهة والتأثير المباشر على الاحتلال، وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي في الضفة وتقطيع أوصالها وغياب حراك شعبي واسع أو مقاومة فاعلة، وفي حالة استمرار الانقسام وغياب أي حديث أو تحرك نحو الوحدة الوطنية ووضع استراتيجية وطنية للمواجهة... فإن أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه قرارات القيادة لن يخرج عن سياق السيناريوهات التالية :

1- دفع إسرائيل لتأجيل ضم الأراضي أو أن تلجأ إلى ضمها بطرق ملتوية وبدون إعلان رسمي.

2- أن يتدخل وسطاء لإقناع إسرائيل بوقف الضم مقابل العودة لطاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة من الطرفين أو التطبيع العربي مقابل تجميد الضم كما جرى بالنسبة للإمارات والبحرين.

3- أن تنفذ إسرائيل سياسة الضم وتستمر القيادة الفلسطينية على موقفها المعلَن بالتحلل من الاتفاقات الموقعة، مع تنسيق خفي للحفاظ على السلطة ومنع انهيارها، وهناك أطراف من السلطة وخارجها مستعدة للتعامل مع حكومة نتياهو حتى ولو ضم مناطق من الضفة.

4- سيناريو انهيار السلطة. وهذا سيحدث في حال استمرار القيادة الفلسطينية على موقفها المعلن برفض صفقة ترامب وضم الأراضي والقطيعة مع الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، واستمرار توقف السلطة عن تقديم الخدمات للمواطنين ولجوء هؤلاء مباشرة للإدارة المدنية الإسرائيلية لتدبير أمورهم الحياتية.

بمعنى أن كل السيناريوهات غير مريحة ولا يبدو في الأفق القريب مؤشرات على أحداث أو اختراقات يمكنها تحسين المعادلة القائمة وتصويب المسار بما يعزز الموقف الوطني الفلسطيني. وفي هذا السياق نأمل أن تُعيد القيادة الفلسطينية النظر في مراهناتها على الأمور التالية: -

1- المراهنة على انتخابات أمريكية قد تأتي برئيس جديد له سياسة معارضة للسياسة الإسرائيلية وأكثر تفهماً للمطالب الفلسطينية.

2- المراهنة على تحرك أو مبادرة دولية للتسوية في الشرق الأوسط بعيداً عن الإدارة الأمريكية. حيث كل دول العالم وخصوصاً الكبرى منها إما أنها منشغلة بمشاكلها الداخلية وبالانهيار الاقتصادي الناتج عن وباء الكورونا، أو أنها تقر بأن ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجال مغلق للإدارة الامريكية.

3- المراهنة على اختراقات على مستوى الأمم المتحدة أو محكمة الجنايات الدولية لأن لهاتين المؤسستين سقفاً لا يمكنهما تجاوزه.

4- المراهنة على انتفاضة أو ثورة شعبية عارمة، ولو كان هناك إمكانية لحدوث ذلك لحدث منذ سنوات أو على الأقل عندما أعلنت القيادة أنها في حل من الالتزام بالاتفاقات الموقعة، والأمر لا يرجع لأن الشعب استكان واستسلم بل لغياب طليعة قيادية لهكذا حراك وضعف الثقة بين الطبقة السياسية والشعب والإعلان عن تشكيل قيادة وطنية موحدة كأحد مخرجات لقاء بيروت- رام الله لن ينجح إن بقيت الأمور بيد نفس الطبقة السياسية الحاكمة في الضفة وغزة.

5- المراهنة على أن قرار القيادة بوقف العمل بالاتفاقات سيحرج ويُخيف إسرائيل، ونعتقد أن هذا الأمر كان وارداً قبل سنوات أما الآن فإسرائيل هيأت الأوضاع للتعامل مع حالة غياب أو انهيار السلطة الوطنية، كما أنها متأكدة أن السلطة لن تنهار وأن هناك من سيواصل التعامل معها.

قرار القيادة وإن حرك حالة السكون والترقب وتجاوب مع مطالب شعبية إلا أنه يبقى خطوة صغيرة يجب البناء عليها، ليس بمزيد من القرارات القيادية الفوقية بل بحراك شعبي على الأرض ومن جميع القوى السياسية، وعلى قوى المقاومة بدلاً من أن تنتظر الخطوة التالية من القيادة عليها أن تأخذ هي الخطوة التالية وخصوصاً بعد وقف التنسيق الأمني، لأن صفقة ترامب وضم الأراضي ليست موجهة ضد القيادة الفلسطينية فقط بل تشكل تهديداً للمشروع الوطني بل وللوجود الوطني في فلسطين.

يبدو أن الأمور تسير على عكس إرادة القيادة والشعب الفلسطيني، ففي الوقت الذي لاحت فيه بوادر تصويب الوضع الفلسطيني الداخلية لمواجهة الكيان الصهيوني والسياسة الامريكية جاءت الطعنة من الجانب العربي حيث أقدمت الإمارات العربية والبحرين على تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية وبترحيب من دول عربية نافذة كمصر والعربية السعودية والأردن، الأمر الذي يتطلب من الفلسطينيين مزيداً من الاعتماد على الذات وسرعة الخروج من مربع الانقسام وهو ما تم التأكيد عليه في لقاء الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية ما بين بيروت ورام الله.

ثانياً: بدائل أوسلو أو الاستراتيجية الوطنية المطلوبة

كل القوى السياسية والمجتمعية باتت تطالب باستنهاض الحالة الوطنية ومواجهة تحديات فشل الاتفاقات الموقعة[14] وضرورة التحرر من قيودها، فإن الأمر يتطلب وجود استراتيجية وطنية وميثاق وطني جديد.

المفهوم العلمي والصحيح للاستراتيجية في المنعطفات المصيرية وفي حالة كالحالة الفلسطينية يجب أن تتضمن مراجعة شاملة لمجمل المسيرة الوطنية، من سلوكيات وأيديولوجيات وثقافات وأفكار ومسلمات وبنى تنظيمية وشبكة علاقات وتحالفات، لأنها كلها تتحمل المسؤولية عما وصلنا إليه، وليس مجرد اتفاقات مصالحة شكلية بين حركتي فتح وحماس.

وعندما نقول ونطالب بمراجعة استراتيجية لأنه منذ دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (دورة إعلان الاستقلال) في الخامس عشر من نوفمبر 1988 لم يجري أي لقاء وطني توافقي جدي ولم تحدث أية مراجعة استراتيجية حتى داخل منظمة التحرير، بالرغم من الأحداث الجِسام التي مرت على القضية الوطنية، واستمر النظام السياسي يعاني من حالة تخبط وتيه ومراهنة على الخارج وتجريبية قاتلة وما يصدر عنه مجرد ردود أفعال وقرارات لا تنفذ غالباً.

