محمد عبد الكريم يوسفتنقسم الآراء في منطقة الشرق الأوسط في كل عام تجري فيه الانتخابات الأمريكية حول شخصية الرئيس المنتخب وسياسته في منطقة الشرق الأوسط فمنهم من يؤيد الرئيس المنتخب، ومنهم ينتحب على الرئيس المغادر، ويتناسون أن السياسة الأمريكية واحدة تجاه الشرق الأوسط يأتي في طليعتها رعاية إسرائيل ومصالحها وحمايتها من أي خطر محتمل قد يهددها . ومن يراجع سياسة الانجازات التي يحققها كل رئيس منتخب بغض النظر عن انتمائه لأي من الحزبين الديمقراطي أو الجمهوري يدرك جليا أن إحدى الاهتمامات الرئيسية لممثل الحزبين الحاكمين هو خدمة اسرائيل ورعاية مصالحها .

لقد قدم الرئيس ترامب أفضل الخدمات لإسرائيل خلال أربع سنوات من الحكم يمكن تلخيصها بما يلي:

- في 22 أيار 2017، زار الرئيس ترامب حائط البراق مرتديا قلنسوة يهودية سوداء.

- في 6 كانون الأول 2017 اعترف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في سابقة لم يتجرأ رئيس أمريكي آخر على القيام بها ونقل سفارة بلاده إليها .

- في آب 2018 أوقف الرئيس ترامب تمويل منظمة أونروا التي كانت تقدم خدماتها لحوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني .

- في 25 آذار 2019  وقع الرئيس ترامب وثيقة تعترف فيها الولايات المتحدة بضم الجولان السوري لكيان الاحتلال الإسرائيلي.

- وفي 28 كانون الثاني 2020 أعلن الرئيس ترامب عن صفقة التي تلتهم حقوق الفلسطينيين في وطنهم .

- وفي 15 أيلول 2020 رعى الرئيس ترامب تطبيع العلاقات بين الامارات والبحرين مع الكيان الاسرائيلي.

- وفي 23 تشرين الأول 2020 أعلن الرئيس ترامب تطبيع السودان علاقاته مع الكيان الإسرائيلي.

- وفي 26 تشرين الأول 2020  أعلن الرئيس ترامب أن مبادرة السلام العربية غير مقبولة وأن البديل عنها صفقة القرن .

لقد قدم الرئيس ترامب لكيان الاحتلال مالم يقدمه أي رئيس أمريكي آخر.

 ومرة أخرى تنقسم شعوب منطقتنا حول الانتخابات الأميركية التي جرت مؤخراً. فالمناصرون للرئيس ترامب يعتقدون أن بقاءه يقلص النفوذ الإيراني في المنطقة وربما إسقاط النظام نفسه. ويرى المؤيدون لبايدن أن إزاحة ترامب يفيد القضية الفلسطينية ويقوّي "محور" المقاومة المتمثل في إيران وسورية وحزب الله من خلال رفع العقوبات المفروضة على إيران والعودة للاتفاق النووي الذي خرج منه ترامب لأسباب غير مبررة . والخبر السيء لكِلا الفريقين أنهما سيحبطان كليهما من سياسة بايدن في المنطقة لأنه لن يقوم بتغييرات كبيرة في موقف الإدارة الامريكية المقبلة من ملف مكافحة الإرهاب وتواجد القوات الامريكية في المنطقة.

لقد نشر الرئيس المنتخب جو بايدن دراسة في مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية أوائل العام شرح فيها سياسته الخارجية والداخلية في حال انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية حيث تساءل قائلا: " لماذا يجب أن تعود الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة العالم ثانية؟ يجب أن ننقذ السياسة الخارجية الأمريكية بعد انتهاء ولاية ترامب. "

ومن خلال الدراسة التي أعدها الرئيس بايدن، يمكن للمتابع أن يستكشف عددا من المبادئ التي يمكن أن يعتمدها الرئيس المنتخب خلال ولايته الدستورية القادمة، مع الاعتقاد الراسخ بوجود هامش انحراف معياري في تنفيذ السياسات لدى كل الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين . الرئيس نفسه يذكر في دراسته جملة مفادها " على الرئيس القادم للولايات المتحدة أن يتعامل مع الواقع كما هو عليه في عام 2021 ويحاول لملمة الشظايا التي خلفتها إدارة الرئيس السابق"

سياسة بايدن الخارجية

يسعى الرئيس بايدن الى إعلاء قيم الديمقراطية والليبرالية كمحور أساسي للعلاقات مع الدول الأخرى، حيث يقول: "كرئيس للولايات المتحدة، سأقوم بخطوات فورية لتجديد الديمقراطية الأميركية وتطوير العلاقات مع الحلفاء، فقد أدى انتصار الديمقراطية والليبرالية على الفاشية والاستبداد إلى خلق عالم حر". ومن الواضح أن إدارة الرئيس الجديدة ستجعل معيار تطبيق الديمقراطية أساسا حاكماً في علاقاتها مع الدول الأخرى . ويمكن توقّع سياسات التدخل في الدول التي تصنف أنها دول معادية للديمقراطية. إن الدول التي تشهد الاحتجاجات والمظاهرات كالعراق ولبنان وإيران يمكن أن تتوقع ضغوطا أمريكية أكبر في المستقبل، وتطبيق "مبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد سيكون مفتاح علاقاتها مع الولايات المتحدة " كما يقول الرئيس المنتخب . لقد كان بايدن واضحاً في ذلك حين قال: "من هونغ كونغ إلى السودان، ومن تشيلي إلى لبنان، يذكّرنا المواطنون مرّة أخرى، بالتوق المشترك إلى الحكم الرشيد، والبغض العالمي للفساد بأنه "وباء خبيث، يؤجّج القمع، ويقوّض كرامة الإنسان، ويزود القادة الاستبداديين بأداة قوية لتقسيم الديمقراطيات وإضعافها في جميع أنحاء العالم، ويبدو أن ترامب ينتمي إلى الفريق الآخر، ويأخذ كلام المستبدّين بينما يظهر ازدراء الديمقراطيين، من خلال رئاسته أكثر الإدارات فسادًا في التاريخ الأميركي الحديث، فقد منح الامتيازات للفاسدين في كل مكان".

سيركز الرئيس المنتخب على السياسة أكثر من الاقتصاد في تحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة . وستكون سياسته عكس سياسة الرئيس ترامب الذي قدم الاقتصاد والعائدات على السياسة ومنافعها في تقرير السياسة . يعتقد الرئيس بايدن أن السياسة أو القوة الناعمة تقود للنمو والازدهار الاقتصادي حين يقول "الديمقراطية ليست أساس أمريكا بل أساس قوة أمريكا لأنها تعزز قيادتنا للعالم وابقائه مكانا آمنا يمكن العيش فيه، إنها المحرك الذي يقود الاقتصاد المزدهر."

لا يرغب الرئيس بايدن في إهمال الاقتصاد أبدا لكنه يعتقد أن أي ازدهار اقتصادي يأتي من خلال مقاربة مختلفة أساسها العولمة من جانب والسياسة من جانب آخر ويعتقد أن الطبقة الوسطى هي من يحمل لواع الإبداع في التطوير الاقتصادي . وخلاصة تفكير بايدن فيما يخص الاقتصاد هي أنه يطير بجناحين: العولمة والسياسة، وفي هذا الصدد يقول في دراسته: " إن إدارتي ستهيئ أمريكا للتقدم في مجال الاقتصاد الدولي مع تركيز السياسة الخارجية على تعزيز دور الطبقة الوسطى. وللفوز بالمنافسة الاقتصادية مع الصين، لذلك، يجب على الولايات المتحدة شحذ قدرتها الابتكارية وتوحيد القوة الاقتصادية للديمقراطيات حول العالم لمواجهة الممارسات الاقتصادية التعسفية وتقليل عدم المساواة". ومن الجلي أن المنافسة مع الصين ستكون لها أولويه أيضا في عهد بايدن لكن من خلال مقاربة مختلفة تقوم على مبادئ الليبرالية والقيادة بالإبداع، وليس مبادئ سياسات الحماية والحرب الاقتصادية.

تميل إدارة الرئيس بايدن إلى سلوك منهج أقل عدائية مع الآخرين وستميل إلى تشجيع العولمة أكثر من الأمركة . لقد نهج الجمهوريون على اتخاذ شعار "أمريكا أولا"، ولا ننسى في هذا السياق كلام الرئيس بوش حين قالها صراحة " الأمريكي يأتي أولا وقبل أي شيء"، وقد ترجم الرئيس ترامب هذا الفلسفة بإغلاق حدود الولايات المتحدة والانغلاق، ويبدو أن الرئيس ترامب من حيث لا يدري وجه صفعة قاسية لمؤيدي العولمة ومبادئها . يبشر الرئيس بايدن بعودة الولايات المتحدة إلى العولمة والانطلاق مجددا لقيادة السياسات الدولية بدل الانسحاب من المنظمات الدولية وايقاف تمويلها . يقول الرئيس بايدن: " يركز برنامجنا الخارجي على عودة أمريكا إلى المقدمة من جديد لتعمل مع الشركاء والحلفاء لتعزيز العمل المشترك ضد التهديدات الدولية... وسنعمل على إعادة تحالفاتنا القديمة وتعزيز دور الولايات المتحدة في حلف الناتو. إن دور أمريكا في الناتو مقدس ويكمن في قلب وصميم الأمن القومي الأمريكي". وفي هذا السياق يتوقع من الرئيس الجديد وإدارته التركيز على الحلول السياسية كأولوية والاهتمام بالعمل الدبلوماسي وقد انتقد بايدن سياسة الافراط في استخدام القوة العسكرية الخشنة، وافترض أنها أحد دعائم السياسة الخارجية الأمريكية. لكن يجب التركيز على الشأن الدبلوماسي قبل كل شيء، يقول الرئيس بايدن: " لقد اعتمدت سياسة ترامب الخارجية على التفوق العسكرية وبشكل وحيد وإهمال عناصر القوة الامريكية الأخرى وأهمها إهمال دور الدبلوماسية." وعلى الرغم من تركيز الرئيس بايدن على أهمية التواصل والدبلوماسية العالمية، إلا أن حديثه عن عودة أجواء الحرب الباردة كان لافتاً في أكثر من موقع في دراسته عن روسيا باعتبارها مناهضة لكل القيم التي يؤمن بها. وربما يكون بدعم بايدن لأوكرانيا ركنا أساسيا يساعد في فهم هذا التشدد في موقفه تجاه روسيا والذي يعيد الذاكرة الى أجواء الحرب الباردة وتداعياتها.

يؤكد الرئيس جو بايدن على أهمية حلف الأطلسي، وعلى دور الولايات المتحدة في قيادته بما يناقض تماما سياسة الرئيس ترامب . يقول بايدن: " يجب فرض اجراءات مكلفة وتبعات حقيقية على روسيا لانتهاكها المعايير الدولية ونقف مع المجتمع المدني الروسي...إن بوتن يحاول إقناع نفسه والأخرين أن فكرة الليبرالية قد انتهت صلاحيتها، لكنه يفعل ذلك لأنه يعلم أنها أكبر تهديد لسلطته". وينظر بايدن بقدسية نحو حلف الأطلسي منذ نشأته ويثمن دوره في مواجهة التهديد السوفيتي في القرن العشرين، وهذا يشير إلى احتمال عودة الحرب البارد بين الاتحاد الروسي وحلف الناتو، ونشوء ما يمكن أن نسميه سباق التسلح من جديد والصراع الناعم على مناطق النفوذ في أكثر من مكان في العالم بدءا من أمريكا الوسطى إلى أمريكا الجنوبية إلى الشرق الأوسط والأدنى والأقصى وبعض دول أوروبا الشرقية . وربما يشعر الروس والصينيين بالوجه الجديد لبايدن وخطره المحتمل القادم في الأفق وقد يفسر ذلك عدم الإقدام السريع على تقديم التهنئة بفوزه.

يركز الرئيس بايدن سياسته على الثالوث المقدس الذي يرفعه كل الرؤساء في العالم وهو: مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية ومناهضة الشمولية في الحكم وتعزيز التعاون مع المجتمع المدني، وهي قيم نتحدث عنها كثيرا لكن، وعلى حد قول الشاعر أودن، نادرا ما نلتزم بها .

بايدن والشرق الأوسط:

يعتقد البعض أن الثالوث المقدس المتمثل في مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية ومناهضة الشمولية في الحكم وتعزيز التعاون مع المجتمع المدني ستحكم سياسة الولايات المتحدة بدول الشرق الأوسط . لقد شهدت إدارة الرئيس أوباما انتشار الحراك المدني والاضطرابات السياسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط واستطاعت بسرعة أن تركب الموجة وتوجهها بسرعة كما تريد وحولتها إلى حروب بالوكالة وأفرغت المطالب الشعبية من محتواها خلال فترة لم تتجاوز الخمسة عشر يوما، وحيث أن الرئيس بايدن ينتمي إلى المدرسة التي تربى فيها الرئيس أوباما، فإننا قد نشهد ما يماثل ما حدث من اضطرابات في عهد أوباما مع التركيز على أن الشرق الأوسط ليس ضمن أولويات الرئيس الكبرى، لكن إدارة بايدن ستشجع عودة الاضطرابات إلى دول مثل لبنان والعراق وإيران كالتي حدثت في خريف عام 2019 وشتاء 2020، وقد تلجأ الإدارة الجديدة إلى تأجيج الحراك الطلابي في هونغ كونغ وكوريا وروسيا في محاولة ضغط سياسي ناعم تحت شعار " ضمان حرية التعبير ومكافحة الفساد وتعزيز حقوق الإنسان " .

يركز بايدن في دراسته على ملفات شرق أوسطية هامة وأساسية هي: مكافحة الإرهاب، أمن إسرائيل، إيران، والعلاقة مع السعودية. ويؤكد بأن القضاء على التطرف أولوية هامة من أولويات السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة لكن بأسلوب جديد ولن يقل اهتمام إدارته عن أسلافه في محاربة الإرهاب والتطرف مع اعتماد مقاربة أكثر ذكاء من قبل حيث يقول: " يجب إعادة معظم قواتنا من أفغانستان والشرق الأوسط وإعادة تعريف مهمتنا هناك لتكون دحر القاعدة وداعش... وبإمكاننا أن نكون أقوياء وأذكياء في ذات الوقت. هناك فرق كبير بين إرسال قوات عسكرية وحشد ها بكثافة ولمدى مفتوح غير محدد بزمن معين، وبين استخدام بضع مئات من القوات الخاصة والاستخبارات لدعم شركاءنا المحليين ضد عدونا المشترك". وهذا يعني أن الرئيس بايدن لا ينوي زيادة عدد القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة لكنه سيقلصها إلى الحد الأدنى الممكن، وهو هنا يتفق مع ترامب في الإبقاء على قوات خاصة من النخبة، وشبكة مخابرات قوية تؤازر الشركاء المحليين للولايات المتحدة في محاربة التطرف.

وبشأن ملف الكيان الإسرائيلي فإن بايدن لا يختلف عن غيره من الرؤساء الأمريكيين الأخرين بغض النظر عن انتمائهم وسياساتهم وأهدافهم بل هو أكثرهم تشددا في الدفاع عن إسرائيل وحمايتها وتقويتها وتحقيق أمن إسرائيل حين يقولها صراحة: "يجب التشديد على حماية أمن إسرائيل". ويبدو أن إدارة بايدن الجديدة لن تتراجع خطوة للوراء في كل الملفات التي أنجزها سلفه ترامب فيما يخص الاحتلال الإسرائيلي للأرض وتأكيد سياسات الضم والقضم والتهويد . يرفع بايدن شعار "إسرائيل أولا وقبل كل شيء" في منطقة الشرق الأوسط .

قد يعود الرئيس بايدن إلى الاتفاق النووي مع إيران في محاولة منه لوقف سعي إيران تقنية انتاج السلاح النووي وقد صرح سرا بأن هذا الملف ضمن أهم أولويات إدارته، وفي هذا السياق يقول الرئيس في دراسته: " وكرئيس للولايات المتحدة، سأجدد التزامنا بالحد من التسلح في عهد جديد. كان الاتفاق النووي الإيراني التاريخي الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما-بايدن مهما لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي. ومع ذلك، وبتهور شديد انسحب ترامب من الاتفاق، مما دفع إيران إلى إعادة تشغيل برنامجها النووي وأصبحت أكثر استفزازاً، مما زاد من خطر اندلاع حرب كارثية أخرى في المنطقة. يجب أن تعود طهران إلى الامتثال الصارم للاتفاق ". سيحاول الرئيس بايدن استئناف مفاوضات صعبة للغاية مع إيران في العام القادم حيث ستطالب الإدارة الإيرانية باعتذار واضح من الحكومة الأمريكية عن تصرفات إدارة ترامب، ورفع كامل للعقوبات الأمريكية عن إيران بما فيها العقوبات التي لها علاقة بالملف النووي، واتهام إيران بالإرهاب والفساد وحقوق الإنسان ومسائل أخرى مثل نشاطات تصدير الثورة . ستكون المهمات الملقاة على المتفاوضين كبيرة وعسيرة وطويلة بعد ما حدث من خلخلة للثقة بين الفرقاء. وستحاول الإدارة الأمريكية الجديدة التدخل في البرنامج الصاروخي الإيراني باعتباره، وفق الرؤية الأمريكية، مصدر زعزعة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ومبعث تهديد لربيبتها إسرائيل . هناك أيضا المعضلة الكأداء التي تقف في وجه أي تقدم للحوار أو التفاوض بين الجانبين الإيراني والأمريكي وهو أجواء الثقة المفقودة والضمانات التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة لعدم التراجع مستقبلا عن الاتفاق النووي مع إيران حتى لو تغيرت الإدارات المتعاقبة وتناوبت في تعاملها مع إيران . إن مسألة الضمانات من المسائل المستحيلة الحل بالنسبة لمجلس شيوخ يسيطر عليه الجمهوريون حاليا . 

وفيما يخص المملكة العربية السعودية، وقد تحدث عنها بالاسم في دراسته، فإن بايدن لديه مواقف سلبية مسبقة من السعودية وخاصة في ملفين أساسيين هما: حقول الإنسان، والحرب المجنونة في اليمن، وقد انتقد بايدن بشدة ملف الاغتيال السياسي في السعودية وملف حرب اليمن، ورأى أنه آن الأوان أن توقف الولايات المتحدة دعمها للسعودية في حرب اليمن . لا يتوقع الخبراء أن تضحي الولايات المتحدة التي تدوس على كل المقدسات مقابل تحقيق مصالحها القومية بعلاقاتها التاريخية المديدة مع السعودية رغم أنها قد توجه بين الحين والآخر نقدا لاذعا في هذا الملف أو ذاك . عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والسعودية توضع المبادئ جانبا لتتكلم المصالح المادية فقط . ويبدو في الأفق القريب رعاية أمريكية لتطبيع للعلاقات بين السعودية وإسرائيل يلغي كل النوايا الأمريكية تجاه السعودية ويعمي عينيها عن ملف حقوق الإنسان وغيره من الملفات.

سياسة الرئيس جو بايدن تجاه سورية:

لقد شهدت العلاقات السورية الأمريكية الكثير من المد والجزر منذ استقلال سورية وحتى كتابة هذه السطور، فقد عمدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على نسج المؤامرات على سورية منذ الأربعينات من القرن العشرين، واستخدمت مع دمشق القوة الناعمة والقوة الخشنة بأشكالها المختلفة . هناك دائما أجواء من عدم الثقة بالحكومات الأمريكية المتعاقبة وخاصة في الشأنين الفلسطيني والدولي المتعلق بسورية وعلاقاتها مع أصدقائها. وقد حاولت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة تقويض النظام السياسي السوري أو احتوائه بدءا من حلف بغداد إلى دعم المعارضين بألوانهم المختلفة وصولا إلى الحرب بالوكالة على سورية . ولم تكلل كل محاولات التقارب بين دمشق وواشنطن بالنجاح حتى الساعة . والرئيس جو بايدن لن يخرج عن القاعدة الأمريكية تجاه سورية والسياسة المستمرة قرابة ثمانين عاما. ومن النادر أن يعلق بايدن على الأوضاع في سورية، باستثناء بعض التصريحات التي أكد فيها عزمه على إبقاء عدد قليل من عناصر الجيش الأمريكي داخل هذا البلد في حال تمكن من الفوز على منافسه دونالد ترامب وأصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. الآن فاز الرئيس جو بايدن في الانتخابات، وصار في مواجهة الاستحقاق السوري مرغما رغم تعقيدات هذا المشهد، وتداخلاته الدولية وكثرة اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين . لا يتوقع أن يحدث الرئيس بايدن خرقا ملفتا في المشهد السوري، ولكنه قد يطرح مبادرة التواصل مع دمشق في حال اعلان سورية اصلاحات سياسية واقتصادية مهمة، أو في حال تعاون دمشق في ملف المفقودين الأمريكيين في المنطقة، وفي كلتا الحالتين، التفاوض مع دمشق لن يكون بالأمر السهل بسبب انخراط الولايات المتحدة في حرب مباشرة ضد دمشق في أكثر من مكان وفرض عقوبات جائرة على الشعب السوري من طرف واحد، خصوصا وأن دمشق تعتبر الولايات المتحدة قوة احتلال للأرض السورية يجب مقاومتها . يحتاج الملف السوري مع واشنطن الكثير من العمل والجهد والتوافق الدولي لإحداث خرق كبير. هناك تباين واضح في الرؤى بين دمشق وواشنطن فيما يخص الملف السوري، والحرب على سورية، فالجانب الأمريكي قد يصبح أكثر فعالية مع المجتمع الدولي وقد يسعى إلى الرأي الجماعي وليس القرارات الفردية، مع الحفاظ على بعض القوات العسكرية على أرض الميدان في شمال شرقي البلاد. وستقوم إدارة بايدن في حال تشكلها "بتوضيح موقفها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أنه لا يمكن أن يكون هناك دعم أميركي أو أوروبي لإعادة إعمار سورية في ظل غياب إصلاح سياسي، ولا بد أن يكون ذلك الإصلاح واضحا وموثوقا بشأن القضايا الإنسانية والمسائل الرئيسية" ستستخدم إدارة بايدن التواصل الدبلوماسي لإعادة تأكيد القيادة الأميركية، لدعم إجراءات خفض التصعيد العسكري واطلاق العملية السياسية. المشهد السوري من أكثر المشاهد السياسية والعسكرية تعقيدا في العالم، ويحتاج الكثير من العناية الفائقة لإحداث أي نوع من التقدم خاصة وأن دمشق عانت الكثير من المواقف الأمريكية المتعاقبة ولا تمتلك الحد الأدنى من الثقة بالإدارة الأمريكية .

