 أقلام حرة

الثدي الشاهد العصي

هنا في المزبلة، مكب القمامة.. او لنقل مصب تجميع النُّفاياتِ.. وفضلات الطَّعام.. والأَزبال من الشّوارع.. والمنشآت الصناعية.. و.. و.. وما ادراك ما المزبلة.. واكداسها المتراكمة، الكل استوى في البؤس وتقَمّم القمامات.. وتتبّعها مستقصيا محتوياتها الطفل و الصبي، و الشابة، و الشاب، والعجوز، والكهل، والمسن، الصحيح، والمعتل.. والكلاب، والدجاج، والقطط،، والعصافير، والحمام وحتى الخنازير.. باختصار شديد استوى فيها الإنسان والحيوان، والطيور.. الكل هنا على حد السواء يبحث عن قوته في اكداس القمامة وبين النفايات.. ويقتات من ذات المزبلة.. والكل يتجول بين اكداسها بين نابش ومبربش من دون كمامات.. ومن دون قفازات حتى في هذا الزمن الغضوب.. الزمن الرديء.. زمن الوباء الفتاك.. الوباء القاتل.. زمن اللصوصية.. الاستيلاء على أملاك الغير.. وعلى أموال الآخرين المنقولة.. والممتلكات الشَّخصيّة بقصد الاستئثار بها.. أو بمنافعها دون موجب حق.. او شرائها بثمن يساوي 4.3 من ثمنها الحقيقي وما يعنيه المليم الرمزي.. تحت ستار المصلحة العامة.. في حين انها مصدر الرزق الوحيد لأصحابها.. زمن معتوه، زمن انا و الطوفان من بعدي.. زمن الانانية وعشق الاموال.. والتجارة بالبشر.. وبأعضائهم.. زمن المخدرات والزطلة.. زمن الاحتجاج حرقا.. زمن رمي البشر في عرض البحر وربما المحيطات هروبا من الفقر.. و التهميش.. والظلم.. وعدم الانصاف.. وفقدان العدالة الاجتماعية.. زمن الحرب .. زمن تنكر الابناء للأولياء.. زمن قطع صلة الرحم.. زمن ضاع الصالح فيه وسط الطالح.. زمن المتناقضات.. وكأنهم اتفقوا بعد ان تكاتلوا، و اتحدوا على رفع راية العصيان في وجه الوباء.. و في وجه الحكومة.. و في وجه وزارة الصحة.. و رجالها الشرفاء.. وكأني بالجوع اصبح سيد الموقف.. رافعا راية النصر صارخا متعنجها.. متعجرفا.. متعنتا في غرور وكبرياء قائلا: انا الجوع الكافر.. انا المنتصر.. انا السيد الحاكم، و الآمر الناهي.. لا قانون يعلو على قانوني.. ولا دستور يعلو على دستوري.. وكأني بالزبالة تقول متفاخرة انا سيدة المؤن.. وصاحبة مفاتيح المخازن الغذائية.. وصاحبة الرأي السديد في هذا المجتمع الذي ترونه موبوءا.. وصديقة الجائعين.. زبائني.. و حرفائي الباحثين عن القوت و الغذاء و اللباس.. و.. و.. انا ممولة تجار الخردوات الصغار منهم و الكبار.. في رحاب مندرتي " البيدر" التي لا تنضب مما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة الزائفة.. الحياة الزائلة.. حياة التباهي و التفاخر.. هذا المشهد المؤلم الذي يوحي اليك بوجود الطبقية الماجنة.. التي ما تصورتها حتى في خيالك اصبح مألوفا.. لا يستنكره الجائع.. ولا الفقير.. ولا المحتاج.. والفقر درجات.. و لا الفئة الوسطى من الطبقات الاجتماعية .. ولا الاثرياء المترفين.. أولئك المترفهين.. إلا ان ما لفت الانتباه هو ذاك الثدي العصي الذي لم يرم مكانه الاصلي خلف الفستان البالي.. هذا الثدي الموقر المحترم أبى الا ان يكون شاهد عيان على سوء الوضع الاجتماعي ومشاركا صاحبته في