الاستراتيجية المطلوبة لا تغرق بالمشاكل الآنية بل تتعامل مع جذورها ومسبباتها الحقيقية. والاستراتيجية رؤية وتخطيط ومنهج في العمل تحيط بكل المصالح الوطنية وما يهددها من مخاطر، تربط الحاضر بالماضي وتستشرف المستقبل، تنطلق من رؤية علمية للواقع بكل مكوناته وتشابكاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، محليا ودوليا. إنها فن التوفيق بين الإمكانات الوطنية بكل مكوناتها من جانب والأهداف من جانب آخر. هذه الاستراتيجية هي الأساس الذي تقوم عليه سياسات الدول والكيانات السياسية العقلانية. الاستراتيجية تؤسَس على المصلحة الوطنية العليا أو ثوابت الأمة التي هي محل توافق وطني ولا تخضع لألاعيب السياسيين ومناوراتهم .

أهم مكونات استراتيجية حركات التحرر الوطني هو توافق أغلبية الشعب والكيانات السياسية على الأهداف الوطنية وعلى الوسائل أو الأدوات التي تضمن تحقيقها، ودائما يرتبط نجاح أو فشل الاستراتيجية ليس باختلال موازين القوى مع العدو بل بمدى وجود مؤسسة قيادة قادرة على تعبئة الشعب وحشده حول برنامجها الوطني، وفي وجود وحدة وطنية.

لأن الاستراتيجية ملزِمة للكل الوطني فإنها تستهدف كل مكونات النظام السياسي من الرئاسة حتى الأحزاب. ونظرا لأن مكونات النظام السياسي جزء من الأزمة بل سببا رئيسا لها، فهي غير مؤهلة لوحدها لوضع هذه الاستراتيجية.

في المنعطفات التاريخية وعندما تكون الأمة والوطن في خطر فإن الأمر يحتاج لوقفة مراجعة شاملة لمعتقدات وأيديولوجيات وسياسات وطابوات وبرادغمات تعايش معها وتعود عليها الشعب لعقود حتى توَهَّم أنها مسلمات وحقائق وأن النصر والتحرير لن يتأتيا إلا بها ومن خلالها. هذه المراجعة والاستراتيجية الجديدة قد تضر بمصالح فئات عديدة، ولكنها ضرورية حتى يستفيق الشعب من غفوته ومن المراهنات المريحة نفسياً، والمنافية للعقلانية السياسية والمدمرة لمصلحة الوطن عملياً.

وفي هذا السياق، فالاستراتيجية الوطنية المطلوبة يجب أن تضع محل النقاش قضايا بعضها كان بمثابة مسلمات عند انطلاق الثورة الفلسطينية في منتصف الستينيات وأخرى تم اصطناعها أو ترويجها لاحقاً كمسلمات وحقائق. والمراجعة ليس بهدف التجاوز والقطيعة معها أو الحكم القاطع بأنها غير صحيحة أو أصبحت متجاوَزة، بل بهدف التمحيص وإعادة النظر للتأكد من مدى ثباتها وموائمتها في ظل المتغيرات المتسارعة في العالم، وأهم هذه القضايا أو (المسلمات):

1- عدم حل القضية الفلسطينية يهدد السلام العالمي.

2- إسرائيل المصدر الرئيس الذي يهدد أمن واستقرار السلام العالمي.

3- اليهود يسيطرون على العالم ويوجهون سياساته.

4- البعد القومي للقضية الفلسطينية، وفلسطين قضية العرب الأولى.

5- البعد الإسلامي والقدس خط أحمر بالنسبة للمسلمين.

6- ستقام الدولة الفلسطينية من خلال الشرعية الدولية والأمم المتحدة.

7- المقاومة والجهاد المقدس الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

8- القيادات السياسية على صواب وتحقق انجازات سواء في مجال المقاومة العسكرية الجهادية في غزة أو في مجال العمل السياسي والدبلوماسي للسلطة.

9- الانقسام سببه خلافات فتح وحماس.

10- منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني.

بناء على إعادة تقييم (المسلمات) السابقة يمكن صياغة الاستراتيجية المطلوبة التي تحتاج حضور كل المكونات السياسية من داخل منظمة التحرير ومن خارجها.

وهذه بعض الخطوط العريضة يمكن التفكير فيها كأساس للاستراتيجية الوطنية المطلوبة:

1- لأن الطبقة السياسية في غزة والضفة وصلت لطريق مسدود ولا يمكن المراهنة عليها في وضعها الحالي للرد على مشروع تصفية القضية، يجب إجراء الانتخابات العامة على كافة مستوياتها: التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.

2- انجاز الوحدة الوطنية بأسرع وقت، ووضع حد لمهزلة حوارات المصالحة بالشكل الذي كانت تجري عليه طوال عشرة أعوام، وهذا يتطلب تغيير الأسس والمنطلقات التي تقوم عليها الحوارات، وتغيير الأشخاص المكلفين بها.

3- التوافق وطنياً على تحديد الهدف الاستراتيجي النهائي والأهداف المرحلية.

4- إعادة صياغة العلاقات الفلسطينية مع العالمين العربي والإسلامي على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار السياسة الواقعية وليس الاعتبارات الأيديولوجية القومية والعلاقات التاريخية فقط.

5- إعادة النظر في المراهنة المبالَغ فيها لمنظمة التحرير على الشرعية الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.

6- إعادة النظر بمفهوم المقاومة واستراتيجيتها، لأن ما يجري على حدود قطاع غزة لا علاقة له بالمقاومة بل يسيء لها ويُسخِّفُها، كما أن العمليات الفدائية الفردية في الضفة الغربية لا تكفي.

7- مع ضرورة الاستمرار بالتمسك بنهج السلام والتسوية السياسية العادلة إلا أنه مطلوب إعادة النظر بالنهج المتبع في التعامل مع التسوية والشرعية الدولية وبمن يتولى أمرهما.

8- الحسم في موضوع السلطة الفلسطينية وما ارتبط بها من اتفاقات وبروتوكولات، وهل ما زالت ضرورة ومصلحة وطنية؟ وإن كانت كذلك فكيف نجعلها نقطة انطلاق نحو الدولة؟ وإن لم تكن كذلك فما هو البديل لها؟.