من المبكر الحكم على بايدن وسياسته في المنطقة والعالم، خاصة وأن الانحراف المعياري متكرر في السياسة الأمريكية وخاضع للتغيرات المفاجئة هنا وهناك . الثابت الوحيد فيها هو أمن الكيان الإسرائيلي وزعزعة استقرار الدول المناهضة له تحت مسميات الواقعية السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

حميد طولستما أغرب فرح بعض الجماعات المتأسلمة بسقوط اليميني "ترامب"، وأغرب بتفاؤل الكثير منها - وعلى رأسها "الإخوان المسلمون" - بصعود اليساري أو الليبرالي جوزيف "بايدن"، ظنا منهم، أو خداعا لذواتهم، بأنّ سياسة الولايات المتحدة تتغير بتغير رؤسائها، وأن "بايدن" سيناصرهم في عدائهم لأهاليهم من أبناء أوطانهم العربية المسلمة التي يرغبون في الهيمنة عليها والسيطرة على خيراتها، التي لا يتورعون في اقتراف كل أنواع الجرائم الكفيلة بضمان تلك الهيمنة، واستعمال جميع الأسلحة لإدامتها ؛ وهم يعلمون أنّ للسياسة الأمريكية قواعد راسخة لا تتغير، سمتها الغالبة - منذ قرن من الزمان على أقل تقدير - هي الانحياز السافر لإسرائيل ومعاداة الحقوق العربيّة، وأن الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة لم تحد قط عن تلك الثوابت والقواعد المتحكمة فيها -والتي تبدو في ظاهرها مثالية ومشبعة بـ"القيم الأخلاقية" خاصة فيما يتعلق منها بأمن العالم وسلامه وديمقراطيته- والمرتكزة على المصلحة الأمريكية، والهيمنة الاقتصادية، والنفوذ، والسيطرة، التي تجعل الفارق بين سياسات رؤساء الولايات المتحدة ومن بينهم "بايدن وترامب"، طفيفا جدا ومنحصرا في الأداء أو طريقة تحقيق الهدف الأساسي الذي لا يخرج،عندهم وجميع الشعب الأمريكي، عن حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في كل العالم وتقديمه على كل الاعتبارات الأخرى،إلا مصلحة إسرائيل،الذي لا يختلف حول جوهره أي رئيس ديموقراطيا كان أو جمهوريا،  

بخلاف أهداف التيارات والأنظمة والجماعات الإسلاموية، التي لا يهتم رجالاتها -المتنكّرين في مسوح المخلصين المصلحين المدافعين عن الدين وقيمه الإنسانية - بما ينمي أوطانهم أو يرقي شعوبها ويعزيز قيمة إنسانية مواطنيها، ولا يهمهم إلا الوصول للهيمنة على السلطة التي لا يتورعون - إذا ما حال بينهم وبينها حائل، -في التحالف مع الشيطان والإستقواء بالأجنبي لقتل المخالفين من أهاليهم وأبناء أوطانهم المسلمةالتي يدّعون الانتماء لها، كما هو حالهم رئيس أمريكا الجديد"بايدن"، الذي هم يوقنون أنه لن يحيد قيد أنملة عن الانحياز لإسرائيل، بدليل ما سبق وأعلن عنه بوضوح في خطاب ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2007 حيث قال:"أنا صهيوني"، وقوله أيضا : " لو لم تكن إسرائيل موجودة لقمنا باختراعها"، دون أن ننسى قولته الشهيرة :" ليس على المرء أن يكون يهوديا ليكون صهيونيا". 

الأمر الذي لا يجعل من تفاؤلهم بمن يعتبرونهم كفرة وملاحدة فعلا مثيرا للدهشة والغرابة فقط، بل يجعله أمرا صادما وأكثر سخفاً وسفاهةً وأعظم ومخالفة لقوله سبحانه وتعالى:" ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون" [المائدة:80، 81]. الذي ينطبق عليهم تمام الانطباق ..

 

حميد طولست

علاء اللاميإنَّ جوهر الاعتراف بدولة العدو والتطبيع البالغ درجة التحالف بينها وبين دول الخليج العربي لا يمكن تفسيره بضغط ترامب/ كوشنير. لنسجل هنا، أن خبر اللقاء السري اليوم بين نتنياهو وابن سلمان في السعودية نفسها، والذي سربته الدوائر الإسرائيلية بعد ساعات على حدوثه ومنها وزير التعليم الإسرائيلي يوآف غالانت، جاء بعد هزيمة ترامب الانتخابية وليس قبلها، وهذا له دلالاته، بل يتعلق كل هذا بأسباب أعمق وأقدم كثيرا منها: انكشاف الطبيعة الواحدة لإسرائيل ودول الخليج المتصهينة كدول مصطنعة قليلة السكان الأصليين الذين لا تتجاوز نسبتهم السكانية أحيانا 12 بالمائة  كما هي الحال في دولة الإمارات حيث يعيش 11.53 بالمائة من السكان الأصليين العرب في بحر العمال الآسيويين والأجانب، وهي دول كثيرة الثروات الطبيعية، ومحمية عسكريا وأمنيا واقتصاديا من قبل أميركا والغرب منذ قيامها. وقد وضِعت هذه الدول في عهد ترامب، كوشنير ونتياهو، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإعلان عن طبيعتها وتحالفها المصيري مع الكيان الصهيوني أو أنها تتركت لتواجه مصيرها بنفسها ألا وهو الزوال كأنظمة حكم هشَّة ولا شرعية لها. وقد كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين مجرد مثال وناقوس إنذار، أما التهديد الإيراني لهذه الدول فهو مجرد أكذوبة وستار من الدخان الإعلامي ولا تصدق به شعوب هذه الدول نفسها رغم التدخلات الإيرانية في المنطقة وهي ليست جديدة على أية حال ولا تقل عن التدخلات التركية مثلا!

دول عربية أخرى واجهت وستواجه تهديدات وضغوطات لتكون أمام خيارين آخرين: الأول اعتبارها دولا إرهابية منبوذة من الغرب أو محاصرتها اقتصاديا وتجويع شعوبها كالسودان ولبنان وسوريا والمغرب، ودول أخرى تحاول واشنطن تكبيلها بالديون الخارجية والاقتصاد الاستهلاكي وتعميم الجهل والتضليل وإيصال عملاء وجواسيس شبه علنيين إلى الحكم كالعراق وليبيا. شخصيا، لا أعتقد بأن حملة ترامب / كوشنر ستنتهي بوصول الديموقراطي بايدن إلى البيت الأبيض، بل ستستمر بأشكال أخرى، وسيشتد الضغط على السعودية الخاتلة خلف دورها الديني كبلد الحج الإسلامي وصفتها كدولة الحرمين الشريفين، وقد يشتد الضغط أيضا على الكويت باستغلال حالة الحماية الاستراتيجية الأميركية الغربية لها والتهديد برفعها إنْ لم تخضع للتطبيع والصَّهْيَنة!

أما الخلاصة من كل ما سلف فهي: إنَّ جميع هذه الحالات من التطبيع والتحالف والاعتراف بدولة العدو لا قيمة استراتيجية لها طالما ظل الشعب الفلسطيني صامدا مقاوما على أرضه، وحين سينتقل هذا الشعب من حالة الدفاع والصمود الى الهجوم، إنْ آجلا أو عاجلا، ستتحول هذه التحالفات والاعترافات والتطبيعات الى هباء منثورٍ، لتبدأ مرحلة تفكك وزوال هذه الكيانات والدويلات المصطنعة بدورها.

 

علاء اللامي

ابراهيم أبراشلأن الكيان الصهيوني بكل ما يملك من قوة عسكرية وتكنولوجية ودعم من الغرب وخصوصاً الإدارات الأمريكية المتعاقبة لم يتمكن طوال مائة عام من قهر الشعب الفلسطيني أو دفعه للاستسلام، سواء من خلال المواجهات العسكرية أو على طاولة المفاوضات، لذا وجد أنه يمكن إضعاف مناعة وصمود الشعب الفلسطيني من خلال تدميره داخلياً بمشاكل وقضايا تُشغله وتلهيه وتبعده عن قضيته الرئيسة، وتفكيك معسكر حلفائه وعمقه العربي بالتطبيع وإثارة الشقاق بين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ومن خلال إفساد الطبقة السياسية الفلسطينية الحاكمة، وللأسف نجح مخطط الإلهاء نسبياً.

تروم هذه الاستراتيجية تغيير طبيعة الصراع وتدمير البنية الاجتماعية والثقافية الفلسطينية وكي وعى الشعب وزعزعة ثقته بنفسه وبعدالة قضيته وتشتيت الانتباه عن القضية المركزية وإيصال الشعب لدرجة من الإحباط واليأس تدفعه لقبول أية تسوية سياسية، وبالتالي تصفية المشروع الوطني التحرري.

هذه الاستراتيجية يتم تقاسم الأدوار فيها ما بين واشنطن وتل ابيب وبمشاركة واعية أو غير واعية لأنظمة عربية وأجنبية ونخب فلسطينية عاجزة وفاشلة.

لهذه الاستراتيجية عدة ميكانزمات ولها مقاولون محليون يوظفون المال السياسي بشكل غير مسبوق في تاريخ الشعب الفلسطيني بل في تاريخ كل الشعوب، بحيث أصبحت الرواتب وكل أشكال المال الذي يدخل مناطق السلطة في غزة والضفة، سواء للسلطتين أو لمؤسسات المجتمع المدني، تحت مسمى المساعدات أو الدعم، بمثابة رشوة جماعية وعصا غليظة لإخضاع وإفساد الشعب وإثارة الفتنة الداخلية، حيث المال مقابل التنسيق الأمني ووقف المقاومة، بدأ الأمر مع السلطة الوطنية ثم انتقل إلى سلطة حماس في قطاع غزة.

كانت المراهنة على استراتيجية الالهاء حاضرة منذ توقيع اتفاقية أوسلو والنص فيها على إجراء انتخابات لاختيار من يُدير السلطة، والانتخابات تعني تنافس وصراع بين الأحزاب على السلطة بدلاً من التوحد في مواجهة الاحتلال، وقد حاولت القيادة الفلسطينية بوعي ومسؤولية من الشعب وقواه الحية عدم الوقوع في هذا الفخ إلا أن الأمور سارت على عكس ما راهنت عليه القيادة والشعب في قبولهم التحدي الديمقراطي في ظل الاحتلال، وآلت أول تجربة ديمقراطية شاركت فيها كل القوى السياسية - ما عدا حركة الجهاد الإسلامي –في يناير 2006  إلى الوقوع في المحظور وعمت الفوضى والاقتتال ثم الانقلاب على السلطة.

وجدت استراتيجية الإلهاء تربة خصبة بعد الانقسام ووجود سلطتين مرتهنتين لواقع الاحتلال حيث استُجِدت قضايا زادت الأمور سوءا كالصراع على السلطة وحصار قطاع غزة وقضية الرواتب وتدهور الأوضاع المعيشية ومشاكل الكهرباء والسفر والرواتب وتقليص خدمات الاونروا والمقاومة الأرتزاقية على حدود قطاع غزة وفوضى السلاح في الضفة الخ، وهي أمور مرتبطة وجزء من تخطيط استراتيجي موجه ومقصود تديره الأطراف المعادية للشعب الفلسطيني وليست أموراً عفوية وعابرة أو أخطاء إدارية وسياسية هنا وهناك.

كل ذلك جعل الطبقة السياسية الفلسطينية تتصرف في الفترة الأخيرة بردود أفعال وبطريقة انفعالية ودون رؤية مستقبلية واضحة سواء في إدارة السياسات العامة داخلياً أو التعامل مع القضية إقليمياً ودولياً.

سياسة التخبط وردة الفعل المتسرعة كانت واضحة في التعامل مع موجة التطبيع العربي الجديدة، حيث تحدث قادة بعض الأحزاب في لقاء بيروت – رام الله وكأننا في زمن السبعينيات بينما لم تطلق غالبية هذه الفصائل النار على إسرائيل أو تقتل إسرائيليا ًمنذ أكثر من عشرين عاما وتعتاش على المساعدات التي تأتي للسلطة من العرب وغيرهم عن طريق إسرائيل، حتى الاتفاق الفصائلي على تشكيل قيادة وطنية موحدة للمقاومة الشعبية كان مسرحية سيئة الإخراج، وفي نفس سياق التخبط وردود الفعل غير المتزنة كان التوجه إلى تركيا وقطر مما آثار الحلف السعودي المصري الإماراتي وهو ما يتعارض مع مبدأ استقلالية القرار الوطني، وأخيرا عودة المراهنة على الرئيس الأمريكي الحديد مع أن هذا الأخير سيكون نسخة مشوهة عن أوباما، وقد خبِرنا سياسة أوباما طوال ثمانية سنوات.

 أما عن الارباك والالتباس بل والتناقض في التصريحات حول الانتخابات والمصالحة فحدث ولا حرج، ويكفي ذكر مهزلة الحديث عن قائمة مشتركة بين فتح وحماس، ولا نعرف إن كانت في مواجهة الشعب أم في مواجهة منافس قادم يهدد الطرفين، فإذا كان التوافق بين الطرفين وصل لحد تشكيل قائمة مشتركة فلا داع للانتخابات وليشكلوا حكومة وحدة وطنية ويوفروا تعب ونفقات الانتخابات!!!.

ويأتي قرار عودة التنسيق مع إسرائيل آخر تعبيرات حالة التخبط والتيه. فبما أن قرار وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل بما في ذلك التنسيق الأمني تم الإعلان عنه من طرف الرئيس أبو مازن تنفيذاً لقرارات سابقة للمجلسين الوطني والمركزي، كما أن قرار سحب السفراء من دولتي الإمارات والبحرين كان من طرف القيادة انسجاماً مع اجتماع الأمناء العامين للفصائل، وإن كان هناك ضرورة ومصلحة وطنية بالتراجع عن هذه القرارات كبادرة حسن نية للإدارة الأمريكية وتمهيداً للعودة لمفاوضات لا مفر منها، فكان من الأجدر أن يتم اتخاذ قرار التراجع عن القرارات السابقة من نفس الجهة التي أصدرتها مع توضيح لأسباب العودة والسياسة القادمة وتحدياتها والشعب يمكنه أن يتفهم، وخصوصاً أنها قرارات لها تداعيات استراتيجية تمس ملفي المصالحة الوطنية والتسوية السياسية، كما تطرح تساؤلات حول مستقبل ما تم الاتفاق عليه في اجتماع الأمناء العامين للفصائل في بيروت ورام الله ولقاء المصالحة في استنبول، وخصوصاً من جهة الاتفاق على مواعيد للانتخابات وتشكيل قيادة وطنية موحدة للمقاومة الشعبية. فهل كل ما جرى منذ إعلان القيادة بأنها في حل من الاتفاقات الموقعة مجرد مناورة وزوبعة في فنجان.

 ما سمعناه مؤخراً من عودة التنسيق الأمني وعودة السفراء، بالشكل الذي جرى، فيه استهتار بكل المؤسسات القيادية ويشي بوجود أزمة قيادة وغموض في موئل أو مرجعية اتخاذ القرار السياسي، فهل هي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير التي غالبية الشعب لا يعرف أسماء أعضائها أو يلحظ لهم أي نشاط وطني؟ أم اللجنة المركزية لحركة فتح وإن كانت هذه الأخيرة صاحبة القرار فلماذا لم تجتمع وتتخذ قرارات التراجع عن القرارات السابقة؟ أم هي مؤسسة الرئاسة؟ أم الحكومة؟ أم اجتماع الأمناء العامون للفصائل؟ أم هناك دولة عميقة لا يعرفها المواطنون تتكون من أشخاص محدودين يفرضون وجودهم بقوة الأمر الواقع وبفوة تحكمهم بتلابيب السلطة أمنياً ومالياً؟

ولكن، ولأن الصراع ما زال مفتوحاً والقضية الفلسطينية لن تنتهي ولأن فلسطين ليست مِلكا أو حِكرا على الطبقة السياسية الراهنة أو بعضها، ولأن سلطة المال المذلة لن تستمر طويلاً، فمن الممكن إفشال استراتيجية الإلهاء ووقف حالة التدمير الذاتي أو الحد من تأثيرها من خلال إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بكل مؤسساته من منظمة تحرير وسلطة وحكومة وأحزاب ووحدة وطنية حقيقية يشارك فيها الجميع من خلال الانتخابات، التي تتهرب منها الطبقة السياسية.

 

إبراهيم ابراش

 

 

عدنان ابوزيدالصين بلد جبّار، يباري القوة الأعظم في العالم، ويستطيع التهام تايوان التي تعتبرها الادبيات السياسية الصينية، وأخلاقيات الشعب الأصفر، جزءاً لا يتجزأ من البلد الأم، وإنها يجب ان تعود يوما.

لكن الصين، لم تجازف باجتياح عسكري لهذا البلد الصغير، الذي يرفض سيادة بكين عليه، وقد فارق ماو تسي تونغ، الحياة العام 1976، دون غزو الجزيرة على رغم خطابه الضاغط الذي يوحي باقتراب ابتلاعها.

انتهت الاستراتيجية الصينية الى اعتماد سياسة أكثر لينا ومالت الى السلم مع تايوان، وفضّلت الاعمار على الحرب، متيقنة ان التفوق التكنولوجي، والرفاه الاقتصادي، وبناء القوة العظيمة، يخلق تجربة تمتثّل بها الأمم، وكفيل بدفع تايوان الى الركوع لها يوما.

يأفل الاخضاع القسري للشعوب بالقوة، ويحل محلّه ما هو أكثر نجاعة في استرجاع الحقوق، وفرض المشيئة، في انجاح التجارب الخلاقة التي تجذب الأمم الأخرى، الى التحالف والتعاون وحتى الانضمام الى الدولة المتفوقة.

في مقاربة لهذا التطور في مفهوم السيطرة العالمية بالمعرفة والقدرات، لا بالحرب والدماء، فان الاستراليين يرفضون الخروج على التاج البريطاني، ولم ينجح دعاة الاستقلال عن بريطانيا في تطبيق النظام الجمهوري.

لا يشك أحدا في ان سبب رفض المواطن الأسترالي، الانفصال، هو الديمقراطية البريطانية التي ارست أنموذجا ناجحا،  وقادت البلاد الى التفوق.

ويتجلى الانضمام المتكافئ غير القسري، ولا التابعي، في كندا التي لازالت الملكة إليزابيث، رئيسا رسميا لها.

يتوقّع الخبراء ان يلغي التطور الاقتصادي والتكنولوجي، ووسائل النقل والاتصالات حتى الحدود السياسية بين الدول، متحولة الى خطوط وهمية على الخرائط بعدما تندمج النظم واللغة والأفكار، والميول والاتجاهات والعملة، وقد يظهر ذلك منذ الان في العلامات الحدودية البسيطة بين سويسرا وإيطاليا، فيما تبدو الحدود بين هولندا وألمانيا كشريط معدني.

الدول المتقدمة، تجهز على الدول الضعيفة بعلومها المتفوقة، وتستولي على العقول والأفكار، بعتادها في تقنيات التواصل والإعلام، والأسواق الذكية، والبضائع الجيدة، فيما تتنقل شركاتها عبر الدول الواهنة للاستثمار في النفط ومناجم الذهب، وحقول الغاز، ورمال الصحراء، محققة ارباحا بمليارات الدولارات، وموفرة فرص العمل حتى للدول التي تستثمر فيها، وكلها إنجازات تفوق ما يمكن ان تحصل عليه دولة ما بغزو عسكري.

تتخاذل نزاعات الحدود، وتتناهى أمام حركة التاريخ، التي ارست آليات حرية اليد العاملة والبضائع الى الحد الذي يعتقد فيه البعض ان العالم يتوجه الى حكومة عالمية مشتركة على الرغم من وجود نحو 6500 لغة، ومجموعة متنوعة من الأنظمة السياسية، والعديد من العملات المختلفة. 

ولا حرج في وجود كيانات سياسية من خلال الحدود الجغرافية أو الخطوط الخيالية، لكنها لن تُصبح في المستقبل، عنوانا لنزاع عسكري أو حرب، لأنّ الاحداث تجاوزت بواعث آليات المخاصمة على الجغرافيا الى أضداد في حقوق الاختراع، والملكية الفكرية، وميزان التجارة، والهيمنة الثقافية، وسطوة الشركات الكبرى، ما يجعل من الحرب لو افترضنا احتمالها، لن تكون سوى منافسات اقتصادية او تكنولوجية او تجارية. 

انّ التفكير في التركيز على تشييد المجتمعات، والنهوض بالاقتصاد والتعليم، وتحقيق ناتج قومي إجمالي للموارد الطبيعية والنفطية، وخلق طاقات سكانية متعلمة ومنضبطة، سوف يجعل من اية دولة، قوية، محصّنة، مهابة، ولن تستطيع اية قوة في العالم، منعها من ذلك، ومن ذلك ان اليابان وألمانيا، الخاسرتين في حرب عالمية، نهضتا بعدما ابتعدا عن أسباب التسليح والنزاعات.

السؤال: ما معنى ان تمتلك صاروخا وشعبك جائع، ما يوجب الحاجة الى الإنماء صعودا الى المستويات القوية اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، بدلا من مشاريع التسليح والحروب، عندها سوف تتلاشى أمام عظمة بلادك، الجبروتية المضادة. 

 

عدنان ابوزيد

 

 

عبد السلام فاروقعام جديد سوف يهلّ والمخاوف تتجدد من عودة شبح الوباء فى صورته الأولى المرعبة التى رأيناها فى ووهان الصينية منذ ديسمبر 2019. غير أن العالَم اليوم بات متأهباً بأسلحة مختلفة كالوعى الجماهيري والتحفز الحكومى والبحث العلمى الذى توصل فى عدد من البلدان لعدة علاجات ولقاحات تم البدء فى إنتاج بعضها كاللقاح الروسي، والشروع فى إنتاج البعض الآخر كلقاح فايزر وسانوفى وغيرهما.

ثمة تساؤلات محورية وعاجلة تملأ ساحات الرأى العام العالمى الآن.. ما حقيقة فاعلية اللقاحات والعلاجات الآسيوية بدءاً من اللقاح الروسي والريمدسفير وغيره من مضادات الفيروسات، وهل أثبتت فاعليتها كما يشاع؟ وإذا كانت فعالة فلماذا الانتظار؟ ماذا عن تكلفة تلك اللقاحات والعلاجات والأمصال، ألن تكون علاجاً قاصراً على المقتدرين والأغنياء والموسرين بعد أن أكدت الأنباء ارتفاع تكلفة الأمصال ، فهل تستطيع الدولة توفيرها بتكلفة أقل؟ إن الأنباء تتحدث عن نحو 42 مصلاً يتم تطويرها فى مختلف البلدان وشركات الأدوية العالمية والجامعات الكبري ومراكز الأبحاث، وقد سبقت شركة فايزر التى تحوز ثقة عالمية لدى سائر المؤسسات الطبية بالإعلان عن لقاح فعال قامت بتطويره. فما حقيقته؟ وهل يسهم حقاً فى تقليل مخاطر الوباء فى موجته الثانية التى بدأت مع زحف الشتاء والطقس البارد؟ كلها أسئلة ما زالت تشغل بال الجميع دون إجابات شافية.

سلسال العلاجات

أقرت منظمة الصحة عدداً من العلاجات التى ساهمت ومازالت تساهم فى تقليل مضاعفات وباء كوفيد19 كعقار "ريمديسفير" مضاد الفيروسات المستخدم فى علاج الفيروسات الخطيرة كالمتلازمة التنفسية والإيبولا، وعقار الديكساميثازون أحد مشتقات الكورتيزون . وكلاهما له تأثير محدود فى علاج بعض حالات كورونا.

وقد توقفت المستشفيات والمؤسسات الطبية عن استخدام عقار "هيدروكسي كلوروكين" بعد أن تم استخدامه لمدة طويلة بعد تصريحات ترامب المتسرعة بفاعلية العقار، وما نتج عن هذا التصريح من استخدام خاطئ ومفرط أدى لوفاة بعض الحالات. حتى منعت منظمة الصحة العالمية استخدامه لعلاج وباء كورونا.