البحث عن القوت.. ومعرفة منبع، ومصدر غذائه وتغذيته.. لذا كان كلما ارجعته صاحبته الى مكانه الاصلي.. الا وخرج مطلا.. رغم البرد الشديد وزمهرير الشتاء عاصيا.. متعنتا عليها.. ومحتجا على الوضع الرديء الذي تعيشه بعد الثورة المرأة المعوزة.. والطبقة الفقيرة.. والشريحة المدقعة.. المهمشة.. فينزلق مثل الولب صغير الكنغر من فتحة الفستان لأن لا حمالة صدر لها تشكمه وتحميه.. كأني به اصر على ان يقول على لسان حال صاحبته "الجوع كافر" وان يفضح الواقع المرير الذي تعيشه صاحبته ومثيلاتها ، في هذا الشتاء وبرده القارس ولياليه القاسية.. و ايامه القر.. نعم اشرفنا على اكل الضلف كما قال بعضهم "اشرفنا على اكل الضلف" ذاك الذي خاله الشعب خرف او جاء من عصر السلف بعد ان كشف حقيقتهم وعرّى نواياهم وجشعهم وما يبيتون لنا.. من استثراء بأموالنا وملح ماء عرقنا.. وضحك اغلبنا على كلامه واستهزأنا به بل استخففنا بعقله.. ولكن ها نحن نعيش الحقيقة الملموسة وما قاله.. وما هذه المراة الا عينة من الشعب البسيط.. الشعب الفقير المدقع، الشعب المهمش.. المعوز. لقد تعرت الحقيقة المؤلمة التي جاهدت بعض طبول وصنوج الاشداق المغلفة بطواقم اسنان من الذهب.. بعد ان كانت مغلفة بصدئ الفقر.. لمغالطة الواقع وبلورته للشعب الذي يعيشه اغلبه دون ان تقصد ذلك.. هذا المجتمع الذي كثرت فيه الطبقية.. حتى اصحاب جرايات التقاعد بعد إفنائهم لسنوات الشباب ربيع الحياة من اعمارهم بين جدران مكاتب الحكومة.. وبين سياط ظلم بعض المسؤولين الاداريين.. ودكتاتوريتهم.. وجبروتهم.. وصلفهم.. اليوم بعد غزو الشيب المفارق.. و المرض الاعضاء والمفاصل.. و المرافق.. وبعد احالتهم على التقاعد اصبحوا مهددين بالجوع.. و التشرد وذلك بقطع جراياتهم.. حر مالهم المجمد امانة لدى الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية وهو المؤتمن عليه حتى انه وقع الاقتطاع من رواتبهم.. وكاني بالدولة أصبحت تعتبرهم كالشيء الزائد عن المطلوب.. و الحاجة.. الفائض الغير مرغوب فيه.. لذا لا بد من الاستحواذ على جراياتهم.. و الإلقاء بهم في عرض البحر كنفايات البوارج الحربية.. التدهور الاقتصادي الذي نعيشه لا دخل للمتقاعدين فيه؟!!!.. وليسوا هم المتسببين فيه حتى يعاقبوا بمثل هذا العقاب العسير.. عقاب الخائنين للدولة.. عقاب من لم يدفع الضرائب و لا الجباية.. ما نحن فيه من تدهور اقتصادي رغم المال الذي ضخ على تونس ابان الثورة واثناء الكوفيد-19.. لقد تسببت فيه الزيادات المجنونة الارتفاع.. الزيادات الهستيرية الغير مدروسة.. اما عن الحضر الصحي الشامل ليس من المعقول في شيء ان نحتج به لان المنطق يقول اغلقوا الحدود إبان ظهور الوباء.. لتبق عجلة الاقتصادي الداخلي دائرة دون توقف.. و حرارته ترتفع.. وترتفع.. لا ان تفتح الحدود.. وتعرقل عجلة الاقتصاد.. الذنب ليس ذنب المتقاعدون.. بل ذنب سوء التصرف.. وقلة الخبرة في التدبير.. وفقدان الحكمة في التسيير.

 

الكاتبة فوزية بن حورية

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5046 المصادف: 2020-06-29 02:43:59