ربما بعض مكونات الطبقة السياسية ملمة بكل ما سبق ومقتنعة به إلا أنها غير قادرة على تنفيذه مباشرة بفعل بنيتها وارتباطاتها ومصالحها، وخصوصاً أن قرارات وتصريحات صدرت عن القيادات والمؤسسات الرسمية والحزبية طالبت أكثر من مرة بالأخذ ببعض هذه العناصر ولكن دون جدوى، وحتى لقاء أمناء الفصائل الأخير لم يتخذ أي قرارات عملية واكتفى بتشكيل لجان .

ومع ذلك، فلن نفقد الأمل لأننا نلمس حالة غضب وتمرد عند الشعب، وجذوة وطنية خامدة عن البعض من الطبقة السياسية ممن لا يرغبون بأن ينهوا حياتهم بوصمة الخيانة. حتى وإن لم تستجب الطبقة السياسية لهذه الاستراتيجية وغيرها من النصائح والمقترحات التي قدمتها أكثر من جهة وطنية فقد تكون الحرب الأهلية ضرورة وطنية وهذا ما نخشاه وما لا نريده.

خاتمة

إن لم يتم تدارك الأمر بالاتفاق على برنامج واستراتيجية وطنية كمرجعية لعمل النظام السياسي الفلسطيني في ظل المتغيرات العربية والدولية المفتوحة على كل الاحتمالات، فستستمر القضية الفلسطينية في حالة تيه وسيسير النظام السياسي نحو مزيد من التفكك، وما نخشاه وما لا نتمنى حدوثه، أن حركة فتح ومنظمة التحرير لن تبقيا موحدتين وستسيران نحو مزيد من التآكل والتخبط، والسلطة الوطنية ستتحول لجابي ضرائب ومقَدِم خدمات لتسيير الحياة اليومية للمواطنين مع تنسق أمني مع الاحتلال دون أي مضمون وطني تحرري، وحركة حماس ستشهد مزيدا من الانحسار وفقدان الشعبية والتحول إلى حكم شمولي استبدادي كلما توغلت في السلطة والحكم واستمرت ملتزمة بالتهدئة، وقد نشهد ظهور العديد من التيارات أو الأحزاب بمسميات المستقلين أو أية مسميات أخرى يقودها رجال أعمال من الداخل ومن الشتات، إلا أن هذه القوى لن تشكل استنهاضا للحالة الوطنية بل ستزيد من التيه ومن فرص تدخل أطراف خارجية.

إن كان اجتماع الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وما تسرب من معلومات عن تشكيل قيادة وطنية لمقاومة شعبية أوجدا بعض الأمل في التغيير، إلا أن كل حراك في ظل وجود نفس الطبقة السياسية لن يتجاوز كونه زوبعة في فنجان ولن يحقق إلا مصالح للسلطتين والحكومتين القائمتين في غزة والضفة ومحاولة منهم لإطالة أمد وجودهم في السلطة والظهور بمظهر البطولة.

وتبقى الكلمة الأخيرة للشعب وصبره وصموده ومقاومته، فلا التطبيع العربي مع كيان الاحتلال ولا مناورات الأحزاب الفلسطينية وفشلها وتقاعسها يمكنهم إنهاء الصراع في فلسطين وفي الشرق الأوسط، وما دام الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء وما دامت الشعوب العربية لم تقل كلمتها والعالم العربي يمور بأحداث متسارعة، فالأمل يبقى حاضراً والنصر آت لا محالة.

 

إبراهيم أبراش

............................

[1] - بعد توقيع اتفاقية أوسلو 1993 مباشرة زار الراحل الزعيم أبو عمار المغرب وكان بمعيته السيد محمود عباس مهندس أوسلو كما كان يسمى آنذاك، وقد التقينا بالوفد في قصر الضيافة في الرباط مع عدد من الجالية الفلسطينية في المغرب. وتحدث أبو مازن عن اتفاق أوسلو وما جرى وقال ضمن حديثه بأن الاتفاق فرصة تاريخية وقد تدخلت مباشرة بالحديث وسألته إن كان فرصة تاريخية لنا أم للإسرائيليين؟! وقد رد بإسهاب مكرراً مقولته الشهيرة بأن أوسلو قد يؤدي إلى الدولة أو يؤدي لكارثة للشعب الفلسطيني. والآن وبعد مرور 27 عاما على توقيع الاتفاق نتساءل إن كان الاتفاق فرصة تاريخية للفلسطينيين أتى بالدولة المستقلة أو جعلنا قريبين منها، أم كان فرصة تاريخية للكيان الصهيوني أجهض من خلالها على حركة التحرر الوطني وزاد من معاناة الفلسطينيين؟

[2] - تم اغتيال اسحق رابين يوم الرابع من نوفمبر 1995خلال مهرجان خطابي مؤيّد للسلام في تل أبيب على يد المتطرف اليهودي إيجال أمير. وكانت عملية الاغتيال مؤشرا على رفض المجتمع الصهيوني للسلام حيث أعتبر اليمين الإسرائيلي إيجال أمير بطلا قوميا.

[3] - مشروع السلام الفلسطيني الذي نتج عن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر 1988 كان يتحدث عن تسوية سياسية تعتمد كل قرارات الشرعية الدولية ومن خلال مؤتمر دولي للسلام، إلا أن واشنطن ضغطت على منظمة التحرير والدول العربية لتكون عملية التسوية على أساس قراري 242 و338 مما يعني تجاهل أصل الصراع وتجاهل قراري التقسيم 181 وحق العودة 1949، كذلك فرضت أن يكون مؤتمر مدريد تحت عنوان (مؤتمر مدريد للسلام) وليس المؤتمر الدولي للسلام، مما أسقط البعد الدولي عن المؤتمر ونتائجه.

[4] - نجحت واشنطن وتل أبيب في مؤتمر مدريد فرض المسارات المتعددة للمفاوضات، وهذا أدى لأن تنفرد إسرائيل بالفلسطينيين، وإلغاء البعد القومي للقضية الفلسطينية، مما جعل من السهل على تل أبيب وواشنطن إدارة الصراع بشكل منفرد مع كل طرف عربي دخل في عملية المفاوضات.

[5] -فمن المعلوم أنه منذ أن قبلت قيادة م.ت.ف التعامل مع مسلسل السلام الأمريكي، ارتفعت أصوات عديدة تندد بهذا الموقف وتحذر المنظمة من التصرف في حقوق هي ملك لكل الشعب الفلسطيني عبر الأجيال. كانت أشد هذه الأصوات معارضة هي حركة حماس (الإسلامية) التي لم تقتصر في معارضتها لنهج المنظمة على المواقف السياسية المعلنة بل تجاوزت ذلك إلى التشكيك بتمثيلية م.ت.ف للشعب الفلسطيني وطرحت نفسها بديلا لها.