وفى مدغشقر كشف الرئيس أندري رجولينا فى أبريل عن مشروبٍ من شاي الأعشاب سُمي "كوفيد أورجانكس" ادّعى أنه علاجٌ فعال للوباء، فى حين حذرت منظمة الصحة العالمية من تناول هذا المشروب كعلاجٍ لكورونا.غير أن الغريب فى الأمر أن مدغشقر قد سجلت نسب شفاء مرتفعة وصلت إلى نحو 96.5%!

أما عن اللقاح الروسي الذى أعلن عنه الرئيس بوتين فى أغسطس تحت اسم: "سبوتنيك7" فهو طبقاً للمزاعم الدعائية أنه لقاح يمنح مناعة مستدامة وأنه فعال بما فيه الكفاية طبقاً لبوتين ، وأن ابنته تناولت اللقاح دون أن تظهر عليها أية أعراض جانبية. وأن روسيا سوف تقوم بإنتاج ملايين الجرعات الشهرية بحلول عام 2021. تأتى تلك التصريحات فى ظل موجة تفشى كبيرة لفيروس كورونا فى روسيا تبلغ نحو 15 ألف إصابة يومياً ، فى حين تخطى الشفاء بها حاجز المليون حالة بنسبة 77%.

لقاح فايزر

لم يأتِ اللقاح الأمريكي الأخير من فراغ، بل سبقته أبحاث ولقاحات لمراكز بحثية أمريكية أخرى؛ فقد طور علماء في كلية الطب في جامعة واشنطن لقاحاً جديداً لفيروس كورونا أقوى عشرة أضعاف من اللقاحات التي تم تطويرها مؤخراً باستخدام خلايا مناعية من متعافين من "كوفيد- 19". وذكر موقع صحيفة ميترو البريطانية، إن اللقاح يعمل على تنشيط الذاكرة الحية للخلايا المناعية، لتصبح أسرع في إنتاج الأجسام المضادة حال إعادة إصابة الشخص بالفيروس مرة ثانية. وفيما أثبتت التجارب على الحيوانات فاعلية المصل، فإن الأنباء حول فاعليته على البشر ما زالت متضاربة خاصةً بعد شائعة وفاة برازيلى جرّاء التجارب السريرية للمصل، وهو ما يثير المخاوف تجاه المصل ومدى إمكانية تلافى أخطاره وآثاره الجانبية فى المستقبل القريب! فماذا عن لقاح شركة فايزر؟

إنه اللقاح الذى أعلنت عنه الشركة الأمريكية العملاقة فايزر بالاشتراك مع شركة "بيونتك" الألمانية برئاسة العالم (يوجور شاهين) . وطبقاً للشركة أن المصل بإمكانه أن يمنع الإصابة بمرض كوفيد-19 لدى أكثر من 90 %من الأشخاص. وقد شارك في الاختبارات على اللقاح 43 ألف شخص في 6 دول. ويُعطَى اللقاح على جرعتين، تفصل بينهما ثلاثة أسابيع. وفي مقابلة مع بي بي سي، قال شاهين إنه واثق من أن اللقاح سيقلل انتشار العدوى، كما سيمنع ظهور أعراض المرض لدى من يحصلون عليه. والشركة لديها اتفاق لبيع 100 مليون جرعة من لقاحها لحكومة الولايات المتحدة ، بالإضافة لإمكانية إمدادها بنحو 500 مليون جرعة إضافية. وأعلنت شركة "فايزر" قبل أيامٍ إنها ستبدأ تجربة لقاحها على الأطفال حتى سن الـ12 عامًا.

العائق الكبير الذى ظهر لاحقاً أمام عالمية التداول لمثل هذا العقار بدا أولاً فى طريقة النقل العسيرة له؛ إذ أن الجرعات لا يتم نقلها إلا فى عبوات خاصة فى درجة حرارة تصل إلى سبعين تحت الصفر! وهو ما يعوق استخدامه وتداوله فى البلدان الحارة أو ذات الإمكانيات الصحية المتدنية. ثم أن هناك عائق ثانٍ أهم: وهو عائق الوقت؛ إذ أن الشركة أعلنت أن أولويتها الحالية تصب فى مَدّ أمريكا بمتطلباتها العاجلة للمصل فماذا عن باقى بلدان العالَم؟

السباق مستمر

السباق اليوم على أِشده للمسارعة بإنتاج لقاح لوباء كوفيد19 ، وهو ما بدا من الإعلان الذى خرجت به شركة "موديرنا" الأمريكية للقاح مضاد لكورونا بنسبة فعالية بلغت 94.5% . وهو ليس اللقاح الوحيد الذى وصل إلى مراحل متقدمة ؛ فمن بين اللقاحات الأخرى التي تخوض اختبارات المرحلة الثالثة هناك عقار شركة "جونسون آند جونسون" ومجموعة "أسترازينيكا" وشركة سانوفى.

كل هذا يبشر باقتراب وجود مصل نهائى فعال قد يسهم فى القضاء على كورونا ولو جزئياً.

 

عبد السلام فاروق

         

كاظم الموسوييكاد يكون متّفقاً عليه عند غالبية البشر، أنّ تنظيم «داعش» هو تنظيم إرهابي عالمي، ساهمت في تأسيسه أجهزة استخبارات دولية وأموال خليجية وخطط صهيوغربية، مستفيدة من عوامل ذاتية وذرائع أيديولوجية، أساسها طائفيّ دينيّ، وتشكّلت تحالفات دولية حملت اسم محاربته ومكافحة الإرهاب، عنواناً للغطاء على المصادِر له وموجّهيه، وتزكية الأهداف الأخرى أو الوظائف التي منها موضوعنا. ولكن عملياً، تمّت محاربته بتضحيات كبيرة من القوات المسلّحة، بكل صنوفها في العراق وسوريا، وخسائر مادية جسيمة في البلدين، حيث تمّ القضاء على «دولته» وإمكاناته العملياتية، وتحرّرت الأراضي والمدن التي تحكّم فيها لسنوات وأشهر. وما زال التنظيم، اسماً أو بقايا، ورقة بيد من يقودون اسميّاً مكافحته، ويهدّدون به الحكومات والشعوب، عقوبة وإنذاراً وابتزازاً. بل هم يعلنون تمدّده وتوسّعه خارج هذه الحدود، في القارّتين الآسيوية والأفريقية، وفق اتّساع رقعة الاستهداف الجغراسياسية. ولا اختلاف على ما ورد أعلاه، بل هناك بموازاته وعلى الصعد الإعلامية أفراد وكتائب جيوش ما، يمكن إضافتها إليه في المحصّلة. هؤلاء هم «دواعش» الثقافة والإعلام العربي، الذين يعبّرون بأشكال مختلفة ويدافعون ضمناً عنه.

كما قام التنظيم الذي اختُصر اسمه بـ«داعش» بالجرائم المادية، بالقتل والحرق والتدمير والسرقة والفساد الأخلاقي والاجتماعي،  والتوحّش فيها وغيرها من الجرائم التي وصمته، وعجّلت في الحرب عليه والتخلّص منه، كياناً وتمكيناً وقدرة عملياتية على ارتكاب الإرهاب وشراء الذمم، فقد كانت قد دعمته، علناً وسرّاً، مؤسّسات إعلامية وإعلاميون في مختلف وسائل الإعلام والاتصال، وهؤلاء بمجموعهم لا ينكرون، على الأقل مع أنفسهم، أنهم يعملون كجزء من التنظيم فعلياً، وحسابهم ينبغي أن يتم مع ما حصل مع قيادات تنظيم «داعش». ولكن السؤال، هنا، عن الذي لا يزال يواصل وظيفته، رسمياً أو تبرّعاً أو غفلة، لدوافعه المختلفة، في الدفاع عن التنظيم بأشكال مختلفة، وإيجاد ما يبرّر أو يفسّر جرائمه الإرهابية. بل تصل به الجرأة إلى مقارنة أفعاله الإرهابية مع أسماء مخالفة له بجوهرها وتركيبها وأهدافها، لخلط الأوراق وتبرئة الارتكابات والإرهاب الدموي، عاكساً وعياً مباشراً لمهمّته، وقدرات لتمرير برنامج ممنهج لغسل الأدمغة أو كيّها، للقبول بجرائم تنظيم «داعش»، والتوجّه إلى مقارنتها وربطها بكلّ من قاومها وحاربها وأسهمَ بالقضاء عليها. والوقاحة في هذا البرنامج، هي في الجرأة لدى هؤلاء المثقفين والإعلاميين في تكريس المقاومة والكفاح الشعبي، كأعمال إرهاب وتنسيبها لأبطالها وقادتها واعتبار كلّ ما قام به التنظيم، ردّ فعل أو دفاعاً عن مظلومية، أو في أفضل الحالات عندهم، يستنكرون الجرائم أو يعلّقون عليها، للتملّص من الإحراج الصارخ، ليبتعدوا عنها بعد ذلك، عبر توجيه النظر إلى أعمال أخرى وإدانتها وتركيز الصورة عليها، كعنف مقابل، وليس مقاومة وطنية، أو كفاحاً شعبياً تحرّرياً، وتأطير أو تضليل الصورة بالهجوم على دول معيّنة عُرفت بدعمها للمقاومة والتحرّر الوطني، وإبعاد الصورة كلياً عن الدول الراعية للإرهاب والداعمة للتنظيم، أو الموجّهة لجرائمه وأفعاله. والتشويه مقصود بين المقاومة ودورها، والدول والحكومات وسياساتها التي قد تنتقدها أو تعارضها في شؤون أخرى. وهذا هو أسلوب متّبع في الحرب الباردة والناعمة، والمساهمة التي تخوضها الإمبريالية وحلفاؤها في المنطقة، وتنفّذها طوابيرها الخامسة والسادسة وغيرها.

صحيح لم يجرِ الاتفاق على تعريف واضح لمصطلح الإرهاب، إلا أنّ هؤلاء الكتبة ما زالوا يروّجون خلاف ما يعرفون عنه، ويدعمون بأشكال مختلفة إرهاب التنظيم. فإذا أرادوا استنكار جرائم معروفة للتنظيم، لا يمكنهم التملّص منها، يربطونها فوراً بأعمال محاربتها ونتائجها، وتكشف «داعشيّتهم» المصطلحات التي يستخدمونها، والهجمات على كل من يدافع عن أرضه وعرضه، عن وطنه وشعبه. فيكتبون أنهم «يدينون» قتل الأبرياء من قِبل التنظيم، بكلمات أو بسطر، ويتفرّغون لإدانة ما يركّزون عليه دائماً وما يسمونه بأعمال «الميليشيات المدعومة من إيران»، من دون تحقيقٍ أو انتظار استقصاء أو مساءلة وتدقيق في الأعمال وشواهدها وقرائنها، وغيرها من الدلائل الجرمية والجنائية المعروفة. ولا يوجد في الواقع أيّ رابط بين الاثنين، إلّا في المخيال المرهون وفي الاستهداف المقصود والمخطّط له في غرفهم السرية السوداء. وهذه باتت واضحة لـ«دواعش» الثقافة والإعلام الناطقين، أو الكتبة باللغة العربية، أو المغسولة أدمغتهم والمتحوّلين إلى أبواق بدوافع متناقضة. حتّى تركت إيران والمقاومة عندهم كابوساً أو مرضاً نفسياً ملازماً، يعرفون به بسبب أو بدونه، ويعلّقونه على كلّ شيء، حتى على الزلازل وتغيّرات المناخ.

ما هو الهدف من تكرار القول: الجماعات المدعومة من إيران، مثلاً، أو الميليشيات الإيرانية، أو الميليشيات الشيعية المموّلة أو التابعة لإيران، ويعنون بها الحشد الشعبي في العراق، أو حزب الله في لبنان، وحين الحديث عن قوى السلطة الحاكمة في اليمن، يسمّونها «جماعة الحوثي المؤيّدة لإيران»، وتعريفها بهذه التسمية مع اعتراف بسلطة مقيمة بالفنادق وتحت أوامر أصحابها؟ وكلّ هذا يكرَّر يومياً، وفي أكثر من وسيلة إعلامية أو مقال أو افتتاح ندوة حوارية أو برنامج إخباري في التلفزيون أو الراديو أو المواقع الإلكترونية، وحتى باقي منصّات التواصل الاجتماعي والمجموعات المرتبطة. أمّا الأخرى التي تفضح أصحابها من دون خجل أو حياء مهني أو موضوعي، فلا أريد إعادة نشرها هنا، وإنما أريد التذكير بها من مسمّيات تنضح عن أصحابها، في شتم الحركات والأحزاب المعروفة في مواقفها التحرّرية ضد الاستعمار والكيان الصهيوني، وقلب أسمائها إلى معاكسها ومعنى آخر لا يمتّ بصلة لها، بل قد يكون معبّراً عن قائله أو كاتبه أكثر ممّا يريد منه أو أن يوصله بخبث واستهتار. ما أن تستنكر توحّش وجرائم «داعش»، إلّا يقابلك هؤلاء مباشرة بربط التنظيم بإيران وتمويل ودعمٍ منها، وهو أمر مضحك فعلاً. فحين يفشلون في الاتهام يلجأون بسرعة لإقناع أنفسهم بمهمّتهم ووظيفتهم بإطلاق تعليقاتهم وأخبارهم وتأكيدها بالكتابة والقول والإصرار عليها، ورفض أيّ تحليل أو نقد أو سؤال عن مصدر موثوق، أو تفسير منطقي يعرّي ادعاءاتهم ويفنّد حججهم وأكاذيبهم. ويصرّون على صحة معلوماتهم وخطأ الاستفسار عنها أو التحليل لها، أو حتى مجرّد مطالبتهم بإثبات الحجّة والبرهان.

يتباهى «دواعش» الثقافة بتوفر وسائل كثيرة لخدمتهم ويتبارون في تعبئتها بغثهم المتكرّر، من دون وخز ضمير مهني أو شرف المهنة بحده الأدنى. أجل استخدمت السفارات الغربية وأجهزة الاستخبارات الغربية أقلام «كتّابٍ» و«مفكّرين»، كما يحلو لهم التوقيع تحت منشوراتهم، ووفّرت لهم ما يُنشر ويوزع ويُعلن بلا حدود ولا رقيب. فما أن يحصل قصف لموقع «داعشي» أو أميركي محتلّ، حتى ترى جاهزيّتهم لإعلان خدمتهم والتفنّن في أداء مهمّتهم، في تشويه الوقائع وتزييف الحقائق وتوزيع سمومهم المطلوبة بخيالهم المرضي الملفت للعجب. وتمكّنت هذه الأجهزة من اختراقات محدّدة وزرعت لها ما يخدمها إلى حين، ولكن لم تنجح في ليّ رأس الحقائق أو تغليفها بسلوفان مراتبها وأعوانهم الذين لن يستطيعوا أن يغطّوا أشعة الشمس بغرابيلهم.

أمام هذا الواقع والوقائع، لا بدّ من وقفة جدية ورفع سبابة التوصيف والتعريف بهم وتقديم لائحة بالأسماء والعناوين، وتطبيق القانون والمحاسبة ومحاكمة التاريخ، فهم ليسوا أول القوم ولا آخر من تورّط وتعاون مع المحتل والغازي والاستيطاني ضد مصلحة شعبه ووطنه، وقد يكونون هم أول العارفين بذلك، مهما تكابروا أو تناعموا.

 

كاظم الموسوي 

 

كفاح محمودمنذ أن ادغمت كوردستان باجزائها الاربعة في دول لا ناقة لشعوبها فيها ولا جمل، وكل انظمة حكمها ترعب الكورد وترهبهم من تبعات استقلال الجزء الذي تسيطر عليه تلك الدولة، وان كوارث عظيمة ستنال شعب كوردستان، بل وقد ذهب البعض الى تأييدنا من منطلق حق تقرير المصير، لكنه وفي اول محاولة جدية للاستفتاء على الاستقلال انبرى هؤلاء المؤيدون لحق تقرير المصير وجلهم من اليساريين والتقدميين والديمقراطيين، انبروا الى اعلان خشيتهم علينا من الغول التركي والايراني، وإننا سنكون دويلة محاصرة ستنهار حالها حال شقيقتها في كوردستان الشرقية، التي اغتالها التوافق السوفييتي الإيراني بصفقة غير طاهرة، بالضبط كما كان يرهبنا صدام حسين وحزبه والقذافي ولجانه الشعبية وبعث سوريا وأسده، من إن أي محاولة لإزالتهم من الحكم ستقوم القيامة، بل هدد صدام حسين بأنه سيحيل العراق إلى حفنة تراب إذا اخذوا الحكم منه، بهذه الثقافة والعقلية تعاملت معظم الأنظمة العنصرية والمحتلة لكوردستان في أجزائها الأربعة، مع طموحات شعب يتجاوز تعداده الأربعين مليون نسمة، يرفض الاستكانة ومحاولة إلغائه، ويصر على أن يمارس إنسانيته وحريته وخياراته الاجتماعية والثقافية والسياسية وبشكل حضاري، دونما الذهاب إلى خيارات أخرى لولا انه اضطر إزاء عمليات الإبادة، الدفاع عن نفسه، كما حصل في معظم الثورات والانتفاضات عبر تاريخه.

لقد اختار الكورد في ولاية الموصل، التي كانت تضم معظم كوردستان العراق، الانضمام إلى المملكة العراقية، ورفضوا اعتبارهم ولاية تركية مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير وتحقيق طموحاتهم السياسية والثقافية، واحتراما للعائلة الهاشمية التي كانت تتمتع بمقبولية كبيرة لدى الأهالي، الذين يدينون في غالبيتهم بالإسلام، ورغم ذلك وبعد سنوات ليست طويلة ظهرت بوادر الغدر والتحايل والتخلي عن تلك الوعود، بل وذهبت حكومات بغداد المتعاقبة، ومن مختلف التوجهات والعقائد، إلى كبح جماح طلائع الكورد واعتقالهم وإعدامهم وشن حرب شعواء على كوردستان، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى غزوة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، التي اعتبرت الكورد مرتدين وجب إبادتهم كما فعل صدام حسين وعلي كيمياوي في حلبجة والانفال وأقرانهم في سوريا.

لقد تعرض شعب كوردستان العراق إلى أقسى أنواع الاضطهاد والإقصاء بل والإبادة الجماعية، كما حصل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي الأنفال في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث تم قتل ما يزيد على ربع مليون مواطن كوردستاني، وتدمير خمسة آلاف قرية من أجمل قرى الشرق بما فيها من نبات وحيوان وبشر، ولا تكاد توجد قرية أو بلدة أو مدينة في كوردستان، إلا وتختزن في ذاكرتها تلك المآسي التي اقترفتها كل الأنظمة المتعاقبة دونما استثناء، حتى وصل الأمر بأنهم لم يكتفو بإبادة السكان بل عملوا على إبادتهم في هويتهم وانتمائهم، فأصدروا جملة من القوانين العنصرية التي تمنع تملك الكوردي أي عقار أو سيارة في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، إلا أن يغير قوميته ويجد له أصلا غير أصله، كما في قانون تصحيح القومية سيئ الصيت، ناهيك عن عمليات التعريب البشعة والتهجير والترحيل القسري للسكان واستقدام مجموعات قومية عربية من خارج المنطقة وإسكانها بدلا منهم كما حصل في كركوك وديالى والموصل.

لقد تجاوزت تلك الحكومات في تعاملها مع الكوردستانيين حتى إسرائيل وجنوب افريقيا في تعاملهما مع السكان الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة، حيث استنسخت وببشاعة ثقافة الاستيطان وعملت على تطويق كوردستان بحزام ناري من العنصريين والفاشيين، الذين تم إسكانهم على أطلال قرى وبلدات الكوردستانيين، كما حصل في كركوك وإطرافها وسنجار وأطرافها وخانقين وأطرافها، وبعد سنوات الضيم والطغيان،  تباشر شعب كوردستان بإسقاط تلك النماذج المقيتة، التي مثلها البعث والعنصريين الآخرين في نيسان 2003م، لكن الأحداث التي مرت خلال السنوات السبعة عشر، بعد إسقاط نظام صدام حسين، أثبتت إن التعايش أو الشراكة الحقيقة لا يمكن تحقيقها، خاصة وان ما حدث خلال تلك الفترة كرس ذات الثقافة التي تعاطت مع شعب كوردستان، حيث تم إقصائه وتهميشه بأساليب خبيثة، ربما أكثر إيلاما مما حدث سابقا، فقد تم محاصرة الإقليم وإشاعة الكراهية والحقد ضده وضد قياداته ورموزه، والعمل على شق صفوفه والعودة إلى سياسة تصنيع ما كان يسمى بـ (الجتة) أو (الجحوش)، كما يسمونهم في كوردستان من عملاء أنظمة بغداد، ومحاولة تدميره من خلال قطع حصته من الموازنة السنوية، بما في ذلك مرتبات الموظفين والبيشمركة التي عملوا على إضعافها بل وتدميرها.

لقد كان الإقليم قاب قوسين أو ادني من أن يكون واحدا من أكثر الأقاليم بل الدول ازدهارا وتقدما في الشرق الأوسط، مما أرعب الحاكين في بغداد، الذين عملوا على إيقاف تلك التجربة التي خفضت نسبة الفقر من 50% عشية إسقاط نظام صدام حسين، إلى اقل من 7% في 2013م حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية، وكذا الحال في الصحة والتعليم والتعليم العالي وخدمات المواطنين وفي مقدمتها الكهرباء، التي غطت كل ساعات اليوم قبل 2014م، ولا نريد الخوض في تفاصيل المآسي التي سببتها حكومات العهد الديمقراطي، منذ أول حكومة بعد نيسان 2003 وحتى الأخيرة، فلم تتغير خارطة الطريق التي استخدمتها كل حكومات بغداد منذ قيام المملكة العراقية وحتى يومنا هذا، وما تحقق في كوردستان إنما أنجزه شعب كوردستان وفعالياته السياسية والاجتماعية، وما صموده أمام الحصار والتآمر والحرب القذرة التي شنها العنصريون والفاشيون القوميون والدينيون على كوردستان، باسم ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، منذ أكثر من ست سنوات إلا استكمالا للأنفال والحرب الكيماوية والحصار الذي استخدمه المالكي وتبعه العبادي في ذات النهج، هذا الصمود والصبر الذي أكد إيمانه بالاستقلال، والخلاص من هذا الإلحاق القسري بنظام ودولة لا تمت بأي صلة إلى كوردستان تاريخيا وجغرافيا وقوميا وثقافيا وحضاريا، ولأجل ذلك وبعد فشل كل محاولات الإقليم وقيادته من ترتيب الأوضاع مع بغداد، وحرصه على إقامة دولة مواطنة مدنية ومشاركة حقيقية، وبعد فشل كل محاولات الاقليم لحل الاشكاليات مع بغداد، وتحذير قيادة الاقليم بانها ستلجأ الى الشارع الوطني في كوردستان، ذهبت القيادة إلى تنفيذ إرادة شعبها في الاستفتاء بأسلوب مدني حضاري يوم 25 ايلول 2017م، معتمدة على الاعراف والعهود والقوانين الدولية، وأجرت  حوارات مع بغداد لانجاز تحقيق مطالب شعب كوردستان، معلنة بانها لن تعلن قيام الدولة الا بعد التفاوض والاتفاق مع بغداد التي اعتبرتها عمقا استراتيجيا لكوردستان، الا إن ما حدث من ردود أفعال بعد اجراء الاستفتاء وبأقل من شهر وبتخطيط وتوافق مع ايران وتركيا ومع زمرة تاجرت بمصالح كوردستان العليا وسلمت مقدراتها بايدي هؤلاء، أكدت إن التوجه العدواني والعقلية الاقصائية للحاكمين في بغداد لم تتغير، فقد شنوا هجوما عسكريا واسعا على كوردستان وخطوطها الدفاعية الاولى في كركوك وسنجار وخانقين، وبغض نظر فاضح من القوى العظمى، وباستخدام احدث الاسلحة الامريكية من دروع ودبابات اجتاح الجيش وميليشيات الحشد الشعبي معظم المناطق الكوردستانية خارج ادارة الاقليم والمسماة (المتنازع عليها) في أخطر خرق للدستور الذي يحرم استخدام المؤسسة العسكرية في النزاعات السياسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية، وهددوا كيان الاقليم السياسي والدستوري بمحاولتهم التقدم الى اربيل ودهوك، وفرضوا حصارا عدوانيا قاسيا على الاقليم وشعبه بغلقهم الحدود والمطارات وقطع معاشات الموظفين وحصة الاقليم من الادوية والوقود، بل والامتناع عن دفع مستحقات فلاحي كوردستان الذين سلموا كل منتوجهم من الحبوب منذ 2014، ناهيك عن قطعهم لحصة الاقليم من الموازمة السنوية لخمس سنوات متتالية والبالغة اكثر من اربعين مليار دولار، وما ترتب عن عمليات الاجتياح لتلك المناطق من تهجير اكثر من مائة الف مواطن في كركوك وقتل مئات المواطنين الكورد وحرق ممتلكاتهم ومحلاتهم والسيطرة على بيوتهم، حيث أعادوا سياسة التغيير الديموغرافي في كركوك وسهل نينوى وسنجار وخانقين، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم تشن ميليشياتهم الولائية هجمة دعائية على كوردستان من خلال مجموعة قنواتها المعروفة باتحاد القنوات الاسلامية، والتي تمخضت مؤخرا عن قصف محيط عاصمة الاقليم اربيل بالصواريخ من سهل نينوى الذي تهيمن عليه احدى تلك الميليشيات، ومن ثم الهجوم على مقر الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد وحرقه.

