 أقلام حرة

القضاء والبرلمان.. السرقة لم تعد عيباً

سليم الحسنيمع بداية تشكيل العملية السياسية اهتم (بول بريمر) كثيراً بالسلطة القضائية، فصممها بمقاسات خاصة، ولم يرجع الى بلاده، إلا بعد أن اطمأن بأنه أرسى قوائم الخلل في المؤسسة القضائية العراقية.

تغيرت الحكومات وتعددت الانتخابات وتشكل أكثر من برلمان وأكثر من سلطة تنفيذية، لكن القضاء لم يمسه التغيير، إنما جرت عليه لمسات شكلية بسيطة، فقد بقي دوره ثابتاً كما أرادت أمريكا، ليعمل على توفير أجواء الخراب المستدام.

يشكو قادة الكتل من الوضع المتردي في العملية السياسية، لكنهم لا يقتربون خطوة واحدة جادة من القضاء. فعند هذه الجهة يلتزمون الصمت العملي، ويُخيم عليهم الجمود الفعلي، وينقطع الخطاب.

القضاء في العراق ليس سلطة من سلطات الدولة، إنه كتلة سياسية من نوع خاص، كتلة لا تشارك في الانتخابات، ولا تخضع للدستور ولا تدخل في تحالفات، فهي فائزة على الدوام، وهي محمية من قبل السفارة الأميركية، فمن يجرؤ بعد ذلك على الاقتراب منها؟.

لقد استطاع القضاء بعد سنوات عمل مضنية، أن يصل بالمواطن العراقي الى حالة اليأس من استرداد حقوقه، كما انه تمكن بمثابرته المشهودة أن يحمي جماعات الفاسدين من الوزراء والوكلاء والمدراء والنواب والقادة الأمنيين من الملاحقة والحساب.

 مع السنوات صار الفساد في العراق عملاً لا يخالف القانون من الناحية التطبيقية. فالتزوير والسرقة والاختلاس ممارسات يمكن للمسؤول والنائب أن يقوم بها وبضمانة صامتة من القضاء بعدم ملاحقته. وإذا استدعى الأمر في بعض الحالات ـ وهي نادرة ـ الى متابعة، فيُصار الى إجراءات شكلية لا قيمة لها.

في الدورة البرلمانية التي لا نزال فيها (٢٠١٨) بدأها عادل عبد المهدي ومحمد الحلبوسي في السعي لتحرير الفساد من قيوده الأخلاقية، وذلك بجعله ممارسة مألوفة لا تُعيب مرتكبها.

فقد جرت صفقات الفساد مكشوفة في بيع الوزارات وكان أبرز رجالها (محمد الحلبوسي ومحمد الهاشمي /أبو جهاد)، ونجحتْ جهودهما في تمرير الصفقات وتسهيلها مع الكتل السياسية السنية والشيعية. (الكتل الكردية لها طريقتها الأكثر تطوراً في السرقة).

إن إخراج السرقة من منظومة (العيب)، وجدتْ استحساناً من القيادات والكتل السياسية فهي تختصر عليهم الطرق الملتوية، ويصبح الكلام مباشراً في مساومات البيع والشراء.

ملفات الفساد القضائي لو انتشرت فانها ستكون جبلاً من الأوراق والرشا والصفقات والاحتيال، وسيقف في قباله جبل شاهق من المآسي التي صنعها الفساد.

حكايات طويلة وقصص ووثائق ودموع، تتجول في الشوارع، تدور في بيوت الفقراء، يعرفها الكثير من الناس، الكثير من الإعلاميين، لكنهم يحذرون من الكلام، فالقضاء العراقي له سطوته، إنه سيف الأقوياء على الضعفاء.

 

سليم الحسني

٢٨ أيار ٢٠٢٠

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5014 المصادف: 2020-05-28 12:51:47