[6] -وهذا ما جرى بالفعل عندما قامت حركة حماس بالانقلاب على السلطة يوم 14 يونيو 207 وحدث الانقسام المتواصل حتى اليوم.

[7] - مباشرة بعد توقيع اتفاق أوسلو عقدت الأردن وإسرائيل اتفاقية وادي عربة 1994، ثم بدأت مفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وبعدها تبادلت إسرائيل التمثيل الدبلوماسي مع عدة دول عربية مغاربية وخليجية، وإن توقفت هذه العلاقات مع الانتفاضة الثانية 200 إلا أن التطبيع عاد مجددا عام 2020 عندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في واشنطن توقيع الإمارات العربية والبحرين اتفاقية (سلام) مع إسرائيل.

[8] - كل الأدبيات الرسمية لمنظمة التحرير كانت تؤكد أن الفلسطينيين طليعة الأمة العربية في معركة التحرير، ولم يقولوا إنهم لوحدهم سيحررون فلسطين.

[9] - يجب عدم التقليل من نتائج توقيع اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من ساحة المواجهة. فعندما تعترف مصر أكبر دولة عربية بإسرائيل وتلتزم بعدم الدخول في أي مواجهات معها أو المشاركة في أي تحالفات ضدها، فهذا معناه قطع الطريق على أية إمكانية لحرب عربية ضد إسرائيل.

[10] - لم يكن الموقف الرسمي الفلسطيني من حرب الخليج الثانية مؤيدا لاحتلال العراق للكويت كما زعمت بعض الدول، بل حاول أبو عمار أن يؤجل أي تدخل عسكري أمريكي في المنطقة ومنح مزيد من الوقت للوساطات العربية ولكن يبدو أنه كان مطلوب رأس منظمة التحرير ولذلك باشرت دول الخليج ودول أخرى عملية قطع المساعدات عن منظمة التحرير ومحاصرتها بل وتشويهها سياسيا.

[11] - لم يكن الهدف من إثارة ملف الفساد وتضخيمه إصلاح السلطة، بل تصفية الظاهرة العرفاتية وتشويه السلطة واصطناع خلافات فلسطينية داخلية بهدف إلهاء الفلسطينيين بها بدلا من التفرغ لمواجهة إسرائيل.

[12] -وهذا ما اعترف به الرئيس أبو مازن لاحقا بعد توقف المفاوضات عام 2009 حيث قال بأن المفاوضات كانت عبثية لأنها بدون مرجعية أو هدف، واشترط لعودتها أن تكون لها مرجعية وهي قرارات الشرعية، وهدف وهو حل الدولتين.

[13] - أصبحت رواتب السلطة التي يتقاضاها عشرات الآلاف من الفلسطينيين كاللعنة على الفلسطينيين، لأنها قيدت حركتهم وقدرتهم على الانتقاد والتمرد على الوضع القائم خوفا من قطع الرتب الذي يُعيل عائلاتهم. وقد انتقلت لعنة الراتب إلى حركة حماس وحكومتها في قطاع غزة، حيث يتحول المجاهدون والمرابطون تدريجيا إلى موظفين ينتظرون راتبا إما من السلطة أو من جهات خارجية.

[14] - في استطلاع نفذه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد" ما بين 21-23 أكتوبر 2015 صرح 64% بأنهم يؤيدون إلغاء اتفاقية أوسلو .

 

 

ناجي احمد الصديقترآى للعالم اجمع فى عصرنا الحديث هذا ان تجمع الدول فى كيانات اقليمية للتعاون والتعاضد والمساندة هو المخرج الملائم لمعاونة الدول بعضها البعض وذلك ان فى الاجتماع قوة وفى التفرق ضعف، عرف العالم هذا فأخذت دوله فى التجمع تحت رايات شتى واسماء عدة فمنها ما جمعتهم الجغرافيا ومنهم ما جمعتهم اللغة ومنهم ما جمعهم  الاقتصاد فنشأ فى فى كنف هذا الواقع الاتحاد الاروبى والاتحاد الافريقى  وكان من ضمنهم جامعة الدول العربية والتى تم تأسيسها فى عام 1945م بميثاق كان هدفه التعاون والتعاضد والمساندة ولكن لم يوضع مجالا واحدا على المحك منذ نشأة الجامعة بقدر ما وضع المساندة الغير محدودة للقضية الفلسطينية والتى ظلت بندا ثابتا فى كل اجتماعات الجمعية العامة وكانت أيضا من أكثر المواضيع التى عقدت بشأنها اجتماعات طارئة لمجلس الجامعة وللجمعية العامة للجامعة حتى أصبحت تلك القضية هى قضية الجامعة المركزية وحتى أصبحت رمزا كبيرا لتكاتف وتعاضد الدول العربية على كثرة ما كان يفرق بينهم . ومن الأمثلة على ذلك ان قضية فلسطين كانت حاضرة دوما على جدول أعمال القمة العربية منذ القمة الاولى فى عام 1946، كما كانت تحتل قضية القدس حيزا كبيرا فى مداولات القمم العربية التى شددت فى إحداها على ان تحرير  القدس هو (واجب والتزام قومى)، كما أكدت الدول العربية منذ القمة الاولى على (ان العرب سينظمون علاقاتهم السياسية والاقتصادية بالدول على أساس موقفها من كفاح العرب المشروع ضد الصهاينة) فضلا عن تأييد كل أعضاء الجامعة العربية للمبادرة العربية للسلام والتى تم اعتمادها قمة بيروت 2002م والتى تؤدى فى نهاية الأمر الى إنهاء الصراع العربى الاسرائيلى فيما عرف بعد ذلك بمبدأ الارض مقابل السلام 