ووسط هذا الفشل الذريع في التعامل مع الشريك واضطهاده وبوجود دستور دائم ينظم العلاقة بينهما، يتم خرقه في اكثر من 55 موضع، يبقى السؤال المرير هو:

هل أخطا الكورد بالذهاب الى بغداد وتخليهم عن استقلالهم في 2003 من أجل قيام دولة ديمقراطية مدنية فيدرالية تعترف بحقوقهم وخياراتهم بعد ما يقرب من مليون شهيد وتدمير ثلثي كوردستان؟

خاصة وإن دولاب الاضطهاد والاقصاء ومحاولة الأذلال بالحصار الاقتصادي وإشاعة الكراهية والأحقاد ضد كل ما يمت بالكورد وكوردستان بصلة قد عاد ثانية، وإزاء ذلك هل سنسأل ثانية حينما نطلب تطبيق مخرجات الاستفتاء واستحقاقاته كوثيقة قانونية ديمقراطية حان تنفيذها على الارض كما فعلت جيكوسلوفاكيا وتيمور الشرقية وجنوب السودان؟

 

كفاح محمود كريم

 

 

منى زيتونلم يُعبِّر رئيس أمريكي عن إعجابه بالطغاة بقدر ما فعل دونالد ترامب! حتى أنه يصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بديكتاتوره المفضل، وكان حريصًا على لقاء رئيس كوريا الشمالية وهو أحد أكبر الطغاة في العالم.

وإنه لمن الواضح بجلاء أن هذا الرجل المضطرب نفسيًا لم يترشح بالأساس لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلا لأجل مزيد من الشهرة والسطوة، وبعد أن نالهما لا يستطيع تقبل تركهما، خاصة وهو مجبر على ترك السلطة لخسارة ألمت به وليس لانتهاء ولايته الثانية وعدم قدرته على الترشح وفقًا لنص الدستور الأمريكي الحالي، والذي من المؤكد أنه كان ينوي العمل على تعديله إن فاز في هذه الانتخابات الأخيرة ليتمكن من الترشح لولايات رئاسية جديدة ثالثة وربما رابعة وحتى نهاية العمر، وهذا ليس تكهنًا مني بل سمعته منه بنفسي في أحد لقاءاته بمؤيديه قبل إجراء الانتخابات.

في هذا المقال أحببت أن أدون ملاحظاتي عن تفاعل العرب على وسائل التواصل الاجتماعي مع حدث هام بحجم الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020 مع ما صاحبه من زخم رفض ترامب الإقرار بخسارته فيها حتى اللحظة.

وعن نفسي فقد أعجبني موقف ترامب بعدم الإغلاق الاقتصادي بسبب تفشي فيرس كورونا لأسباب لا مجال لذكرها في هذا المقال، كما أن مواقفه الرافضة للمثلية والإجهاض أقرب إلى نفس كل متدين من مواقف بايدن الليبرالية، ولكن هل قضى رفض ترامب للمثليين وعدم تقبله لهم على المثلية في أمريكا؟ كما أن مثل هذه الموضوعات يكون من المنطقي أن تدخل في حسابات الناخب الأمريكي عند اختياره رئيسه ولكن ما خصنا نحن العرب بها وهل من المفترض أن تكون لها الأولوية من بين معاييرنا للحكم على أفضلية رئيس أمريكي بالنسبة لنا؟ ثم هل الاعتراف بفوز فلان وخسارة علان في الانتخابات يتعلق بهذه الأفضلية أم بأعداد أصوات الناخبين؟!

إن المتتبع لوسائل التواصل الاجتماعي سيجد أن نسبة كبيرة ممن يتخوفون من حكم بايدن من العرب هم من أنصار الديكتاتوريات العربية ومن يتخوفون من دعم نظامه للإخوان المسلمين والإسلام السياسي عامة، باعتبار نظامه امتدادًا لنظام أوباما –كما يصرون أن يرونه-، وساهم في هذا تهنئة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين لبايدن بالفوز على ترامب، ولا حاجة بعاقل أن يقول إن في هذا التصور تهويل وخلط واضح بين بايدن وأوباما، رغم أن بايدن عبر تاريخه لم يكن مؤيدًا لأغلب التدخلات الأمريكية في العالم الإسلامي، إضافة إلى أن نائب الرئيس ليس إلا أحد أفراد نظام الرئيس، ولا ينبغي أن يُنسب إليه كل موقف للنظام، ومن ثم الافتراض أنه سينهج على النحو ذاته وستكون له المواقف ذاتها إن أصبح رئيسًا يومًا ما، وما وعد به بايدن العرب والمسلمين خارج أمريكا في حملته الانتخابية هو خطاب عام يتصل بدعم حرية الرأي للجميع ومعاقبة المدانين في الجرائم الكبرى، ولا أرى في هذا بأسًا، كما أنني لست مقتنعة أن نظام أوباما هو من أخرج لنا المسرحية الهزلية المعروفة باسم انتخابات الإعادة للرئاسة المصرية 2012، وساهم في تزوير الانتخابات لصالح مرشح الإخوان.

وبعض العرب المتخوفين من حكم بايدن لأمريكا أيضًا هم ممن تم اللعب عليهم بالحديث عن الماسونية التي تدعمه! واعتبار حكمه تمهيدًا لحكم الدجال وحكم امرأة الدجال! وامرأة الدجال هذه بحق هي ابتكار جديد يُحسب لمن اخترعها!

وبعض العرب الذين يتخوفون حكم بايدن يطعنون في فوزه عن استحقاق ويرددون مزاعم ترامب عن تزوير الانتخابات والتي أصبحت مثار سخرية نسبة كبيرة من الأمريكيين وبعضهم ممن ينتمون إلى الحزب الجمهوري! ومن أظرف ما قرأت تعليقًا لمصري –وأنا مصرية- يطعن في تأخير ختم بعض الأمريكيين بطاقات اقتراعهم إلى يوم الانتخابات الرسمي، قائلًا: لماذا انتظروا حتى آخر يوم؟! وكأنه لم يكفنا ما نحن فيه من غباء إداري فنطمع في تصديره لباقي الكوكب! فهذا الأخ الذي كتب مثل هذا التعليق يبدو أنه يتخيل نفسه في مصر، والموظف المسئول يغادر قبل انتهاء دوامه أو يتبجح على المواطن بأنه تأخر أو أن اليوم هو الخميس وهم يعتبرونه نصف يوم ولا يكادون يعملون فيه، ومدام عواطف القابع مكتبها في الدور الرابع من المبنى تحتفظ بالختم وهي غير موجودة!

وهناك عرب يصدقون أن ترامب هو الفائز وتم التزوير لصالح بايدن، وهم فرحين في ترامب، ويرون أن الأمريكيين قد رفضوا أن يحكمهم بلطجي لأربع سنوات إضافية فزوروا الانتخابات ضده! وهم يرددون هذه المزاعم رغم عدم وجود أية أدلة عليها، ورغم خسارة ترامب 25 قضية حتى الآن في محاولته لإثبات مزاعمه!

والحقيقة أن حملة ترامب قد أسرفت على نفسها أي إسراف في كيل الإدعاءات لبايدن حتى أنني سمعت بأذني من يتهم بايدن بالعنصرية لأن نسبة كبيرة من الأمريكان السود قد صوتوا له في بعض المدن التي يشكلون فيها كثافة سكانية كفلادلفيا وأطلانطا وديترويت! وقد أمَّن بعض العرب على هذا الرأي المتهافت وكأن الأمريكان السود ليس لهم حق في التصويت، ومن حقهم أن يصوتوا لمن شاءوا!

ويتداول بعض العرب بينهم مقطعَ فيديو لجو بايدن به لقطات قديمة للغاية له في مناسبات مختلفة ويُعرِّف فيها نفسه بأنه صهيوني، ولأن العرب أمة أغلبها يُقيِّم البشر بالكلام وليس الأفعال، كما يُقيِّمون الناس كثيرًا اعتبارًا لما كان وليس اعتبارًا لما هو كائن، فقد صار بايدن الليبرالي صهيوني رغم أنه كأغلب الديمقراطيين من أنصار حل الدولتين، بينما أصبح ترامب العنصري الذي اعترف بالقدس والجولان لإسرائيل، وقطع المساعدات عن الفلسطينيين، وقاد التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، ولا زال الصهاينة يستغلون نظامه لتحقيق مآربهم حتى اللحظة من خلال زيارة وزير خارجيته بومبيو لمستوطناتهم، صار ترامب حبيبهم! بينما واقع الحال أن بايدن لا يرى المسلمين عدوه الأول، ولا توجد لديه فوبيا منهم، وأعلن مرارًا أنه يرى روسيا الخطر الأكبر على أمريكا، وأنه داعم للانفتاح على الثقافة الإسلامية وتعلم مزيدًا من العقيدة الإسلامية في المدارس الأمريكية، وأنه يرى المسلمين الأمريكيين كجزء من شعبه ووعد بأنهم سيكونون جزءًا من نظامه.

ولكن لا زالت أبواق بعض الأنظمة العربية تدعم ترامب وتشكك في بايدن، حتى أننا قد سمعنا عن رشاوى ومدفوعات من أنظمة عربية للمساهمة في مصاريف رفع الدعاوى القانونية في محاولة بائسة يائسة للإبقاء على نظام ترامب! ولكن صار من الواضح تمامًا أن الحل القانوني قد سُكِّرت أبوابه في وجه ترامب.

فهل بعد أن رأينا مليونية ترامب بدعوى الشرعية يوم السبت 14 نوفمبر، يمكن أن نرى اعتصامًا ممولًا في واشنطن –ليكون اعتصام رابعة أمريكيًا- متزامنًا مع يوم 14 ديسمبر للضغط على المجمع الانتخابي لحثهم على التصويت لترامب وعدم الأخذ بأصوات الناخبين؟ أم ربما يتأخر ذلك الاعتصام ليوم نقل السلطة ظهيرة العشرين من يناير القادم؟ وهل يجهز لنا ترامب مفاجأة جنونية قبل مغادرته البيت الأبيض؟

إن ما يحدث الآن من استماتة على الفوز بأي طريقة كانت من المرشح الجمهوري ترامب وإطلاقه الإدعاءات غير المثبتة عن تزوير المرشح الديمقراطي بايدن للانتخابات أمامه، لم نر أو نسمع بمثلها منذ انتخابات 1960 التي فاز فيها الديمقراطي كينيدي على الجمهوري نيكسون، وظل نيكسون يتهافت ويدعي حدوث التزوير لصالح كينيدي ولم يقر بنتائج الانتخابات إلا متأخرًا. والمفارقة هنا أن كينيدي -الذي وصل أيضًا إلى الحكم رغم أنف اللوبي الصهيوني- هو الرئيس الأمريكي الكاثوليكي الوحيد، وهو من أصول أيرلندية، ومثله تمامًا جو بايدن، وهو أيضًا مرشح الحزب الديمقراطي، فهل ستكون نهايته الاغتيال على يد اللوبي الصهيوني كما كانت نهاية كينيدي؟!

 

د. منى زيتون

الأحد 22 نوفمبر 2020

 

 

حسين فاعور الساعديفي الصراعات الكبيرة والطويلة بين الأمم هنالك إلي جانب الصراع الميداني أو العسكري وبموازاته تماما، صراع حضاري أو ثقافي هو الذي يقرر في نهاية المطاف من هو المنتصر. فالسيف والرمح قديما والدبابة والطائرة حديثاً، غير كافية لحسم هذا النوع من الصراعات الطويلة والعقائدية.

ما يجري في هذه البقعة الجغرافية المقدسة من العالم والتي تسمى فلسطين هو صراع بين من عاش في هذه البقعة وولد فيها وبين من عاش وولد في مكان آخر وجاء ليقول له هذه البقعة كانت لي في يوم من الأيام فالرجاء أن تبحث لك عن مكان آخر وتعيدها لي.

من عاش اعتمد على ارتباطه البيولوجي بهذه الأرض، ومن جاء اعتمد على مشروع علمي مدروس ومنسق تم من خلاله تعبئة الفرد القادم إلى هذه البلاد أيدلوجياً ومعنوياً وماديا وتجنيد كل الأقوياء في العالم لنصرته ودعمه.

أما من عاش في هذه البلاد فقد ظل دون برنامج ودون أي مخطط لمواجهة من جاء مسلحاً بالمال والأيديلوجيا والمشروع المدروس والمخطط بأدق تفاصيله.

في اللحظة المناسبة وحسب برنامج القادم حدثت الحرب فخسرها المقيم في أرضه وبيته. وحسب الخطة التي أعدها القادم وبالتعاون مع الزعامات العربية تم ترحيل هذا المقيم المرتبط بالأرض بيولوجياً.

استمر الصراع غير المتكافئ ومرة أخرى خسر المُرحّل ورُحّل مرة أخري تمهيداً لجره إلى اتفاقيات أوسلو بمساعدة قيادات من يسمونهم عرب الداخل أو الفلسطينيين الذين بقوا في إسرائيل ولم يرحلوا.

عندما وقًع ياسر عرفات على اتفاقيات اوسلو كان يعرف انه يوقع على اتفاقية ليس فيها أي برنامج أو مسار يحدد بوضوح زمني وعملي كيفية إقامة دولة فلسطينية. لكنه وقع وربما كان يعتقد أنه بدهائه ومكره سيستطيع الحصول على تلك الدولة.

لكنه سرعان ما عرف انه وقع في خطأ كبير أوصله إلى مصيدة نصبها له الإسرائيلي بمساعدة قيادات من عرب الداخل.

ياسر عرفات لم يحاسب على خطأه كأي زعيم عربي. وإنما ظل الرمز والقائد والقدوة وهنا بدأت الهزيمة الحقيقية التي سيتولى فصولها وريثه المتحمس جداً لوراثته والذي كان ينتظر موته بفارغ الصبر محمود عباس.

المفاوضات العبثية التي بدأها ياسر عرفات لم توصل إلى أي نتيجة ولو بسيطة. ويومها كان عليه أن يتنحى ذوقيا وأخلاقياً لكنه لم يفعل وبقي في السلطة حتى مات أو قُتل.

المفاوضات العبثية لم تتوقف وجاءت سلطة محمود عباس وواصلتها واستمرت فيها لسنوات طويلة وطويلة جداً دون أي تقدم ودون أي انجاز ولو بسيط أو وهمي. خلال هذه السنوات كان بناء المستوطنات في المناطق التي ستقوم عليها الدولة الفلسطينية يجري على قدم وساق وبوتيرة متسارعة جداً وتحت بصر وسمع أبو مازن وزمرته. حتى تم بناء مئات القرى والمدن اليهودية وآلاف الوحدات السكنية في مناطق الدولة الفلسطينية العتيدة.

وفي زمن المفاوضات تم الإعلان عن القدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل وتم نقل السفارات إليها وتطويقها بالمدن الإسرائيلية وفصلها كلياً عن الضفة الغربية. وظل أبو مازن القائد والمناضل والرئيس والرمز لدولة وهمية لم يعد من الممكن إقامتها حتى لو توفرت النوايا الحسنة.

في الطرف الآخر رابين كان من مؤسسي إسرائيل وكان له دور أساسي في إقامتها وبنائها لكنهم حاسبوه وحتى قتلوه لاعتقادهم انه أخطأ.

ومنذ وفاة ياسر عرفات في 11 نوفمبر 2004 وعلى مدار أكثر من 16 سنة وأبو مازن يتولى السلطة ويرتكب الأخطاء والموبقات دون حسيب ولا رقيب. ودون انتخابات ولا حتى تخويل.

في هذه الفترة تغير في إسرائيل ثلاث رؤساء حكومات وجرت انتخابات عامة تسع مرات.

الرئيس في إسرائيل يُحاسب ويراقب ويشتم في الإعلام وفي الشارع رغم انه يبذل قصارى جهده لبناء الدولة وخدمة مواطنيها. وعلى بعد أمتار ترتكب السلطة من الأخطاء والفساد ما لا يمكن حصره ولا أحد يذكر ذلك أو يتحدث عنه.

المواطن في إسرائيل هو كل شيء والرئيس والحكومة والموظف جميعهم في خدمته وعلى بعد أمتار الرئيس وزمرته هم كل شيء يفعلون ما يحلو لهم ينهبون ويخطئون والمواطن يموت من الجوع ويزج به في السجون ليفوق عدد من تسجنهم سلطة عباس عدد من يسجنهم الاحتلال.

إسرائيل تكرم الأدباء والفنانين الذين ساهم إنتاجهم في توطيد أركانها وساهم في خدمتها، وعلى بعد أمتار تكرم السلطة صعاليكها ومروجيها من المنافقين وتحاصر الشرفاء المبدعين.

تجربة السلطة الفلسطينية شوهت الحلم الفلسطيني وجعلت المواطن البسيط يقول: "إذا كانت هذه هي الدولة فلا نريدها".

لماذا لا تتعلم السلطة الفلسطينية من السلطة الإسرائيلية؟ تخدمها وتتعاون معها ولكنها لا تتعلم منها لأنها تؤمن أن المواطن الفلسطيني يختلف عن المواطن الإسرائيلي وحتى عن المستوطن. فهو أي الفلسطيني أقل شأنا منه أي الإسرائيلي ولا يستحق ما يستحقه. لذلك هذه السلطة تحرس المستوطن وتقمع الفلسطيني.

على ماذا يختلف الفلسطينيون إذن؟ أليس على الكرسي الذي ليس كرسي.؟ أليس على الرئاسة التي ليست رئاسة؟ كيف بكل وقاحة يتشبث زلم سلطة عباس بمواقعهم لأكثر من ثلاثين عاما لم يحققوا خلالها أي انجاز على أرض الواقع سوى الشعارات والوعود والكلمات التي لا معنى لها ؟ كيف لا يُحاسَب هؤلاء؟ وهم من ساهم في دفن حل الدولتين وقبر أي فرصة لتحقيق ذلك؟

حلم الفلسطيني العادي اليوم هو ليس دولة وإنما الحصول على تصريح للعمل عند الإسرائيلي.

أليست هذه بداية الهزيمة الفلسطينية التي حققتها سلطة أوسلو التي تحرس الاحتلال وترعى المستوطنين مقابل أجر شهري وتدوس على رأس كل فلسطيني يرفع رأسه؟.

من سيهزم الفلسطيني ليس الاحتلال ودباباته وطائراته وإنما السلطة بطواغيتها ومنتفعيها من الدجالين المحتالين الذين يجيدون الكذب والخداع والذين يسمون الأشياء بغير أسمائها فالخيانة في قاموسهم وطنية والعبث انجاز والتسليم صمود.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

عبد الحسين شعبانيندرج موضوع الأمن الإنساني في جدول أعمال قمة مجموعة العشرين G20 Riyadh 2020 Summit  التي ستلتئم في الرياض في 21-22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، حيث يشغل حيزاً واسعاً من الهدف العام الذي تتمحور حوله قمة العشرين والذي يتحدد بـ "اغتنام فرصة القرن الحادي والعشرين للجميع"، ويتفرع عن هذا الهدف ثلاث محاور أساسية كلّها تدور في فلك الأمن الإنساني.

المحور الأول - تمكين الإنسان، والمقصود بذلك تهيئة الظروف للجميع من العيش والعمل وتحقيق الازدهار.

المحور الثاني- الحفاظ على كوكب الأرض، وذلك خدمة للإنسان من خلال تعزيز الجهود المشتركة لحماية الموارد العالمية.

المحور الثالث-  آفاق التعاون، وذلك من أجل الإنسان وسعادته ومستقبله، من خلال تبني استراتيجيات مشتركة طويلة الأمد للاستفادة من منافع الابتكار والتقدّم التكنولوجي.

ظرف استثنائي

تكتسب قمة الرياض أهمية خاصة، لأنها الأولى التي تنعقد في المملكة العربية السعودية التي تسلّمت رئاستها في الأول من ديسمبر (كانون الأول) 2019، وصرّح حينها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قائلاً : إن المملكة ستلتزم بمواصلة العمل الذي انطلق من مدينة أوساكا (اليابانية) لتعزيز التوافق الدولي والتعاون مع شركاء المجموعة للتصدي لتحديات المستقبل، وبالطبع لما فيه خير الإنسان وأمنه، حيث تستضيف المملكة في اجتماع القمة الخامسة عشر قرابة 100 اجتماع ومؤتمر على مستوى وزراء ومسؤولين رسميين وممثلين عن مجموعات التواصل وهي مجموعة الأعمال B-20 ومجموعة الشباب  Y-20 ومجموعة العمال L- 20 ومجموعة الفكر T-20 ومجموعة المجتمع المدني C-20 ومجموعة المرأة  W- 20 ومجموعة العلوم S-20 ومجموعة المجتمع الحضري U-20 ، حيث تتوج هذه الاجتماعات بلقاء القادة، إضافة إلى رؤساء دول عربية وأجنبية ومنظمات إقليمية ودولية.

جدير بالذكر أن المملكة التي تترأس قمة العشرين كانت قد شاركت بها لأول مرة العام 2008 في قمة واشنطن، في الوقت الذي كان العالم يعاني من أزمة اقتصادية ومالية حادة نتج عنها انهيار مصارف كبرى وشركات تأمين عملاقة، في حين أنها تمتلك ثروة سيادية ضخمة ولديها ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم، ولعلّ سبب اختيارها يعود إلى مكانتها الاقتصادية المتميزة وأهميتها كقوة فعالة ونشطة في سوق الطاقة العالمي، إضافة إلى مكانتها الإقليمية ورمزيتها الدينية.

وتتوافق الرؤية السعودية الجديدة 2030 مع توجهات مجموعة العشرين، بما فيها تحقيق الاستقرار الشامل والتنمية المستدامة وتمكين المرأة وتعزيز الرأسمال البشري وزيادة تدفق التجارة والاستثمار لضمان الأمن الإنساني، ولذلك فقد اكتسبت ثقة المجموعة من جهة، ومن جهة أخرى ثقة العديد من دول العالم.

ويصادف انعقاد هذه الدورة الجديدة من القمة ظروفاً استثنائية بالغة في مقدمتها وباء كورونا (كوفيد -19) الذي اجتاح العالم منذ بداية العام 2020، الأمر الذي اقتضى من قادة المجموعة في ختام القمة الافتراضية الاستثنائية، ضخ أكثر من 5 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي، باعتباره جزءًا من السياسات المالية  والتدابير الاقتصادية ، حيث يصبح العمل والتضامن والتعاون الدولي ضرورة لا غنى عنها لمعالجة آثار تداعيات الوباء، خصوصاً وأن الإنسانية جمعاء مهدّدة، الأمر الذي يقتضي استخدام جميع الأدوات  السياسية المتاحة للحد من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية واستعادة النمو العالمي والحفاظ على استقرار السوق وتعزيز المرونة؛ وهو ما أكّد عليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز  مشيراً إلى أن تأثير الجائحة ربّما يتوسع ليشمل الاقتصاديات والأسواق المالية والتجارة وسلاسل الإمدادات  العالمية، بما يعرقل عجلة التنمية والنمو ويؤثر سلباً على المكاسب التي تحققت في السابق، وبالتالي يؤثر على الأمن الإنساني.

أزمة إنسانية ومعالجات إنسانية

تتطلب الأزمة الإنسانية الاستثنائية معالجة إنسانية استثنائية هي الأخرى، والأمر يحتاج إلى استجابة عالمية وتضامن دولي فعال وتعاون وعمل مشترك لمواجهتها، وهذا الأمر الذي حددت الرياض ملامحه مع الدول الشقيقة والصديقة والمنظمات المتخصصة لاتخاذ الإجراءات المناسبة لاحتواء انتشار الفايروس كما أشار  خادم الحرمين الشريفين، لاسيّما في ظل تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي، الأمر الذي يحتاج إلى حزم تحفيزية وتدابير احترازية وسياسات قطاعية وإجراءات عملية لحماية الوظائف وإمدادات طبية، لمدّ يد العون للدول النامية لتعزيز قدراتها وتحسين جاهزية البنية التحتية لديها، من أجل حماية أرواح الناس واستعادة الثقة بحياتهم ومستقبلهم، خصوصاً بالتعافي النشط للاقتصاد وامتصاص تبعات الاضطرابات التي حصلت خلال الفترة المنصرمة، وهو ما احتواه مشروع البيان الختامي، حيث تركزت العديد من اجتماعات القادة على التنسيق للتصدي لوباء كورونا، على الرغم من إجراءات الحجر الصحي غير المسبوقة التي فرضت على مليارات من البشر أو ما يزيد على ذلك، حيث بلغت نسبة الإصابات أكثر من 31 مليون إنسان وزادت الوفيات على مليون إنسان  .

ويعتبر العام 2020 أسوأ فترة ركود عرفها الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة، لذلك احتوى جدول عمل قادة قمة العشرين على طائفة من القرارات التكاملية والتي لم تقتصر بالطبع على دول العشرين ، بل شارك فيها عدد من المنظمات الدولية، الأمر الذي يدلّ على خطورة الأوضاع، ولعلّ ذلك أهم التحديات التي تواجه القمة، هو التصدي لتداعيات وباء كورونا وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على جميع المستويات والتي مسّت بشكل مباشر الأمن الشخصي والجماعي للبشر ككل دولاً ومجتمعات وأفراداً، وهو ما يستوجب مناقشته باستفاضة ومسؤولية للتوصل إلى حلول واتخاذ مبادرات وتنسيق جهود دول المجموعة على الرغم من الانقسامات داخلها لضمان الإمداد الطبي والغذائي للجميع، بما فيها البحث العلمي لاكتشاف الدواء واللقاح المناسب.

ما هو الأمن الإنساني؟

إذا كان ما يواجه قمة العشرين، بل والعالم أجمع، هو موضوع الأمن الإنساني، الخاص بتمكين الإنسان، لاسيّما في ظروف الجائحة، فما هو الأمن الإنساني؟ وكيف السبيل لتحقيقه على المستوى الفردي والجماعي وعلى مستوى الدول والبلدان، مثلما هو على المستوى الدولي؟

إن المقصود بالأمن الإنساني هو أمن الإنسان الشخصي المتجسد في حقوقه وحرياته وعيشه  بسلام ودون خوف، ولن يتحقق ذلك دون تحقيق طائفة أساسية من القضايا التي تتعلق بالأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي والتعليمي والديني والصحي والغذائي والمائي  والبيئي والنفسي، وكل ما يوفّر للإنسان حياة كريمة، تلك التي أقرّتها اللوائح والشرائع الدولية، لأن الإنسان هو محور وغاية كل نشاط وفاعلية مجتمعية. وحسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس  "الإنسان مقياس كل شيء".

الأمن بمعناه الأول حسبما جاء في القرآن الكريم" الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"  (سورة قريش، الآية 4) حاجة لا غنى عنها للنفس البشرية وغيابه يترك تأثيرات سلبية ومرضية فيزيولوجية ونفسية على الإنسان، وخصوصاً حين تدوم فترة انعدامه ، ولذلك يعتبر الأمن الإنساني المعيار للرفاه والتقدم. وبالتالي لا يمكن قياس أمن الدولة أو أمن المجتمع، إلاّ بدرجة قياس أمن الفرد من زواياه المختلفة، ولا يمكن اختزال ذلك بجانب واحد، فالأمن بشكل عام يتجسّد بالجانب الإنساني المتعدد الوجوه والجوانب، لأنه مسألة مترابطة ومتداخلة ومتفاعلة شخصياً ومجتمعياً، مدنياً وحكومياً، سياسياً واقتصادياً وثقافياً وصحياً وتربوياً وغذائياً وسكنياً وبيئياً وكل ما له علاقة بالحياة الحرة الكريمة.

ولذلك يعتبر الأمن الإنساني المعيار للرفاه والتقدم الاجتماعي ودرجة تطور المجتمع، والأمن حتى بمعناه التقليدي حسب عالم النفس الكبير سيغموند فرويد يتقدّم أحياناً على الكرامة، إذْ لا يمكن تأمين شروط الكرامة الإنسانية من دون تحقيق الأمن بجوانبه المختلفة، ولهذا يمكن القول، إن لا كرامة من دون أمن، ولا أمن حقيقي بهدر الكرامة الإنسانية وخرق الحقوق، وهي معادلة صعبة أحياناً، ويتوقّف على درجة التوازن فيها تأمين مستلزمات حكم القانون وتحقيق التنمية بمعناها الإنساني الشامل ؛ ولذلك وضعت قمة الرياض هدف تمكين الإنسان وتوفير مستلزمات حياته وسعادته في أولوية جدول عملها.

الأمم المتحدة والأمن الإنساني

إن أول من استخدم مفهوم "الأمن الإنساني" في أدبيات الأمم المتحدة وبرنامجها الإنمائي في عام 1994 هو محبوب الحق وزير المالية الباكستاني الأسبق وبدعم من الاقتصادي الهندي المعروف "أمارتيا صن" (الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1998)، ومنذ ذلك التاريخ كثر استخدامه وتعزّز مضمونه، لا سيّما الاعتراف بأولوية أمن الأفراد، فالفرد إنما هو عضو في جماعة، أي أن الفرد تنازل عن بعض حقوقه لصالح الدولة التي يكون من واجبها تحقيق أمنه الاقتصادي والغذائي والصحي والسكني والبيئي والشخصي والمجتمعي، إضافة إلى الأمن السياسي والفكري وغير ذلك .

ولا يقتصر مفهوم الأمن الإنساني على الأمن الوطني الخاص بكل دولة أو كيان سياسي، بل يمتدّ ليصل إلى المجتمع الدولي،  وهو لا يعرف الحدود الجغرافية، فإذا اختلف في موضع من العالم فقد يختل في غيره، لأن دائرة العنف والإرهاب يمكن أن تأخذ بالاتساع، وذلك بفعل العولمة التي أصبحت تشمل كل شيء، ودليلنا على ذلك امتدادات أعمال الإرهاب التي قامت بها تنظيمات القاعدة وداعش وأخواتهما خلال العقدين الماضيين، مما سبب تهديداً خطيراً ومباشراً للسلم والأمن الدوليين،الذي تعتبر حمايتهما مقصداً أساسياً من مقاصد ميثاق الأمم المتحدة التي أعلن عن تأسيسها في 24 أكتوبر/تشرين الأول  عام 1945.

وكم كان فادحاً إهمال الأمن الإنساني في أنظمة جاءت بقصد تحقيق العدالة الاجتماعية، لكنها غرقت في الأمن بمعناه التقليدي، مخلّفة معاناة مؤسفة، خصوصاً عندما أهملت أمن الإنسان وانشغلت بأمن النظام . وعلى الجانب الآخر فقد انشغلت بعض البلدان بأمنها الخارجي على حساب أمنها الإنساني، ولو خصّصت الميزانيات الضخمة له على المستوى العالمي لحققت نتائج فائقة للبشرية، وهو ما دعا قمة كوبنهاغن للتنمية الاجتماعية في مارس/آذار 1995 للتأكيد أن البشر هم غاية وهدف أي نظام، وأي تغيير .

ولتأمين الأمن الإنساني فالحاجة تتعاظم إلى تلبية الاحتياجات الأساسية للبشر بصفتهم بشراً من دون تمييز أو إقصاء أو تهميش، وعلى أساس المساواة بينهم، وقد انكشفت في العديد من البلدان  هشاشة مفهوم الأمن التقليدي، فانهارت بعض الأنظمة بسرعة خارقة، في حين ظلّت أنظمة أخرى متماسكة وقوية بالمواطنة وبتحقيق الأمن الإنساني وتلبية الحاجات الأساسية للناس في خياراتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إن إعادة قراءة علاقة الفرد بالدولة من خلال حكم القانون باعتباره المرجعية التي يخضع لها الجميع وحسب مونتسكيو " فالقانون مثل الموت لا يستثني أحداً"، وهو الفيصل في ضبط سلوكهما وفقاً للقواعد الناظمة التي تطبّق على الجميع، يرتّب مسؤولية حفظ أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام والأمن العام على الدولة، بحيث يصبح الأمن الإنساني جوهر الأمن الوطني، كما أنه جوهر الأمن الإقليمي على صعيد التعاون بين بلدان المنطقة، وهذه تتطلب تأمين الحماية من جميع المخاطر الداخلية والخارجية، إضافة إلى تلبية الاحتياجات المتعدّدة واحترام الحقوق والحرّيات، ويتطلب ذلك تحقيق التنمية البشرية المستدامة التي تعني توسيع خيارات الناس فيما يتعلق بطريقة عيشهم وحرّيتهم وفي مقدرتهم على العيش بسلام ومن دون خوف بما يؤمن لهم فرصاً اجتماعية متكافئة ،  وبهذا المعنى فالأمن الإنساني لا يتعلّق بأمن البلد فحسب، بل يرتبط بصورة عضوية بأمن الناس.

خلاصة القول إن مفهوم الأمن الإنساني يمثل بُعداً يتجاوز المكان واللغة والقومية والشعب والدولة والمنطقة الجغرافية والهوّية والثقافة والنظام القانوني، ليمتد إلى جميع مناحي حياة البشر، وهناك علاقة وثيقة إذاً بين الأمن الإنساني وحكم القانون، وبينه  والمواطنة السليمة والمتكافئة وبينه وبين الحكم الرشيد أو "الحوكمة"، من خلال المشاركة والشفافية، وبينه وبين الثقافة، خصوصاً بالدعوة إلى التسامح ونبذ العنف وقبول الآخر، وبينه وبين العدالة، ولا سيّما الاجتماعية والمساواة وحقوق المرأة، وبين الحقوق الفردية والجماعية وبين الحقوق الوطنية والحقوق الدولية ، وهذا يمثل جوهر قمة الرياض.

الأمن الإنساني مفهوم عالمي بقدر ما هو مفهوم محلي أو داخلي أو وطني أو قومي أو إقليمي، وإذا كان هذا يختص بحدود الدولة أو الكيان المقصود به الإقليم، فإن الثاني يقصد منه أمن الإنسان في كل بلد وفي كل مكان، ولعل هذه الإضاءة للمفهوم القصد منها هو إبراز الهدف الأساسي الذي انعقدت قمة الرياض من أجله والذي تم التعبير عنه على نحو واضح من خلال اغتنام الفرصة للجميع.

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

 

 منذ إندلاع الانتفاضة الشبابية في تشرين أول 2019، تتصدر وسائل الإعلام الورقية والمرئية والالكترونية، آراء ونصائح مثالية منمقة يروج لها صحفيون وكتاب ومفكرين من أقصى الاتجاهات الاسلاموية الى أقصى الانتهازية. يبدو في لحظة ما وكأنها تعبر عن نوايا صادقة لكنها في واقع الحال حماقات سياسية، لا تلامس مطالب المتظاهيرين ومشاعرهم الوطنية الحقة، بقدر ما تتناغم مع مصالح فئات متأدلجة داخل السلطة وخارجها لها حساباتها وتفهم لعبة المناورة التي يمارسها البعض ضمن مخطط الحرب النفسية لافراغ الإنتفاضة من مضامينها. من منظور ثالث، يستطيع المرء أن يتخيّل عندما تتكدس التلميحات، الخفية والمعلنة، بعيداً عن المروءات، كم من الزيف يختبأ وراء تلك الأقوال التشطيرية. الغريب أن أصوات خلط الأوراق أصبح أمر عادياً يمارسه العديد من المغرضين في الأوساط الإعلامية بشكل مثير للغاية، يبحثون لأحزاب السلطة عن مخرجات مدفوعة الثمن على حساب "الوطن". ذلك لم يعد أمراً نادراً، إنما الذهاب إلى ما هو أخطر، إستخدام ما يعرف في علم النفس السياسي "ارباك المشهد" بمعنى إحتواء المتظاهرين وإحداث صراعات متباينة في صفوفهم، وبالتالي إنتاج حالة من الاضطرابات "المندسة" في سوح التظاهر لتحييد الموقف الثوري وخلق نوع من عدم التوازن داخل التنسيقيات.

السؤال: هل من الممكن حدوث تغيير لهذه النمطية المربكة، التي أصبح "ولا أعمم" ما يسمى بالخبير الإعلامي والكاتب والمثقف السياسي "الاستقصائي"، يخرج بمثابة شرارة في وسائل الاعلام لوأد الانتفاضة التي كادت ذروتها أن تصبح ثورة شعبية تنتهي بسقوط النظام الطائفي برمته؟.. الكارثة أن الاحزاب التقليدية العراقية، العلمانية اليسارية والقومية والليبرالية، ليس لديها رؤية ناضجة لإستقراء المستقبل، على الرغم من تغيّر نمط التفكير السياسي العام الذي طرأ بشكل هائل على العقل البشري أثر تفكك الدول الاشتراكية في تسعينات القرن الماضي. وما زالت تعاني من "جمود عقائدي" أدى الى عدم إستيعاب اللحظة الحاسمة نتيجة رؤى حزبية ديماغوغية ساذجة وردود فعل مرتبكة غالبا ما تكون قاتلة، خارج الواقع السياسي الموضوعي الذي مهد في مرحلة ناضجة للتغيير. "فمن يضيّع الفرصة سيحرم نفسه من الوصول إلى لحظة المقبولية". لذلك، "الجماهير" وحدها، التي إذا ما كانت مواقفها مرتبطة بنجاح الثورة وتفويضها تمثيل شعبي بعيدا عن سطوة الأحزاب ومصالحها الضيقة، تستطيع أن تحدث التغيير السياسي في اتجاه المستقبل وإعادة الحياة السعيدة والامان لكافة أبناء المجتمع العراقي دون تمييز. وهي ألتي يمكن أن تحقق الإصلاح المجتمعي لتقويم الحياة السياسية وخلق مجتمع خال من الظلم والاستهتار، الذي لازالت أحزاب وكتل طائفية خارجة على القانون تمارسه ولا تفكر إلا الاستئثار بالسلطة والامتيازات على حساب مجتمعات وطوائف ومحافظات منكوبة!.

على مدى أكثر من خمسة وخمسين عاماً يتعرض الشعب العراقي بكل مكوناته للعنف السياسي الذي تمارسة القوى المتنفذة في الدولة. ويتعرض العراق اليوم الى عدم الاستقرار والاقتتال الطائفي ومخاطر التقسيم بسبب الحروب والصراعات الاقليمية والدولية على أرضه. وبسبب مخلفات اسلحة الدمار، الكيميائية والنووية، التي استعملتها القوات الامريكية وحلفائها اثناء الحروب العديدة مع نظام صدام الديكتاتوري، لازال آلاف العراقيين يتعروض الى أمراض خطيرة كالسرطان والامراض الجلدية والتشوه الوراثي التي يذهب ضحيتها المئات سنوياً. بالإضافة الى إنهيار النظام الاقتصادي والصناعي والزراعي وتفاقم البطالة وتردي الاوضاع الصحية والتربوية والتعليمية وشحة الكهرباء والمياه الصالحة للشرب وانعدام الأمن وانتشار الجريمة المنظمة. أن قرار الحاكم الأمريكي بريمر بعد احتلال قوات التحالف للعراق في أذارـ مارس 2003 حل مؤسسات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، كان قراراً له دلالات سياسية متعلقة بمستقبل العراق ومستقبل الطبقة السياسية العراقية المعارضة آنذاك، الشيعية والسنية والكردية. حيث اعتبرته إستجابة طموحة لتأسيس "نظام حكم طائفي" تستند عليه. ألا أن الكثير من الدراسات الغربية تؤكد بأن تلك المؤسسات، أفرادها ومعداتها ومواقعها، لم يكن لها أية دور أو وجود بعد السقوط مباشرة. ولولا ذلك القرار الخاطيء لما كان بإمكان داعش من السيطرة والانتشار. وتشير أيضاً الى ما هو أخطر، من أن ميليشيات احزاب السلطة تمكنت من اختراق كل تلك الأجهزة ومؤسساتها بالشكل الذي يضمن هيمنة الأحزاب المتنفذة وإشاعة الفوضى السياسية على نحو طائفي أنتج الويلات والانهيار الكامل للدولة ومؤسساتها. الأمر الذي زاد من سوء الاوضاع الاقتصادية والامنية والانسانية والمجتمعية التي باتت تهدد السلم الأهلي وتعرض البلاد للخطر. 

أنتجت الأحداث والازمات المتراكمة ظهور جيل جديد داخل المجتمع، سيما بين قطاعات واسعة من الشباب، يحمل أفكاراً نهضوية معاصرة لاحتواء المشهد السياسي وإنهاء هيمنة الاحزاب الطائفية الفاسدة وقواها الفعلية في الدولة العميقة، ومحاربة الفساد الاداري والمالي واستعادة الدولة هيبتها. تعرضوا خلال ذلك للعديد من محاولات القتل والاختطاف امام مرآى أجهزة الأمن والشرطة، كان آخرها ما حدث في سوح التظاهر في أكثر من سبع محافظات في الوسط والجنوب خلال الاحتفال بالذكرى السنوية الاولى للانتفاضة من احتلال وتخريب وحرق للخيم والإعتداء بالسلاح الناري والقنابل على المتظاهرين من قبل قوى وميليشيات مسلحة تنتمي لجهات مشاركة في السلطة.. لم يكن ذلك غير متوقع، إنما ان تصل الامور الى هذا الحد من الوقاحة والسخرية والسذاجة!.. أنه لأمر غريب ترتكب شتى الجرائم اللاانسانية وتُنتهك كل المقومات الاساسية لحقوق الانسان ومؤسسات الدولة، وتُعرض مبادئ الدستور وحفظ الأمن والقوانين العامة للإنتهاك ويتفاقم تحكم الاحزاب الطائفية في قرارات الدولة، دون رادع قضائي أو قانوني.

في ظل كل هذا الاستهتار والهيمنة السياسية واستمرار إرتكاب الجرائم والتسويف، ليس أمام سوح التظاهر وتنسيقياتها في جميع محافظات تواجدها، سيما وان الانتخابات مقبلة وينبغي فرز الغث من السمين قبل فوات الآوان، إلا الذهاب إلى أبعد ما يمكن لتوفير المناخ الطبيعي لتشكيل لجنة تنسيق جامعة تختار بين صفوفها النزيهين والمخلصين من العراقيين، قانونيين وأكاديميين ومثقفين وإعلاميين، تتحدث بإسم كل الساحات والمتظاهرين، كما لها حق التعبير والتفاوض بإسمهم في اية محفل في الداخل والخارج وفق مقررات جماعية مدروسة.. وإذا ما عدنا للسؤال الذي يشغل بال العراقيين على مدى سنوات: هل من إمكانية لإحداث تغيير جذري في العملية السياسية؟. يتطلب من القوى والاحزاب الوطنية العراقية خارج منظومة الكتل والاحزاب المستأثرة بالسلطة، ان كانت مؤمنة بحتمية الصراع كي "نكون أو لا نكون" لاجل مصير شعب ووطن ؟، ان تنظر بجد الى مسألة التحالفات فيما بينها كمبدأ لتحقيق بناء جبهة وطنية واسعة، تستطيع أن تشكل قوة فاعلة في المعادلة السياسية لإحداث تغيير سياسي باتجاه دولة المواطنة التي تكفل المبادئ والقوانين المعلنة في  ميثاق الامم المتحدة شرعيتها وباتت مسألة آنية بالغة الأهمية لإنهاء مخلفات العهود المظلمة. ان تحقيق هذا الهدف الوطني النبيل، يقتضي اتخاذ موقف عملي ثابت وصريح من جميع القضايا الهامة وفي مقدمتها تغيير نظام الحكم الطائفي وتعديل الدستور بما يتناسب وطموحات المجتمع العراقي وأمن المواطن وضمان حرياته، بعيداً عن المساومات والمصالح الفئوية والحزبية الضيقة، ومن اجل المصلحة الوطنية العليا فقط. وإذا كانت الاحزاب غير قادرة على لم صفوفها لمواجهة التحديات بما تقتضيه المصلحة الوطنية العامة، فعليها من باب المسؤولية الأخلاقية على اقل تقدير، ان تضع مسألة تعرض المصالح الوطنية العامة ومنها "الثروات الطبيعية والممتلكات المالية والعقارية والاراضي الحدودية والمياه" التي اعتاد مسؤولين في الدولة التفريط او التبرع بها سراً لدول الجوار وحكامها، واحدة من مسؤولياتها الوطنية التي يجب ان لا تمس بدافع مصالح سياسية أو فئوية. إنما هو من ناحية النضج السياسي إذا ما أرادت الأحزاب إعتباره من أولويات المقررات التي تختبر وجودها، أمراً على المستوى القانوني والدستوري لا يقبل الجدل.