اذن فان جامعة الدول العربية كانت مهمومة منذ تاريخ إنشاءها بالقضية الفلسطينية باعتبار انها قضية العرب قاطبة وانها كانت تقدم الدعم المعنوى الامحدود لتلك القضية كان ذلك فى صيغة قرارات تتخذها لمواجهة الطغيان الاسرائيلى او لكبح جماح المناصرة الامريكية لاسرائيل وتشجيعها على خرق قرارات الشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولى . ولعل احد اسباب ذلك الإجماع العربى لمساندة القضية الفلسطينية يعود الى كارزيما القادة العرب فى ذلك الوقت  وثقتهم الكبيرة فى قدرتهم على التصدى للمحاولات الاسرائيلية والامريكية المتكررة لقهر الشعب الفلسطيني وتصفية قضيتهم  وكان لقوة شخصيات باذخة مثل الملك فيصل والملك حسين والرئيس عبد الناصر الاثر الكبير فى تبنى قرارات قوية وشجاعة تجاه الطغيان الاسرائيلى  وما كانت حرب اكتوبر 1973م الا واحدة من اشراقات أولائك القادة حيث وقف الملك فيصل بعنفوان عربى اصيل مع دول المواجهة وقطع امداد النفط عن الغرب غير هياب ولا وجل من عواقب فعله ذاك. ولن ينسى التايخ ما قاله العاهل السعودى المهيب لهنرى كيسنجر حيمنا جاءه ليثنيه عن موقفه ذاك قال له (انى رجل طاعن فى السن واري دان اصلى ركعتين فى المسجد الاقصى فهل تساعدنى فى تحقيق هذه الامنية ؟)

دارات الايام ورحل اولائك القادة الاماجد واختلى الصهاينة بمن جاء بعدهم ونخروا فى عضد الجامعة العربية حتى جاء علينا يوم تكون الدول العربية نفسها هى اول من يخرق قرارات الجامعة ويرمى بمبائها فى سلة التاريخ وقومون بتطكبيع علاقاتهم مع اسرائيل وهى تستعد لتنفيذ صفقة القرن وتصفية قضية فلسطين بثمن بخس هو اقامة دويلة فلسطينية تعتاش مما تقدمه لها اسرائيل من فتات وتنام وتصحوا على وقع اقدام الجيش الاسرائيلى الذى يحيط بها كاحاطة السوار بالمعصم

تفرقت الدول العربية ايدى سبأ بفعل متعمد ظل ناتنايهو يعمل لاجله منذ سنوات – كما قال هو بنفسه- فخرجت الإمارات والبحرين عن طوع الجامعة والحبل على الجرار ولم تستطيع الجامعة من شدة وهنها وضعفها ان تصدر بيانا واحدا يدين ذلك الخروج من طوعها مما حدا ببعض القادة الفلسطينيون ينادون بالخروج من الجامعة نفسها بل حدا ببعض المراقبين ان يقولوا ان وجود الجامعة نفسه قد بات على المحك.

لعبة المحاور الذى أوجدها من عدم اللوبى الامريكى الصهيونى كانت هى المسمار الاخير فى نعش الجامعة العربية ولعله من اللافت ان تقوم الدول العربية والإسلامية  بالدخول فى شباك تلك اللعبة الصهيونية دون تنظر الى عواقبها ومراميها  وأصبحت المحاور بين الدول العربية والإسلامية هى تشكل اساس وجودها وأصبحت تلك الدول بين عشية وضحاها فى محورين لا ثالث لهما واصبح مصير العرب والمسلمين كلهم.

 

بقلم\ ناجى احمد الصديق الهادى -المحامى - السودان

 

 

الطيب النقريكفي أن ننظر لهذه السيئات التي كانت تقترف والتي كانت تسعى إليها الإنقاذ ما استطاعت حتى نفهم  سر مكوثها كل هذه المدة، فهي لم تكن تحجم عن اتخاذ أي شر، أو سلوك أي غلظة تجعلها تطنب في الحكم وفيه تطيل، فهي قانعة مطمئنة أنها لن تطاع وليس إلى طاعتها من سبيل إلا إذا واجهت مجتمعها بهذا الاستبداد، ولم يتخذ الاستبداد في عهدها شكلاً واحداً، بل كانت تقدم عدة صور منه، فكان هناك الاستبداد السياسي، والاستبداد الديني والاستبداد الاجتماعي والاستبداد الثقافي، ويتمثل استبدادها السياسي في أنها لم تتيح للأحزاب السياسية سوى الصبر والاحتمال، فهي لم تكن مطلقاً كلفة بالأخذ والرد والحوار، ففلسفتها لم تكن تتسع لتحمل هذا الإثم الثقيل، هي لا تستطيع إلاّ أن تتحمل القمع وتعين عليه، لأجل ذلك رأيناها تئد على الديمقراطية كل أمل، وتقطع عليها كل طريق، ومرد كل هذا أنها كانت تخشى أن تعرضها الديمقراطية للغرق ويتفكه الناس بموتها، ولماذا تخاطر وتغامر ببسط كنف الديمقراطية ما دام الحياة ميسرة لها كأحسن ما يكون اليسر، مهيأة لمقاصدها كأفضل ما تكون التهيئة، فلتمضي إذن على ما هي عليه ممعنة في التشاؤم من نجاعة الديمقراطية ويائسة من ود الأحزاب، وقانطة من روح العدل الذي لن يجر عليها سوى المصائب والنكبات، أما استبدادها الديني فيتمثل في أنها قدمت نفسها طيلة هذه الثلاث عقود التي بقيت فيها على سدة الحكم وهي حامية للدين ووصية على المجتمع، مع أن الشيء الذي لا يحتاج إلى تعمق ولا تمحيص ولا أناة أن الإنقاذ لم تكن تحفل بالدين، ولا تتحرج في انتهاكه، ولا تتحفظ في مخالفته متى ما تعارض مع مصلحتها، لم يكن الدين غير حل لاستيعاب  تطلعات مجتمعها المسلم، ولكنها انتهت به إلى أقصى مراقي العنف، وأوشكت أن تهيئه للانصراف عند قلوب الشباب اليافع، لقد عبثت الإنقاذ بالدين ما شاء لها العبث، وأفسدت منه ما شاء لها الفساد، ويكفي أنها استخدمته كمركبة أيديولوجية وثبت بها على السلطة، وصاغت منه أداة لخطاب لا تدري مدى نجاعته في خارطة الكليات الربانية أفنى الشباب في جنوب البلاد ومهّد لانفصالها.