 

عصام الياسري

 

 

احمد سليمان العمريما هكذا تورد الإبل يا ماكرون

«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة في فرنسا من أصول غير فرنسية وللمسلمين عامّة؟ ولأنّنا نتحدث الآن عن حريّة التعبير فإنّني استحضر بالضرورة مقولة وزير الخارجية الفنلندي السابق «تيمو سويني» عندما صرّح في إحدى لقاءاته بأنّه لا يفهم عندما تسمّى السخريّة من السود عنصرية والسخريّة من اليهود معاداة للسامية والسخريّة من النساء اضطهاد المرأة، لكن عندما نسخر من المسلمين فإنّنا نسميها حريّة التعبير. علّنا نستشفّ من هذا الوصف الضعف الذي تعانية شعوب المسلمين في أرجاء العالم، أو على الأقل الدول التي تدّعي تبنيها النظام الإسلامي في الدولة. المسألة هي معايير قوة لا غير، فحتى الماضي القريب كان الغربي يتزيّن ويفاخر بإرتدائه الطربوش التركي، حتى أنّ رئيس بلدية فرانكفورت في بداية ستينيّات القرن الماضي خرج بفرقة موسيقية لإستقبال أول مجموعة دخلت ألمانيا لإعمارها بعد الحرب العالمية الثانية، بينما اليوم لا تخلو النِكات الألمانية من كلمة تركي.

سؤال يجيبه واقع ضعيف للدول العربية، وهم مادة الإسلام. لو عدنا قليلاً للوراء وتمعّنا أحداث الشغب في 2005م التي عمّت جميع المدن الفرنسية لوجدنا أنّ النهج الحكومي الفرنسي، وليس حصراً الرئيسي الحالي «إيمانويل ماكرون» هو التقليل من شأن الجالية المنحدرة من جذور مغاربية وأفريقية ومعها الإسلام هو السبب الرئيس من وراء تلك الأحداث التي شلّت الحياة بشكل  كلّي.

فقد دفع التهميش والشعور بالاحتقار والبغض من السياسيين ورجال الشرطة وإهمال تعليمي ووظيفي ونقص النشاطات الاجتماعية والثقافية على مدار أكثر من 30 عام جيل التسعينات الساخط على واقع ليقوم بثورة وصفها  وزير الداخلية آنذاك  «نيكولا ساركوزي» بوصف وقح وغير حكيم «رعاع الضواحي» ليثير الشارع الفرنسي برمّته، بدل احتواء غضب الشباب الذي تُمارس عليه الدولة سياسة إقصاء ممنّهج تدّل على فشل دمجهم أو تعمّد عدم دمجهم.

إبعاد الملايين من المجتمع وضمّهم في مجمّعات سكنية مكتظّة ومهملة تشبه العشوائيات، بعيدة عن الحياة الفرنسية يجعلها قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة لتطيح بنظام حريّات مكذوب هو فشل نظام دولة، لم يستطع منح هذه الشريحة الإحساس بأنّها جزء من هذا الكيان على صورته ومثاله .وهذا ما يفسّر إلى حدّ ما العنف الراهن وجرائم القتل البشعة غير المبرّرة والمرفوضة شكلاً ومضموناً.

أين الحكمة من وراء جزئية بسيطة من حريّة التعبير - لو سلّمنا بهذا النوع من الحريّات - يقوم بها رئيس وزراء دولة لاستفزاز ما يقارب الستة ملايين مسلم؟ حسب دائرة الإحصاء الألمانية، وقد يصل العدد إلى تسعة ملايين، والتفاوت بين الرقمين يعود سببه إلى عدم إمكانية إحصاء أعداد المسلمين في فرنسا إلّا بشكل استقراءات واستطلاعات مختصّة غير رسمية، حيث تحظر قوانين الجنسية الفرنسية ومناهضة التمييز إجراء الدراسات الاستقصائية حول الإنتماء العرقي والديني.    

ما هو التصرف الأكثر حكمة في هذه المعادلة؟ هل يجب التصرّف ببرود وإهمال الرسومات المسيئة وقرارت ماكرون لسببين أولهما، أنّ النبي الشريف صلّى الله عليه وسلم منذ صدر رسالته وكلّ المكذبين به يسخرون منه حتى بعض عمومته تجاوزوا لينعتوه بالجنون، ولم تغيّر السخرية إلّا بتزايد أتباعه، والثاني بأنّ هذه الرسومات الساخرة لن تسيء حقيقة لشخص الرسول أو رسالته السماوية؟ أم أنّ التفاعل العربي والإسلامي والذود عن نبي الأمّة ضرورة، وهي بعض من الإيمان به، متمثّلة بتصديق رسالته والإيمان بجميع ما جاء بها، وطاعته في أمره ونهيه ونصرته بالنصيحة ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه وإحياء سنته ونشر دعوته ونفي التهمة عنها، وخاصّة تعمّد الحكومة الفرنسية بعد مقتل المعلم تبني الرسوم ونشرها في جميع المدارس.

 كلّنا يعي بأنّ أي نوع من النقد لكتاب أو كاتب هو حقيقة سبب شهرته، فلو ضربنا سلمان رشدي مثالاً عندما صدر كتابه  «آيات شيطانية» لم يكن يعرفه أحد، وعندما أصدرت إيران حكم الإعدام الغيابي بحقه وصل كتابه إلى لائحة الكتب الأكثر قراءة، وأنا واحد ممّن اقتنى كتابه وقرأه. أحداث 11 أيلول/سيبتمبر التي شهّرت بالمسلمين بشكل غير مسبوق كانت سبباً لدخول أمم في الإسلام أثناء بحثهم عن هذا الدين الذي يحثّ على القتل، حسب وسائل الإعلام الأمريكية آنذاك ولغاية اليوم.

الذي حدث لسلمان رشدي من نقد وشهرة هو ذاته الذي يحدث اليوم للمجلة الفرنسية «شارلي إيبدو»، حيث تشير تقارير صحافية إلى لجوء الأخيرة كلّما تدهورت مبيعاتها وتعرّضها لمشاكل مادية إثارة ضجّة لزيادة التوزيع من خلال استفزاز المسلمين برسوم مسيئة لنبيهم، وهو ما أكدّه مؤسّس ومدير المعهد الفرنسي للدراسات الدولية والاستراتيجية «باسكال بونيفاس» حيث إتّهم المجلّة بأنّها تلجأ لاستفزاز المسلمين من خلال الإساءة للرسول كلّما تدنّت مبيعاتها، بدليل أنّها باعت كل نسخها في عدد عام 2012م البالغة 75 ألف للمرة الأولى جرّاء الرسوم المسيئة، وهي تسير منذ ذلك الحين على ذات النهج. علّها نجحت بزيادة المبيعات أيضاً هذه المرة أكثر بكثير من العام الآنف ذكره، غير أنّ الدولة الآن برمّتها تعاني وستعاني أكثر من تردّي مبيعاتها في الدول الإسلامية، فقد أظهرت صور وتقارير خلو «كافور» المجمع التجاري في قطر من الزبائن، كما هو الحال في الأردن وتونس والمغرب والكويت والسعودية وكثير الدول التي بدأت شعبياً أكثر من القرار الرسمي بمقاطعة المنتجات الفرنسية.

فهل مجلّة شارلي إيبدو هي التي تجرّ وراءها سياسي ركيك متسرّع مثل ماكرون نحو الهاوية ومعه فرنسا؟

لو سلّمنا جدلاّ بأحقيّة فرنسا ممارسة حريّة التعبير التي تتضمّن إساءة النبي العربي، فلماذا تصف فرنسا المقاطعة لمنتجاتها هي حصراً من مجموعات راديكالية؟ لماذا لا تسلّم بالمقابل بأحقيّة الدول الإسلامية ممارسة حقّها بإختيار بضائعها دون إسدال التهم التعصبية لها؟ فرنسا لا تريد تحمّل تبعات حريّة التعبير المكذوبة، فهي ما زالت تظنّ بنفسها المستعّمر لشعوب بائسة مسلوبة الإرادة.   

قالت حكماء العرب في الماضي العقل أَفضل مرجُوٍّ، والجهل أَنكى عدُوٍّ، ويقول القانون العشائري ضرورة وجود الجهلاء في العشيرة تماماً كضرورة وجود حكمائها، فالحق الذي لا يستردّه الحكيم بالعقل يُعيدهُ العاقل بالجهل. قرارات فرنسا غير الحكيمة التحريضية المسيئة للنبي من شأنها خلق أشخاص مثل إبراهيم العيساوي - وهو لا ينتمي إلى أين تنظيم إرهابي - أتى من إيطاليا ليقتص لنبيه بطريقة لا تختلف كثيراً عن السياسة الفرنسية في كثير الدول، وهو شاب لم يتم الإثنين وعشرين عام ليقتل ثلاثة أشخاص طعناً في إحدى كنائس مدينة نيس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2020م، وهو صنيع لا محال مرفوض وغير مقبول في أرض ولا سماء، فهل هذه الحادثة البشعة هي تمخُّض عن سياسة فقيرة؟ أم أنّ القادم أسوأ في ظلّ تعصّب ماكرون في موقفه لإستفزاز المسلمين من خلال تصريحاته الأخيرة وتبريرات ركيكة عنها، عبر قناة الجزيرة.

وأخيراً أُنهي بقول الرسول محمد أشرف الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام: «ما اكتسب المرءُ مثل عقلٍ يَهدي صاحبهُ إلى هُدى، أَو يردّهُ عَن ردى».

 

دوسلدورف/أحمد سليمان العمري

 

 

عبد السلام فاروقالدروس الخصوصية اليوم باتت الملاذ الوحيد فى مدارس بلا تعليم أو شرح. لا أعلم كيف تفتق ذهن وزارة التعليم عن فكرة التعليم بدون شرح، ولمصلحة من؟

تلك الوزارة التى أدمنت التصريحات المربكة المتناقضة التى يحار الجميع فى تفسيرها بما فيهم مسئولى الوزارة أنفسهم! التعليمات الواضحة أن الشرح ممنوع فى الفصول، والمعلم ممنوع من تحضير الدرس على النهج الذى اعتاد أداءه طوال عمره . حتى أن بعض المدرسين تم تحويلهم للتحقيق لمجرد أن توجيه المادة قبض على المدرس وهو يمارس الشرح فى الفصل رغم التعليمات المؤكَّدة والواضحة من الوزارة بالامتناع التام عن مثل هذا الشرح لأن وقت الحصص لا يكفى !

الغريب أن التصريحات والتعليمات تؤكد على الناحية الأخرى أن الامتحانات فى موعدها، وأن التقييمات الشهرية ونصف السنوية باقية على أساس الامتحان التحريري المعتاد، فكيف يتفق هذا مع ذاك؟

حجة الوزارة تشجيع القنوات التعليمية التى ليس لها فائدة تُذكَر، ولا تكفى بطبيعة الحال بديلاً عن الشرح التفصيلى والمتابعة اليومية فى الفصول المدرسية .

الحجة الأكبر التى يتوارَى خلفها النظام التعليمى الفاشل (كوفيد19). وكأن كورونا هو الذى أفسد علينا التعليم كأشياء كثيرة فسدت بفعل فاعل، والمتهم ظلماً وباء كورونا . والحقيقة الواضحة أننا نسير عكس الاتجاه السليم بفضل وزير يتشبث بمنظومة تطوير أثبتت فشلها الذريع. وأهدر من أجلها ملايين الجنيهات دون جدوى حقيقية.

إن الذى حدث أن جميع الأسر المصرية باتت تعانى أشد المعاناة من تكلفة الدروس الخصوصية التى تضاعفت بسبب احتياج معظم الطلاب لأغلب المواد الدراسية بعد انعدام وجود الشرح بالمدرسة، ولأن الدرس الخصوصي بات ملاذاً وحيداً ورسمياً تشجعه الوزارة .فقد أصبحت الدروس تمثل عبئاً ثقيلاً على الجميع، وبات التعليم على ما فيه من مثالب هو الشبح الذى يطارد البيوت. فأى تعليم بقيَ فى مدارس بلا شرح ومعلمين لا همَّ لهم إلا تحفيز الطلاب على حجز الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية؟!

لماذا تصر الوزارة على ابتكار حلول عقيمة فى كل مرة؟ ولماذا لا تكتفى بتقليد النموذج العالمى للتعليم عن بعد فى زمن الجائحة؟ لماذا الإصرار على تعذيب الأسر المصرية والطلاب، ومن قبل هذا هدم التعليم حتى لدى المعلمين أنفسهم، بعد أن استناموا لطريقة التعليم منزوع الدسم والشرح. والتى أسلمتهم لحالة غريبة من الكسل والانتهازية ذات الطابع الرسمى؟!

يا أيها المسئولون عن التعليم فى مصر ارفعوا أيديكم عن التعليم قبل أن يتم القضاء على البقية الباقية منه. وإذا كانت خططكم ومناهجكم قاصرة عن تحقيق التطوير المزعوم  فاكتفوا بالنماذج التقليدية المعروفة التى أثبتت فعاليتها وما أكثرها. ألم تكتفوا بتحويل التعليم إلى بيزنس و"سبوبة" تتهافت عليها المدارس الخاصة والدولية ومدارس اللغات ؟ ألم تشبع البطون من عائدات مجموعات تقوية يعود أكثرها على المسئولين الكبار بينما تتبلغ المدارس بنسبة قليلة من هذه العائدات؟

 التعليم بات اليوم طريقة للتعذيب والابتزاز بدلاً من أن يصبح وسيلتنا لغد لا أعرف كيف أتفاءل بأنه سيغدو مشرقاً يوماً ما!

 

عبد السلام فاروق

 

 

الطيب بيت العلويبل هو عرض للمرض الإمبريالي

كانت القوانين الدورية العادية في حياة وموت الدول،  العظيمة في البداية، عبارة عن طغيان القوي الإستبدادية  التي يحطمها التمرد، ورغبة الشعوب في التمتع بالحرية وإساءة استخدامها – ثم العودة إلى الاستبداد مرة أخرى. كما أراها في هذا البلد -أمريكا- أرض المثالية الأكثر برقعة وثباتًا، والأكثر بهتانا وسخافة في آن واحد - فإن السباق-هنا- هو بين انحطاط هذا البلد وحيويته. "- السياسي والمؤرخ الأمريكي  أليستير كوك

 ترامب أذكى وأخطروأكثردهاء من أن يُقزم أوأن يُحتقرأوأن يُختزل إلى أمي مجنون، أومجرد تاجر سمسار، أو مهرج أحمق معتوه  !وإن الناظر إلى أمثال هذه الشوارد،  ليجد أن الغالب عليها  التسطيح والإنحياز، وليست بحقيق الفكرخليقة، أو بالتحليل السياسي جديرة.

وبعد،  فمن جهة أولى، فإن تحميل ترامب وزرالإنحطاط الأمريكي، فتعجيل في القول وترجمة للظنون، وما الرجل سوي عرض للإنحطاط الأمريكي وليس السبب فيه أو في نشأته،  بل كان الوريث الطبيعي لمسارطويل لأقصرحضارة الأكثرغرابة  في التاريخ، بدأت بالهمجية لتنتهي بالإنحطاط.-على حد تعبير الشاعرالإنجليزي اللورد بيرون.-

 ومن جهة ثانية، فإن ترامب لم يسقط من النيازك العليا،  فهومنتوج عضوي للإستثناءات الأمريكية:  التاريخية والثقافية والدينية والبيئية والجغرافية، حيث تقاسم فيها الحزبان الرئيسيان* قائمة الأكلات* والطباخ والمطبخ واحد. 

فيستحسن،  من هذا المنظور،  إعادة النظر في الظاهرة ترامب، عبر محاولة تفكيك شخصيته وعقليته وثقافته وميوله الدينية التي إستقاها من التربة الأمريكية كمثل سابقيه .

 والسؤال الهام المطروح اليوم:  لماذا يحاول ترامب التشبث بكرسي الإمبراطورية، ومجابهة المخاطر المرتقبة جراء تحديه لأعدائه وللدولة العميقة؟ 

والإجابة: لن نجدها - معرفيا وعمليا- في النبش في  الترهات المذاعة والمكتوبة حول ترامب منذ خمسة سنوات، أو في التنقيب الغير المجدي في المناوشات الحزبية المسرحية للديموقراطيين والجمهوريين – والمسألة في الأصل أعقد من ذلك بكثير، كما أن أنواع هذه المقاربات التسطيحية، هي نهج مضلل يُعمي أبصارنا عن التفكيك العلمي والمنهجي*للغزترامب*1- ويمنعنا من إستيعاب صلب المعضلات الأمريكية الحقيقية ذات الوجه الواحد في المضمون والإختلاف في التمظهرات،  التي خربت دولا وأمما في المعمورة منذ الستينات حتى اليوم، أكثرمما خربته الحربان العالميتان ، والتي قد تؤدي إلى دمار البشرية كلها.

 

 

 

 فمن ناحية أولى، وعند بغية إكتناه مسوغات الساسة الأمريكيين في غزوالعالم وتدميرالحضارات، يجب أولا   القيام بتفكيك *التركيبة الخيماوية* المعقدة للإستثناءات الأمريكية وهي:   

- مذهب السيادة الرومانية Imperium، .تقاليد العهدين القديم والجديد. أمريكا أرض الميعاد وإسرائيل الجديدة والدولة الصليبية. صليبية القرون الأوسطية .ماسونية المؤسسين الخمسة الأوائل للدولة -وهم أباء الأمة الذين أثروابشكل مباشرفي الثورتين الفرنسية والإمريكية:  وخاصة جورج واشنطن أبوالأمة والملقب في أدبيات السياسة والثقافة الأمريكية ب* النصف إله*/وهومن أهم رموزالحزب الجمهموري* وبينجامان فرانكلين: العبقري الفذ في كل المجالات المعرفية -المادية والروحية- والملقب ب* المواطن الكوني الأول*المؤثرفي فلاسفة التنوير الفرنسي،  وخاصة فولتير ومونتيسكيو،  /وهو من أهم رموزالحزب الديموقراطي /مذهب مونرو.نفعاية وبراغماتية وليم جيمس وجون ديوي. مبدأ ويلسون أوالليبرالية العالمية.مذهب الإحتواء: أومذهب فرانكلين روزفلت -الديموقراطي وترومان-الجمهوري. مهمة الرجل الأبيض المتدين الماسيحاني الفحل الذكوري . أمريكا *الطيبة والشريرة* المنقسمة على نفسها بين المثالية والنفعية،  وبين التدينية والتقدمية الإمبريالية والواقعية السياسية .

وهذه العناوين تصب كلها في خانة *الإستثناءات الأمريكية *وهي القاسم المشترك والنصيب الجزئي لكل رئيس أمريكي منها -جمهوريا كان أم ديموقراطيا-وهي عناوين لن نجدها في أية حضارة أخري-قديمة أم حديثة-

ومن ناحية ثانية،  ومن أجل فهم الترامبية خارج مهاترات الشتم واللعن،  فيجب النظر في*العالم الموازي* والرؤية المعرفية الكونية لترامب عن طريق محاولة دراسة مراحل حياته الأولى في فترة المراهقة والشباب، ثم مراحله منذ أن أصبح في الثلاثينات وهي مرحلة السبعينات من القرن الماضي وهي المرحلة المفصلية التي أسست لشخصية ترامب الحالي:  

- دراسة الأطروحات /التربوية-العقدية- الإيديولوجية/  لمربي ترامب الروحيين والإيديولوجيين،  مثل ديل كارنيغي  في الخمسينات والقس البروتستانتي* نورمان فنسنت بيل*-في الستينات-مؤسس عقيدة *لا هوت النجاح*-التي كان ترامب يحفظها غيبا -مثل حفظة القرآن عندنا -.

 وكان هذا القس هو المؤثرالروحي-  العقدي،  والعملاتي -التجاري،  في نفسية وعقلية فريد أبو ترامب في الستينات،  الذي كان الراعي للكنيسة الإصلاحية البروتستانتية،  التي تأسست في عام 1628.وكانت ترتادها عائلة ترامب لما يزيد عن خمسين عاما، وتزوج فيها ترامب دينيا بزوجتيه الأولي والثانية.

- يعتبر كتاب هذا القس المعنون ب"قوة التفكيرالإيجابي" والأكثرمبيعًا في الخمسينات،  وكان اللبنة الأولي لتكوين  شخصية ترامب  في مراهقته وفي باكورة شبابه حيث زرع نورمان فينسنت بيل في عقلية ترامب فسلة التفاؤل والنجاح المادي والروحي. ومعاداة *المارقين عن الدين* الديموقراطيين،  وكيفية الإستدارة على المحرمات مثل الربا والإستغلال والتحايل على سرقة الدولة والتهرب من أداء الضرائب،  وكان هذا القس المربي الروحي أيضا لريتشارد نيكسون،  وريغان، ومعاديًا بشدة لجون كينيدي الكاثوليكي  والديموقراطي،  وكان معجبًا برجال الأعمال الأثرياء ولو كانوا سفلة ولصوص ومنحرفين.  

وعن طريق هذا القس تمثلت ذهنية ترامب  كيفيىة إستيعاب التأثير* الإنجيلي المُؤَمْرَك* أوالتأثر بما يسمى بموجة المحافظين الجدد، المؤصلة لمشاريع تشكيل وصياغة /الجيو– السياسية الدولية / على المقاس التوراتي -/وخاصة مع الرئيسين الجمهوريين رولاند ريغان وبوش الإبن، / 

وعلى ضوء هذه المسلمات  يمكن إستيعاب الرؤية الخصوصية الترامبية للشرق الأوسط، وفهم كرهه الشديد للفلسطينيين،  وحقده على ما تبقي من الأنظمة العربية القلية المناهضة  لإسرائيل،  وإحتقاره للخليجيين،  بسعيه لجعلهم قردة خاسئين/وهم لا يعلمون- ومجرد *غوييم* مطيعين لأصفياء بني إسرائيل، بجعل القدس العاصمة الأبدية للكيان العبري، وصفقة القرن– ومنح الجولان  السوري المحتل إلى ناتانيهو، وكراهيته اللاعقلانية   لطهران، وإغتياله لقاسم السليماني وأبومهدي المهندس،   

- أعيد القول بأن فترة أوائل السبعينات كانت مرحلة نضج  في حياة ترامب، وأهم مرحلة إنتقالية توضحت فيها لترامب الآفاق اللامحدودة لطموحاته اللانهائية، عندما إرتبط ترامب منذ عامه الثاني والثلاثين بمافيات نيويورك-مثل والده وجده-عن طريق منظره ومربيه ومستشاره الشخصي*روي كوهن*:  ذلك المحامي  اللامع المستهتروالفاسد،  الأكثرإثارة للرعب في أمريكا   في الستينات وأوائل السبعينات المستشار-زمنها- للسيناتورمكارثي في أزمنة المكارثية الفظيعة، وواحد من أقوى الشخصيات وأكثرها رهبة في نيويورك،  المتوفي بمرض الإيدز في عام 1986 .

وقد شكّل هذا الرجل-المثيرللشكوك والتساؤلات-تلك الورقة الرابحة بين أيدي ترامب -كمقاول ورجل أعمال شاب، -حيث تُوج  كملك غيرمتوج في نيويورك  داخل *النادي النيويوركي المغلق للنخبة النيويوركية*الذي كان   معظم أعضائه من الصفوة اليهودية ومن خُلَص الأثرياء-  يعاملون النخب السياسية والثقافية والفنية الأمريكية مثل حثالات وصعاليك متسكعين،   

إستوعب ترامب منذ عام 1973 أنه لا مكان للأخلاق  والمبادئ  والمثل والثقافة والقيم العليا في بلاد العم سام، في أي مجال من المجالات،  فحقق ما لم يحققه أحد من أقرانه وجيله ومعاصريه.وما يزال المتخصصون في الترامبية  يتساءلون عن السر الكامن وراء صمت القضاء الأمريكي عن تجاوزه للخروقات القانونية طيلة حياته، ولم يتم قط الحكم عليه 

وبإختصارشديد، فإذا فازجو بايدن -رسميا-فمن المستحيل تجاهل 71.9 مليون أمريكي أعربوا عن دعمهم  اللامشروط لدونالد ترامب-ولو كان مجرما- 

وفي الواقع، لقد فعل ترامب شيئا أكثرتأثيرا داخل المقاومة الترامبية،  حيث نجح في توسيع قاعدته الجماهيرية، أكثرفأكثر، لتكون أكثرتعصبًا وتلاحما ضد الديموقراطيين /يفتقد الديموقراطيين المنقسمين على أنفسهم و المتعددي الإتجاهات  في داخل الحزب/- حيث أن معظم الذين صوتوا لصالح بايدن،  فلأجل قطع الطريق على ترامب وإنهاء  كابوس الترامبية.

فكيف نفهم إذن، هذه الظاهرة التي تقسم أمريكا بشدة؟ماذا تغطي؟ وماذا يخبؤه ا لمستقبل للولايات المتحدة ؟ ولمستقبل البشرية؟الأجوبة لن نجدها في  ثرثرات *ما بعد الأمركة- التي تعيشها وتعاني منها الأنظومة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، وظهوردول طموحة صاعدة لا تقبل بالقطبية الواحدة لأن العالم-خارج الرؤية الأمريكية المتكلسة العتيقة- هومن السعة الجيوغرافية، والغنى الاقتصادي والتنوع العرقي،  والثراء الأصيل الثقافي والحضاري،  بحيث يستحيل أن تنفرد الولايات المتحدة على الإستفراد بالسيطرة عليه.

فإلى متي ستحارب أمريكا من أجل صيانة الكيان العبري؟/: عنوان بحث/ تاريخي-جيو-سياسي/   للمفكر المحاضر الفرنسي François Roby في مجال العلوم الفيزيائية بجامعة *بو* 

للبحث صلة

 

د. الطيب بيتي

 

ابراهيم أبراشوكأن العالم العربي والشرق الأوسط عموماً لا يكفيه ما به من صراعات وحروب ممتدة منذ بداية فوضى ما يسمى (الربيع العربي) بداية عام 2011، لتطفو على السطح مشكلة الصحراء في جنوب المغرب، حين خرقت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب والمعروفة اختصارا باسم (جبهة البوليساريو) الترتيبات المتوافًق عليها دولياً في المنطقة المحايدة منزوعة السلاح وعطلت الممر التجاري الكركرات وهو الممر الذي يربط المغرب بموريتانيا ودول جنوب الصحراء، وقد تصرف المغرب بعقلانية وبالحكمة المعهودة عنه لحل المشكلة بهدوء وبأقل الخسائر وأعاد الأمور إلى ما كانت عليه، وهو الأمر الذي أشادت به بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) وغالبية دول العالم المتابعة للمشكلة، إلا أن التدخل المغربي أثار جبهة البوليساريو التي أعلنت حالة الحرب.

تعود مشكلة الصحراء لعام 1974 عندما قررت إسبانيا التي كانت تحتل الصحراء منذ عام 1884 كجزء من احتلالها لمناطق أخرى في شمال وجنوب المغرب أن تنسحب من منطقة الصحراء، ولأن المغرب يعتبر أن له حقوقا تاريخية في الصحراء، التي تبلغ مساحتها 266,000 كلم2، فقد تقدم بطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة وإلى الحكومة الإسبانية في 23 سبتمبر 1974 لإحالة ملف الصحراء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لتبدي رأياً استشارياً، وقد أعلنت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري في 16 أكتوبر 1975، وقد رأى المغرب في الرأي الاستشاري للمحكمة ما يدعم وجود روابط تاريخية بينه وبين القبائل التي تسكن الصحراء، وتجنباً لأي صدامات سواء مع الأسبان أو مع جبهة البوليساريو المُشكلة حديثاً فقد دعا الملك الحسن الثاني لمسيرة مدنية سلمية أطلق عليها اسم (المسيرة الخضراء) وزحف يوم الخامس من نوفمبر 1975 مئات الآلاف من المغاربة (350,000) إلى الصحراء دون أي مواجهات مع سكان الصحراء.

 بعد المسيرة أعلن المغرب أن الصحراء أصبحت جزءاً من الدولة المغربية وباشر في تعمير المدن الصحراوية بإنشاء المشاريع الإنمائية من مصانع ومدارس وجامعات وطرق ومطارات بحيث تحولت من مناطق صحراوية إلى مدن وقرى حديثة كبقية المدن المغربية، أما جبهة البوليساريو مدعومة بالجزائر فقد عارضت الإجراء المغربي وطالبت باستقلال الصحراء، وبعد أن سيطر المغرب على ثمانين بالمئة من مساحة الصحراء اقترح منحها حكما ذاتيا تحت سيادته إلا أن جبهة بوليساريو تصر على الاستقلال الكامل للصحراء.

تداخلت مشكلة الصحراء مع العداء التاريخي بين المغرب والجزائر، فالمشكلة بدأت في منتصف السبعينيات حيث كانت العلاقات متوترة بين الجزائر والمغرب وهو توتر يعود لحرب الرمال التي اندلعت بين البلدين عام 1963 بسبب صراع على الحدود وخصوصا بالنسبة لمنطقة تندوف، ولأن المغرب كان آنذاك مصنفاً كنظام ملكي يميني تابع للمعسكر الإمبريالي الغربي والجزائر كدولة اشتراكية تقدمية محسوبة على المعسكر الاشتراكي وتناصر حركات التحرر، فقد ساندت الجزائر جبهة البوليساريو ومدتها بالسلاح والمال وأقامت لها مواقع ومعسكرات داخل أراضيها، ومجاملة للجزائر ودون معرفة دقيقة لخلفيات النزاع فقد ساند الجزائر آنذاك في هذا الموقف كثير من الدول الإفريقية بل وتم قبول الجمهورية الصحراوية عضو في منظمة الوحدة الافريقية الأمر الذي أدى لانسحاب المغرب من المنظمة، ولكن الأمور تغيرت بعد اتضاح حقيقة النزاع والعقلانية التي ميزت تصرف المغرب مع النزاع، وتراجعت غالبية هذه الدول عن مواقفها واعترف بعضها بمغربية الصحراء وأخرى وقفت موقف الحياد، وعاد المغرب للمنظمة الافريقية.

بعد فشل منظمة الوحدة الأفريقية في حل النزاع تدخلت الأمم المتحدة في عام 1988 وطرحت فكرة الاستفتاء حول مستقبل الصحراء، إلا أنه حدث خلاف حول تعريف الصحراويين ومن يحق له الاستفتاء وعاد التوتر مجدداً وفي عام 1991 وبقرار من مجلس الأمن تشكلت بعثة المراقبين الدوليين (المينورسو) إلا أن الأمم المتحدة لم تتمكن من حل الصراع.

استمرت مشكلة الصحراء بدون حل طوال 46 سنة تقريباً، المغاربة شعباً وحكومة وملكاً يعتبرون الصحراء جزءاً لا يتجزأ من المغرب، بينما جبهة البوليساريو التي أسست الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976 في المنفى في تندوف في الجزائر تطالب بتحرير الصحراء وترفض المقترح المغربي بمنح الصحراويين حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، وإن كانت تقبل بمبدأ الاستفتاء.

قد يكون التصعيد الأخير بين المغرب وجبهة البوليساريو له علاقة بإحساس الجبهة بأن قضيتها لم تعد محل اهتمام العالم وأن الدول المساندة لها تخلت عنها أو منشغلة بقضايا أكثر أهمية، فقررت لفت الأنظار وإحياء النزاع من خلال ما قامت به من استفزاز في المنطقة المحايدة، ولكن أيضاً هناك خشية أن أطرافاً خارجية عن الأطراف المباشرين للأزمة وراء التصعيد الأخير وتريد توتير الأوضاع في المغرب وبينه وبين الجزائر في سياق فوضى (الربيع العربي)، وهذه الأطراف أغضبها الاستقرار في المغرب وما يتم إنجازه على كافة المستويات بحيث أصبح المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس نموذجاً يمكن الاحتذاء به، كما أغضبها قدرة البلدين على امتصاص صدمة الربيع العربي وتجنب شرورها بأقل الخسائر وتريد جرهما إلى صدام موظفة في ذلك جبهة البوليسايو ومشكلة الصحراء.

 إن ترك مشكلة الصحراء للأمم المتحدة لن يؤدي لأي حل وقد رأينا كيف فشلت الأمم المتحدة في حل أي نزاع دولي قديم أو حديث، وكل ما تفعله الأمم المتحدة من خلال مراقبيها ومبعوثيها أن تسجل ما يجري من صدامات وتحاول منع التصعيد. إن حل مشكلة الصحراء لن يكون إلا بتفاهم جزائري مغربي وتجاوز خلافات وأحقاد الماضي ونحن على يقين بأن الدبلوماسية العقلانية للجزائر وحكمة المغرب ونزعته السلمية كفيلان بحل النزاع، وكلنا ثقة بالملك محمد السادس والرئيس عبد المجيد تيون.

 

إبراهيم أبراش

 

 

علاء اللاميشئنا أو أبينا، يبقى الرئيس الفرنسي ماكرون، في مداخلاته الإعلامية وأدائه الحكومي للحدث الديني الثقافي ذي العلاقة بالدين الإسلامي في فرنسا، محكوما بموقعه الشعبي والانتخابي في استطلاعات الرأي العام. خصوصا بعد هبوط شعبيته في الشارع الفرنسي بشكل ملحوظ، وليس بسبب ثقافته الشخصية ومهاراته الدبلوماسية التي لا ينظر إليها الكثير من الفرنسيين إيجابيا بالمجمل. هذا الربط بين الحدث والأداء الرئاسي خلاله، ليس اتهاما، بل هو واقع حال أكده الارتفاع الكبير والسريع في شعبيته بعد إدلائه بتلك المقاربات والتصريحات وفي التأييد الواضح الذي اكتسبه من قادة وقواعد وإعلام اليمين وأقصى اليمين واليمين المتطرف وحتى بعض اليسار التقليدي في بعض أجنحة الحزب الاشتراكي، لدرجة ضاعت فيها الحدود السائدة بين يمين الوسط الذي ينسب إليه ماكرون واليمن المتطرق وأقصى اليمين وبعض اليسار المتصهين.

وبلغة الوقائع والأرقام، فقد أكد استطلاع للرأي، أجراه "المعهد الفرنسي للرأي العام"، يوم 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أن نسبة التأييد الشعبي لماكرون قد ارتفعت لتصل إلى 46 بالمئة، في حين كان استطلاع آخر سبقه، أجره المعهد نفسه، بطلب من صحيفة (Journal Du Dimanche) في شهر حزيران /يونيو 2020، إلى أن شعبية ماكرون انخفضت إلى 38%!

إنَّ هذه الحسابات السياسية والانتخابية ليست هي العامل المقرر والفعال والنهائي، على ما فيها من تأثير على الأفعال وردود الأفعال الرئاسية والحكومية الفرنسية، وقد تكون حالة ارتفاع شعبية الرئيس هذه مؤقتة وعارضة في رأي عام فرنسي عرف بتقلبه الشديد ونقديته في النظر إلى الأداء الحكومي.  ولكنَّ هناك عاملا آخر لا يقل تأثيرا دخل في الميدان، وسيضر بماكرون بل وبالدولة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي أشد الضرر إلا وهو المقاطعة الاقتصادية التي دعا إليها أفراد وجماعات مسلمة غير حكومية في بلدان عربية ومسلمة عديدة، وطبقت فعلا، فأثارت قلقا بل وذعرا في الأوساط الفرنسية والغربية عموما. ولا يمكن أن نستبعد من التفكير أن المقابلة التلفزيونية التي بادر إلى إجرائها الرئيس الفرنسي مع فضائية قطرية "الجزيرة"، وحاول من خلالها "النزول عن الشجرة" بقليل من المهارة واللعب بالألفاظ تأتي في سياق مواجهة تلك الدعوات الشعبية إلى مقاطعة المنتجات والبضائع الفرنسية. صحيح، أن السلطات الرسمية العربية لم تؤيد أو تدعم هذه حملة، بل أن بعضها تبرأ صراحة منها، أو حاول التعتيم عليها وتوجيه أذرعه الإعلامية والسياسية للتثقيف بلا جدواها وبضرورة اجهاضها، وقد تمكنت فعلا من التخفيف من وطأتها ولكنها لم تنجح في وقفها تماما حتى الآن.

إنَّ أهمية هذا العامل القاعدي ربما تفوق أهمية غيره من العوامل، ولو سُمِحَ له أن يتسع ويتعمق لتمكن من تسجيل نقاط مهمة، وغيَّرَ بعض المعادلات السياسية الهيمنية في المنطقة. وحين يدرك الناس مستقبلا أهمية سلاح المقاطعة التجارية لدول الغرب ويشهرونه في الدفاع عن قضايانا العربية والعالم ثالثية المهمة والمصيرية الأخرى كقضية فلسطين والدعم الغربي والأميركي الهائل المقدم للكيان الصهيوني وضد الدول التي اعتادت مثلا على التصويت ضد القرارات التي تدين ممارسات الكيان ومجازره سيكون أو تلك التي تفرض الحصار وتسوغ العدوان الغربي على بلداننا وتؤيد الكيان الصهيوني في عدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه في الاستقلال التام وبناء دولته وعاصمتها القدس، فإن تلك الدول ستعيد حساباتها جذريا بكل تأكيد.

بالعودة إلى تصريحات ماكرون الأخيرة، فهو حين يقول إن (دوري هو أن أهدئ الأمور كما أفعل، وليس تبرير العنف بالصدمة)، لا يقدم نموذجا يحتذى في أساليب التهدئة: لا بالإجراءات القمعية التي اتخذتها حكومته ومنها قرارات الإغلاق او التضييق على المؤسسات والجمعيات الإسلامية المجازة والتي ذهب ضحيتها العديد من مدارس تعليم اللغة العربية والجمعيات الثقافية والدينية المجازة، ولا بالتصريحات المتواترة له ولرئيس حكومته جان كاستيكس الذي أدلى يوم 2 تشرين الثاني - نوفمبر بخطاب ناري ندد فيه (بالمساومات التي قامت بها أحزاب سياسية ومثقفون على مدى سنوات مع "التطرف الإسلامي"، داعيا إلى "معركة إيديولوجية" ضده. هذه المعركة إيديولوجية، والعدو يسعى أولا إلى تقسيمنا ببث الكراهية والعنف، وإلى كسر المجتمع الوطني). والواقع، فقد كان الأجدر بالسيد جان كاستيكس ان يندد بنفسه وبأفعال حكومات بلاده المتتالية التي لم تقف عند حد التبرير لما يسميه التطرف الإسلامي، بل بلغ الأمر درجة الدعم والتأييد والتبني وشحن الأسلحة والأموال ومنح الغطاء السياسي لجهات تكفيرية ضمن ما يسميه " التطرف الإسلامي" في ليبيا وسوريا وغيرهما.

إن السيد ماكرون، حين يحاول التخفيف من وطأة الإساءة لمقدسات الآخرين، يلجأ الى طريقة غريبة في التعامل معها بأسلوب تعميمها، فيقول مثلا إن مجلة "شارلي إيبدو" لم ترسم رسوما كاريكتيرية تسخر فيها من نبي الإسلام فقط، بل سبق لها أنْ رسمت وسخرت من جميع الأديان دون استثناء، ونشرت رسوما كاريكاتيرية عن البابا والحاخامات وعن المسيح ...إلخ. وماكرون هنا، شأنه شأن أي فرد من عامة الفرنسيين والغربيين يجهل أنَّ المسلمين يُجِلّون ويقدسون جميع الأنبياء التوراتيين والنبي يسوع المسيح أو عيسى بن مريم حسب التسمية القرآنية على جهة التخصيص، وأن القرآن، كتاب المسلمين المقدس، يحتوي على سورة طويلة ومهمة باسم أمه مريم، مثلما يُجِلّون ويقدسون نبيهم العربي الكريم محمد بن عبد الله، ويطلقون أسماء هؤلاء الأنبياء على مواليدهم، وهذا ما لا يفعل مثيله معتنقو الديانتين المذكورتين، والمسلمون بذلك يتفوقون عمليا على غيرهم في ميدان التعايش والتعامل الإيجابي مع الآخر عمليا بدفع من دينهم وقرآنهم.

وحين يقول الرئيس ماكرون مخاطبا المسلم الافتراضي أمامه (لن أقبل أبدا أن لا تحترم قانونا من قوانين الجمهورية بدافع ديني إذا كنت تعيش على الأرض الفرنسية)، فهو، كما قلنا، يخلط عمدا ما هو قضائي وجنائي بما هو ثقافي وديني، وصولا إلى اختراع مشكلة غير موجودة أصلا مع الإسلام الدين. ثم يحاول في تصريح تالٍ أن يوضح فكرته ويخفف من وطأة تصريحات أخرى سابقة فيقول (المتطرفون العنيفون الذين يعملون باسم الإسلام ويحرفون الدين ويعلمون انه لا يجب احترام فرنسا ولا قوانينها وبطريقة ما يعلمون الخروج على القانون ويعلمون أن المرأة لا تساوي الرجل، لن يحدث هذا عندنا أقولها بكل وضوح لن يحدث هذا عندنا). ورغم أن هذا الكلام ينطوي على تفريق لا لبس فيه بين الإسلام الدين والمتطرفين الإسلاميين الأفراد، الذين ينسبون أنفسهم إليه، لكنه منطقيا ينقلب ضده؛ فهومن جهة، يعترف ضمنا بأن المعنيين بالتجاوز وخرق القانون الفرنسي أفراد "متطرفون عنيفون" وليس عامة المسلمين بملايينهم الستة في فرنسا، وأن الأَوْلى أن يتم التعامل القضائي مع من يخرق القانون الفرنسي بغض النظر عن دينه، دون الزج بالإسلام والمسلمين كجماعة دينية، في هذا الشأن القانوني القضائي، فكيف العمل والحال هي أن هؤلاء "المتطرفين العنيفين" قد غُضَّ النظر عنهم من قبل الدولة الفرنسية بل وتم استخدامهم استخداما سياسيا ليذهب ضحية لممارساتهم العنيفة غالبية عظمى من المسلمين أنفسهم؟ 

نجد صورة واضحة لفكرة ماكرون الملتبسة، حول توظيف خطاب الدفاع عن حرية التعبير في السجال بشكل مقلوب، وبطريقة تنم عن اجتزائها لخدمة منطق الإساءة القصدية لمعتقدات ومقدسات ملايين الناس. يقول ماكرون حرفيا (حتى لو كنت لا اتفق مع هذه الكاريكاتيرات إلا أني أحمي من رسمها فهذا حق يمارس في فرنسا... يجب عليَّ أنْ أحمي هذه الحرية وهذا الحق في التعبير وأنْ تجري هذه الأمور باحترام). في هذه الفقرة، يتبين لنا بوضوح، أن ماكرون يدافع عن الحق في حرية التعبير المطلق، وبضمنها رسوم الكاريكاتير المسيئة والمستفزة لملياري إنسان مسلم. وهذا الحق، غير المقيد بظرف، مشفوع بالدفاع الحكومي عمن يمارس هذا الحق. ولكن العبارة الأخيرة في هذا التصريح، والتي تقول (على أن تجري هذه الأمور باحترام) تقلب أو - في الحد الأدنى- تحد من تطبيق هذا الحق! فهل تنطوي الإساءة إلى نبي الإسلام الذي يجله ويقدسه ملياري مسلم، او أي نبي آخر على أدنى احترام؟ لنقل إنَّ حق الاعتراض والتعبير عن الرفض السلميين مضمون لمن أساء إليهم هذا الحق، فهل يحسب العمل العنيف والإجرامي الذي يرتكبه فرد من المُساء إليهم على الرفض السلمي والتعبير عن الغضب؟ أليس المعيار الصحيح للتفريق بين مَن يحتج سلميا، وهم الغالبية العظمى، وبين من يحتج بالعنف المسلح والإجرامي، وهم أفراد معزولون ولا يستثنون المسلمين من عنفهم، هو القانون النافذ؟ وإذا اتفقنا على صحة هذا الاستنتاج، أ فليس المشكلة، هي مشكلة فردية قضائية قانونية، وليست مشكلة مع دين أو جماعية دينية ضخمة هي المسلمون؟ أين المشكلة إذن؟ هل هي في جوهر حرية التعبير أم في الاحتجاج على الإساءات الناتجة عنها؟ في الحقيقة المشكلة ليست في هذا الحق ولا في الاحتجاج، بل يمكن ان نقول لا توجد مشكلة على هذا المستوى الثقافي السياسي المجتمعي، بل هناك حالات عنف محدودة تمت إدانتها من قبل المُساء إليهم قبل غيرهم.

لنطرح السؤال بطريقة أخرى: إذا كان رئيس الدولة الفرنسية، قد تعهد بحماية نشاط فني ضمن منطق حرية التعبير، رغم أنه نشاط  ينطوي على استفزاز وإساءة لملايين الناس، ورفض أن يدين هذه الإساءة أو أن يمنعها - كما فعلت مثلا السلطات البلجيكية التي بادرت إلى اتخاذ إجراء تأديبي بحق مدرس آخر عرض تلك الرسوم الكاريكاتورية على تلامذته وأوقفته عن العمل كما نقلت الصحافة البلجيكية " صحيفة لو ليبر" عدد يوم 31 تشرين الأول /أكتوبر 2020 - فهل يمكن أن نسمي هذا الأداء الرئاسي متوازنا وساعيا للتهدئة بين مكونات المجتمع بهدف عزل "المتطرفين العنيفين" أم أنه كان منحازا ومفتقدا للتوازن والموضوعية؟ بكلمات أخرى: أين المشكلة إنْ كانت هناك مشكلة جوهرية وبنيوية حقا، هل هي في علاقة المسلمين بالدولة الفرنسية، أم بين الإسلام والمجتمع الفرنسي، أم إنها في مقاربات ماكرون السياسيوية وإدارته للحدث موضوع النقاش؟ إنَّ كل المؤشرات والمعطيات والوقائع على الأرض، والتي استعرضنا بعضها في هذا النص، تؤكد بما لا يقبل الشك أنَّ المشكلة هي في منطق ماكرون ومقارباته ذاتها أولا، وفي طريقة قراءته للشأن الإسلامي وعلاقته بالحدث الأخير وفي إدارته له ثانيا. وليس أمام ضحايا هذه الإدارة السيئة للأزمة وافتعالها مشكلة لا وجود لها بين الأديان، أو بين دين معين منها والدولة أو المجتمع، إلا أن يدافعوا عن أنفسهم بالوسائل السلمية وفي مقدمتها الاحتجاج والتثقيف المضاد والمقاطعة الاقتصادية بوصفها أشكال تطبيقية متاحة لحرية التعبير يضمنها القانون الفرنسي نفسه.