أما الاستبداد الاجتماعي للإنقاذ فقد أقام في العاصمة القومية أولاً ما طاب له المقام ثم طاف بعدها في آفاق السودان البعيدة، ولم تمضي عدة أعوام من بزوغها حتى كان مستقلاً بكل شيء، متصرفاً في كل شيء، لقد ظهر من غير لبس أو إبهام أن حكومة الإنقاذ لم تذعن لداء، وتستكين لمرض مثل إذعانها لعنصرية بغيضة التهمتها التهاماً، والعنصرية التي ظفرت بالإنقاذ وظهرت عليها مردها اعتقادها بأنها لن تلقى القوة والحدة والأيد إلا من القبائل العربية وأنها لن تستوفي نصيبها من الحزن والألم إلاّ من القبائل الأفريقية التي لا تغفر لها خطيئة، أو تعفو لها عن ذنب، أو تتجاوز لها عن سيئة، وما دام أن هذه القبائل قد بلغت من تعنتها ما كانت تريد، فلا بأس على الإنقاذ أن تتخفف من مودتها الزائفة، وأن تستريح من الحركة ومن الكلام، وأن تجعل الأسنة هي التي تتحدث، وأن تسرف في قذفهم بالدانات والمدافع في آخر كل نهار، وأول كل ليل، وألا تتوقف هذه الدانات وهذه المدافع حتى تراهم صرعى أو ممزقين أشلاء في خفق هذا اللهب المتصل.

 لقد اصطنعت الإنقاذ مع هذه القبائل ما يصنعه الغلاة المترفون الذين ينعمون بشقاء البائسين، فهي لم تسعى قليلاً أو كثيراً أن تستأثر بعاطفة هذه القبائل أو تؤثر في نفسها، فهي لم تكن معنية بذلك، بل كانت معنية بأن تستأصل هذه القبائل التي تستهدف حكمها الذي تخاله رشيداً وأن تجلب مكانهم قبائل عربية لا غبار عليها لا تخون الإنقاذ ولا تستطيع أن تخونها، قبائل مهيأة للحركة والنشاط البدني الحاد لصد كل من يرمي ذهاب ريح الإنقاذ، وأن تتفجر غيظاً ولا ترد غيظها إلى القصد والاعتدال إذا سعت جهة ما أن تزدري الرئيس البشير أو تقلل من مكانته، وقد امتلأت أيادي هذه القبائل بما شاء الله أن تمتلئ به من ذهب ونقود من هبات المشير البشير، هذا غير العناية والإلطاف التي كان البشير نفسه يخص بها زعيمها فتكفي الرتب والأنواط التي ملأ بها كتفيه وصدره وهو الذي لم يتخرج من تلك الكلية الحربية التي تخرج منها قائده، فالفريق أول محمد حمدان دقلو الشهير "بحميدتي"  لم تطأ أقدامه الكلية الحربية إلاّ بعد أن حاز على تلك الرتب، وأنى له أن يلج مصنع الرجال وعرين الأبطال وهو الذي لم يكمل المرحلة الابتدائية، لقد نال قائد الجنجويد الفريق أول حميدتي ما نال لأنه دافع عن قائده ونظامه في رشاقة وترفع، ولأنه كان هو جنده محبين للحرب متهالكين عليها، ولأنهم لا يقفون عند جماعة من البسطاء العزل يمكن أن يحصيهم العدد في قرى دارفور وتخومها إلا وأبادوها دون أن يرتد لهم طرف طالما تلك هي رغبة فارسهم الجحجاح في القصر الجمهوري.

والاستبداد الثقافي الذي مارسته طوال حكمها المأفون، فرضته  الإنقاذ في غير مشقة ولا جهد، والعلة في ذلك أنها وجدته قائماً فمضت في تأثيله وترسيخه، ولم تسعى الإنقاذ أن تستشعر هل رضي الناس عن هذا النهج واعجبوا به أم لا،  كما لم تهتم بتاتاً بتلك الأسئلة التي تنهال باستمرار عبر الوسائط الإعلامية عن عدم جدية الدولة في توظيف هذا التنوع الفريد الذي يحظى به السودان، ولماذا تصر على فرض الثقافة العربية دون مثيلاتها، فهناك ثقافات أخرى سبقت بعضها حتى الثقافة العربية في هذه الديار مثل الثقافة البجاوية في الشرق والنوبيين في الشمال والفور والنوبة في الغرب والدينكا والشلك والنوير في الجنوب والفونج والبرتا في وسط السودان وأقصى جنوبه الشرقي، إن الحقيقة التي تتطلب التصريح على التعريض أن ثقافة نهر النيل العربية التي عانى الناس من تسلطها طغت على ثقافات أخرى جديرة بالدرس وقمينة بالاهتمام، ولعل عدم التوازن في الفرص وطغيان ثقافة على أخرى يخبرنا عن حجم التمزق الاجتماعي المدمر الذي عانى منه السودان، ولعل هذه الأفضلية التي كانت توليها حكومة المشير البشير وما سبقتها من حكومات للثقافة العربية دون رصيفاتها من الثقافات الأخرى مصدراً للخصومة بين الأعراق التي كانت تشعر بالكثير من الغبن والامتعاض للتهوين بثقافتها وعدم تسليط الضوء عليها، وقضية الثقافة في السودان التي كثر فيها القول، واشتد فيها الجدال كانت بعض الجهات النافذة تبرر عدم اهتمامها بالعديد من هذه الثقافات لما في أغلبها من جهل وخطل وخرافة وشعوذة، ولأن الكثير منها يتعارض مع قيم الإسلام ولب الإسلام.

وعن سر بقاء الإنقاذ كل هذه المدة هو مدى حرصهم على الحكم وتشبثهم به، وتسخير الحياة بكل كائناتها ومكوناتها لدعم حكمهم واستدامته، مستخدمين في ذلك كل الوسائل المادية والمعنوية والكمية والكيفية التي يذخر بها السودان وإنسانه، ولعل من أهم الظواهر التي رسخت لحكم الإنقاذ  بعد تطبيق نظام التمكين الذي أقصى كل من لا يدين لها بالولاء، وجعل المناصب العليا التي تتخذ طابع الحساسية قاصرة على سدنتها ومشايعيها، وبخلاف أنها جعلت التقديم للكلية الحربية تلك المؤسسة التي تتولى في الغالب مقاليد البلاد حكراً على منتسبيها، أهم من كل هذا تلك الجماعات التي هيمنت الإنقاذ على وعيها، جماعات أكثر راديكالية وعنفاً لا تتوانى عن الزود عن بيضة الإنقاذ والدفاع عنها بكل ما أوتيت من قوة، وقد اعتمدت الإنقاذ على هذه الجماعات في استنهاض دعوتها وتعميمها، وقد غضت الإنقاذ عن الشروط الصارمة لعضوية هذه الجماعات فجعلتها متاحة للجميع، وتعمدت أن تصبغ هذه الجماعات بالصبغة العسكرية، وأن تكرسها ضد حركات مسلحة تنظر إليها الإنقاذ بمنظار العداء، لقد وطدت حكومة البشير في حنايا هذه الجماعات أنها وحدها فقط التي تمثل الإسلام والحق، وغيرها يمثل الكفر والضلال، لقد "أنشأت تنظيمات وأجهزة موازية لأجهزة الدولة، مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي والشرطة الشعبية، وهي كيانات مسلحة بميزانيات مستقلة تمول من الدولة وتقتصر عضويتها على أبناء الجبهة، وقضوا على النقابات المستقلة، وأنشأوا حزبا جديدا هو حزب المؤتمر الوطني الذي ظل حاكما طوال العقود الماضية، وكانوا قادته والممسكين بكل مفاصله. وأعدوا العدة للبقاء في الحكم إلى آخر الزمان، أو كما قال قائلهم: إلى نزول سيدنا عيسى من السماء، في إشارة إلى اقتراب ظهور المهدى المنتظر في آخر الزمان. وهذا يشبه ما كان يقول به بعض قادة التنظيم الإخواني في مصر بأنهم سيحكمون لـ 500 عام، قبل أن تسقطهم ثورة 30 يونيو بعد عام واحد فقط".[1]

ولعل التحليل الملتزم المستقيم يتطلب منا أن نذكر أيضاً خطاب الحركة الإسلامية الذي أكمل تجربة المحنة إلى نهايتها، لقد أفلح هذا الخطاب في تأجيج قدر عظيم من الشعب السوداني الذي اعتقد في هذه الحكومة الثيوقراطية وآمن بها، رغم أنها لم تحقق التكافل الاجتماعي لجميع أبنائه، ولم تتوق إلى تحقيق هذا الهدف، لقد نجحت أن تجعل الإنقاذ من شعبها شعب معاد للغرب، وأن توجه أيديولوجيته لأيديولوجية تتوافق مع مفهوم العروبة رغم أن الكثير من عناصره وسلالاته لا تمت للعروبة بصلة أو تصل إليها بسبب، لقد ربحت الإنقاذ الكثير من تعزيز هذه الأيدلوجية ونهبت الكثير من ريعها، ولكنها في المقابل خسرت الكثير مع كرور الأيام فقد خسرت الجنوب الذي فضح سياساتها الفاشلة وأظهرها بأنها تواجه مجتمعها بمنطق الحرب، كما أسهم جبروتها وقمعها وبيوت الأشباح وإيوائها لكل منبوذ ومطارد من قبل الغرب المتسلط في استنزافها الأمر الذي دفعها إلى التراجع والتقهقر. شيء آخر ضمن لنظام الإنقاذ أن تبقى كل هذه العقود هو شريحة الشباب وأعنى بالشباب الشباب المنتمي لها، فقد انساقت في إرساء دعائم الخير والبذل لهذه الفئة التي تدافع عن قصدها وتوجهها، ولم تتركه مثل لداته للتدهور والمعاناة، فهو الذي يتحمل وحده وتتحمل إرادته تبعة الزود عنها، فهو يدافع في بسالة حدة الجموح عليها، ويتخطى مضطراً ثبات الصورة الكلية للمجتمع الذي بات في التفاتات ذهنه، وقناعات ضميره يترقب الخلاص، لقد قدمت الإنقاذ لهذا الشباب الموالي كل ما يحتاجه من أجل مجابهة الحياة بكل عنائها وبلائها، وتعهدته بالتعليم والتدريب والرعاية ومكنته من الوصول إلى مراتب لم تنعقد آماله لنيلها.

وعن بقاء الإنقاذ الطويل في دائرة الضوء يقول بروفيسور الطيب زين العابدين الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي رحمه الله:" أن عصبية الجيش السوداني تجاه النظام باعتباره جاء بانقلاب عسكري فضلاً عن وجود حزب منظّم خلفه يضم عدداً مهماً من المثقفين والكوادر المدرّبة، كلها مثّلت عوامل لبقائه في الحكم كل تلك الفترة، فضلاً عن استخدام النظام لنفوذ الدولة لتوطيد حكمه وإشراك القوى الأخرى، إضافة إلى براغماتية سلوكه وتغيير طروحاته من مرحلة إلى أخرى وفق الظروف والمتغيرات".[2] وهناك أسباب أخرى لا يمكن أن نغفل عنها مثل هزال المعارضة التي نجحت الإنقاذ في استقطابها بالإغراءات المالية وبالحقب الوزارية، لم تكن المعارضة ذات شوكة لا تطال بل كانت لقمة سائغة للإنقاذ وليس في حديثنا هذا عن هذه المعارضة الهشة أي عدائية أو تجريح ولكنها حقائق نسردها بكل تجرد وحياد، ومن الأسباب التي أضعفت من قوة هذه المعارضة عسف الإنقاذ الذي لم يتيح لها أن تلتقي بقاعدتها العريضة في المساجد أو الميادين العامة، كما لم تكن لهذه المعارضة أي رؤية ثاقبة تكفل لها وأد النظام وتداعيه، والشيء المخزي أن جموع هذا الكيان لم يسعى أقطابه لنبذ خلافاتهم ويتوحدوا ضد نظام لم يجنوا منه سوى الخيبة والإحباط، أمر آخر لا يستطيع أحد جحده أو إنكاره هو أن هذه المعارضة التي لم تكن قوية أو حاسمة لم يكن لها فكر منهجي واضح المعالم يُمْكِن الناس من أن يتحلقوا حوله، ويؤمنوا به، ويتهالكوا عليه، وفي الجهة الأخرى كنا نبصر فكر يعمل بكل وعي وتدقيق لتذويب حدة السخط، وتغيير نمط التذمر، ويستمر في توليد صراعه الفكري الملتحف بالدين والذي يضمن له القوة والتأييد، لقد بقيت الإنقاذ ردحاً من الزمان معتمدة على عقائد عاطفية بحتة استطاعت أن تكفل لها البقاء ولكنها شوهت من جوهرها، وأقعدت منطلقاتها، وحدّت من طاقاتها.

إن من المهم أن نعيد النظر بعمق وتدبر في مسيرة حكم الحركة الإسلامية، وألا يمنعنا الولاء والانتماء من نقل صور حية وواضحة لا تجافي الحق تبرهن أن الإنقاذ لم تحقق العدل وتبني أركانه، وأنها بطشت بالتيارات الفكرية المختلفة ولم تسعى أن تفحم وتحاور تلك التيارات وقواها الفاعلة، وأنها ضحت بأصوليتها الدينية وقناعاتها المبدئية من أجل أن تستمر وتيرتها في الحكم وأنها بررت لنفسها ما لا يجوز باسم الدين، وأنها كانت تجنح كثيراً إلى القوة من أجل إسكات صوت معارضيها، كما أنها لم تحافظ على تماسكها وانغمست في متاهات الحرب والصراع.

 

الطيب النقر

.........................

[1] - جلال، صلاح، مقال بعنوان: خطاب الدكتور الترابي وثقوب الذاكرة، مرجع سابق، تم نشره في سودارس نقلاً عن صحيفة حريات الإلكترونية.

[2] -صحيفة العربي الجديد، 28 عاماً على النظام السوداني: مسيرة من الإخفاقات والتبدّلات، شوهد المقال يوم 1/7/2017م، رابط المقال:

www.alaraby.co.uk/politics/2017/6/30/28-عاما-على-النظام-السوداني-مسيرة-من-الإخفاقات-والتبدلات

 

جاسم الصفاركتبت هذه المقالة قبل ما أعلن اليوم عن التطبيع بين إسرائيل والبحرين، لذا فستكون البيانات المذكورة في المقالة مقتصرة على موضوع التطبيع بين إسرائيل والامارات. هذا من جهة ومن الجهة الأخرى فاني سأتجاوز الجانب التاريخي والسياسي والأخلاقي في موضوع التطبيع مع كيان عنصري غاصب وأهتم في المقالة بموضوع الفرص الاقتصادية التي بشر بها الطرفان واعتبراها من اهم مكاسب التطبيع.

فالحسابات البسيطة الظاهرية، تخلق وهم الفوائد الاقتصادية التي يمكن ان تتحقق من الجمع بين القدرات الإدارية وخبرة رجال الاعمال الإسرائيليين الى جانب موارد النفط الهائلة في الإمارات العربية المتحدة ليبدو الامر وكأنه فرصة ذهبية للطرفين. ولكن سرعان ما يتبدد الحلم وتتكشف هزالة ما يمكن ان يحققه الطرفان من هذا التطبيع، حيث تظهر الدراسة الجادة للبيانات الاقتصادية أن المنافع المتبادلة للاتفاقية ليست أكيدة كما تبدو.

مقارنة بإسرائيل، تتمتع الإمارات بمزيد من الناتج المحلي الإجمالي، كما تتجاوز الإمارات العربية المتحدة إسرائيل في الميزان التجاري، حيث تجاوزت الصادرات الواردات بكثير. بينما لدى إسرائيل ميزان تجاري سلبي. ومن المهم ملاحظة أن الإمارات العربية المتحدة، خلافًا للاعتقاد السائد، ليست عملاقًا اقتصاديًا لديه فرص هائلة تقدمها لإسرائيل. كما أن العلاقات الناشئة بين الدول لن تكون طريقاً ذا اتجاه واحد حيث تستفيد إسرائيل بينما لا تحصل الامارات الا على القليل. فلكي تزدهر العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، يجب ان يكون هنالك ما تقدمه إسرائيل للإمارات وبالمقابل هناك ما تقدمه الامارات لإسرائيل.

تشير التقديرات الأولية إلى أن الإمارات العربية المتحدة استوردت ما قيمته 12 مليار دولار من الماس في عام 2018 (آخر عام تتوفر له أرقام كاملة)، وفي هذا المجال تتمتع إسرائيل بميزة نسبية على شركاء أبو ظبي التجاريين الحاليين في مجال تجارة الماس. أما بالنسبة للبضائع الاخرى فإن حوالي 40٪ من واردات الإمارات تأتي من الولايات المتحدة واليابان وأوروبا الغربية، التي تتشابه صادراتها مع إسرائيل. من ناحية أخرى، لا يمكن لإسرائيل منافسة صادرات الصين والهند وفيتنام، الشركاء التجاريين الرئيسيين الآخرين للإمارات.

بالإضافة إلى الماس، تعد الإمارات العربية المتحدة رائدة في استيراد أجهزة الكمبيوتر وأدوات السيارات، وكذلك إلكترونيات الطيران. ولكنها في نفس الوقت تستخدم هذه المواد في مجال التصدير. فالإمارات العربية المتحدة، مثل إسرائيل، تستورد المواد الخام والمكونات لهذه الفئات من السلع ثم تصدر المنتجات النهائية. وبناءً عليه، يصبح من غير المجدي اعتماد هذه الفئة من البضائع في التبادل التجاري المباشر بين إسرائيل والامارات العربية المتحدة.

قد يتبادر للذهن ان الميزة الاقتصادية الرئيسية لإسرائيل، والتي سيوفرها التطبيع مع الامارات العربية المتحدة، هي الوصول إلى مصدر آخر للنفط. حاليًا، يوفر خط أنابيب النفط باكو - تبيليسي - جيهان (الذي يربط بين أذربيجان وجورجيا وتركيا) لإسرائيل 40 في المائة من نفطها. ومن بين الموردين الآخرين للدولة اليهودية المكسيك والنرويج وأنغولا ومصر وروسيا وكازاخستان. فإسرائيل قد تستفيد من قصر المسافة المباشرة بين إسرائيل والامارات، ولكني اشك في ان إسرائيل ستجازف بشراء النفط من خط توصيل غير امن وتتخلى لأجل فائدة مالية بسيطة عن مصادر استيرادها التقليدية المضمونة.

في محاولة لتنويع اقتصادها بعيدًا عن اعتمادها الحالي على النفط، تحاول الإمارات تطوير صناعة السياحة. وتتوقع الدولة عائدات سياحية تبلغ 85 مليار دولار بحلول عام 2027. وبالنظر إلى حب الإسرائيليين للسفر إلى الخارج، يمكن للسياح نظريًا أن يصبحوا الميزة الرئيسية التي تقدمها إسرائيل للإمارات. ولكن لنكن واقعيين، فكم مرة يمكن لمواطني الكيان الصهيوني زيارة دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تعتبر صناعتها النفطية عامل الجذب الرئيسي فيها؟ كم عدد الأشخاص الذين سيسافرون إلى مثل هذا البلد مرة واحدة على الأقل؟ ثم هل يمكن توقع نشاط سياحي من الامارات الى إسرائيل؟ تجربة مصر والأردن تعلمنا ان إمكانية التطبيع الشعبي وتطوير السياحة الى إسرائيل مسألة ليست سهلة على الاطلاق.

أن عواقب هذا الاختراق الدبلوماسي أكثر تعقيدًا مما تراه العين، لذا يجب على إسرائيل أن تكون اقل تفاؤلا بشأن الفوائد الاقتصادية التي يمكن أن تكسبها من صديقها الجديد في الشرق الأوسط.

 

د. جاسم الصفار

12/09/2020