أختم بالاستدراك التالي، إنَّ القول بعدم وجود مشكلة جوهرية وبنيوية بين الأديان أو بين دين معين هو الإسلام والدولة أو المجتمع لا يعني عدم وجود تعقيدات وحوادث وأزمات طارئة في سيرورة العلاقات بين هذه الأطراف في الحياة الواقعية كأية ظواهر اجتماعية وسياسية تفرز تداعيات وردود أفعال مختلفة حتى بين معتنقي الدين الواحد والطائفة الواحدة، وأن مهمة الدولة ومؤسساتها وقيادتها تكمن في إدارة هذه الأزمات بشكل سليم ووضع الحلول الكفيلة بمعالجة أسبابها لتفادي تكررها.

 

علاء اللامي- كاتب عراقي

 

 

 

محمد بنيعيشأولا: الصحراء المغربية ومغالطات إعلام وسياسة الجزائر

كثيرة هي المغالطات التي تروج لها أبواق أعداء وحدتنا الترابية، وخاصة أبواق الجزائر الشقيقة الجائرة ومعها صنيعتها العاقة المسماة زعما بجبهة البوليساريو.

وتتلخص هذه المغالطة في رفض كل الحلول المعقولة والمقبولة قانونيا ودوليا وأخلاقيا وتاريخيا، وعلى العكس من ذلك هذا التشبث الأهوج بمزاعم حق تقرير المصير والمطالبة بالاستفتاء حيث ضعف الطالب والمطلوب.

والمضحك في الأمر هو ما تتناوله القنوات والتصريحات من أن دفاع حكام الجزائر عن الصحراويين من باب العقيدة السياسية والتحررية ومساندة كفاح الشعوب وما إلى ذلك من الأكاذيب والمغررات التي لا يصدقها واقع ولا حال.و"خيركم خيركم لأهله" فليعتني هؤلاء بمصالح ومشاكل شعوبهم قبل غيرهم" وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ"، ولا أريد التفصيل هنا !!!

في حين، وهذا هو المؤسف والمحزن حينما يتبنى بعض المحسوبين على الثقافة والعلم والفكر من إخواننا الجزائريين هذه الطروحات المشروخة وينعقون بها بشكل ببغائي مقلد على أسوأ وجه وصوت.وقد كان الأولى بهم العودة إلى التاريخ وملاحظة الواقع وتتبع النازلة من ألفها إلى يائها، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الحقيقة الناصعة.

فالمغرب بملكه ودولته وشعبه قد قدم حلا معقولا ووسطا ومفيدا لجميع الأطراف، منها المباشرة وغير المباشرة، ألا وهو مبدأ" الحكم الذاتي" لحفظ ماء الوجه للطالب والمطلوب، بل حفظ السلم والاستقرار بالمنطقة المغاربية والأطلسية والساحل الإفريقي عموما. وفي المقابل فقد كان الرفض من الجزائر والبوليساريو معا، وكان عض اليد الممتدة بالسلام و التمرد على الإكرام الذي هو بمثابة شهامة وحسن نية من المغرب تجاه هؤلاء الانفصاليين ومعهم داعمهم الجزائر الجارة الجائرة.

ومن هنا أرى بأن هؤلاء ربما قد غرقوا في حلم لذيذ ومرير في نفس الوقت، سيندمون على عروضه الواقعية والموضوعية حينما يستيقظون ولا يجدون أمامهم سوى السراب.تماما كما يحكى عن جحا بأنه "رأى في المنام وهو يطالب شخصا بتأديته ألف دينار بالتمام والكمال، بينما خصمه كان يقترح عليه تسعمائة وتسعة وتسعين دينارا .وبعد الأخذ والرد ومخاض الجدال استيقظ جحا مرعبا ولم يجد بجانبه لا ما عرضه عليه صاحبه ولا ما كان يطالب به !!!.فما كان منه إلا أن عاد إلى النوم وأغمض عينيه ومد يده قائلا :هاتني تلكم التسعمائة وتسعة وتسعون دينارا ولا أبالي.

فليقبل البوليساريو إذن بالعرض المغربي المتمثل في الحكم الذاتي، على الرغم من أنه يبدو لنا كتنازل عن حق مشروع، ولكنه في روحه كمبادرة سلمية لإرضاء جميع الأطراف وحل النزاع. وإلا فقد يفوتهم القطار فلا يجدوا من يعرض عليهم ولو دينارا واحدا فكيف بالألف !!! .

ثانيا: الواقعية التاريخية وحق المغرب في امتلاك صحرائه

وهذا الكلام والتصور قد بنيناه على معطيات علمية وواقعية، ينبغي لكل عاقل الإنصات إليها والتمعن في فقراتها، نذكر بعضا منها ملخصة في هذه السلسلة وهي:

- فقد تم استرجاع المغرب لأراضيه المغتصبة سلميا بعدما انسحب منها الإسبان وتركوها خلاء بلا حكم ولا إدارة.

- فضل الانسحاب وتحقيقه واقعا يعود إلى المغاربة ومخطط المسيرة السلمية الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى.

- لم يكن في الصحراء القاحلة في جل مناطقها، سواء قبل الاستعمار أو عنده و بعده دويلة تسمى بالدولة الصحراوية المزعومة، فهي كانت محكومة من طرف الدولة المغربية العلوية ثم جاء الاستعمار الاسباني، ومستحيل أن تكون قد حكمت من طرف الجزائر أو لها بها صلة ما، لأن هذه الأخيرة قد كانت دائما بدورها تحت التناوب الاستعماري، إما من طرف العثمانيين أو الفرنسيين، ولم تتحرر إلا بواسطة مساعدة الأشقاء العرب وعلى رأسهم المغاربة كمساعد رقم واحد.

- لما دخل المغرب العيون وضم الصحراء إلى وطنها الأم قام وجهاء المنطقة الجنوبية بتقديم الولاء وتجديد العهد للدولة العلوية وربط الجنوب بالشمال، إذ العودة إلى الأصل أصل.فكان أبناء وأحفاد الشيخ ماء العينين والشيخ خاطري الجماني وباقي القبائل الحسانية الشريفة أول من بادر بالاستجابة لهذا الواجب.

- وعند هذا الوضع قبل الملك الحسن الثاني بمبدأ الاستفتاء على ثقة منه بأن أبناء الصحراء الأوفياء لن يرضوا إلا بأصالتهم وانتمائهم التاريخي والروحي والسياسي للدولة والوطن المغربي العريق والعميق.

- إن المخادعين والمناوئين والمتآمرين حولوا هذا المبدأ إلى خدعة واستدراج وتحكم في اللوائح وتعداد السكان الأصليين الذين ينبغي أن يمارسوا هذا الحق بوجه قانوني .فعرضوا لوائح مزورة ومهيأة على مقاسهم وهواهم.و هذا التلاعب لا يمكن أن ينطلي على الداهية والسياسي المحنك الحسن الثاني، الذي كان يقرأها وهي طائرة في الهواء، كما يقال!!! فكان المطلب هو مراجعة اللوائح وإدراج كل السكان الأصليين والمكونات العرقية والطيفية واللغوية والجهوية للمناطق الصحراوية .إذ بهذا الوجه يمكن أي يتم الاستفتاء ويحسم الأمر.هذا مع أن الاستفتاء بهذه الحالة يبدو في غير محله، وهو ليس إلا تفضلا ومراهنة محسومة.لأن مالك الدار لا يستفتي أهله هل هي داره أم دار غيره !!! .

- غير أن الانفصاليين البوليساريو ووالدتهم، أو حاضنتهم غير الشرعية في الجزائر، أبوا إلا أن يتعنتوا ويخذلوا ويرعدوا ويزبدوا بغير طائل، فحملوا السلاح وأزهقوا الأرواح وتسببوا للمغاربة في خسائر ومضايقات كلفتهم أثمانا باهظة، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، ففتنونا نحن المغاربة أيما فتنة، وبغير مبرر شرعي ولا قانوني:" إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ". حتى إن الملك الحسن الثاني رحمه الله تعالى قد عبر، لما نفذ صبره واستنفذ كل محاولاته السلمية لحل المشكل، بهذا البيت للشاعر العربي عمرو بن كلثوم :

- ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

- إلى أن قال:

- أَنَّا المُطْعِمُونَ إذا قَدَرْنا             وأَنَّا المُهْلِكُونَ إذا ابْتُلِينا

- وأَنَّا المَانِعونَ لِمَا أَرَدْنا             وأنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينا

- وأنَّا التَّارِكُونَ إذا سَخِطْنا          وأنَّا الآخِذُونَ إذا رَضِينا

- وأنَّا العَاصِمُونَ إذا أُطِعْن         وأنَّا العازِمُونَ إذا عُصِينا

- ونَشْرَبُ إنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً   ويَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وطِينا

ثالثا: المغرب وملكيته العملية لتحديد المسار وتقرير المصير

من هنا فموضوع الاستفتاء و تقرير المصير يكون قد عف عليه الزمن وتجووز ولم يعد معقولا ولا مقبولا، اللهم إلا إذا أعيدت الأرواح لأجسادها وتم إحياء الموتى وأعيد العد لمن يمثل الصحراويين من غيرهم.وهذا من سابع المستحيلات.وإن شئنا قلنا فليكن الاستفتاء عاما يشمل كل الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة وسائر مناطق الصحراء المغربية حتى كلميم وطانطان وبوجدور وغيرها .وهذا ما لايطيقه الانفصاليون ومحرضوهم لأن النتيجة مسبقا ستكون لصالح الوحدة والالتحام بالوطن الأم: المغرب العزيز.

وكنظرة سريعة من أعلى على الصحراء المغربية نجد أن المناطق التي هي تحت سلطة الدولة المغربية قد أصبحت حضارية وعصرية ومزدهرة ومتمتعة بكل مظاهر الحداثة والرقي، أي جمال في جمال وأناقة في أناقة ورقي في رقي .بينما على العكس من ذلك فالمناطق التي تحت سلطة البوليساريو والجزائر هي مناطق التوحش والقفار والبؤس المفتعل، كما يعبر عن ذلك ابن خلدون.فلا حضارة ولا بناء ولا تشييد ولا طرق ولا شيء.

فهل يا ترى يقاس الخلاء بالملاء، وهل يكون من الأولى الانضمام إلى بلد الخير والرخاء أم التشبث بوهم الشر والشقاء؟.

ولو شئنا ومن غير مبالغة قلنا :بأن ما يحدث في صحرائنا المغربية العزيزة من تحديث وتطوير وتجميل أفضل بكثير مما يحدث في المدن الرئيسية للجزائر المحتضنة للانفصاليين والزاعمة الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم.ف" أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟ ".والله الهادي إلى الحق والصواب.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

عباس علي مراد

حرائق الغابات الاسوأ، اسعار الكهرباء الأعلى، انخفاض مستوى الامطار المتساقطة في جنوب شرق أستراليا بنسبة 12% عن معدلها السنوي العام منذ عام 1990 وذلك حسب مكتب الأرصاد الجوية ألأسترالية، عواصف وفيضانات، ارتفاع منسوب مياه البحر وارتفاع درجات الحرارة منذ عام 1910 بمعدل 1.44 درجة وما تزال ترتفع حسب تقرير لعلماء المناخ الحكوميين، مع كل ذلك مازال هناك من يعتقد ان التغيرات المناخية ترف وخيال علمي سواء كان داخل حزب الاحرار او داخل حزب العمال او من منظري الأعلام وغيرهم ممن ينكرون الحقائق العلمية.

 على الرغم من الأنقلابات السياسيه التي وقعت في البلاد منذ العام 2010 سواء داخل كلا الحزبين او ضد بعضهما البعض، والتي لا تزال تداعياتها وتاثيراتها بادية للعيان إقتصادياً أو مالياً التي ظهرت جلية بعد إنتشار وباء كورونا الذي شكل ورقة التوت التي غطت على تلكؤ الحكومات المتعاقبة وخصوصاً حكومات الاحرار التي ترأسها كل من طوني أبوت ومالكلوم تيرنبول وصولاً الى سكوت موريسن، بالإضافة الى عدم وجود معارضة فعالة كانت تُجاري الحكومة في سياساتها خشية إغضاب الناخبين وخوفأ من ردة فعلهم في صناديق الإقتراع.

 رئيس الحكومه سكوت موريسون ما زال حتى تاريخه يرفض وضع جدول زمني للوصول الى نسبة صفر انبعاث حراري، رغم ان دولاً مثل بريطانيا، فرنسا، كوريا الجنوبية، اليابان، كندا والمانيا حددت العام 2050 كسقف زمني لذلك الهدف، وحتى ان الصين من جهتها حددت العام 2060 لتحقيق هذا الهدف، الولايات المتحدة التي تخلي رئيسها الحالي دونالد ترامب عن الاتفاقيات المتعلقه بالقضايا المناخيه والحد من انبعاث الكربون كإصراره على إنكار نتائج الانتخابات وفوز جو بايدن قد تعود مع الرئيس المنتخب لتبني سياسة جديدة مختلفه في ما يتعلق بقضايا المناخ والانبعاث الحراري والتغييرات المناخية وصولا الى صفر انبعاث للكربون العام 2050.

موريسن وله اسبابه السياسيه يحاول الهروب الى الامام  لحساسية الموضوع وتأثيره على زعامته، حيث ما يزال شبح طوني أبوت رئيس الوزراء الأسبق يخيم على الوضع في كنبرا كما يقول بيتر هارتشر محررالشؤون السياسية في صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد، وقد بنى ابوت نجاحه السياسي على معارضة أي سياسة للحد من انبعاث الكربون رغم انه وافق على اتفاقية باريس، وكان ابوت قد نجح في إسقاط مالكوم تيرنبول (أحرار)  وجوليا غيلارد (عمال).

 موريسن لتجنب الانتحار السياسي يتحدث عن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثه وتعهد بالالتزام بما جاء في اتفاقيه باريس والتي تتطلب عشرات السنوات الاضافية للوصول الى نسبة صفر من الإنبعاث الحراري في أستراليا بعد العام 2050.

 طبعا الاسباب السياسيه تتقدم على ما عداها، لان موريس والذي ادخل معه حجر الفحم الى البرلمان قبل سنوات يعرف ماذا يدور في اذهان زملائه في حزب الاحرار، ولتجنب المصير المحتوم يتبع المبدا القائل (لم تمت ولكن الم ترى من مات) ويمارس التقيه السياسيه، وهو الذي وصف نصره الانتخابي عام 2018 بالمعجزه، لانه يعرف كيف يغازل جناح اليمين داخل حزب الاحرار ولديه اسلوبه التجاري في الترويج لسياسته لدى الناخبين كشعار الوظائف أولا.

والاكثر غرابة في الموضوع  وبعكس موقف سكوت موريسن فإن كل الولايات والأقاليم الأسترالية قد تعهدت للوصول الى نسبة صفر انبعاث حراري بحلول عام 2050. وكانت حكومة ولاية نيو سوث ويلز(أحرار)  اعلنت عن خطة جديدة للأستثمار في مجال الطاقة المتجددة بقية 32 مليار دولار.

 وفي القطاع الخاص اعلنت شبكة متاجر ولوورث عن التزامها بتزويد جميع متاجرها بالطاقة الشمسية، وكان اغنى رجل أعمال في أستراليا اندرو فورست قد اعلن ومن العاصمة كانبرا عن وضع خطة لجعل شركته أكبر مورد للطاقة المتجددة في العالم.

 زعيم حزب العمال انطوني البانيزي والذي وصل الى زعامة الحزب بعد الهزيمة المدوية لحزب العمال في الانتخابات العام 2018 والتي كانت كل استطلاعات الراي تشير الى ان الحزب سيربحها  بسهولة.

  البانيزي يتعرض لنيران حزبية صديقة، وهو في وضع لا يحسد عليه وهناك حديث في الغرف الحزبية المغلقة عن امكانيه استبداله قبل الانتخابات الفدرالية القادمة، لان إداءه لا يلاقي  تجاوب من الناخبين، ومما زاد الامور سوءاً استقالة وزير الزراعة في حكومة الظل جويل فيتزغيبن بسبب سياسية الحزب من التغيرات المناخيه والحد من الانبعاث الحراري، والتي يعارضها في فيتزغيبن الذي دعى الى استقالة الناطق باسم المعارضة لشؤون التغيرات المناخيه مارك باتلر لانه خسرالانتخابات الفيدراليه مرتين.

 فيتزغيبن العضو في جناح اليمين من حزب العمال قال ان لا طموح قيادي لديه، وانه لن يتحدي زعامة البانيزي عضو جناح اليسار في الحزب، ولكنه تمنى على زعيم الحزب الاستماع الى نصائحه لإجتذاب الناخبين من عمال المناجم والذين تخلوا عن الحزب في الانتخابات الاخيرة.

المضمر المعلن او المعلن المضمر، ما هو إلا دليل على الوضع المتشنج داخل حزب العمال، حيث تسربت معلومات عن مشدات كلامية حامية ونابية بين وزراء حكومة الظل الذين انقسموا بين مؤيد لفيتزغين ومعارضين له، مما خفف عن الحكومة تداعيات مواجهة فضيحة التحرش الجنسي التي بثها تلفزيون أي بي سي في برنامج الزوايا الاربع (فور كورنر) الأثنين 9/11/2020 وطاولت إثنين من وزرا الحكومة البارزين الن تادج وزير الهجرة بالوكالة ووزير الإدعاء العام الفيدرالي كيرستشن بورتر.

وتحدثت الموظفة في مكتب تادج راشيل ميلر للبرنامج عن تصرفات غير مقبولة من الوزير رغم انها اقرت ان العلاقة الجنسية التي أقامتها مع الوزير كانت برضى الطرفين.

الوزيرتادج اعتذر عن تصرفاته والتي اعتبرها غلطة العمر  والتي انهت زواجه  من  زوجته السابقة بعد 20 سنة، والجدير ذكره أيضاً ان ميلر كانت متزوجة عندما اقامت العلاقة مع الوزير.

الوزير بورتر من جهته هدد باتخاذ اجراء قانوني ضد قناة أي بي سي ودخل في نقاش مع رئيس الوزراء السابق مالكوم تيرنبول الذي قال انه حذره من تصرفاته وانكر بورتر مناقشة الموضوع مع رئيسه السابق.

إذن، بما ان الحياة السياسية بدأت تعود الى طبيعتها بعد ان تجاوزت البلاد الخطر الصحي من خلال احتواء وباء كوفيد ،19 والاتفاق على فتح الحدود بين الولايات قبل الاعياد ( كان هذا قبل إغلاق ولاية جنوب أستراليا مجدداً)

عليه فإن التحديات القديمة الجديدة ستعود لتتصدر المشهد السياسي وفي مقدمتها التغييرات المناخية وتأمين الطاقة المستديمة، الى جانب تأمين الوظائف لما يقارب مليون ونصف المليون مواطن العاطلين من العمل، وكيفية مقاربة العلاقة مع الصين أكبر شريك تجاري لأستراليا، تلك العلاقة التي ما زالت تتراجع بسبب الخلافات بين الصين وأستراليا حول قضايا تختلف مواقف البلدين منها وحولها كالوضع في هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي ومنع شركة هاواوي ألصينية للأتصالات من المشاركة في بناء شبكة الجيل الخامس من الهواتف النقالة في أستراليا  ومطالبة أستراليا بتشكيلل  لجنة تحقيق دولية في كيفية انتشار وباء كوفيد 19 وغيرها.

 

عباس علي مراد - سدني

 

 

 

محمد سعد عبداللطيفأخشي ما اخشاه أن يأتي اليوم الذي تصبح فية  الخيانة وجهة نظر. في الماضي كانت تمارس علينا سياسات التجهيل ألان نمارس علي انفسنا تصديق كل الخداع الاعلامي . والنتيجة

واحدة  في مذكرات (شيمون بيريز) ماذا قال عن مناحم بيجين . بعد زيارة السادات للقدس قال بيجين رئيس الوزراء الاسرائيلي . اننا جعلنا العرب ييأسون من الضغط علينا بواسطة اﻷمم المتحدة ثم جعلناهم ييأسون من الأتحاد السوفيتي . والآن يجب أن نجعلهم  ييأسون من أنفسهم وعندما يتم ذلك سوف يدركون انة ليست أمامهم وسيلة غير التوجة الي إسرائيل مباشرة وقبول ما تعرضة عليهم لقد صدق (بيجين) عام 1978م في المؤتمر الأول للخيانة في فندق ميناهاوس.  ومفاوضات السلام  في الأسماعيلية وحضر الوفد المصري في غياب كل الاطراف من الخارجية الامريكية  والاتحادالسوفيتي. والعرب .لقد حاولت إسرائيل ان تسقط  ثلاث مصادر للخطر  العربي علي اسرائيل .

اولا .تيار القومية الجارف في فترة الخمسينيات  والستينيات وثانيا ؛ دول المجاورة  سوريا  ومصر ثالثا الخوف من التنظيمات السياسية والعسكرية المنظمة .وخروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي .وجعلها دولة حبيسة داخل حدودها .لقد  حاولت  امريكا بإعتراف (هنري كيسنجر) إذا  ظلت مصر فكرة  وتيارا وحركة تاريخية فإنة هو الذي سوف يكون في حاجة  إليها لحل أزمة الشرق الأوسط آما إذا تحولت الي مجرد دولة  داخل حدودها سوف تحتاج الي الأمريكان لحل الأزمة في مصر . إن المآساة  الوطنية الحقيقة هي عمل وجهها الأول علي الإنتماء القومي اولا  الألتزام الديني لكننا ركبنا  القومية لمحاربة الدين وسخرنا الدين لمحاربة القومية .ولم

نتعلم ولم ندرك ما أدركتة قوميات  آخري  مثل التركية والايرانية.التي لعبت في الفترة الحالية دورا مهما في الصراع الدائر في المنطقة .لقد نجح  بن جوريون  في تأسيس كيان .ونجح نتنياهو في تشكيل بناء  دولة .من عناصر لها من القومية . في عالم عربي أصبح كلمة  القومية العربية جريمة .ساعد علي ذلك بعض الأفكار من جماعات ريداكالية أصولية .وساعدهم النظام في الحقبة الساداتية .في الجامعات والنقابات العمالية ليس حبا فيهم ولكن لضرب التيار القومي .في هذة الفترة لتوطيد حكمه .لذلك ضاع العرب في وسط قوميات محيطة بهم وطالبت حركات قومية داخل أطار الدول العربية بالإنفصال. ومع صعود (جوبايدن) الحزب الديمقراطي .في الأنتخابات الأمريكية .هل ستعود تركيا الي أطماعها العثمانية الجديدة .الي لعب دور أكبر في المنطقة .بعد فترة من حالة الجمود والصراع مع إدارة ترامب . ويصعد ناتجها القومي من 850 /مليار الي أكثر من تريليون .في ظل تراجع دول الخليج النفطية .وتصعد إيران مرة أخري .مع الإدارة الجديدة التي لعب الحزب الديمقراطي في إدارة باراك أوباما في عقد معاهدة (لوزان 5+1) بالنسبة للملف النووي . وهنا يطرح سؤال لماذا يخشي العرب من صعود بايدن؟ وصعود التيارات الاسلامية .مع الإدارة الأمريكية الجديدة .

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية